Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان ذكر الخبر عن بعض أسباب ولايته الخلافة

محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري · page 4231, entry [1593]

صحيح وضعيف تاريخ الطبري — محمد بن طاهر البرزنجي

Open narrator profile: خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان ذكر الخبر عن بعض أسباب ولايته الخلافة
page 4231, entry [1593]Open original source
خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان ذكر الخبر عن بعض أسباب ولايته الخلافة قد مضى ذكري سبب عقد أبيه يزيد بن عبد الملك بن مروان له الخلافة بعدأخيه هشام بن عبد الملك؛ وكان الوليدُ بن يزيد يومَ عَقد له أبوه يزيد ذلك ابنَ إحدى عشرة سنة، فلم يمُتْ يزيد حتى بلغ ابنُه الوليد خمس عشرة سنة، فندِم يزيد على استخلافه هشامًا أخاه بعده؛ وكان إذا نظر إلى ابنه الوليد، قال: الله بيني وبين مَنْ جعل هشامًا بيني وبينك! فتوفِّي يزيد بن عبد الملك وابنه الوليد ابن خمس عشرة سنة، وولي هشام وهو للوليد مكرّم معظم مقرّب؛ فلم يزل ذلك من أمرهما حتى ظهر من الوليد بن يزيد مجون وشرب الشراب؛ حمله على ذلك (١) فيما حدّثني أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد، عن جُويرية بن أسماء وإسحاق بن أيوب وعامر بن الأسود وغيرهم: عبدُ الصمد بن عبد الأعلى الشبّانيّ أخو عبد الله بن عبد الأعلى - وكان مؤدّب الوليد - واتَّخذ الوليد ندماء، فأراد هشام أن يقطعهم عنه فولاه الحجَّ سنة تسع عشرة ومئة، فحمل معه كلابًا في صناديق، فسقط منها صندوق - فيما ذكر عليّ بن محمد عمّن سميتُ من شيوخه - عن البعير وفيه كلب، فأجالوا على الكريّ السِّياط، فأوجعوه ضربًا، وحمل معه قبّة عملها على قدر الكعبة ليضعها على الكعبة، وحمل معه خمرًا، وأراد أن ينصب القبَّة على الكعبة؛ ويجلس فيها؛ فخوّفه أصحابه وقالوا: لا نأمن الناس عليك وعلينا معك؛ فلم يحرّكها. وظهر للناس منه تهاون بالدين واستخفاف به، وبلغ ذلك هشامًا فطمع في خلعه والبيعة لابنه مسلمة بن هشام، فأراده على أن يخلعها ويبايع لمسلمة؛ فأبي، فقال له: اجعلها له مِنْ بعدك؛ فأبَى، فتنكَّر له هشام وأضرّ به، وعمل سرًّا في البيعة لابنه؛ فأجابه قوم (٢)،قال: فكان ممَّن أجابه خالاه: محمد وإبراهيم ابنا هشام بن إسماعيل المخزوميّ، وبنو القعقاع بن خليد العبسيّ وغيرهم من خاصّته. قال: وتمادى الوليدُ في الشراب وطلب اللذات فأفرط، فقال له هشام: ويحك يا وليد! والله ما أدري أعلى الإسلام أنت أم لا! ما تَدع شيئًا من المنكر إلا أتيْتَه غير متحاشٍ ولا مستتر به! فكتب إليه الوليد:يا أَيُّها السائل عن دينِنا ... نحن على دين أَبي شاكر (١) نشرْبُها صِرْفًا وممزوجةً ... بالشُّخْنِ أَحيانًا وبالفاتِر فغضب هشام على ابنه مسَلمة - وكان يكني أبا شاكر - وقال له: يعيّرني بك الوليد وأنا أرشّحك للخلافة! فالزم الأدب واحضر الجماعة. وولّاه الموسم سنة تسع عشرة ومئة، فأظهر النسك والّوقار واللين، وقسم بمكة والمدينة أموالًا، فقال مولى لأهل المدينة: يا أيّها السائل عن ديننا ... نحنُ على دين أبي شاكِر الواهبِ الجُرْدَ بأرسانها ... ليس بزِندِيق ولا كافِر يعرّض بالوليد. وأمّ مسلمة بن هشام أمّ حكيم بنت يحيي بن الحكم بن أبي العاص، فقال الكميت: إنّ الخلافة كائنٌ أَوتادُها ... بعدَ الوليد إلى ابن أُتمّ حكيم فقال خالد بن عبد الله القسريّ: أنا برئ من خليفة يكني أبا شاكر؛ فغضب مسلمة بن هشام على خالد، فلما مات أسد بن عبد الله أخو خالد بن عبد الله، كتب أبو شاكر إلى خالد بن عبد الله بشعر هجا به [يحيي] بن نوفل خالدًا وأخاه أسدًا حين مات: أَراحَ مِن خالدٍ وأَهلكه ... ربُّ أَراح العبادَ مِنْ أَسدِ أَمَّا أَبُوهُ فكان مؤتَشِبًا ... عبدًا لئيمًا لأَعْبُد قُفْدِ (٢) وبعث بالطومار مع رسول على البريد إلى خالد؛ فظنّ أنه عزاه عن أخيه، ففضّ الخاتم، فلم ير في الطُومار غير الهجاء، فقال: ما رأيت كاليوم تعزية! وكان هشام يعيب الوليدَ ويتنقَّصه، وكَثُر عبثه به وبأصحابه وتقصيره به، فلمّا رأي الوليد خرج وخرج معه ناس من خاصّته ومواليه، فنزل بالأزرق؛ بين أرض بَلْقَيْنَ وفَزارة، على ماء يقال له