page 4752, entry [1676]Open original source
ذكر الخبر عن حرب المهلب للأزارقة * ذكر الخبر عن أمرِه وأمرِهم فيها: ولمَّا صار بِشْر بالبصرة كتب عبدُ الملك إليه - فيما ذكر هشام عن أبي مِخنَف، عن يونسَ بن أبي إسحاق، عن أبيه: أما بعد، فابعث المهلَّب في أهل مصر إلى الأزارقة، ولْينتخب من أهلِ مِصْره وجوههم وفُرسانهم وأولي الفَضْل والتجربة منهم، فانَّه أعرف بهم، وخَلّهِ ورأيه في الحرب، فإني أوثَقُ شيء بتجربته ونصيحتهِ للمسلمين. وابعثْ من أهل الكوفة بعْثًا كثِيفًا، وابعثْ عليهم رجلًا معروفًا شريفًا، حسيبًا صليبًا، يُعرَف بالبأس والنَّجْدة والتَّجربة للحَرْب، ثمّ أنهِضْ إليهم أهلَ المِصْرين فليتبعوهم أيَّ وجهٍ ما توجَّهوا حتَّى يُبيدَهم الله ويستأصلَهم، والسلام عليك. فدعا بِشْرٌ المهلَّبَ فأقرأه الكتاب، وأمره أن ينتخب مَنْ شاء، فبعث بجُديع بن سَعيد بن قَبِيصة بن شراق الأزْدي - وهو خالُ يزيدَ ابنِه - فأمره أن يأتي الدّيوان فينتخب الناسَ، وشقّ على بشر أنّ إمرَة المهلَّب جاءتْ مِن قِبَل عبد الملك، فلا يستطيع أن يبعث غيره، فأوغرتْ صدرَه عليه حتَّى كأنَّه كان له إليه ذنب، ودعا بِشر بنُ مروانَ عبدَ الرحمن بنَ مِخنْفَ فبَعثه على أهل الكوفة، وأمره أن ينتخب فُرسانَ الناس ووجوهَهم وأولي الفَضْل منهم والنَّجدة (١) (٦/ ١٩٦). قال أبو مخنَف: فحدّثني أشياخ الحيّ، عن عبد الرحمن بن مِخنَف قال: دعاني بِشر بنُ مروان فقال لي: إنَّك قد عرفتَ منزلتَك منّي، وأثَرَتك عندي، وقد رأيتُ أن أولِّيَك هذا الجيش للَّذي عرفتُ من جزئك وغنائك وشَرفِك وبأسِك، فكن عند أحسن ظني بك، انظرْ هذا الكذا كذا - يقع في المهلب - فاستبدّ عليه بالأمر، ولا تقبلنّ له مشورة ولا رأيًا، وتنقَّصْه وقَصِّر به.قال: فترَك أن يُوصِيني بالجُنْد، وقتالِ العدُوّ، والنَّظر لأهل الإسلام، وأقبل يُغرِيني يا بن عمتي كأني من السُّفهاء، أو ممَّن يُستَصْبي ويُستجهَل، ما رأيتُ شيخًا مِثْلي في مِثْل هيئتي ومنزلتي طُمِع منه في مِثلِ ما طَمع فيه هذا الغلامُ مِنّي، شَبَّ عمرو عن الطَّوْق. قال: ولمَّا رأى أني لستُ بالنَّشيط إلى جوابه قال لي: ما لَك؟ قلتُ: أصلحكَ الله! وهل يَسعني إلا إنفاذ أمرك في كلّ ما أحببت وكرهت! قال: امضِ راشدًا، قال: فودّعتُه وخرجتُ من عنده، وخرج المهلَّب با أهل البصرة حتَّى نزل رامَهُرْمُز فلقيَ بها الخوارج، فخندق عليه، وأقبل عبدُ الرحمن بنُ مخنف بأهل الكوفة على ربع أهل المدينة معه بِشْر بنُ جريرِ، وعلى ربع تميم وهَمْدان محمَّد بن عبدِ الرحمن بن سعيد بن قيس، وعلى ربع كِنْدَة وربيعةَ إسحاقُ بن محمَّد بن الأشعث، وعلى ربع مَذحِج وأسَد زَحْر بن قيس، فأقْبَل عبدُ الرحمن حتَّى نزل من المهلَّب على مِيل أو ميل ونصف، حيث تراءى العسكران برَامَهُرْمُز، فلم يلبث الناسُ إلا عشرًا حتى أتاهم نعيّ بِشر بن مروان، وتُوفيَ بالبصرة، فارفضَّ ناس كثيرٌ من أهل