page 4355, entry [1607]Open original source
ثم دخلت سنة ثلاثين ومئة ذكر خبر الأحداث التي كانت فيها * ذكر الخبر عن ذلك وسببه: ذكر أبو الخطاب أن دخولَ أبي مسلم حائط مَرْو ونزوله دار الإمارة التي ينزلها عمَّال خراسان كان في سنة ثلاثين ومئة لتسع خلوْن من جمادى الآخرة يوم الخميس، وأن السبب في مسير عليّ بن جُديع مع أبي مسلم كان أن سليمان بن كثير كان بإزاء عليّ بن الكرمانيّ حين تعاقد هو ونصر على حَرْب أبي مسلم؛ فقال سليمان بن كثير لعليّ بن الكرمانيّ: يقول لك أبو مسلم: أما تأنف من مصالحة نصر بن سيار، وقد قتل بالأمس أباك وصلبه! ما كنتُ أحسبك تجامع نصر بن سيار في مسجد تصليان فيه! فأدرك عليّ بن الكرمانيّ الحفيظة، فرجع عن رأيهوانتقض صلح العرب، قال: ولما انتقض صلحُهم بعث نصر بن سيار إلى أبي مسلم يلتمس منه أن يدخل مع مُضر، وبعثت ربيعة وقحطان إلى أبي مسلم بمثل ذلك، فتراسلوا بذلك أيامًا، فأمرهم أبو مسلم أن يقدم عليه وفد الفريقين حتى يختار أحدهما، ففعلوا، وأمر أبو مسلم الشيعة أن يختاروا ربيعة وقحطان؛ فإنّ السلطان في مُضَر، وهم عمال مروان الجعديّ، وهم قتلة يحيى بن يزيد، فقدم الوفدان؛ فكان في وفد مُضر عقيل بن معقل بن حسان الليثيّ وعبيد الله بن عبد ربه الليثيّ والخطاب بن محرز السُّلَميّ، في رجال منهم، وكان في وفد قحطان عثمان بن الكِرمانيّ ومحمد بن المثنى وسَوْرة بن محمد بن عزيز الكنديّ، في رجال منهم؛ فأمر أبو مسلم عثمان بن الكِرْمانيّ وأصحابه فدخلوا بستان المحتفز، وقد بسط لهم فيه؛ فقعدوا وجلس أبو مسلم في بيت في دار المحتفز، وأذن لعَقِيل بن معقل وأصحابه من وفد مُضر، فدخلوا إليه، ومع أبي مسلم في البيت سبعون رجلًا من الشيعة، قرأ على الشيعة كتابًا كتبه أبو مسلم ليختاروا أحد الفريقين؛ فلما فرغ من قراءة الكتاب، قام سليمان بن كثير، فتكلم - وكان خطيبًا مفوّهًا - فاختار عليَّ بن الكرمانيّ وأصحابه، وقام أبو منصور طلحة بن رزيق النقيب فيهم - وكان فصيحًا متكلِّمًا - فقال كمقالة سليمان بن كَثير، ثم قام مزيد بن شقيق السلميّ، فقال: مضر قتلة آل النبي ﷺ وأعوان بني أمية وشيعة مَرْوان الجعديّ، ودماؤنا في أعناقهم، وأموالنا في أيديهم، والتّباعات قبَلهم، ونصر بن سيار عامل مروان على خراسان يُنفذ أمورَه، ويدعو له على منبره، ويسميِّه أمير المؤمنين؛ ونحن من ذلك إلى الله بُراء وأن يكون مَرْوان أميو المؤمنين، وأن يكون نصرٌ على هدىً وصواب، وقد اخترنا عليّ بن الكرماني وأصحابه من قحطان وربيعة، فقال السبعون الذين جمعوا في البيت بقول مزيد بن شقيق. فنهض وفْد مضر عليهم الذّلة والكآبة؛ ووجَّه معهم أبو مسلم القاسم بن مجاشع في خيل حتى بلغوا مأمنهم، ورجع وفد عليّ بن الكرمانيّ مسرورين منصورين، وكان مقام أبي مسلم بآلين تسعة وعشرين يومًا، فرحل عن آلين راجعًا إلى خندقه بالماخُوان، وأمر أبو مسلم الشيعة أن يبتنوا المساكن، ويستعدوا للشتاء فقد أعفاهم الله من اجتماع كلمة العرب، وصيرهم بنا إلى افتراق الكلمة؛ وكان ذلك قَدَرًا من الله مقدورًا.