الأغدف، وخلَّف كاتبه عيَاض بن مسلممولى عبد الملك بن مروان بالرّصافة، فقال له: اكتب إليّ بما يحدث قبَلكم، وأخرج معه عبد الصمد بن عبد الأعلى، فشربوا يومًا فلما أخذ فيهم الشراب، قال الوليد لعبد الصمد: يا أبا وهب، قل أبياتًا، فقال (١): أَلم تَر للنجم إذ شُيِّعا ... يُبادِرُ في بُرجِه المَرْجِعا تحيَّرَ عنْ قصدِ مَجْراتِهِ ... أَتي الغوْر والتَمَس المَطْلَعا فقلتُ وأعْجبَنِي شأْنُه ... وقد لاحَ إذ لاحَ لِي مُطعِمَا: لعَلَّ الوليدَ دنا مُلكُهُ ... فأَمسى إليه قدِ استُجمعَا وكنَّا نؤمِّلُ في ملكِه ... كتأْميلِ ذي الجدْب أن يُمْرِعًا عَقَدنا له مَحْكمَاتِ الأُمو ... رِطوعًا فكان لهَا مَوْضعا ورُوي الشعر؛ فبلغ هشامًا؛ فقطع عن الوليد ما كان يُجري عليه، وكتب إلى الوليد: بلغني عَنْك أنك اتّخذتَ عبد الصمد خِدنًا ومحدّثًا ونديمًا؛ وقد حقَّق ذلك عندي ما بلغني عنك، ولم أبَرئك من سوء، فأخرِج عبد الصمد مذمومًا مدحورًا، فأخرجه، وقال فيه: لقد قَذفوا أَبا وهْبٍ بأَمرٍ ... كبير بل يزيدُ على الكَبيرِ (٢) فأَشهَدُ أنهم كَذبوا عليه ... شهادةَ عالِمٍ بِهِمِ خبِيرِ وكتب الوليد إلى هشام يُعْلمه إخراج عبد الصمد، واعتذر إليه مما بلغه من منادمته، وسأله أن يأذن لابن سهيل في الخروج إليه - وكان ابن سهيل من أهل اليمن وقد ولي دمشق غير مرّة، وكان ابن سهيل من خاصّة الوليد - فضرب هشام بنَ سُهيل وسيّره، وأخذ عياض بن مسلم كاتب الوليد، وبلغه أنه يكتب بالأخبار إلى الوليد، فضربه ضربًا مبرِّحًا، وألبسه المُسوح. فبلغ الوليد، فقال: مَنْ يثق بالناس، ومن يصطنع المعروف! هذا الأحول المشؤوم قدّمه أبي على أهل بيته فصيَّره وليّ عهده، ثم يصنع بي ما ترون؛ لا يعلم أنّ لي في أحد هوًى إلا عبث به، كتب إليّ أن أخرِج عبد الصمد فأخرجتُه إليه، وكتبت إليه أن يأذن لابن سهيل في الخروج إليّ، فضربه وسيَّره، وقد علم رأي فيه، وقد علم انقطاع عياض بن مسلم إليّ، وتحرّمه بي ومكانه مني وأنه كاتبي، فضربهوحبسه، يضارّني بذلك، اللهم أجرني منه! وقال: أنا النذِيرُ لِمسْدِي نعمة أبدًا ... إلى المقاريف ما لَم يَخبُرِ الدّخَلَا (١) إن أَنْت أكرمتهُمْ أَلفَيْتهُم بُطُرًا ... وإِن أَهَنْتهُمُ أَلفيتهمْ ذُلُلا أتشمُخونَ ومنَّا رأَسُ نعمتِكمْ ... ستَعَلَمُونَ إِذَا كانت لنا دُوَلا انظرْ فإن كنت لم تَقدِرْ على مَثَل ... له سوى الكلب فاضربْه له مَثلا بينا يُسمِّنُهُ للصيدِ صاحبُهُ ... حتى إذا ما قوي مِنْ بَعدِ ما هُزلا عدَا عليه فلم تَضرُرْهُ عَدْوَتُهُ ... ولو أَطاقَ له أَكلا لقد أَكَلَا وكتب إلى هشام: لقد بلغني الذي أحدث أمير المؤمنين من قَطْع ما قطع عنّي، ومحو ما محا من أصحابي وحُرَمي وأهلي، ولم أكن أخاف أن يبتلِيَ الله أمير المؤمنين بذلك ولا أبالي به منه؛ فإن يكن ابن سُهَيل كان منه ما كان فبحسب العيْر أن يكون قدر الذئب؛ ولم يبلغ من صنيعي في ابن سُهيل واستصلاحه، وكتابي إلى أمير المؤمنين فيه كُنْه ما بلغ أمير المؤمنين من قطيعتي؛ فإن يكن ذلك لشيء في نفس أمير المؤمنين عليّ، فقد سبّب الله لي من العهد، وكتب لي مت العمر، وقسم لي من الرزق ما لا يقدر أحد دون الله على قطع شيء منه دون مُدّته، ولا صرف شيء عن مواقعه؛ فقدَر الله يجوي بمقاديره فيما أحبّ الناس أو كرهوا، ولا تأخيرَ لعاجله ولا تعجيل لآجله، فالناس بين ذلك يقترفون الآثام على نفوسهم من الله، ولا يستوجبون العقوبة عليه، وأمير المؤمنين أحقّ أمته بالبصر بذلك والحفظ له، والله الموفّق لأمير المؤمنين بحسن القضاء له في الأمور (٢). فقال هشام لأبي الزبير: يا نسَطاس، اْتري الناس يرضون بالوليد إن حدث بي حدث؟ قال: بل يطيل الله عمرَك يا أمير المؤمنين، قال: ويحك! لابدّ منالموت؛ أفتري الناس يرضَوْن بالوليد؟ قال: يا أمير المؤمنين؛ إنّ له في أعناق الناس بَيْعةً، فقال هشام: لئن رضي الناس بالوليد ما أظنُّ الحديث الذي رواه الناس: "إن من قام بالخلافة ثلاثة أيام لم يدخل النار"، إلا باطلًا. وكتب هشام إلى الوليد: قد فهم أمير المؤمنين ما كتبت به من قَطْع ما قَطَع عنك وغير ذلك؛ وأمير المؤمنين يستغفر الله من إجرائه ما كان يجري عليك؛ ولا يتخوّف على نفسه اقتراف المآثم في الذي أحدث من قطع ما قطع، ومحو من محا من صحابتك، لأمرين: أمّا أحدُهما فإيثار أمير المؤمنين إياك بما كان يجري عليك؛ وهو يعلم وضعَك له وإنفاقه في غير سبيله، وأما الآخر فإثبات صحابتك، وإدرار أرزاقهم عليهم؛ لا ينالهم ما ينال المسلمين في كلّ عام من مكروه عند قطع البعوث، وهم معك قجُول بهم في سَفهك؛ ولأميرُ المؤمنين أحري في نفسه للتقصير في القتْرِ عليك منه للاعتداء عليك فيها، مع أن الله قد نصر أمير المؤمنين في قَطْع ما قطع عنك من ذلك ما يرجو به تكفير ما يتخوّف مما سلف فيه منه، وأما ابنُ سُهيل فلعمري لئن كان نزل منك بما نزل، وكان أهلًا أن تُسرَّ فيه أو تساء؛ ما جعله الله كذلك، وهل زاد ابنُ سهيل - لله أبوك - على أن كان مغنيًا زفّانًا (١)، قد بلغ في السفه غايته! وليس ابن سهيل مع ذلك بشرٍّ ممَّن تستصحبه في الأمور التي يكرم أمير المؤمنين نفسه عن ذكرها، مما كنتَ لَعمر الله أهلًا للتوبيخ به؛ ولئن كان أمير المؤمنين على ظنك به في الحرص على فسادك؛ إنك إذًا لغير آلٍ عن هوى أمير المؤمنين من ذلك. وأما ما ذكرتَ مما سبّب الله لك؛ فإن الله قد ابتدأ أمير المؤمنين بذلك، واصطفاه له؛ والله بالغٌ أمره. لقد أصبح أمير المؤمنين وهو على اليقين من ربّه؛ أنه لا يملك لنفسه فيما أعطاه من كرامته ضَرًّا ولا نفعًا؛ وإن الله وليّ ذلك منه؛ وإنه لا بدّ له من مزايلته؛ والله أرأف بعباده وأرحم من أن يولي أمرهم غير الرضيّ له منهم، وإنّ أمير المؤمنين من حسن ظنه برّبه لعلي أحسن الرّجاء أن يوليه تسبيب ذلك لمن هو أهله في الرضا له به ولهم، فإنّ بلاءَ الله عند أمير المؤمنينأعظمُ من أن يبلغه ذكره، أو يؤديه شكره؛ إلا بعون منه؛ ولئن كان قُدِّرَ لأمير المؤمنين تعجيل وفاةٍ، وإنّ في الذي هو مفضٍ إليه إن شاء الله من كرامةِ الله لخَلَفًا من الدنيا، ولعمري إن كتابك إلى أمير المؤمنين بما كتبتَ به لغيرُ مستنكر من سفهك وحمقك، فاربَع على نفسك من غُلوائها، وارقأ على ظَلْعك؛ فإن لله سطوات وعينًا؛ يصيب بذلك من يشاءُ، ويأذن فيه لمن يشاء ممن شاء الله؛ وأميرُ المؤمنين يسأل الله العصمة والتوفيق لأحبّ الأمور إليه وأرضاها له. فكتب الوليد إلى هشام: رأَيتُكَ تبْنِي جاهدًا في قَطِيعَتِي (١) ... فَلَوْ كُنْتَ ذَا إِرْبٍ لَهَدَّمْت ما تبْنِي تُثِيرُ على الباقِينَ مَجْنَى ضَغينةٍ ... فَوَيلٌ لهُمْ إِنْ مِتّ مِن شَرّ ما تجني! كأَني بهمْ واللَّيْثُ أَفْضل قوْلهِمْ ... أَلَا لَيْتَنا واللَّيْث إذ ذاكَ لا يُغْنِي كفَرْتَ يَدًا مِنْ مُنْعِمٍ لو شَكَرَتَها ... جَزَاكَ بها الرَّحمنُ ذو الفضل والمنِّ قال: فلم يزل الوليد مُقيمًا في تلك البرّية حتى مات هشام؛ فلما كان صبيحةُ اليوم الذي جاءته فيه الخلافة، أرسل إلى أبي الزّبير المنذر بن أبي عمرو، فأتاه فقال له: يا أبا الزبير؛ ما أتت عليّ ليلة منذ عقلت عقلي أطولَ من هذه الليلة؛ عرضت لي هموم، وحدّثت نفسي فيها بأمور من أمر هذا الرجل؛ الذي قد أولع بي - يعني هشامًا - فاركب بنا نتنَّفس؛ فركبا، فسارا ميلين؛ ووقف على كثيب، وجعل يشكو هشامًا إذ نظر إلى رَهج، فقال: هؤلاء رسلُ هشام؛ نسأل الله من خيرهم، إذ بدا رجلان على البريد مقبلان؛ أحدهما مولىً لأبي محمد السفيانيّ، والآخر جَرْدَبَة. فلما قربا أتيا الوليد، فنزلا يعدوَان حتى دنَوَا منه، فسلما عليه بالخلافة، فوَجَم، وجعل جردبة يكرّر ﵇ بالخلافة، فقال: ويحك! أمات هشام! قال: نعم؛ قال فممّن كتابك؟ قال: من مولاك سالم بن عبد الرحمن صاحب ديوان الرسائل، فقرأ الكتاب وانصرفا، فدعا مولي أبي محمد السُّفيانيّ، فسأله عن كاتبه عياض بن مسلم، فقال: يا أمير المؤمنين؛ لم يزل محبوسًا حتى نزل بهشام أمرُ الله. فلما صار في حدّ لا تُرجَى الحياة لمثله أرسل عياض إلى الخُزّان؛أن احتفظوا بما في أيديكم، فلا يصلن أحدٌ منه إلى شيء. وأفاق هشام إفاقةً، فطلب شيئًا فمنعوه فقال: أرانا كنا خُزّانًا للوليد! ومات من ساعته، وخرج عياضٌ من السجن، فختم أبواب الخزائن، وأمر بهشام فأنزِل عن فرشه؛ فما وجدوا له قُمقمًا يسخّن له فيه الماء حتى استعاروه، ولا وجدوا كفنًا من الخزائن؛ فكفَّنه غالب مولي هشام؛ فكتب الوليد إلى العباس بن الوليد بن عبد الملك بن مروان