Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

غزو قبرس

محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري · page 4249, entry [1594]

صحيح وضعيف تاريخ الطبري — محمد بن طاهر البرزنجي

Open narrator profile: غزو قبرس
page 4249, entry [1594]Open original source
غزو قبرس وفيها غزّى الوليد بن يزيد أخاه الغَمْر بن يزيد بن عبد الملك، وأمَّر على جيش البحر الأسودَ بن بلال المحاربيّ، وأمره أن يسير إلى قبرس فيخيّرهم بين المسير إلى الشأم إن شاؤوا، وإن شاؤوا إلى الروم، فاختارت طائفة منهم جوار المسلمين، فنقلهم الأسود إلى الشأم؛ واختار آخرون أرض الروم فانتقلوا إليها. * * * وفيها قدم سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم ولاهز بن قُريظ وقحطبة بن شبيب مكة، فلقوا - في قول بعض أهل السيرَ - محمد بن عليّ فأخبروه بقصّة أبي مسلم وما رأوْا منه؛ فقال لهم؛ أحرٌّ هو أم عبد؟ قالوا: أما عيسي فيزعم أنّه عبد، وأما هو فيزعم أنه حرٌّ. قال: فاشتروْه وأعتقوه، وأعطوا محمد بن عليّ مئتي ألف درهم وكسوة بثلاثين ألف درهم، فقال لهم: ما أظنكم تلقوني بعد عامي هذا، فإن حدَثَ بي حدث فصاحبكم إبراهيم بن محمد، فإني أثق به وأوصيكم به خيرًا، فقد أوصيته بكم، فصدروا من عنده. [٧/ ٢٢٦ - ٢٢٧]. وحجّ بالناس في هذه السنة يوسف بن محمد بن يوسف الثقفيّ، حدثني بذلك أحمد بن ثابت، عمَّن ذكره، عن إسحاق بن عيسي، عن أبي معشر. [٧/ ٢٢٨]. * * ** ذكر الخبر عن مقتله: قد مضى ذكرُنا قبلُ أمرَ مصير يحيى بن زيد بن عليّ إلى خراسان، وسبب ذلك؛ ونذكر الآن سبَب مقتله؛ إذ كان ذلك في هذه السنة. ذكر هشام بن محمد الكلبيّ عن أبي مخنف، قال: أقام يحيى بن زيد بن عليّ عند الحَريش بن عمرو بن داود ببَلْخ حتى هلك هشام بن عبد الملك، وولي الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فكتب يوسف بن عمر إلى نَصْر بن سيّار بمسير يحيى بن زيد وبمنزله الذي كان ينزل؛ حتى أخبره أنه عند الحَريش، وقال له: ابعث إليه وخُذْه أشدّ الأخذ. فبعث نصر بن سيَّار إلى عَقِيل بن معقِل العجليّ، يأمره أن يأخذ الحرِيش ولا يفارقه حتى تزهق نفسه أو يأتيه بيحيى بن زيد بن عليّ. فبعث إليه عقيل، فسأله عنه، فقال: لا عِلْمَ لي به، فجلده ستمئة سَوْط، فقال له الحَرِيش: والله لو أنه كان تحت قدميّ ما رفعتُهما لك عنه؛ فلما رأي ذلك قُرَيش بن الحَريش أتي عَقِيلًا، فقال: لا تقتل أبي وأنا أدلك عليه، فأرسل معه فدلّه عليه، وهو في بيت في جوف بيت، فأخذه ومعه يزيد بن عمر والفضل مولي عبد القيس - كان أقبل معه من الكوفة - فأتي به نصر بن سيَّار فحبسه، - وكتب إلى يوسف بن عمر يخبره بذلك؛ فكتب بذلك يوسف إلى الوليد بن يزيد، فكتب الوليد إلى نصر بن سيَّار، يأمره أن يؤمنَه، ويخلّي سبيله وسبيل أصحابه، فدعاه نصر بن سيَّار، فأمره بتقوي الله، وحذَّره الفتنة، وأمره أن يلحق بالوليد بن يزيد، وأمر