وكان دخول أبي مسلم الماخُوان منصرفًا عن آلين سنة ثلاثين ومئة، للنصف من صفر يوم الخميس، فأقام أبو مسلم في خَنْدقه بالماخُوان ثلاثة أشهر؛ تسعين يومًا، ثم دخل حائط مرْو يوم الخميس لتسع خلَوْن من جمادى الأولى سنة ثلاثين ومئة. قال: وكان حائط مَرْو إذ ذاك في يد نصر بن سيّار لأنّه عامل خراسان، فأرسل على بن الكرمانيّ إلى أبي مسلم أن أدخل الحائط مَن قِبَلك، وأدخل أنا وعشيرتي من قِبَلي، فنغلب على الحائط، فأرسل إليه أبو مسلم أن لست آمَن أن يجتمع يدك ويد نصر على محاربتي؛ ولكن ادخل أنت فانشب الحرب بينك وبينه وبين أصحابه؛ فدخل عليّ ين الكرماني فأنشب الحرب، وبعث أبو مسلم أبا عليّ شبل بن طهمان النقيب في جُند، فدخلوا الحائط، فنزل في قصر بخاراخذاه، فبعثوا إلى أبي مسلم أن أدخل، فدخل أبو مسلم من خندق الماخُوان، وعلى مقدّمته أسيد بن عبد الله الخزاعيّ، وعلى ميمنته مالك بن الهيثم الخزاعيّ، وعلى ميسرته القاسم بن مجاشع التميميّ؛ حتى دخل الحائط؛ والفريقان يقتتلان، فأمرهما بالكفّ وهو يتلو من كتاب الله: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ٥] ومضي أبو مسلم حتى نزل قصر الإمارة بمرْو الذي كان ينزله عمال خُراسان؛ وكان ذلك لتسع خلوْن من جُمادى الأوتى سنة ثلاثين ومئة، يوم الخميس. وهرب نصر بن سيّار عن مَرْو الغد من يوم الجمعة لعشرٍ خلْون من جُمادى الأولى من سنة ثلاثين ومئة، وصفت مَرْو لأبي مسلم، فلما دخل أبو مسلم حائط مَرْو أمر أبا منصور طلحة بن رُزيق بأخذ البيعة على الجند من الهاشميّة خاصّة - وكان أبو منصور رجلًا فصيحًا نبيلًا مفوّهًا عالمًا بحجج الهاشمية وغوامض أمورهم؛ وهو أحد النقباء الاثني عشر؛ والنقباء الاثنا عشر هم الذين اختارهم محمد بن عليّ من السبعين الذين كانوا استجابوا له حين بعث رسوله إلى خراسان سنة ثلاث ومئة أو أربع ومئة - وأمره أن يدعو إلى الرّضا، ولا يسمي أحدًا، ومثّل له مثالًا ووصف من العدل صفة، فقدمها فدعا سرًّا، فأجابه ناس، فلما صاروا سبعين أخذ منهم اثني عشر نقيبًا. منهم من خُزاعة: سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم وزياد بن صالحوطلحة بن رُزيق وعمرو بن أعين. ومن طيّئ: قحطبة - واسمه زياد بن شبيب بن خالد بن مَعْدان - ومن تميم: موسى بن كعب أبو عيينة ولاهز بن قريظ والقاسم بن مجاشع، كلُّهم من بني امرئ القيس، وأسلم بن سلام أبو سلام؛ ومن بكر بن وائل أبو داود خالد بن إبراهيم من بني عمرو بن شيبان أخي سدُوس وأبو عليّ الهرويّ. ويقال: شبل بن طهمان مكان عمرو بن أعين، وعيسى بن كعب وأبو النجم عمران بن إسماعيل مكان أبي علي الهرَويّ، وهو ختَن أبي مسلم. ولم يكن في النقباء أحد والده حيّ غير أبي منصور طلحة بن رزيق بن أسعد؛ وهو أبو زينب الخزاعيّ، وقد كان شهد حرب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وصحب المهلب بن أبي صفرة وغزا معه؛ فكان أبو مسلم يشاوره في الأمور، ويسأله عمّا شهد من الحروب والمغازي، ويسأله عن الكنية بأبي منصور: يا أبا منصور، ما تقول؟ ما رأيك؟ قال أبو الخطاب: فأخبرنا من شهد أبا منصور يأخذ البيعة على الهاشميَّة: أبايعكم على كتاب الله ﷿ وسنة نبيه ﷺ والطاعة للرضا من أهل بيت رسول الله ﷺ عليك بذلك عهد الله وميثاقه، والطلاق والعَتاق، والمشي إلى بيت الله، وعلى ألّا تسألوا رزقًا ولا طمعًا حتى يبدأكم به ولاتكم؛ وإن كان عدوّ أحدكم تحت قدمه فلا تهيجوه إلا بأمر ولاتكم، فلما حبس أبو مسلم سَلْم بن أحْوز ويونس بن عبد ربه، وعقيل بن معقل ومنصور بن أبي الخرقاء، وأصحابه، شاور أبا منصور، فقال: اجعل سوطك السيف، وسجنك القبر؛ فأقدمهم أبو مسلم فقتلهم، وكانت عدّتهم أربعة وعشرين رجلًا. [٧/ ٣٧٧ - ٣٨٠]. قال عليّ: أخبرنا المفضل، قال: لما قتِل شيبان مرّ رجل من بكر بن وائل - يقال له خَفَاف - برسل أبي مسلم الذين كان أرسلهم إلى شيبان، وهم في بيت، فأخرجهم وقتلهم. وقيل: إن أبا مسلم وجّه إلى شيبان عسكرًا من قِبَله، عليهم خزيمة بن خازم وبسام بن إبراهيم [٧/ ٣٨٦]. * * *