أن يأتيَ الرُّصافة، فيحصيَ ما فيها من أموال هشام وولده، ويأخذ عمّاله وحشَمه؛ إلا مسلمة بن هشام؛ فإنه كتب إليه ألّا يعرض له، ولا يدخل منزله؛ فإنه كان يكثر أن يكلم أباه في الرّفق به، ويكفَّه عنه، فقدم العباس الرُّصافة فأحكم ما كتب به إليه الوليد؛ وكتب إلى الوليد بأخذ بني هشام وحشمه وإحصاء أموال هشام، فقال الوليد: لَيْتَ هِشامًا كان حَيًّا يَرَي ... مِحْلَبَهُ الأَوْفَرَ قَدْ أُترِعا (١) ويروى: لَيْت هشامًا عاشَ حتى يري ... مِكيْالَهُ الأَوْفَرَ قَدْ طُبّعا كِلْنَاهُ بالصاعِ الذي كاله ... وما ظَلَمْنَاهُ به إِصْبعَا وما أتينا ذاكَ عَنْ بِدْعَةٍ ... أَحَلَّهُ الفُرقانُ لي أجْمَعا فاستعمل الوليد العمّال، وجاءته بيعته من الآفاق؛ وكتب إليه العمَّال، وجاءته الوفود؛ وكتب إليه مروان بن محمد: بارك الله لأمير المؤمنين فيما أصاره إليه من ولاية عباده، ووراثة بلاده؛ وكان من تغشِّي غمْرة سكرة الولاية ما حمل هشامًا على ما حاول من تصغير ما عظّم الله من حقّ أمير المؤمنين، ورام من الأمر المستصعَب عليه؛ الذي أجابه إليه المدخولون (٢) في آرائهم وأديانهم؛ فوجد ما طمع فيه مستصعبًا، وزاحمته الأقدار بأشدّ مناكبها، وكان أمير المؤمنين بمكان من الله حاطه فيه حتى أزَّره بأكرم مناطق الخلافة، فقام بما أراه الله له أهلًا، ونهض مستقلًا بما حُمِّل منها، مثبتة ولايته في سابق الزُّبُر (٣) بالأجل المسمي، وخصّه الله بها على خلْقه وهويرى حالاتِهم، فقلّده طَوقها، ورمى إليه بأزمّة الخِلافة وعِظم الأمور. فالحمد لله الذي اختار أمير المؤمنين لخلافته، ووثائق عُرَى دينه، وذبّ له عما كاده فيه الظالمون، فرفعه ووضعهم؛ فمن أقام على تلك الخسِيسة من الأمور أوْبق (١) نفسه، وأسخطَ ربَّه، ومن عدلتْ به التوبة نازعًا عن الباطل إلى حقّ وجد الله توّابًا رحيمًا. أُخْبِرُ أميرَ المؤمنين أكرمه الله أني عندما انتهى إليّ من قيامه بولاية خلافة الله، نهضتُ إلى منبري؛ عليّ سيفان مستعدًّا بهما لأهل الغشّ، حتى أعلمت مَنْ قِبلَي ما امتنّ الله به عليهم من ولاية أمير المؤمنين، فاستبشروا بذلك، وقالوا: لم تأتنا ولاية خليفة كانت آمالنا فيها أعظم ولا هي لنا أسرّ من ولاية أمير المؤمنين؛ وقد بسطتُ يدي لبيعتك فجدّدتها ووكَّدتها بوثائق العهود وترداد المواثيق وتغليظ الأيمان، فكلهم حسُنت إجابتُهم وطاعتُهم، فأثبْهم يا أميرَ المؤمنين بطاعتهم من مال الله الذي آتاك؛ فإنك أجودُهم جودًا وأبسطهم يدًا؛ وقد انتظروك راجين فضلَك قِبلَهم بالرّحم الذي استرحموك، وزدْهم زيادة يفضّل بها مَنْ كان قِبلَك؛ حتى يظهر بذلك فضلُك عليهم وعلي رعيّتِك؛ ولولا ما أحاول من سدّ الثغر (٢) الذي أنا به، لخفتُ أن يحملني الشوق إلى أمير المؤمنين أن أستخلف رجلًا على غير أمره، وأقدمَ لمعاينة أمير المؤمنين؛ فإنها لا يعدلها عندي عادل نعمة وإن عظمت؛ فإنْ رأي أمير المؤمنين أن يأذن لي في المسير إليه لأشافهه بأمور كرهتُ الكتاب بها فعل. فلما وليَ الوليد أجري على زَمْني أهِل الشأم وعميانهم وكسَاهم، وأمر لكل إنسان منهم بخادم، وأخرج لعيالات الناس الطيبَ والكسوة؛ وزادهم على ما كان يخرج لهم هشام، وزاد الناس جميعًا في العطاء عشرة عشرة، ثم زاد أهل الشأم بعد زيادة العشرات عشرة عشرة؛ لأهل الشأم خاصّة، وزاد مَن وفد إليه من أهل بيته في جوائزهم الضِّعْف، وكان وهو وليّ عهد يُطعِم من وفد إليه من أهل الصائفة قافلًا، ويُطعِم من صدَر عن الحجّ بمنزل يقال له زِيزاء ثلاثة أيام،ويعلف دوابّهم، ولم يقُلْ في شيء يُسأله: لا، فقيل: له: إن في قولك: أنظرُ، عِدَةً ما يقيم عليها الطالب؛ فقال: لا أعوّد لساني شيئًا لم أعتَده، وقال: ضمِنْتُ لكم إنْ لم تُعقْنِي عَوائِق ... بأَنَّ سَماءَ الضُرِّ عَنكم سَتُقْلِعُ (١) سَيُوشِكُ إلحاقٌ مَعًا وزيادةٌ ... وأعطِيَة مِنِّي عَليكُمْ تَبَرَّعُ مُحرَّمكُمْ دِيوانكُمْ وعطاؤكمْ ... به يكْتُبُ الكتَّابُ شَهْرًا وتَطبَعُ * * * وفي هذه السنة عقد الوليد بن يزيد لابنيْه الحكَم وعثمان البَيْعة من بعده، وجعلهما وليّيْ عهده؛ أحدهما بعد الآخر، وجعل الحكم مقدّمًا على عثمان، وكتب بذلك إلى الأمصار؛ وكان ممن كتب إليه بذلك يوسف بن عمر، وهو