له بألفي درهم وبغلين، فخرج هو وأصحابه حتى انتهى إلى سَرَخْس، فأقام بها وعليها عبد الله بن قيس بن عُبّاد، فكتب إليه نصر بن سيّار أن يشخصه عنها، وكتب إلى الحسن بن زيد التميميّ - وكان رأس بني تميم، وكان على طُوس - أن انظر يحيى بن زيد، فإذا مرّ بكم فلا تَدَعه يقيم بطوس حتى يخرج منها، وأمرهما إذا هو مرّ بهما ألّا يُفارقاه حتى يدفعاه إلى عمرو بن زرارة بأبْرَشهر. فأشخصه عبد الله بن قيس من سَرْخس، ومرّ بالحسن بن زيد فأمره أن يمضي، ووكّل به سرحان بن فرُّوخ بن مجاهد بن بلعاء العنبريّ أبا الفضل، وكان على مَسْلحة. قال: فدخلت عليهُ، فذكر نصرَ بن سيّار، وما أعطاه؛ فإذا هو كالمستقلّ له؛ فذكر أمير المؤمنين الوليد بن يزيد، فأثني عليه، وذكر مجيئه بأصحابه معه،وأنه لم يأت بهم إلا مخافة أن يُسَمَّ أو يُغَمَّ، وعرَّض بيوسف؛ وذكر أنه إياه يتخوَّف، وقد كان أراد أن يقع فيه ثم كفّ، فقلت له: قُل ما أحببت رحمك الله؛ فليس عليك مني عين؛ فقد أتي إليك ما يستحقّ أن تقول فيه. ثم قال: العجب من هذا الذي يقيم الأحراس أو أمر الأحراس، قال: - وهو حينئذ يتفصّح: والله لو شئتُ أن أبعث إليه؛ فأوتَي به مربوطًا، قال: فقلتُ له: لا واللهِ ما بك صُنع هذا؛ ولكن هذا شيء يصنع في هذا المكان أبدًا، لمكان بيت المال، قال: واعتذرتُ إليه من مسيري معه، وكنت أسير معه على رأس فرْسخ، فأقبلنا معه حتى وقعنا إلى عمرو بن زُرارة، فأمر له بألف درِهم، ثم أشخصه حتى انتهى إلى بَيْهق، وخاف اغتيال يوسف إياه، - فأقبل من بَيْهق - وهي أقصي أرض خراسان، وأدناه من قُومِس - فأقبل في سبعين رجلًا إلى عمرو بن زرارة، ومرّ به تجار، فأخذ دوابّهم، وقأل: علينا أثمانها، فكتب عمرو بن زرارة إلى نصر بن سيار، فكتب نصر إلى عبد الله بن قيس وإلي الحسن بن زيد أن يمضيا إلى عمرو بن زرارة، فهو عليهم، ثم ينصبوا ليحيى بن زيد فيقاتلوه، فجاؤوا حتى انتهوْا إلى عمرو بن زرارة، واجتمعوا فكانوا عشرة آلاف، وأتاهم يحيى بن زيد؛ وليس هو إلّا في سبعين رجلًا، فهزمهم وقتل عمرو بن زرارة، وأصاب دوابّ كثيرة. وجاء يحيى بن زيد حتى مرّ بهَراة، وعليها مغلّس بن زياد العامريّ، فلم يعرض واحد منهما لصاحبه، فقطعها يحيى بن زيد، وسرّح نصر بن سيَّار سلم بن أحوز في طلب يحيى بن زيد، فأتي هَرَاة حين خرج منها يحيى بن زيد فأتبعه فلحقه بالجوزجان بقرية منها، وعليها حماد بن عمرو السُّغديّ. قال: ولحق بيحيى بن زيد رجل من بني حنيفة يقال له أبو العجلان، فقتِل يومئذ معه: ولحق به الحَسْحاس الأزديّ فقطع نصر بعد ذلك يدَه ورجله. قال: فبعث سلم بن أحوز سَوْرة بن محمد بن عزيز الكنديّ على ميمنته، وحمّاد بن عمرو السغديّ على ميسرته، فقاتله قتالًا شديدًا، فذكروا أن رجلًا من عَنَزة، يقال له عيسى، مولى عيسى ين سليمان العَنَزيّ رماه بنُشَّابة، فأصاب جبهته. قال: وقد كان محمد شهد ذلك اليوم، فأمره سلم بتعبئَة الناس، فتمارضعليه، فعبّي