page 4345, entry [1606]Open original source
ذكر تعاقد أهل خراسان على قتال أبي مسلم وفي هذه السنة تحالفت وتعاقدت عامة مَنْ كان بخراسان من قبائل العرب على قتال أبي مسلم؛ وذلك حين كثر تُباع أبي مسلم وقويَ أمره. وفيها تحوّل أبو مسلم من معسكره بإسفِيذَنْج إلى الماخُوان. *ذكر الخبر عن ذلك والسبب فيه: قال عليّ: أخبرنا الصبَّاح مولى جبريل، عن مسلمة بن يحيى، قال: لما ظهر أبو مسلم، تسارع إليه الناس، وجعل أهل مَرْو يأتونه؛ لا يعرض لهم نصر ولا يمنعهم, وكان الكِرمانيّ وشَيْبان لا يكرهان أمر أبي مسلم؛ لأنه دعا إلى خلع مَرْوان بن محمد، وأبو مسلم في قرية يقال بها بالين في خباء ليس له حرس ولا حجاب، وعظم أمره عند الناس، وقالوا: ظهر رجل من بني هاشم، له حلْم ووقار وسكينة؛ فانطلق فتية من أهل مَرْو نساك كانوا يطلبون الفقه، فأتوا أبا مسلم في معسكره، فسألوه عن نسبه، فقال: خَبَرِي خير لكم من نسبي، وسألوه عن أشياء من الفقه، فقال: أمرُكُم بالمعروف ونهيُكم عن المنكر خير لكم من هذا؛ ونحن في شغل، ونحن إلى عونِكم أحوجُ منا إلى مسألتكم، فأعفونا، قالوا: والله ما نعرف لك نسبًا، ولا نظنك تبقى إلا قليلًا حتى تقتل؛ وما بينك وبين ذلك إلا أن يتفرّغ أحد هذين؛ قال: أبو مسلم: بل أنا أقتلهما إن شاء الله. فرجع الفتية فأتوا نصر بن سيار فحدّثوه، فقال: جزاكم الله خيرًا، مثلكم تفقّد هذا وعرفه، وأتوا شيبان فأعلموه، فأرسل: إنا قد أشجى بعضنا بعضًا؛ فأرسل إليه نصر: إن شئت فكفّ عني حتى أقاتله، وإن شئت فجامعْني على حربه حتى أقتله أو أنفيَه؛ ثم نعود إلى أمرنا الذي نحن عليه، فهمَّ شيبانُ أن يفعل، فظهر ذلك في العسكر، فأتت عيون أبي مسلم فأخبروه، فقال سليمان: ما هذا الأمر الذي بلغهم! تكلّمت عند أحد بشيء؟ فأخبره خبر الفتية الذين أتوْه؛ فقال: هذا لذاك إذًا، فكتبوا إلى عليّ بن الكرمانيّ: إنك موتور؛ قتل أبوك ونحن نعلمأنك لست على رأي شيبان؛ وإنما تقاتل لثأرك؛ فامنع شيبان من صلح نصر؛ فدخل على شيبان، فكلمه فثناه عن رأيه، فأرسل نصر إلى شيبان: إنك لمغرور؛ وايم الله ليتفاقمنّ هذا الأمر حتى تستصغرَني في جنبه (١). فبينا هم في أمرهم إذ بعث أبو مسلم النَّضر بن نُعَيم الضّبي إلى هَراة وعليه عيسى بن عَقيل الليثيّ، فطرده عن هَرَاة، فقدم عيسى على نَصرٍ منهزمًا، وغلب النَّضْر على هراة، قال: فقال يحيى بن نُعَيم بن هبيرة: اختاروا إما أن تهلكوا أنتم قبل مُضَر أو مضر قبلكم، قالوا: وكيف ذاك؟ قال: إن هذا الرجل إنما ظهر أمرُه منذ شهر، وقد صار في عسكره مثل عسكركم؛ قالوا: فما الرأي؟ قال: صالحوا نَصْرًا، فإنكم إن صالحتموه قاتلوا نصْرًا وتركوكم؛ لأنّ الأمر في مُضر، وإن لم تصالحوا نصرًا صالحوه وقاتلوكم، ثم عادوا عليكم، قالوا: فما الرأي؟ قال: قدّموهم قبلكم ولو ساعة؛ فتقرّ أعينكم بقتلهم. فأرسل شيبان إلى نصر يدعوه إلى الموادعة فأجابه، فأرسل إلى سَلْم بن أحوز، فكتب بينهم كتابًا، فأتى شيبان، وعن يمينه ابن الكِرمانيّ، وعن يساره يحيى بن نُعيم، فقال سَلْم لابن الكِرمانيّ: يا أعْوَر، ما أخلقك أن تكون الأعور الذي بلغنا أنَّه يكون هلاك مضر على يديه! ثم توادعوا سنة؛ وكتبوا بينهم كتابًا؛ فبلغ أبا مسلمٍ، فأرسل إلى شيبان: إنا نُوادعك أشهرًا، فتوادعنا ثلاثة أشهر؛ فقال ابنُ الكرمانىّ: فإني ما صالحت نصرًا؛ وإنما صالحه شيبان؛ وأنا لذلك كاره، وأنا موتور، ولا أدَع قتاله، فعاوده القتال؛ وأبى شيبان أن يعينَه، وقال: لا يحلّ الغدر، فأرسل ابنُ الكرمانيّ إلى أبي مسلم يستنصرُه على نَصْر بن سيار، فأقبل أبو مسلم حتى أتى الماخُوان، وأرسل إلى ابنِ الكرمانيّ شبلَ بن طهمان: إني معك على نصر،فقال ابنُ الكِرمانيّ: إني أحبّ أن يلقاني أبو مسلم، فأبلغه ذلك شبل، فأقام أبو مسلم أربعة عشر يومًا، ثم سار إلى ابن الكرمانيّ، وخلف عسكره بالماخُوان، فتلقاه عثمان بن الكرمانيّ في خيل، وسار معه حتى دخل العسكر؛ وأتى لحجرة عليّ فوقف، فأذن له فدخل، فسلّم على عليّ بالإمرة، وقد اتخذ له عليٌّ منزلًا في قصر لمخلّد بن الحسن الأزديّ، فأقام يومين، ثم انصرف إلى عسكره بالماخُوان؛ وذلك لخمس خلوْن من المحرّم من سنة ثلاثين ومئة. وأما أبو الخطاب، فإنه قال: لما كثرت الشيعة في عسكر أبي مسلم، ضاقت به سَفيذنج، فارتاد معسكرًا فسيحًا، فأصاب حاجته بالماخُوان؛ - وهي قرية العلاء بن حُريث وأبي إسحاق خالد بن عثمان، وفيها أبو الجهم بن عطية وإخوته، وكان مقامه بسفيذنج اثنين وأربعين يومًا، وارتحل من سفيذنج إلى الماخُوان، فنزل منزل أبي إسحاق خالد بن عثمان يوم الأربعاء، لتسعِ ليال خلْون من ذي القعدة من سنة تسع وعشرين ومئة، فاحتفر بها خندقًا، وجعل للخندق بابين، فعسكر فيه والشيعة، ووكّل بأحد بابي الخندق مُصعب بن قيس الحنفيّ وبهدل بن إياس الضبِّيّ، ووكّل بالباب الآخر أبا شراحيل وأبا عمرو الأعجمي، واستعمل على الشُّرَط أبا نصر مالك بن الهيثم، وعلى الحرس أبا إسحاق خالد بن عثمان، وعلى ديوان الجند كامل بن مظفر أبا صالح، وعلى الرسائل أسلم بن صُبيح؛ والقاسم بن مجاشع النقيب التميميّ على القضاء، وضمّ أبا الوضاح وعدّة من أهل السقادم إلى مالك بن الهيثم، وجعل أهل نَوْشان - هم ثلاثة وثمانون رجلًا - إلى