عامل الوليد يومئذ على العراق، وكتب بذلك يوسف إلى نَصر بن سيار؛ وكانت نسخة الكتاب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، من يوسف بن عمر إلى نَصْر بن سيّار؛ أما بعد فإني بعثت إليك نسخًة كتاب أمير المؤمنين الذي كتب به إلى مَنْ قِبَلي في الذي ولّي الحَكَم ابن أمير المؤمنين وعثمان ابن أمير المؤمنين من العهد بعده مع عقّال بن شَبَّة التميميّ وعبد الملك القينيّ، وأمرتهما بالكلام في ذلك؛ فإذا قدما عليك فاجمع لقراءة كتاب أمير المؤمنين الناس، ومُرْهم فليحشُدوا له، وقُمْ فيهم بالذي كتب أمير المؤمنين؛ فإذا فرغت فقم بقراءة الكتاب، وائْذَن لمن أراد أن يقوم بخطبة، ثم بايع الناس لهما على اسم الله وبركته، وخذ عليهم العهد والميثاق على الذي نسختُ لك في آخر كتابي هذا الذي نسخ لنا أمير المؤمنين في كتابه، فافهمه وبايع عليه، نسأل الله أن يبارك لأمير المؤمنين ورعيّته في الذي قضي لهم على لسان أمير المؤمنين، وأن يصلح الحَكم وعثمان، ويبارك لنا فيهما؛ والسلام عليك. وكتب النّضرْ يوم الخميس للنصف من شعبان سنة خمس وعشرين ومئة. بسم الله الرحمن الرحيم، تبايع لعبد الله الوليد أمير المؤمنين والحكَم ابنأمير المؤمنين إن كان من بعده وعثمان ابن أمير المؤمنين إن كان بعد الحكم على السمع والطاعة؛ وإن حدَث بواحد منهما حدث فأميرُ المؤمنين أملك في ولده ورعيته، يقدّم من أحبّ، ويؤخر مَنْ أحبّ. عليك بذلك عهد الله وميثاقه؛ فقال الشاعر في ذلك: نبايع عُثمانَ بَعْدَ الوَليـ ... ـد لِلعَهْدِ فينا ونرْجُو يَزِيدا كما كان إذا ذاك في ملكهِ ... يَزِيدُ يُرَجِّي لذاك الوَليدا عَلَى أَنَّها شَسَعَتْ شَسْمعَةً ... فنحْنُ نومّلُها أَن تَعُودا فإنْ هِيَ عَادَت فأَرْض القَريـ ... ـب عنها لِيؤيِسَ منها البَعِيدا قال أحمد: قال عليّ عن شيوخه الذين ذكرت: فقدِم عقّال بن شبَّة وعبد الملك بن نُعيم على نَصْر، وقدما بالكتاب وهو: أما بعدُ؛ فإنّ الله تباركتْ أسماؤه، وجلّ ثناؤه، وتعالي ذكره، اختار الإسلام دينًا لنفسه، وجعله دين خيرته من خَلْقه، ثم اصطفي من الملائكة رُسُلًا ومن الناس؛ فبعثهم به، وأمرهم به؛ وكان بينهم وبين مَن مضي من الأمم، وخلا من القرون قَرْنًا فقرْنًا يدعون إلى التي هي أحسن، ويهدون إلى صراط مستقيم؛ حتى انتهت كرامة الله في نبوّته إلى محمد صلوات الله عليه؛ على حين دُروسٍ من العلم، وعميً من الناس، وتشتيت من الهوي، وتفرّقٍ من السبُل، وطموسٍ من أعلام الحق؛ فأبان الله به الهُدَي، وكشف به العمي، واستنقذ به من الضلالة والرّدَي، وأبهج به الدين؛ وجعله رحمةً للعالمين، وختم به وحَيه، وجمع له ما أكرم به الأنبياء قبله؛ وقفَّي به على آثارهم؛ مصدّقًا لما نزل معهم، ومهيمنًا عليه، وداعيًا إليه، وآمرًا به؛ حتى كان مَنْ أجابه من أمته، ودخل في الدين الذي أكرمهم الله به، مصدّقين لما سلف من أنبياء الله فيما يكذّبهم فيه قومُهم، منتصحين لهم فيما يُنهونه، ذابّين لحُرمهم عما كانوا منتهكِين؛ معظمين منها لما كانوا مصغّرين؛ فليس من أمة محمد ﷺ أحدٌ كان يسمع لأحد من أنبياء الله فيما بعثه الله به مكذبًا، ولا عليه في ذلك طاعنًا، ولا له مؤذيًا بتسفيه له، أو ردٍّ عليه. أو جحد ما أنزل الله عليه ومعه، فلم يبقَ كافر إلا استحلّ بذلك دمَه، وقطع الأسباب التي كانت بينه وبينه؛ وإن كانوا آباءهم أو أبناءهم أو عشيرتَهم، ثم استخلف خلفاءه على منهاج نبوتّه؛ حين قبض نبيَّه ﷺ، وختَم به وحَيه لإنفاذحكمه، وإقامة سنّته وحدوده، والأخذ بفرائضه وحقوقه، تأييدًا بهم للإسلام، وتشييدًا بهم لعُرَاه؛ وتقويةً بهم لقوي حبله، ودفعًا بهم عن حريمه، وعَدْلًا بهم بين عباده، وإصلاحًا بهم لبلاده؛ فإنه تبارك وتعالي يقول: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (١)، فتتابع خلفاء الله على ما أورثَهم الله عليه من أمر أنبيائه، واستخلفهم عليه منه؛ لا يتعرّض لحقهم أحد إلا صرَعه الله، ولا يفارق جماعتهم أحدٌ إلا أهلكه الله؛ ولا يستخفّ بولايتهم، ويتَّهم قضاء الله فيهم أحدٌ إلا أمكنَهم الله منه، وسلّطهم عليه، وجعله نكالًا وموعظة لغيره؛ وكذلك صنع الله بمن فارقَ الطاعة التي أمر بلزومها والأخذ بها، والأثرة لها؛ والتي قامت السموات والأرض بها؛ قال الله تبارك وتعالي: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾ (٢) وقال عزّ ذكره: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ (٣). فبالخلافة أبقى مَن أبقي في الأرض من عباده، وإليها صيّره، وبطاعة مَنْ ولّاه إياها سعد من ألهمها ونصرها؛ فإن الله ﷿ علم أنْ لا قوام لشيء، ولا صلاح له إلا بالطاعة التي يحفظ الله بها حقه، ويُمضي بها أمره، ويُنْكِل (٤) بها عن معاصيه، ويوقف عن محارِمه، ويذبّ عن حرُماته؛ فمن أخذ بحظه منها كان لله وليًّا ولأمره مطيعًا، ولرشده مصيبًا، ولعاجل الخير وآجله مخصوصًا؛ ومَن تركها ورغب عنها وحادّ الله فيها أضاع نصيبَه، وعصي ربّه، وخسر دنياه وآخرته؛ وكانَ ممن غلبت عليه الشِّقْوة، واستحوذت عليه الأمور الغاوية، التي تورد أهلها أفظعَ المشارع (٥)، وتقودهم إلى شرّ المصارع، فيما يحلّ الله بهم في الدنيا من الذلة والنقمة، ويصيّرهم فيما عندهم من العذاب والحسْرة.والطاعة رأس هذا الأمر وذِرْوته وسنامه ومِلاكه وزمامه، وعصمته وقوامه بعد كلمة الإخلاص التي ميّز الله بها بين العباد، وبالطاعة نال المفلحون من الله منازلهم، واستوجبوا عليه ثوابهم، وفي المعصية مما يحلّ بغيرهم من نقماته، ويُصيبهم عليه، ويحقُّ من سخطه وعذابه، وبترك الطاعة والإضاعة لها والخروج منها والإدبار عنها والتبذّل [للمعصية] بها، أهلك الله مَن ضلّ وعَتا، وعمى وغلا، وفارق مناهج البرّ والتقوى. فالزموا طاعة الله فيما عَراكم ونالكم؛ وألَمَّ بكم من الأمور وناصحوها واستوثقوا عليها، وسارعوا إليها وخالصوها، وابتغوا القُرْبة إلى الله بها؛ فإنكم قد رأيتم مواقع الله لأهلها في إعلائه إياهم، وإفلاجه (١) حجّتهم، ودفعه باطل مَنْ حادّهم وناوأهم وساماهم، وأراد إطفاء نور الله الذي معهم، وخُبّرتُم مع ذلك ما يصير إليه أهل المعصية من التَّوبيخ لهم والتقصير بهم؛ حتى يؤولَ أمرُهم إلى تبار وصَغار، وذلة وبوار، وفي ذلك لمن كان له رأي وموعظة عبرة يُنتفع بواضحها، ويتمسَّك بحظوتها؛ ويعرف خيرة قضاء الله لأهلها. ثم إن الله - وله الحمد والمنّ والفضل - هدي الأمة لأفضل الأمور عاقبةً لها في حَقْن دمائها، والتئام ألفتها، واجتماع كَلِمتها، واعتدال عَمُودها، وإصلاح دهمائها (٢). وذخر النعمة عليها في دنياها، بعد خلافَتِه التي جعلها لهم نظامًا، ولأمرهم قوامًا؛ وهو العهد الذي ألهم الله خلفاءه توكيَده والنظر للمسلمين في جسيم أمرهم فيه؛ ليكون لهم عندما يحدث بخلافائهم ثقةً في المفزع وملتجأ في الأمر، ولمًّا للشَّعَث، وصلاحًا لذات البَيْن، وتثبيتًا لأرجاء الإسلام، وقطعًا لنزغات الشيطان، فيما يتطلع إليه أولياؤه، ويُوثبهم عليه من تلَف هذا الدين وانصداع شَعْب أهله، واختلافهم فيما جمعهم الله عليه منه؛ فلا يريهم الله في ذلك إلّا ما ساءهم، وأكذب أمانيَّهم، ويجدون الله قد أحكم بما قضي لأوليائه من ذلك عُقد أمورهم، ونفي عنهم من أراد فيها إدغالًا أو بها إغلالًا، أو لما شدّد الله منها توهينًا، أو فيما تولّى الله منها اعتمادًا، فأكمل الله بها لخلفائه وحِزْبه البَرّالذين أودعهم طاعته أحسن الذي عوّدهم، وسبّب لهم من إعزازه وإكرامه وإعلائه وتمكينه، فأمْرُ هذا العهد من تمام الإسلام، وكمال ما استوجب الله على أهله من المنَن العظام؛ ومما جعل الله فيه لمن أجراه على يديْه، وقضي به على لسانه، ووفّقه لمن ولّاه هذا الأمر عنده أفضلَ الذُّخر؛ وعند المسلمين أحسن الأثر فيما يؤثِر بهم من منفعته، ويتّسع لهم من نعمته، ويستندون إليه من عِزّه، ويدخلون فيه من وزره الذي يجعل الله لهم به منَعة، ويحرزهم به من كلّ مهلّكة، ويجمعهم به من كلّ فُرقة، ويقمع به أهل النفاق، ويعصِمهم به من كلّ اختلاف وشقاق، فاحمدَوا الله ربَّكم الرؤوف بكم، الصانع لكم في أموركم على الذي دلّكم عليه من هذا العهد؛ الذي جعله لكم سكنًا ومعولًا تطمئنون إليه، وتستظلون في أفنانه؛ ويستنهج لكم به مثْنَي أعناقكم، وَسِمات وجوهكم، وملتَقي نواصيكم في أمر دينكم ودنياكم؛ فإنّ لذلك خطرًا عظيمًا من النعمة، وإنّ فيه من الله بلاء حسنًا في سعة العافية؛ يعرفه ذوو الألباب والنيات المريِّئون (١) من أعمالهم في العواقب، والعارفون منارَ مناهج الرّشد؛ فأنتم حقيقون بشكْر الله فيما حفظ به دينكم وأمر جماعتكم من ذلك، جديرون بمعرفة كنه واجب حقه فيه، وحمده على الذي عزم لكم منه؛ فلتكن منزلة ذلك منكم، وفضيلته في أنفسكم على قَدْر حسن بلاء الله عندكم فيه إن شاء الله، ولا قوّة إلا بالله. ثم إنّ أمير المؤمنين لم يكن منذ استخلفه الله بشيء من الأمور أشدَّ اهتمامًا وعنايةً منه بهذا العهد؛ لعلمه بمنزلته من أمر المسلمين، وما أراهم الله فيه من الأمور التي يغتبطون بها، ويكرمهم بما يقضي لهم ويختار له ولهم فيه جهده؛ ويستقضي له ولهم فيه إلهه ووليّه؛ الذي بيده الحكْم وعند الغيب، وهو على كل شيء قدير، ويسأله أن يعينه من ذلك على الذي هو أرشد له خاصة وللمسلمين عامَّة. فرأى أمير المؤمنين أن يعهدَ لكم عهدًا بعد عهد، تكونون فيه على مثل الذي كان عليه من كان قبلكم، في مُهْلة من انفساح الأمل وطُمأنينة النفس، وصلاح ذات البين؛ وعِلْم موضع الأمر الذي جعله الله لأهله عصمةً ونجاةً وصلاحًا وحياة، ولكل منافق وفاسق يحبّ تلف هذا الدّين وفساد إهله وقْمًا وخسارًاوقدْعًا (١)، فولَّى أمير المؤمنين ذلك الحكمَ ابن أمير المؤمنين، وعثمان ابن أمير المؤمنين من بعده، وهما ممّن يرجو أمير المؤمنين أن يكون الله خلقه لذلك وصاغه، وأكمل فيه أحسنَ مناقب من كان يوليه إياه، في وفاء الرّأي وصحة الدين، وجزالة المروءة والمعرفة بصالح الأمور، ولم يألُكم أمير المؤمنين ولا نفسه في ذلك اجتهادًا وخيرًا. فبايعوا للحكَم ابن أمير المؤمنين باسم الله وبركتِه ولأخيه من بعده؛ على السمع والطاعة، واحتسبوا في ذلك أحسنَ ما كان الله يُريكم ويبليكم ويعوّدكم ويعرّفكم في أشباهه فيما مضي، من اليسر الواسع والخير العام، والفضل العظيم الذي أصبحتم في رَجائه وخفضه وأمنه ونعمته، وسلامته وعصمته، فهو الأمر الذي استبطأتموه واستسرعتم إليه، وحمدتم الله على إمضائه إياه، وقضائه لكم، وأحدثتم فيه شكرًا، ورأيتموه لكم حظًّا، تستبقونه وتجهدون أنفسكمِ في أداء حقّ الله عليكم، فإنه قد سبق لكم في ذلك من نِعمَ الله وكرامته وحسن قسْمه ما أنتم حقيقون أن تكون رغبتكم فيه، وحَدَبكم عليه، على قَدْر الذي أبلاكم الله، وصنع لكم منه. وأمير المؤمنين مع ذلك إن حدث بواحد من وليّيْ عهده حَدَثٌ أَوْلَي بأن يجعل مكانه وبالمنزل الذي كان به مَنْ أحبّ أن يجعل من أمته أو ولده، ويقدّمه بين يدي الباقي منهما إن شاء، أو أن يؤخره بعده، فاعلموا ذلك وافهموه. نسأل الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم أنْ يبارك لأمير المؤمنين ولَكُم في الذيما قضي به على لسانه من ذلك وقدّر منه؛ وأن يجعل عاقبته عافيةً وسرورًا وغبطة؛ فإن ذلك بيده ولا يملكه إلا هُوَ، ولا يرغب فيه إلا إليه، والسلام عليكم ورحمة الله. وكتب سَمَال يوم الثلاثاء لثمان بقين من رجب سنة خمس وعشرين ومئة. * * * وفيها وفد يوسف بن عمر على الوليد، فاشتري نصرًا وعماله منه، فردّ إليه الوليد ولاية خراسان. وفي هذه السنة كتب يوسف بن عمر إلى نصر بن سيَّار يأمره بالقدوم عليه،ويحمل معه ما قدَر عليه من الهدايا والأموال. * ذكر الخبر عما كان من أمر يوسف ونصر في ذلك: ذكر عليّ عن شيوخه: أن يوسف كتب إلى نَصْر بذلك، وأمرَه أن يقدَم معه بعياله أجمعين، فلما أتي نصرًا كتابه، قسّم على أهل خراسان الهدايا وعلي عُمّاله، فلم يدعْ بخُراسان جاريةً ولا عبدًا ولا بِرذوْنا فارهًا إلا أعدَّه، واشتري ألف مملوك، وأعطاهم السلاح، وحملهم على الخيل. قال: وقال بعضهم: كان قد أعدَّ خمسمئة وصيفة، وأمر بصنعة أباريق الذّهب والفِضَّة وتماثيل الظباء ورؤوس السّباع والأيايل وغير ذلك؛ فلما فرغ من ذلك كله كتب إليه الوليد يستحثّه، فسّرح الهدايا حتى بلغ أوائلها بَيْهق؛ فكتب إليه الوليد يأمره أن يبعث إليه ببرابط وطنابير، فقال بعض شعرائهم: فأَبْشِرْ يا أَمِينَ اللـ ... ـهِ أَبشِرْ بتَباشِيْر بإِبْل يُحْمَلُ المالُ ... عليها كالأَنابيرْ بِغالٌ تَحْملُ الخمرَ ... حَقائِبها طَنابِيرْ ودَلُّ البَرْبَريَّاتِ ... بِصَوتِ البَمِّ والزيْر وقَرْعُ الدُّفِّ أحيانًا ... ونَفْخٌ بالمزامِيرْ فهذا لك في الدنيا ... وفي الجَنَّةِ تَحْبيرْ قال: وقدم الأزرق بن قرّة المِسمَعيُّ من التِّرمذ أيام هشام على نصر، فقال لنصر: إنْي أريتُ الوليد بن يزيد في المنام؛ وهو وليّ عهد شبه الهارب من هشام، ورأيتُه على سرير، فشرب عسلًا وسقاني بعضه، فأعطاه نصر أربعة آلاف دينار وكُسوة، وبعثه إلى الوليد، وكتب إليه نصر. فأتي الأزرقُ الوليد، فدفع إليه المال والكسوة، فسُرّ بذلك الوليد، وألطف الأزرق، وجزي نصرًا خيرًا، وانصرف الأزرق، فبلغه قبل أن يصل إلى نَصْر موتُ هشام، ونصر لا علم له بما صنع الأزرق، ثم قدم عليه فأخبره؛ فلمّا ولي الوليدُ كتب إلى الأزرق وإلي نصر، وأمر رسوله أن يبتدئ بالأزرق فيدفع إليه كتابه، فأتاه ليلًا، فدفع إليه كتابه وكتاب نصر، فلم يقرأ الأزرق كتابه، وأتي نصرًا بالكتابين؛ فكان في كتاب الوليد إلى نصر يأمره أن يتّخذ له برابط وطنابير وأباريق ذهب وفضة، وأن يجمع له كلَّ صَنّاجة بخراسان يقدر عليها، وكلَّ بارئوبِرْذون فاره، ثم يسير بذلك كله بنفسه في وجوه أهل خراسان، فقال رجل من باهلة: كان قوم من المنجّمين يُخبرون نصرًا بفتنةٍ تكون؛ فبعث نصر إلى صدقة بن وثَّاب وهو ببلْخ - وكان منجمًا - وكان عنده، وألحَّ عليه يوسف بالقدوم؛ فلم يزل يتباطأ، فوجّه يوسف رسولًا وأمره بلزومه يستحثه بالقدوم، أو ينادي في الناس أنه قد خَلَع؛ فلما جاءه الرسول أجازه وأرضاه، وتحوّل إلى قصره الذي هو دار الإمارة اليوم؛ فلم يأت لذلك إلا يسير حتى وقعت الفتنة، فتحوّل نصر إلى قصره بماجان، واستخلف عصمة بن عبد الله الأسديّ على خُراسان، وولّي المهلبَ بن إياس العدويّ الخراج، وولّي موسي بن ورقاءَ الناجيَ الشاشَ، وحسان من أهل صَغَانِيانَ الأسديَّ سَمَرْقند، ومُقاتل بن عليّ الشُغديَّ آمُل، وأمرهم إذا بلغهم خروجُه من مَرْو أن يستحلبوا الترك؛ وأن يغيروا على ما وراء النهر؛ لينصرف إليهم بعد خروجه، يعتلُّ بذلك، فبينما هو يسير يومًا إلى العراق طَرَقَه ليلًا موليً لبني لَيث؛ فلمَّا أصبح أذِن للناس، وبعث إلى رسل الوليد؛ فحمد الله وأثني عليه، ثم قال: قد كان في مسيري ما قد علمتُم، وبعثي بالهدايا ما رأيتم؛ فطرَقني فلان ليلًا، فأخبرني أنّ الوليد قد قُتل، وأن الفتنة قد وقعت بالشأم؛ وقدم منصور بن جمهور العراق، وقد هرب يوسف بن عمر، ونحن في بلاد قد علمتم حالتها وكثرة عدوّنا، ثم دعا بالقادم فأحلفه إنّ ما جاء به لحقّ! فحلف؛ فقال سلْم بن أحوز: أصلح الله الأمير، لو حَلفتُ لكنت صادقًا؛ إنه بعض مكايد قريش، أرادوا تهجين طاعتِك، فسِرْ ولا تهجِّنا. قال: يا سلم أنتَ رجل لك علم بالحروب، ولك مع ذلك حسن طاعة لبني أمية؛ فأمَّا مثل هذا من الأمور فرأيك فيه رأي أمَة همّاء (١). ثم قال نصر: لم أشهد بعد ابن خازم أمرًا مفظعًا إلّا كنت المفزِعَ في الرأي؛ فقال الناس: قد علمنا ذلك، فالرأي رأيك. [٧/ ٢٠٩ - ٢٢٦]. * * * وفي هذه السنة وجَّه الوليد بن يزيد خاله يوسف بن محمد بن يوسف الثقفيّ واليًا على المدينة ومكة والطائف، ودفع إليه إبراهيم ومحمد ابني هشام بنإسماعيل المخزومي موثَقَيْن في عباءتين، فقدم بهما المدينة يوم السبت لاثنتي عشرة بقيت من شعبان سنة خمس وعشرين ومئة، فأقامهما للناس بالمدينة، ثم كتب الوليد إليه يأمره أن يبعث بهما إلى يوسف بن عمر، وهو يومئذ عامله على العراق؛ فلما قدما عليه عذبّهما حتى قتلهما؛ وقد كان رُفع عليهما عند الوليد أنهما أخذا مالًا كثيرًا. * * * وفي هذه السنة عزل يوسف بن محمد سعد بن إبراهيم عن قضاء المدينة، وولاهما يحيى بن سعيد الأنصاريّ. * * *

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Critical assessments

  • Da'IfDa'If

    في دنياها، بعد خلافَتِه التي جعلها لهم نظامًا، ولأمرهم قوامًا؛ وهو العهد الذي ألهم الله خلفاءه توكيَده والنظر للمسلمين في جسيم أمرهم فيه؛ ليكون لهم عندما يحدث بخلافائهم ثقةً في المفزع وملتجأ في الأمر، ولمًّا للشَّعَث، وصلاحًا لذات البَيْن، وتثبيتًا لأرجاء الإسلام، وقطعًا لنزغات الشيطان، فيما يتطلع إليه أولياؤه، ويُوثبهم عليه من تلَف هذا الد

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
340467
Book record
shamela-145435
Source record
dedupe:1593:918306
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate