page 4660, entry [1652]Open original source
ذكر الخبر عن بعث المختار جيشه للمكر بابن الزّبير قال أبو جعفر: وفي هذه السنة بعث المختارُ جيشًا إلى المدينة للمكْر بابن الزبير، وهو مُظهِر له أنَّه وجَّههم مَعُونَةً له لحرب الجيش الَّذي كان عبد الملك بن مروان وجَّهه إليه لحروبه، فنزلوا واديَ القُرى. * ذكر الخبر عن السبب الداعي كان للمختار إلى توجيه ذلك الجيش وإلى ما صار أمرهم:قال هشام بن محمَّد: قال أبو مخنف: حدّثني موسى بن عامر، قال: لمَّا أخرج المختارُ بن مطيع من الكوفة لَحق بالبَصرة، وكره أن يقدم ابن الزبير بمكَّة وهو مهزوم مفلول، فكان بالبَصرة مقيمًا حتَّى قدم عليه عمرُ بنُ عبد الرحمن بن هشام، فصارا جميعًا بالبصرة، وكان سبب قدوم عمرَ البصرة أنّ المختار ظهر بالكوفة واستجمع له الأمر وهو عند الشِّيعة إنَّما يدعو إلى ابن الحنفيَّة والطلب بدماء أهل البيت، أخذ يخادع ابنَ الزبير ويكتب إليه، فكتب إليه: أمَّا بعد، فقد عرفتَ مُناصَحتي إيَّاك وجَهدي على أهل عَداوَتِك، وما كنتَ أعطيتني إذا أنا فعلتُ ذلك من نفسك فلمَّا وفَيتُ لك، وقضيتُ الَّذي كان لكَ عليّ، خِسْتَ بي، ولم تَف بما عاهَدتني عليه، ورأيت منّي ما قد رأيت، فإن تُرد مراجعتي أراجِعك، وإن تُرد مُناصحتي أنصح لك. وهو يريد بذلك كفَّه عنه، حتَّى يَستجمِع له الأمر، وهو لا يُطْلع الشِّيعة على شيء من هذا الأمر، وإذا بلغهم شيء منه أراهم أنَّه أبعد الناس عن ذلك. قال: فأراد ابن الزبير أن يَعلم أسِلْم هو أم حرب! فدعا عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزوميّ، فقال له: تجهَّزْ إلى الكوفة فقد ولَّيناكَها، فقال: كيف وبها المختار! قال: إنَّه يزعم أنَّه سامع مطيع، قال: فتجَّهزَ بما بين الثلاثين الألف درْهم إلى الأربعين ألفًا، ثمّ خرج مقبلًا إلى الكوفة، قال: ويجيء عينُ المختار من مكَّة حتَّى أخبره الخبر، فقال له: بكم تجهّز؟ قال: بما بين الثلاثين ألفًا إلى الأربعين ألفًا. قال: فدعا المختارُ زائدةَ بن قدامة، وقال له: احمِل معك سبعين ألفَ درهم ضِعفَ ما أنفَق هذا في مسيره إلينا وتلقّه في المفَاوز، واخرج معك مسافر بن سعيد بن نمْران الناعطيّ في خمسمئة فارس دارعٍ رامح، عليهم البَيْض، ثمَّ قل له: خذ هذه النَّفقة فإنَّها ضعف نفقتك، فإنَّه قد بلغنا أنَّك تجهَّزتَ وتكلَّفت قدرَ ذلك، فكَرِهنا أن تغرم، فخذها وانصرف، فإن فعل وإلّا فأره الخيل وقل له: إنّ وراء هؤلاء مثلهم مئة كتيبة. قال: فأخذ زائدة المال، وأخرج معه الخيل، وتلقَّاه بالمَفاوز، وعرض عليه المال، وأمَرَه بالانصراف، فقال له: إنّ أمير المؤمنين قد ولّاني الكوفة ولابدّ من إنفاذ أمره، فدعا زائدةُ بالخيل وقد أكمنها في جانب، فلمَّا رآها قد أقبلتْ قال: هذا الآن أعذَرُ لي وأجملُ بي، هاتِ المالَ، فقال له زائدة: أمَّا إنَّه لم يبعث به إليك إلّا لما بينك وبينه، فدفعه إليه فأخذه ثمّ مضىراجعًا نحوَ البصرة، فاجتمع بها هو وابنُ مطيع في إمارة الحارث بنِ عبد الله بن أبي ربيعة، وذلك قبل وثوب المثنَّى بن مخرِّبة العبديّ بالبَصرة (١). (٦/ ٧١ - ٧٢). قال أبو مخنف: فحدّثني