الناس سوْرة بن محمد بن عزيز الكنديّ، فاقتتلوا فقُتلوا من عند آخرهم، ومرّ سوْرة بيحيى بن زيد فأخذ رأسه، وأخذ العَنِزيّ سلَبه وقميصَه، وغلبه سوْرة على رأسه. فلما قتل يحيى بن زيد وبلغ خبرُه الوليد بن زيد، كتب - فيما ذكر هشام عن موسى بن حبيب؛ أنه حدثه - إلى يوسف بن عمر: إذا أتاك كتابي هذا، فانظر عجل العراق فأحرقه ثم انسفه في اليمّ نسفًا، قال: فأمر يوسف خراش بن حوشب، فأنزله من جِذْعه وأحرقه بالنار، ثم رضّه فجعله في قَوْصرة، ثم جعله في سفينة، ثم ذرّاه في الفرات. [٧/ ٢٢٨ - ٢٣٠]. قال: وقال عمرو بن سعيد الثقفيّ: أوفدني يوسف بن عمر إلى الوليد فلما قدمتُ قال لي: كيف رأيتَ الفاسقَ؟ يعني بالفاسق الوليد - ثم قال: إياك أن يسمع هذا منك أحدٌ، فقلت: حبيبة بنت عبد الرحمن بن جُبير طالق إن سمعتْه أذني ما دمتَ حيًّا؛ فضحك. قال: فثقل الوليدُ على الناس، ورماه بنو هشام وبنو الوليد بالكُفر وغشيان أمّهات أولاد أبيه، وقالوا: قد اتخذ مئة جامعة؛ وكتب على كلّ جامعة اسمَ رجل من بني أمية ليقتله بها، ورموْه بالزّندقة، وكان أشدّهم فيه قولًا يزيد بن الوليد بن عبد الملك، وكان الناسُ إلى قوله أميل؛ لأنه كان يُظِهر النسك ويتواضع، ويقول: ما يسعنا الرضَا بالوليد؛ حتى حمل الناس على الفتْك به. [٧/ ٢٣٢]. * * * وقال عليّ عن الحكم بن النعمان، قال: أجمع الوليد على عزل يُوسف واستعمال عبد الملك بن محمد بن الحجّاج، فكتب إلى يوسف: إنك كتبتَ إلى أمير المؤمنين تذكر تخريبَ ابن النصرانيَّة البلاد، وقد كنتَ على ما ذكرت من ذلك تحمل إلى هشام ما تحمل، وقد ينبغي أن تكون قد عَمَرت البلاد حتى رددتَها إلى ما كانت عليه؛ فاشخص إلى أمير المؤمنين، فصدّق ظنَّه بك فيما تحمل إليه لعمارتك البلاد، وليعرِف أمير المؤمنين فضلَك على غيرك؛ لما جعل الله بينك وبين أمير المؤمنين من القَرابة؛ فإنك خالُه، وأحقّ الناس بالتوفير عليه، ولما قد علمتَ ممّا أمر به أمير المؤمنين لأهل الشأم، وغيرهم من الزّيادة في أعطياتهم، وما وصل به أهلَ بيته لطول جَفْوة هشام إياهم، حتى أضرّ ذلكببيوت الأموال، قال: فخرج يوسف واستخلف ابن عمّه يوسف بن محمد، وحمل من الأموال والأمتعة والآنية ما لم يحملْ من العراق مثله. فقدم - وخالد بن عبد الله محبوس - فلقيه حسَان النَّبطيّ ليلًا، فأخبره أنّ الوليد عازم على تولية عبد الملك بن محمد بن الحجاج، وأنه لابدّ ليوسف فيها من إصلاح أمر وزرائه، فقال: ليس عندي فضل درهم، قال: فعندي خمسمئة ألف درهم، فإن شئتَ فهي لك، وإن شئت فارددْها إذا تيسرت. قال: فأنت أعرفُ بالقوم ومنازلهم من الخليفة مني، ففرّقْها على قدر عِلْمِك فيهم، ففعل، وقدم يوسف والقوم يعطمّونه، فقال له حسان: لا تَغْدُ على الوليد؛ ولكن رُحْ إليه رواحًا؛ واكتب على لسان خليفتك كتابًا إليك: إنّي كتبت إليك ولا أملك إلا القَصْر، وادخل على الوليد والكتابُ معك متحازِنًا، فأقْرئه الكتاب، ومُرْ أبان بن عبد الرحمن النميريّ يشتري خالدًا منه بأربعين ألف ألف، ففعل يوسف، فقال له الوليد: ارجع إلى عملك، فقال له أبان: ادفع إليّ خالدًا وأدفع إليك أربعين ألف ألف درهم، قال: ومن يضمن عنك؟ قال: يوسف، قال: أتضمن عنه؟ قال: بل ادفعه إليّ، فأنا أستأديه خمسين ألف ألف، فدفعه إليه، فحمله في محمل بغير وِطاء. قال محمد بن محمد بن القاسم: فرحمتُه، فجمعت ألطافًا كانت معنَا من أخبصة يابسة وغيرها في منديل، وأنا على ناقة فارهة، فتغَفّلتُ يوسفَ، فأسرعتُ ودنوتُ من خالد، ورميتُ بالمنديل في محمله، فقال لي: هذا من متاع عُمان - يعني أن أخي الفَيْض كان على عُمان، فبعث إليّ بمال جسيم - فقلت في نفسي: هذا على هذه الحالة وهو لا يَدع هذا! ففطن يوسف بي فقال لي: ما قلتَ لابن النصرانيَّة؟ فقلت: عرضتُ عليه الحاجة، قال: أحسنتَ، هو أسير؛ ولو فطن بما ألقيتُ إليه للقيني منه أذيً. وقدم الكوفة فقتله في العذاب؛ فقال الوليد بن يؤيد - فيما زعم الهيثم بن عديّ - شعرًا يُوبّخ به أهل اليمن في تركهم نُصرة خالد بن عبد الله. وأما أحمد بن زهر، فإنه حدّثه عن عليّ بن محمد؛ عن محمد بن سعيد العامريّ، عامر كلب، أنّ هذا الشعر قاله بعض شعراء اليمن على لسان الوليد يحرّض عليه اليمانية:أَلمْ تهتجْ فتدّكرَ الوصالَا ... وحَبْلًا كان مُتَّصِلًا فزالا بَلَي فالدَّمعُ منك له سِجَامٌ ... كماءِ المُزن يَنَسجِلُ انسجالا فَدَعْ عنك ادِّكارَكَ آلَ سُعْدي ... فنحن الأَكثُرونَ حصًى ومالا ونحن المالكون الناس قسْرًا ... نَسُومهُمُ المذَلّةَ والنكالا وَطِئنا الأشعرينَ بعِزّ قيسٍ ... فيالك وطأَةً لن تُستقالا! وهذا خالدٌ فينا أَسِيرًا ... ألا منعوه إنْ كانوا رجالا! عَظِيمُهُمُ وسيّدُهُمْ قِديمًا ... جعلنا المُخْزِياتِ له ظلالا فلو كانت قبائلَ ذاتَ عزٍّ ... لَما ذهَبَتْ صَنائِعُهُ ضَلالا ولا ترَكوهُ مسلوبًا أسيرًا ... يُسامِرُ من سَلاسِلنِا الثقالا - ورواه المدائنيّ: "يعالج من سلاسلنا" - وكِنْدَةُ والسّكون فما استقالوا ... ولا برحَتْ خُيولهمُ الرّحَالا بها سُمْنا البَريَّة كُلَّ خَسْفٍ ... وهَدَّمنا السُّهُولةَ والجبالا ولكنّ الوقائع ضَعْضَعتهمْ ... وجَذَّتهُمْ وَردَّتهُمْ شِلالا فما زالوا لنا أَبَدًا عَبيدًا ... نسُومُهُمُ المذلَّةَ والسِّفالا فأصبحتُ الغداة عليَّ تاجٌ ... لمُلكِ الناس ما يَبغي انتِقالا فقال عمران بن هلباء الكلبيّ يجيبه: قِفي صدْرَ المَطِيَّةِ يا حلالا ... وجذّي حَبْل مَنْ قطعَ الوصالا أَلمْ يحْزُنْكِ أنَّ ذوِي يَمانٍ ... يُرَي مَنْ حاذَ قَيْلهم جُلالا جَعلنا للقبائِلِ مِنْ نزارٍ ... غَداة المَرْج أيامًا طِوالا بنا مَلكَ المُملّكُ من قريش ... وأوْدَي جَدّ مَنْ أوَدي فَزالا متى تلقَ السَّكُون وتلق كلبًا ... بعَبْس كل تَخْشَ مِنْ ملكٍ زوالا كذاكَ المرءُ ما لم يُلفَ عَدْلًا ... يكون عليه منطِقُهُ وَبَالا أَعِدُّوا آلَ حِمْيرَ إذْ دُعِيتُم ... سُيُوفَ الهندِ والأَسَلَ النهالا ولَّ مُقلَّصٍ نَهدِ القُصَيْرَي ... وذا فَوْدَينِ والقُبَّ الجبالا يَذَرْنَ بكلّ مُعْتَرَكٍ قتيلا ... عليه الطيرُ قد مَذِلَ السؤالا لِئن عَيرْتمونا ما فعلنا ... لقد قلتمْ وجَدِّكُمُ مَقالا لإخوانُ الأَشاعِثِ قَتَّلوهمْ ... فما وُطِئوا ولا لاقَوْا نكالاوأبناءُ المهلّبِ نحنُ صُلنا ... وقائِعَهُمْ وما صُلتُمْ مَصالا وقد كانَتْ جُذَامُ على أخيهمْ ... ولخمٌ يقتُلونُهُم شلالا هربنا أن نُساعِدَكُمْ عليهمْ ... وقد أخطا مُساعِدُكمْ وفالا فإن عُدْتُمْ فإنَّ لنا سُيوفًا ... صَوارِمَ نَسْتَجِدُّ لها الصقالا سَنَبَكِي خالِدًا بِمُهنَّداتٍ ... ولا تَذهَبْ صَنائِعُهُ ضَلالا أَلمْ يَكُ خالدٌ غَيثَ اليَتامي ... إذا حَضرُوا وكنتَ لهم هُزالا! يُكفِّنُ خالدٌ مَوْتي نِزار ... ويُثرِي حَيّهمْ نَشَبًا ومالا لو أنَّ الجائِرينَ عليه كانوا ... بساحةِ قومِهِ كانوا نَكالا ستَلقَى إن بَقِيتَ مُسَوّماتٍ ... عوابسَ لا يُزايلنَ الحِلالا فحدّثني أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد، قال: فازداد الناس على الوليد حنَقًا لمّا روي هذا الشعر، فقال ابن بيض: وصلتَ سَمَاءَ الضُّرِّ بالضرِّ بعدما ... زعمْتَ سَماءُ الضرِّ عنا سَتُقلَعُ فليت هشامًا كان حيًّا يَسُوسُنا ... وكنَّا كما كنَّا نُرَجِّي ونَطمَعُ (١) وكان هشام استعمل الوليد بن القعقاع على قِنسَّرين وعبد الملك بن القعقاع على حِمْص، فضرب الوليد بن القعقاع ابنَ هبيرة مئة سوط؛ فلما قام الوليد هرب بنو القعقاع منه، فعاثوا بقبْر يزيد بن عبد الملك؛ فبعث إليهم، فدفعهم إلى يزيد بن عمر بن هبيرة - وكان على قنَّسرين - فعذّبهم، فمات في العذاب الوليد بن القعقاع وعبد الملك بن القعقاع ورجلان معهما من آل القعقاع، واضطغن على الوليد آل الوليد وآل هشام وآل القعقاع واليمانية بما صنع بخالد بن عبد الله، فأتت اليمانية يزيدَ بن الوليد، فأرادوه على البَيْعة، فشاور عمرو بن يزيد الحكميّ، فقال: لا يبايعك الناس على هذا، وشاور أخاك العباس بن الوليد، فإنه سيّد بني مروان؛ فإنْ بايعك لم يخالفْك أحد، وإن أبي كان الناسُ لهأطَوَع، فإن أبيتَ إلّا المضيّ على رأيك فأظهِرْ أنّ العباس قد بايعك، وكانت الشأم تلك الأيام وبيّة، فخرجوا إلى البوادي؛ وكان يزيد بن الوليد متبدّيًا، وكان العباس بالقَسْطل بينهما أميال يسيرة. فحدّثني أحمد بن زهير. قال: حدّثني عليّ، قال: أتي يزيد أخاه العباس، فأخبره وشاوره، وعاب الوليد، فقال له العبّاس: مهلًا يا يزيد؛ فإنّ في نقض عهد الله فساد الدين والدنيا، فرجع يزيد إلى منزله، ودبّ في الناس فبايعوه سرًّا، ودسّ الأحنفَ الكلبيّ ويزيدَ بن عنبسة السكسكيَّ وقومًا من ثِقاته من وجوه الناس وأشرافهم، فدعوا الناس سرًّا، ثم عاود أخاه العباس ومعه قَطن مولاهم، فشاوره في ذلك، وأخبره أنّ قومًا يأتونه يريدونه على البَيْعة، فزَبرَه العباس، وقال: إن عدّت لمثل هذا لأشدَّنَّكَ وثاقًا، ولأحملنّك إلى أمير المؤمنين! فخرج يزيد وقَطَن، فأرسل العباس إلى قَطن، فقال: ويحك يا قطن! أتري يزيد جادًّا! قال: جُعلتُ فداك! ما أظنّ ذاك؛ ولكنه قد دخله مما صنع الوليد ببني هشام وبني الوليد وما يَسمع مع الناس من الاستخفاف بالدين وتهاونه ما قد ضاق به ذرعًا، قال: أما والله إني لأظنُّه أشأم سَخْلة في بني مروان؛ ولولا ما أخاف من عَجَلة الوليد مع تحامُله علينا لشددتُ يزيد وَثاقًا، وحملته إليه؛ فازجُرْه عن أمره، فإنه يسمع إليك. فقال يزيد لقَطَن: ما قال لك العباس حين رآك؟ فأخبره، فقال له: والله لا أكفّ. وبلغ معاويةَ بن عمرو بن عتبة خوضُ الناس؛ فأتي الوليدَ فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنك تبسط لساني بالأنس بك، وأكفُّه بالهيبة لك، وأنا أسمع ما لا تسمع وأخاف عليك ما أراك تأمن، أفأتكلم ناصحًا، أو أسكت مطيعًا؟ قال: كلٌّ مقبول منك؛ ولله فينا علم غَيْب نحن صائرون إليه؛ ولو علم بنو مرْوان أنهم إنما يوقدون على رَضْف (١) يلقوْنه في أجوافهم ما فعلوا، ونَعود ونسمع منك. وبلغ مَرْوانَ بن محمد بأرمينيَة أنّ يزيد يؤلّب الناس، ويدعو إلى خَلْع الوليد؛ فكتب إلى سعيد بن عبد الملك بن مَرْوان يأمره أن ينهَي الناس ويكفّهم - وكانسعيد يتألَّه -: إن الله جعل لكل أهل بيت أركانًا يعتمدون عليها، ويتّقوُن بها المخاوف، وأنت بحمد ربّك ركْنٌ من أركان أهل بيتك؛ وقد بلغني أنّ قومًا من سفهاء أهلِ بيتك قد استنّوا أمرًا - إن تمَّت لهم رَوِيّتُهم فيه على ما أجمعوا عليه من نقضِ بيعتهم - استفتحوا بابًا لن يغلِقَه الله عنهم حتى تُسفك دماء كثيرة منهم؛ وأنا مشتغل بأعظم ثغور المسلمين فُرَجًا، ولو جَمَعتَنِي وإياهم لَرممْتُ فسادَ أمرهم بيدي ولساني، ولخفت الله في ترك ذلك؛ لعلمي ما في عواقب الفُرْقة من فساد الدين والدنيا؛ وأنه لن ينتقل سلطان قوم قطُّ إلا بتشتيت كلمتهم؛ وإنّ كَلمتهم إذا تشتّت طمع فيهم عدُّوهم، وأنت أقربُ إليهم منّي، فاحتل لعلم ذلك وإظهار المتابعة لهم؛ فإذا صرت إلى علم ذلك فتهدَّدْهم بإظهار أسرارهم، وخُذْهم بلسانك، وخَوِّفهم العواقب؛ لعلّ الله أن يردَّ إليهم ما قد عزب عنهم من دينهم وعقولهم؛ فإن فيما سعَوْا فيه تغيّر النعم وذهاب الدّولة، فعاجل الأمر وحَبْل الألفة مشدودٌ، والناس سكون، والثّغور محفوظة؛ فإنّ للجماعة دَوْلة من الفُرْقة وللسَّعة دافعًا من الفقر، وللعدد منتقصًا، ودُوَل الليالي مختلفة على أهل الدنيا، والتقلّب مع الزيادة والنقصان؛ وقد امتدّت بنا - أهل البيت - متتابعات من النعم، قد يعيبها جميع الأمم وأعداء النعم وأهل الحسد لأهلها؛ وبحسد إبليس خرج آدم من الجنة، وقد أمّل القومُ في الفتنة أملا؛ لعلَّ أنفسهم تهلك دون ما أمّلوا، ولكلّ أهل بيت مشائيم يُغيّر الله النعمة بهم - فأعاذك الله من ذلك - فاجعلني من أمرهم على علم، حفظَ الله لك دينَك، وأخرجَك مما أدخلك فيه، وغلب لك نفسك على رشدك. فأعظم سعيد ذلك، وبعث بكتابه إلى العباس، فدعا العباس يزيدَ فعذَله وتهدَّده، فحذّره يزيد، وقال: يا أخي، أخاف أن يكون بعض مَنْ حسدنا هذه النعمة من عَدُوّنا أراد أن يُغْرِيَ بيننا؛ وحَلَفَ له أنه لم يفعل، فصدّقه. [٧/ ٢٣٣ - ٢٣٩]. قال: فلما اجتمع ليزيد أمره وهو متبدّ، أقبل إلى دمشق وبينه وبين دمشق أربع ليال، متنكرًّا في سبعة نفر على حمِير، فنزلوا بجَرود على مَرْحلة من دمشق، فرمى يزيد بنفسه فنام، وقال القوم لموليً لعباد بن زياد: أما عندك طعام فنشتريه؟ قال: أما لبيعٍ فلا، ولكن عندي قراكم وما يسعكم.فأتاهم بدَجاج وفراخ وعسل وسمن وشوانيز، فطعِموا، ثم سار فدخل دمشق ليلًا، وقد بايع ليزيد أكثرُ أهل دمشق سرًّا، وبايع أهل المِزّة غير معاوية بن مصاد الكلبيّ - وهو سيد أهل المِزّة - فمضي يزيد من ليلته إلى منزل معاوية بن مَصاد ماشيًا في نُفير من أصحابه - وبين دمشق وبين المِزّة ميل أو أكثر - فأصابهم مطر شديد، فأتوْا منزل معاوية بن مَصاد، فضربوا بابه، ففتح لهم، فدخلوا فقال ليزيد: الفراشَ أصلحك الله! قال: إن في رجلي طينًا، وأكره أن أفسد بساطك، فقال: الذي تريدنا عليه أفسدُ، فكلّمه يزيد فبايعه معاوية - ويقال هشام بن مصاد - ورجع يزيد إلى دمشق؛ فأخذ طريق القناة، وهو على حمار أسود؛ فنزل دار ثابت بن سليمان بن سعد الخُشنيّ، وخرج الوليد بن رَوْح، وحلف لا يدخل دمشق إلّا في السلاح، فلبس سلاحه، وكَفَّر عليه الثياب، وأخذ طريق النّيْرَب - وهو على فرس أبلق - حتى وافى يزيد، وعلي دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف فخاف الوباء، فخرج فنزل قَطَنًا واستخلف ابنه على دمشق، وعلى شُرْطته أبو العاج كثير بن عبد الله السُّلَميّ، فأجمع يزيد على الظهور، فقيل للعامل: إنّ يزيد خارج، فلم يصدّق، وأرسل يزيد إلى أصحابه بين المغرب والعشاء ليلة الجمعة سنة ست وعشرين ومئة، فكمنوا عند باب الفراديس حتى أذّنوا العتَمة، فدخلوا المسجد، فصَلَّوا - وللمسجد حَرَسٌ قد وُكّلُوا بإخراج الناس من المسجد بالليل - فلمَّا صلّي الناس صاح بهم الحرس، وتباطأ أصحاب يزيد، فجعلوا يخرجون من باب المقصورة ويدخلون من باب آخر حتى لم يبق في المسجد غيرُ الحرس وأصحاب يزيد، فأخذوا الحَرس، ومضي يزيد بن عَنْبَسَة إلى يزيد بن الوليد، فأعلمه وأخذ بيده، وقال: قم يا أمير المؤمنين وأبشر بنصر الله وعَوْنه، فقام وقال: اللهمّ إن كان هذا لك رضًا فأعنِّي عليه وسدّدْني له؛ وإن كان غير ذلك فاصرفه عنّي بموتٍ. وأقبل في اثني عشر رجلًا، فلمّا كان عند سوق ألحمُر لقوا أربعين رجلًا من أصحابهم، فلمّا كانوا عند سوق القمح لقيهم زُهاء مئتي رجل من أصحابهم، فمضوا إلى المسجد فدخلوه، فأخذوا باب المقصورة فضربوه وقالوا: رسل الوليد، ففتح لهم الباب خادم فأخذوه ودخلوا، وأخذوا أبا العاج وهو سكران،وأخذوا خزّان بيت المال وصاحب البريد، وأرسل إلى