أبي إسحاق في الحرس. وكان القاسم بن مجاشع يصلي بأبي مسلم الصّلَوات في الخندق، ويقصّ القصص بعد العصر، فيذكر فَضْل بني هاشم ومعايب بني أميّة، فنزل أبو مسلم خندق الماخُوان، وهو كرجل من الشيعة في هيئته؛ حتى أتاه عبد الله بن بسْطام؛ فأتاه بالأرْوقة والفسَاطيط والمطابخ والمعالف للدوابّ وحياض الأدم للماء؛ فأوّل عامل استعمل أبو مسلم على شيء من العمل داود بن كرّاز؛ فردّ أبو مسلم العبيد عن أن يضاموا في خندقه، واحتفر لهم خندقًا في قرية شوّال، وولى الخندق داود بن كرّاز، فلما اجتمعت للعبيد جماعة، وجّههم إلى موسى بن كعب بأبيوَرْد، وأمر أبو مسلم كامل بن مظفر أن يعرض أهل الخندق بأسمائهموأسماء آبائهم فينسبهم إلى القوي، ويجعل ذلك في دفتر ففعل ذلك كامل أبو صالح، فبلذت عدّتهم سبعة آلاف رجل، فأعطاهم ثلاثة دراهم لكلّ رجل، ثم أعطاهم أربعة أربعة على يدي أبي صالح كامل. ثم إنّ أهل القبائل من مُضر وربيعة وقحطان توادعوا على وضع الحرب، وعلى أن تجتمع كلمتهم على محاربة أبي مسلم، فإذا نفوه عن مرْو نظروا في أمر أنفسهم وعلى ما يجتمعون عليه، فكتبوا على أنفسهم بذلك كتابًا وثيقًا. وبلغ أبا مسلم الخبر، فأفظعه ذلك وأعظمه، فنظر أبو مسلم في أمره، فإذا ماخوان سافلة الماء؛ فتخوّف أن يقطع عنه نصر بن سيار الماء، فتحوّل إلى آلين - قرية أبي منصور طلحة بن رزيق النقيب - وذلك بعد مقامه أربعة أشهر بخندق الماخُوان، فنزل آلين في ذي الحجة من سنة تسع وعشرين ومئة، يوم الخميس لستّ خلون من ذي الحجة، فخندق بآلين خندقًا أمام القرية، فيما بينها وبين بلاش جَرِدْ، فصارت القرية من خلف الخندق، وجعل وجه دار المحتفز بن عثمان بن بشر المزنيّ في الخندق , وشرب أهل آلين من نهر يدعى الخرقان، لا يمكّن نصر بن سيار قطع الشرب عن آلين، وحضر العيدُ يوم النحر، وأمر القاسم بن مجاشع التميميّ فصلى بأبي مسلم والشيعة في مصلى آلين، وعسكر نصر بن سيّار على نهر عياض، ووضع عاصم بن عمرو ببلاش جَرْد، ووضع أبا الذّيال بطوسان، ووضع بشر بن أنيف اليربوعيّ بجلفر، ووضع حاتم بن الحارث بن سريج بخرقَ؛ وهو يلتمس مواقعة أبي مسلم، فأمَّا أبو الذيال فأنزل جنده على أهلها مع أبي مسلم في الخندق، فآذوا أهل طوسان وعسفوهُم وذبحوا الدجاج والبقر والحمام، وكلفوهم الطعام والعلَف، فشكت الشيعة ذلك إلى أبي مسلم، فوجّه معهم خيلًا، فلقوا أبا الذيّال فهزموه، وأسروا من أصحابه ميمونًا الأعسر الخوارزميَّ في نحو من ثلاثين رجلًا، فكساهم أبو مسلم، وداوى جراحاتهم وخلَّى لهم الطريق. [٧/ ٣٦٣ - ٣٦٧]. * * * * ذكر الخبر عن مقتله: قد مضى قبلُ ذكرُنا مقتلَ الحارث بن سُريج، وأنّ الكرمانيّ هو الذي قتله، ولما قتل الكِرمانيّ الحارث، خلَصت له مَرْو بقتله إياه، وتنحَّى نصر بن سيّارعنها إلى أبرشهر، وقوي أمرُ الكِرمانيّ، فوجَّه نصر إليه - فيما قيل - سَلْم بن أحوز، فسار في رابطة نصر وفرسانه؛ حتى لقي أصحاب الكِرمانيّ، فوجد يحيى بن نُعَيم أبا الميلاء واقفًا في ألف رجل من ربيعة، ومحمد بن المثنّى في سبعمئة من فرسان الأزْد، وابن الحسن بن الشيخ الأزديّ في ألف من فِتيانهم، والحزميّ السغْديّ في ألف رجل من أبناء اليمن، فلما تواقفوا قال سلم بن أحوز لمحمد بن المثنَّى: يا محمّد بن المثنى، مُرْ هذا الملّاح بالخروج إلينا، فقال محمد لسلم: يا بن الفاعلة؛ لأبي عليّ تقول هذا! ودلف القوم بعضهم إلى بعض، فاجتلدوا بالسيوف، فانهزم سلْم بن أحوز، وقتِل من أصحابه زيادة على مئة، وقتِل من أصحاب محمد زيادة على عشرين، وقدم أصحاب نصر عليه فلولًا، فقال له عَقِيل بن معقل: يا نصر شأمْتَ العرب؛ فأما إذ صنعت ما صنعتَ فجُدّ وشمر عن ساق، فوجَّه عصمة بن عبد الله الأسديّ فوقف موقف سَلْم بن أحوز، فنادى: يا محمد، لتعلمنّ أن السمك لا يغلب اللُّخْم؛ قال له محمد: يا بن الفاعلة، قف لنا إذًا، وأمر محمد السغديّ فخرج إليه في أهل اليمن، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فانهزم عِصْمة حتى أتى نصر بن سيار، وقد قتل من أصحابه أربعمئة. ثم أرسل نصر بن سيَّار مالك بن عمرو التميميّ فأقبل في أصحابه، ثم نادى: يا بن المثنى، ابرز لي إن كنت رجلًا! فبرز له، فضربه التميمي على حبل العاتِق فلم يصنع شيئًا؛ وضربه محمد بن المثنّى بعمود فشدخَ رأسه؛ فالتحم القتال؛ فاقتتلوا قتالًا شديدًا كأعظم ما يكون من القتال، فانهزم أصحاب نصر، وقد قتل منهم سبعمئة رجل، وقتِل من أصحاب الكِرمانيّ ثلثمئة رجل؛ ولم يزل الشرّ بينهم حتى خرجوا جميعًا إلى الخندقين، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فلما استيقن أبو مسلم أنّ كلا الفريقين قد أثخن صاحبه؛ وأنه لا مدد لهم، جعل يكتب الكتب إلى شَيْبان، ثم يقول للرسول: اجعل طريقك على المضريّة، فإنهم سيعرضون لك، ويأخذون كتبَك، فكانوا يأخذونها فيقرؤون فيها: إني رأيت أهل اليمن لا وفاء لهم ولا خير فيهم، فلا تثقنّ بهم ولا تطمئنّ إليهم؛ فإني أرجو أن يريَك الله ما تحبّ، ولئن بقيت لا أدَع لهم شَعرًا ولا ظفرًا. ويرسل رسولًا آخر في طريق آخر بكتاب فيه ذكر المضرّية وإطراء اليمن بمثل ذلك؛ حتى صار هوىالفريقين جميعًا معه؛ وجعل يكتب إلى نصر بن سيّار وإلى الكرمانيّ: إنّ الإمام قد أوصاني بكم، ولستُ أعدو رأيه فيكم، وكتب إلى الكُور بإظهار الأمر؛ فكان أول من سَوّد - فيما ذكر - أسيد بن عبد الله بنسا، ونادى: يا محمد، يا منصور، وسوّد معه مقاتل بن حكيم وابن غزوان، وسوّد أهل أبيَورد وأهل مَرْو الرّوذ، وقرى مَرْو. وأقبل أبو مسلم حتى نزل بين خندق نصر بن سيار وخندق جُديع الكرمانيّ، وهابه الفريقان، وكثر أصحابه، فكتب نصر بن سيار إلى مَرْوان بن محمد يعلمه حال أبي مسلم وخروجه وكثرة مَن معه ومَن تبعه، وأنه يدعو إلى إبراهيم بن محمد، وكتب بأبيات شعر: أَرَى بَيْنَ الرَّماد وَميضَ جَمْرٍ ... فأَحجِ بأَنْ يَكُونَ لَهُ ضِرامُ فإنَّ النارَ بالعودَيْن تُذْكَى ... وإنَّ الحَرْبَ مَبْدؤها الكلامُ فقُلت من التَّعَجُّبِ لَيْتَ شِعْري ... أأَيقاظٌ أمَيَّةُ أَمْ نِيامُ! فكتب إليه: الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، فاحسم الثؤلول قِبَلك، فقال نصر: أما صاحبكم فقد أعلمكم ألّا نصر عنده، فكتب إلى يزيد بن عمر بن هُبيرة يشهّده، وكتب إليه بأبيات شعر: أبلغ يزيدَ وخيْرُ القول أصدقه ... وقد تبيَّنْتُ ألَّا خَيْرَ في الكذب أَنَّ خُراسانَ أَرْضٌ قد رأَيْتُ بها ... بيْضًا لو أفْرَخَ قد حُدثْتَ بالعَجَب فِراخُ عامَيْنِ إلا أنَّها كبِرَتْ ... لمّا يَطِرْنَ وقد سُرْبِلْنَ بالزَّغَبِ فإنْ يَطِرنَ ولَمْ يُحْتَلْ لَهُنَّ بِها ... يُلْهِبْنَ نيرانَ حرْب أيَّما لَهَب فقال يزيد: لا غلبة إلا بكثرة؛ وليس عندي رجل. وكتب نصر إلى مَرْوان يخبره خبر أبي مسلم وظهورَه وقوّته؛ وأنه يدعو إلى إبراهيم بن محمد، فألفى الكتاب مَرْوان وقد أتاه رسول لأبي مسلم إلى إبراهيم؛ كان قد عاد من عند إبراهيم، ومعه كتاب إبراهيم إلى أبي مسلم جواب كتابه، يلعن فيه أبا مسلم ويسبّه؛ حيث لم ينتهز الفرصة من نصر والكرمانيّ؛ إذ أمكناه، ويأمره ألّا يدع بخُراسان عربيًّا إلا قتله. فدفع الرسول الكتاب إلى مَرْوان، فكتب مروان إلى الوليد بن معاوية بن عبد الملك وهو على دمشق , يأمره أن يكتب إلى عامل البَلْقاء، فيسير إلى كرار الحُميمة، فليأخذ إبراهيم بن محمد ويشدّه وثاقًا،وليبعث به إليه في خيل؛ فوجه الوليد إلى عامل البَلْقاء فأتى إبراهيم وهو في مسجد القرية، فأخذه وكتفه وحمله إلى الوليد، فحمله إلى مَرْوان فحبسه مروان في السجن (١). * * * رجع الحديث إلى حديث نصر والكرمانيّ، وبعث أبو مسلم حين عظم الأمر بين الكرمانيّ ونصر إلى الكرمانيّ: إني معك، فقبِل ذلك الكِرمانيّ وانضمّ إليه أبو مسلم، فاشتدّ ذلك على نَصْر، فأرسل إلى الكِرمانيّ: ويلك لا تغترر! فوالله إني لخائف عليك وعلى أصحابك منه؛ ولكن هلمّ إلى الموادعة، فتدخل مَرْو، فنكتب بيننا كتابًا بصلح - وهو يريد أن يفرّق بينه وبين أبي مسلم - فدخل الكِرمانيّ منزله، وأقام أبو مسلم في المعسكر، وخرج الكِرمانيّ حتى وقف في الرَّحبَة في مئة فارس، وعليه قرطق خشكشونة، ثم أرسل إلى نصر: اخرج لنكتب بيننا ذلك الكتاب، فأبصر نصر منه غِرّة، فوجه إليه ابن الحارث بن سريج في نحو من ثلثمئة فارس، فالتقوا في الرَّحبَة، فاقتتلوا بها طويلًا. ثم إنّ الكرمانيّ طُعِن في خاصرته فخرّ عن دابَّته، وحماه أصحابُه حتى جاءهم ما لا قِبل لهم به، فقتل نصر الكِرمانيَّ وصلبَه، ومعه سمكة، فأقبل ابنه عليّ - وقد كان صار إلى أبي مسلم، وقد جمع جمعًا كثيرًا - فسار بهم إلى نصر بن سيار فقاتله حتى أخرجه من دار الإمارة، فمال إلى بعض دور مَرْو، وأقبل أبو مسلم حتى دخل مَرْو، فأتاه عليّ بن جُديع الكرمانيّ فسلَّم عليه بالإمْرة، وأعلمه أنه معه على مساعدته، وقال: مُرْني بأمرك، فقال: أقم على ما أنت عليه حتى آمرك بأمري [٧/ ٣٦٨ - ٣٧١]. * ذكر الخبر عن ذلك وعن السبب الذي وصل به إلى الغَلَبة عليها: ذكر عليّ بن محمد: أنّ عاصم بن حفص التميميّ ولخيره حدّثوه أنّ عبد الله بنمعاوية لما هُزم بالكوفة، شخص إلى المدائن، فبايعه أهلُ المدائن، فأتاه قومٌ من أهل الكُوفة، فخرج إلى الجبال فغلب عليها، وعلى حُلوان وقُومِس وأصبهان والريّ، وخرج إليه عبيد أهل الكوفة، فلمّا غلب على ذلك أقام بأصبهان؛ وقد كان محارب بن موسى مولى بني يَشْكر عظيم القدر بفارس، فجاء يمشي في نعلين إلى دار الإمارة بإصطخر، فطرد العامل؛ عامل ابن عمر عنها، وقال لرجل يقال له عمارة: بايع الناس، فقال له أهل إصطخر: علامَ نبايع؟ قال: على ما أحببتم وكرهتم، فبايعوه لابن معاوية، وخرج محارب إلى كرمان فأغار عليهم، وأصاب في غارته إبلًا لثعلبة بن حسان المازنيّ فاستاقها، ورجع. فخرج ثعلبة يطلب إبِله في قرية له تدعى أشهر - قال: ومع ثعلبة مولىً له - فقال له مولاه: هل لك أن نفتك بمحارب؛ فإن شئت ضربتَه وكفيتني الناس؛ وإن شئت ضربتُه وكفيتُك الناس؟ قال: ويحك! أردتَ أن تفتك [وتذهب الإبل ولم نلق] الرجل! ثم دخل على محارب فرحّب به، ثم قال: حاجتك! قال: إبلي، [قال: نعم لقد أخذت]، وما أعرفها، وقد عرفتها، فدونك إبلك! فأخذها، وقال لمولاه: [هذا خير، وما أردت؟ ]. قال: ذلك لو أخذناها كان أشفى، وانضمّ إلى محارب القواد والأمراء من أهل الشام: فسار إلى مسلم بن المسيّب وهو بشيراز عامل لابن عمر، فقتله في سنة ثمان وعشرين ومئة، ثم خرج محارب إلى أصبهان، فحوّل عبد الله بن معاوية إلى إصطخر؛ واستعمل أخاه عبد الله أخاه الحسن على الجبال، فأقبل فنزل في دير على ميل من إصطخر، واستعمل أخاه يزيد على فارس فأقام، فأتاه الناس، بنو هاشم وغيرهم؛ وجبَى المال، وبعث العمال؛ وكان معه منصور بن جُمهور وسليمان بن هشام بن عبد الملك وشيبان بن الحِلْس بن عبد العزيز الشيبانيّ الخارجيّ، وأتاه أبو جعفر عبد الله، وعبد الله وعيسى ابنا عليّ، وقدم يزيد بن عمر بن هبيرة على العراق، فأرسل نباتة بن حنظلة الكلابيّ إلى عبد الله بن معاوية؛ وبلغ سليمان بن حبيب أنّ ابن هُبيرة ولَّى نباتة الأهواز، فسرّح داود بن حاتم، فأقام بكربُج دينار ليمنع نباتة من الأهواز، فقدم نُباتة، فقاتله، فقتل داود، وهرب سليمان إلى سابور؛ وفيها الأكراد قد غلبوا عليها، وأخرجوا المسيح بن الحماريّ، فقاتلهم سليمان، فطرد الأكراد عن سابور،وكتب إلى عبد الله بن معاوية بالبيعة، فقال: عبد الرحمن بن يزيد بن المهلب: لا يفي لك، وإنما أراد أن يدفعك عنه؛ ويأكل سابور؛ فاكتب إليه فليقدم عليك إن كان صادقًا، فكتب إليه فقدم، وقال لأصحابه: ادخلوا معي؛ فإن منَعكم أحد فقاتلوه، فدخلوا فقال لابن معاوية: أنا أطوع الناس لك، قال: ارجع إلى عملك، فرجع. ثم إن محارب بن موسى نافر ابنَ معاوية، وجمع جمعًا، فأتى سابور - وكان ابنه مخلد بن محارب محبوسًا بسابور, أخذه يزيد بن معاوية فحبسه - فقال لمحارب: ابنك في يديه وتحاربه! أما تخاف أن يقتل ابنك! قال: أبعده الله! فقاتله يزيد، فانهزم محارب، فأتى كرمان، فأقام بها حتى قدم محمد بن الأشعث، فصار معه، ثم نافرَ ابن الأشعث فقتله وأربعة وعشرين ابنًا له. ولم يزل عبد الله بن معاوية بإصطخر حتى أتاه ابن ضُبارة مع داود بن يزيد بن عمر بن هبيرة، فأمر ابن معاوية فكسروا قنطرة الكوفة، فوجَّه ابن هبيرة معنَ بن زائدة من وَجْه آخر، فقال سليمان لأبان بن معاوية بن هشام: قد أتاك القوم، قال: لم أؤمَرْ بقتالهم؛ قال: ولا تؤمر والله بهم أبدًا، وأتاهم فقاتلهم عند مَرْو الشاذان، ومعن يرتجز: لَيْسَ أَميرُ القَوْمِ بالْخَبِّ الخدَعْ ... فَرَّ من الموْتِ وفي الموْتِ وقَعْ قال ابن المقفع أو غيره: فرّ من الموت وفيه قد وقع. قال: عمدًا، قلت: قد عملت، فانهزم ابن معاوية، وكفّ معن عنهم، فقتل في المعركة رجل من آل أبي لهب، وكان يقال: يقتل رجل من بني هاشم بمَرْو الشاذان، وأسروا أسَراء كثيرة، فقتل ابن ضبارة عدّة كثيرة؛ فيقال: كان فيمن قُتِل يومئذ حكيم الفرد أبو المجد، ويقال: قتِل بالأهواز قتله نباتة. ولما انهزم ابنُ معاوية هرب شيبان إلى جَزيرة ابن كاوان ومنصور بن جمهور إلى السند، وعبد الرحمن بن يزيد إلى عُمان، وعمرو بن سهل بن عبد العزيز إلى مصر؛ وبعث ببقيّة الأسرَاء إلى ابن هبيرة.