البصرة وأهلِ الكوفة واستخلف بشر خالدَ بنَ عبد الله بن أسيد، وكان خليفته على الكوفة عمرو بن حُرَيث، وكان الَّذين انصرفوا من أهل الكوفة زَحْر بن قيس وإسحاق بن محمَّد بن الأشعث ومحمَّد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس، فبعث عبدُ الرحمن بنُ مخنف ابنَه جعفرًا في آثارهم، فردّ إسحاق ومحمَّدًا، وفاتَه زحْر بن قيس، فحبسهما يومين، ثمّ أخذ عليهما ألّا يفارقاه، فلم يلبثا إلا يومًا حتى انصرفا، فأخذا غير الطريق وطُلبا فلم يُلحقَا، وأقبَلا حتى لحقا زَحْر بنَ قيس بالأهواز، فاجتمع بها ناس كثير ممَّن يريد البصْرة، فبلغ ذلك خالد بن عبد الله، فكتب إلى الناس كتابًا، وبعث رسولًا يضرب وجوهَ الناس ويردّهم، فقدم بكتابه فولىً له، فقرأ الكتاب على الناس؛ وقد جُمِعوا له: بسم الله الرّحمن الرحيم، من خالد بنِ عبد الله، إلى من بلغه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين سلامٌ عليكم، فإني أحَمد إليكم الله الَّذي لا إله إلّا هو، أمَّا بعد، فإنّ الله كتب على عباده الجهاد، وفرض طاعةَ وُلاةِ الأمر، فمن جاهد فإنَّما يجاهد لنفسه، ومن ترك الجهادَ في الله كان الله عنه أغنى، ومن عَصى ولاةَالأمر والقَوّام بالحق أسخَط الله عليه، وكان قد استحقّ العُقوبة في بشره، وعرّض نفسَه لاستفاءَة مالِه وإلقاء عطائه، والتسيير إلى أبعد الأرض وشَرّ البلْدان، أيّها المسلمون! اعلموا على من اجترأتم ومن عصيتم؟ ! إنَّه عبدُ الملك بن مروان أميرُ المؤمنين، الذي ليست فيه غَمِيزة، ولا لأهل المعصية عنده رُخْصة، سوْطه على من عَصى، وعلى من خالَف سيفُه، فلا تجعلوا على أنفسكم سبيلًا، فإني لم آلُكُم نصيحةً، عبادَ الله، ارجِعوا إلى مَكْتبِكم وطاعةِ خليفتِكم، ولا ترجِعوا عاصِين مخالِفين فيأتيَكم ما تكرهون، أقسِم بالله لا أثقَف عاصيًا بعد كتابي هذا إلا قتلتُه إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله. وأخَذَ كلما قرأ عليهم سطرًا أو سطرين قال له زحْر: أوْجز؛ فيقول له مولى خالد: واللهِ إني لأسمع كلامَ رجل ما يريد أن يفهم ما يَسمع، أشهدَ لا يعيج بشيء مما في هذا الكتاب، فقال له: اقرأ أيها العبد الأحمر ما أمِرتَ به، ثم أرجع إلى أهلك، فإنك لا تدري ما في أنفسنا. فلما فرغ من قراءته لم يلتفت الناسُ إلى ما في كتابه، وأقبَل زَحْر وإسحاقُ بن محمد ومحمد بن عبد الرحمن حتى نزلوا قرية لآل الأشعث إلى جانب الكوفة، وكتبوا إلى عمرو بن حُرَيث: أما بعد، فإنّ الناس لمّا بلغَهم وفاةُ الأمير رحمةُ الله عليه تفرّقوا فلم يثق معنا أحد؛ فأقبلنا إلى الأمير والي مصرِنا، وأحببنا ألّا نَدخل الكوفة إلّا بإذن الأمير وعلمه. فكتب إليهم: أما بعد، فإنكم تركتم مكْتَبكم، وأقبَلتم عاصين مخالفين، فليس لكم عندنا إذْن ولا أمان. فلما أتاهِم ذلك انتَظروا حتى إذا كان الليل دخلوا إلى رحالهم، فلم يزالوا مقيمين حتى قدِم الحجاج بن يوسف (١). (٦/ ١٩٦ - ١٩٩).