إسماعيل بن نُعيم أنّ المختار أخبِر أنّ أهل الشام قد أقبَلوا نحو العراق، فعَرَف أنه به يُبْدَأ، فخشى أنه يأتيَه أهلُ الشام من قبل المغرب، ويأتيَه مصعب بن الزبير من قِبَل البَصرةَ، فوادَعَ ابنَ الزبير وداراه وكايده؛ وكان عبدُ الملك بن مروانَ قد بعث عبد الملك بن الحارث بن الحكَم بن أبي العاص إلى وادي القرى، والمختار لابن الزبير مكايِدٌ موادع، فكتب المختار إلى ابن الزبير: أما بعد، فقد بلغني أنّ عبد الملك بن مروانَ قد بعث إليك جيشًا، فإن أحببتَ أن أمدّك بمدَدَ أمددتُك. فكتب إليه عبدُ الله بنُ الزبير: أما بعد، فإن كنتَ على طاعتي فلستُ أكره أن تبعث الجيشَ إلى بلادي وتبايعَ لي الناس قِبلك، فإذا أتتْني بيعتُك صدّقتُ مقالتَكَ، وكففتُ جنودي عن بلادك، وعَجِّل عليّ بِتسريح الجيش الّذي أنت باعثه، ومُرهم فليسيروا إلى مَنْ بوادي القرى من جُنْد ابن مروان فليقاتلوهم، والسلام. فدعا المختارُ شُرحبيلَ بن وَرْس من هَمدان، فسرّحه في ثلاثةِ آلاف أكثرهم الموالي، ليس فيهم من العرب إلّا سبعمئة رجل، فقال له: سرْ حتَّى تدخلَ المدينة، فإذا دخلتَها فاكتب إليّ بذلك حتَّى يأتيَك أمري؛ وهو يريد إذا دخلوا المدينة أن يبعث عليهم أميرًا من قبَله، ويأمرَ ابنَ ورس أن يمضيَ إلى مكَّة حتَّى يحاصرَ ابنَ الزبير ويقاتلَه بمكَّة، فخرج الآخر يسير قِبَل المدينة، وخشي ابن الزبير أن يكون المختار إنما يكيده، فبعث من مكّة إلى المدينة عباس بن سَهْل بن سعد في ألفين، وأمَرَه أن يستنفرَ الأعراب، وقال له ابنُ الزبير: إنْ رأيتَ القومَ في طاعتي فاقبل منهم، وإلّا فكايِدْهم حتَّى تُهلِكهم ففعلوا، وأقبَل عبَّاس بن سهل حتَّى لقي ابن ورس بالرقيم، وقد عبَّى ابن ورس أصحابَه، فجعل على ميمنته سَلمانَ بن حِميرَ الثَّوريّ من هَمْدان، وعلى مَيْسرته عيَّاش بن جَعْدةالجُدَليّ، وكانت خيلُه كلها في الميمنة والميسرة، فدنا فسلَّم عليه، ونزل هو يمشي في الرّجّالة، وجاء عباس في أصحابه وهم منقطعون على غير تعبية، فيجد ابن ورس على الماء قد عبّى أصحابه تعبية القتال، فدنا منهم فسلَّم عليهم، ثم قال: اخلُ معي هاهنا، فَخلَا به، فقال له: رحمك الله! ألستَ في طاعة ابن الزبير! فقال له ابن ورس: بلى، قال: فسرْ بنا إلى عدوّه هذا الَّذي بوادي القرى، فإنّ ابن الزبير حدّثني أنَّه إنَّما أشخصكم صاحبكم إليهم، قال ابن ورس: ما أمِرت بطاعتك، إنما أمِرت أن أسير حتى آتي المدينة، فإذا نزلتها رأيت رأيي، قال له عبَّاس بن سهل: فإن كنت في طاعة ابن الزبير فقد أمرني أن أسيرَ بك وبأصحابك إلى عدوّنا الَّذِين بوادي القرى، فقال له ابن ورْس: ما أمِرتُ بطاعتك، وما أنا بمتَّبعك دون أن أدخل المدينة، ثمَّ أكتب إلى صاحبي فيأمرني بأمره، فلمَّا رأى عبَّاس بن سهل لَجاجَتَه عرف خلافَه، فكَرِه أن يُعلمه أنَّه قد فطن له، فقال: فرأيك أفضل، اعمْل بما بدا لك؛ فأمَّا أنا فإني سائر إلى وادي القرى، ثم جاء عبَّاس بن سهل فنزل بالماء. وبعث إلى ابنَ ورْس بجزائرَ كانت معه، فأهداها له، وبعث إليه بدقيق وغنم مسلَّخة - وكان ابن ورس وأصحابه قد هلكوا جوعًا - فبعث عبَّاس بن سهل إلى كلّ عشرة منهم شاة، فذبحوها، واشتغلوا بها، واختلطوا على الماء. وترك القومُ تعبيتهم، وأمِن بعضُهم بعضًا؛ فلمَّا رأى عبَّاس بن سهل ما هم فيه من الشغل جَمَع من أصحابه نحوًا من ألفِ رجل من ذوي البأس والنَّجدة ثمّ أقبل نحو فسطاط شُرَحبيل بن وَرْس، فلمَّا رآهم ابنُ وَرْس مُقْبلين إليه نادى في أصحابه، فلم يَتوافَ إليه مئةُ رجل حتَّى انتهى إليه عبَّاس بن سهل وهو يقول: يا شُرْطةَ الله، إليّ إليّ! قاتلوا المُحِلِّين، أولياءَ الشيطان الرجيم، فإنَّكم على الحقّ والهدى؛ قد غَدَروا وفجروا (١). (٦/ ٧٢ - ٧٤). قال أبو مخنف: فحدّثني أبو يوسف أنّ عبَّاسًا انتهى إليهم، وهو يقول: أنَا ابن سهل فارسٌ غيرُ وَكَلْ ... أَرْوَعُ مِقْدَام إذا الكبشُ نَكَلْ وأعْتَلي رأْسَ الطِّرِمَّاح البطَلْ ... بالسّيف يومَ الرَّوْع حتَّى يَنْخزَلْقال: فوالله ما اقتتلنا إلّا شيئًا ليس بشيء حتى قُتل ابن ورس في سبعين من أهل الحفاظ، ورَفَع عبَّاسُ بن سهل رايةَ أمان لأصحاب ابن ورس، فأتَوْها إلّا نحوًا من ثلاثمئة رجل انصرفوا مع سَلَمانَ بن حمير الهمدانيّ وعياش بن جَعْدة الجدليّ، فلمَّا وقعوا في يد عبَّاس بن سهل أمر بهم فقُتِلوا إلا نحوًا من مئتي رجل، كره ناس من النَّاس ممَّن دُفِعُوا إليهم قتلهم، فخلَّوا سبيلهم، فرجعوا، فمات أكثرُهم في الطريق، فلمَّا بلغ المختار أمرُهُم، ورجع مَنْ رجع منهم، قام خطيبًا فقال: ألا إنّ الفُجَّار الأشرار، قتَلوا الأبرار الأخيار، ألا إنَّه كان أمرًا مأتِيًّا، وقضاءً مقضيًّا، وكتب المختار إلى ابن الحنفيَّة مع صالح بن مسعود الخَثعَمِيّ: بسم الله الرحمن الرحيم، أمَّا بعد، فإني كنت بعثتُ إليك جندًا ليُذلّوا لك الأعداء، وليحوزُوا لك البلاد، فساروا إليك حتَّى إذا أظلُّوا على طَيبَة، لقيهم جندُ المُلحِد، فخدعوهم بالله، وغرّوهم بعهد الله، فلمَّا اطمأنّوا إليهم، ووَثِقوا بذلك منهم، وثبوا عليهم فقتلوهم، فإن رأيتَ أن أبعثَ إلى أهل المدينة من قبَلي جيشًا كثيفًا، وتَبعثَ إليهم من قِبَلك رُسُلًا حتَّى يعلم أهلُ المدينة أني في طاعتك، وإنما بعثت الجند إليهم عن أمرك، فافعل، فإنَّك ستجد عظمهم بحقّكم أعرَف، وبكم أهل البيت أرأف منهم بآل الزبير الظّلمة الملحدين والسلام عليك. فكتب إليه ابنُ الحنفيَّة: أمَّا بعد، فإنّ كتابك لمَّا بلغني قرأتُه، وفهمتُ تعظِيمَك لحقّي، وما تنوي من سروري، وإنّ أحبّ الأمور كلِّها إليّ ما أطيع اللهَ فيه، فأطع الله ما استطعتَ فيما أعلنتَ وأسررت، واعلم أني لو أردت لوجدتُ الناس إليّ سراعًا، والأعوانَ لي كثيرًا، ولكني أعتزلهم، وأصبر حتى يحكم الله لي وهو خير الحاكمين. فأقبل صالح بنُ مسعود إلى ابن الحنفيَّة فودَّعه وسلَّم عليه، وأعطاه الكتاب وقال له: قل للمختار فليتَّقِ الله، وليكفُف عن الدّماء، قال: فقلت له: أصلَحَك الله! أوَ لم تكتبْ بهذا إليه! قال له ابن الحنفيَّة: قد أمرتهُ بطاعة الله، وطاعةُ الله تَجمَع الخيرَ كلَّه، وتنهَى عن الشرّ كلّه، فلمَّا قَدِم كتابُه على المختار أظهر للناسأني قد أُمِرتُ بأمر يجمع البرّ واليسر، ويَضَرْح الكُفْر والغَدْر (١). (٦/ ٧٤ - ٧٥).