قال حميد الطويل: أطلق أولئك الأسراء فلم يقتل منهم غير حصين بن وعلة السدُوسيّ، ولما أمر بقتله قال: أُقتَلُ من بين الأسراء! قال: نعم، أنت مشرِك، أنت الذي تقول: ولَوْ آمُرُ الشمْسَ لَمْ تُشْرِقِ ومضى ابنُ معاوية من وجهه إلى سِجستان، ثم أتى خراسان ومنصور بن جمهور إلى السند، فسار في طلبه معن بن زائدة وعطيَّة الثعلبيّ وغيره من بني ثعلبة، فلم يدركوه، فرجعوا، وكان حصين بن وَعْلة السدوسي مع يزيد بن معاوية، فتركه [ولحق بعبد الله بن معاوية] فأسره مورع السلميّ، رآه دخل غيضة فأخذه فأتى به [معن بن زائدة] فبعث به معن إلى ابن ضُبارة، فبعث به ابن ضبارة إلى واسط؛ وسار ابن ضبارة إلى عبد الله بن معاوية بإصطخر، فنزل بإزائه على نهر إصطخر، فعبر ابن الصَّحْصحَ في ألف، فلقيه من أصحاب عبد الله بن معاوية أبان بن معاوية بن هشام فيمن كان معه من أهل الشام، ممن كان مع سليمان بن هشام فاقتتلوا، فمال ابنُ نباتة إلى القنطرة، فلقيَهم من كان مع ابن معاوية من الخوارج، فانهزم أبان والخوارج، فأسر منهم ألفًا، فأتوْا بهم ابن ضُبارة، فخلى عنهم، وأخذ يومئذ عبد الله بن عليّ بن عبد الله بن عباس في الأسراء، فنسبه ابن ضبارة، فقال: ما جاء بك إلى ابن معاوية، وقد عرفت خلافه أمير المؤمنين! قال: كان على دين فأدّيته، فقام إليه حرب بن قطن الكنانيّ، فقال: ابن أختنا، فوهبه له، وقال: ما كنت لأقدم على رجل من قريش، وقال له ابن ضبارة: إن الذي قد كنت معه قد عِيبَ بأشياء، فعندك منها علم؟ قال: نعم، وعابه ورمى أصحابه بالِّلواط، فأتوا ابن ضبارة بغلمان عليهم أقبية قُوهيَّة مصبَّغة ألوانًا، فأقامهم للناس وهم أكثر من مئة غلام، لينظروا إليهم، وحمل ابن ضبارة عبدَ الله بن عليّ على البريد إلى ابن هبيرة ليخبره أخباره، فحمله ابن هبيرة إلى مَروان في أجناد أهل الشام، وكان يعيبه، وابن ضُبارة يومئذ في مفازة كِرمان في طلب عبد الله بن معاوية، وقد أتى ابن هبيرة مقتل نباتة، فوجّه ابن هبيرة كرَب بن مصقلة والحكم بن أبي الأبيض العبسيّ وابن محمد السكرنّي؛ كلهم خطيب، فتكلموا في تقريظ ابن ضُبارة،فكتب إليه أن سِر بالناس إلى فارس، ثم جاءه كتاب ابن هبيرة سر إلى أصبهان (١) [٧/ ٣٧١ - ٣٧٤]. * * * زارَ الحَجيجَ عصابَةٌ قَدْ خالفوا ... دِينَ الإلهِ فَفَرَّ عبدُ الواحدِ تَرَكَ الحَلائلَ والإمارَةَ هارِبًا ... ومضى يُخَبّط كالبَعِيرِ الشَّارِدِ لو كان والِدُهُ تَنَصَّلَ عِرْقُه ... لَصَفَتْ مَضارِبُهُ بعرْقِ الوالد (٢) ٧/ ٣٧٦].