كلِّ من كان يحذره فأُخِذ. وأرسل يزيد من ليلته إلى محمد بن عبيدة - مولي معيد ابن العاص، وهو على بعلبكَّ - فأخذه، وأرسل من ليلته إلى عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف، فأخذه ووجّه إلى الثنية إلى أصحابه ليأتوه، وقال للبوابين: لا تفتحوا الباب غدوةً إلا لمن أخبركم بشعارنا. فتركوا الأبواب بالسلاسل، وكان في المسجد سلاح كثير قدم به سليمان بن هشام من الجزيرة، ولم يكن الخزّان قبضوه، فأصابوا سلاحًا كثيرًا، فلما أصبحوا جاء أهل المِزّة وابن عصام، فما انتصف النهار حتى تبايع الناس، ويزيد يتمثل [قول النابغة]: إذا اسْتُنْزِلوا عَنْهُنَّ لِلطَّعْنِ أرْقَلوا ... إلى المَوْتِ إِرْقَالَ الجمالِ المصاعبِ فجعل أصحاب يزيد يتعجّبون، ويقولون: انظروا إلى هذا، هو قبيل الصبح يُسبّح، وهو الآن ينشد الشعر! [٧/ ٢٣٩ - ٢٤١]. وحدّثني أحمد، عن علي، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، قال: حدّثني دُكين بن الشّماخ الكلبيّ وأبو عِلاقة بن صالح السَّلامانيّ أن يزيد بن الوليد نادي بأمره منادٍ: من ينتدب إلى الفاسق وله ألف درهم؟ فاجتمع إليه أقل من ألف رجل، فأمر رجلًا فنادي: مَنْ ينتدب إلى الفاسق وله ألف وخمسمئة؟ فانتدب إليه يومئذ ألف وخمسمئة، فعقد لمنصور بن جُمْهور على طائفة، وعقد ليعقوب بن عبد الرحمن بن سُلَيم الكَلبيّ على طائفة أخرى، وعقد لهَرِم بن عبد الله بن دِحيْة على طائفة أخرى، وعقد لحُميد بن حبيب اللخميّ على طائفة أخرى، وعليهم جميعًا عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، فخرج عبد العزيز فعسكر بالحِيرة (١). وحدّثني (٢) أحمد بن زهير، قال: حدّثنا عليّ، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، قال: حدّثني يعقوب بن إبراهيم بن الوليد أنّ مولىً للوليد لما خرج يزيد بن الوليد، خرج على فرس له، فأتي الوليد من يومه، فنفق فرسُه حين بلغه، فأخبر الوليد الخبر، فضربه مئة سوط وحبسه، ثم دعا أبا محمد بنعبد الله بن يزيد بن معاوية فأجازه، ووجّهه إلى دمشق، فخرج أبو محمد، فلما انتهى إلى ذنَبَةَ أقام، فوجّه يزيد بن الوليد إليه عبد الرحمن بن مصاد، فسالمه أبو محمد، وبايع ليزيد بن الوليد وأتي الوليد الخبر، وهو بالأغدف - والأغدف من عمان - فقال بَيْهس بن زُمَيل الكلابيّ - ويقال: قاله يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية: يا أمير المؤمنين، سر حتى تنزل حمص فإنها حصينة، ووجّه الجنود إلى يزيد فيُقتل أو يؤسر، فقال عبد الله بن عنبسة بن سعيد بن العاص: ما ينبغي للخليفة أن يدَع عسكره ونساءه قبل أن يقاتل ويُعذر والله مؤيدُ أمير المؤمنين وناصرُه، فقال يزيد بن خالد: وماذا يخاف على حرمه! وإنما أتاه عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك وهو ابن عمهنّ، فأخذ بقول ابن عنبسة، فقال له الأبرش سعيد بن الوليد الكلبي: يا أمير المؤمنين تَدْمُر حصينة، وبها قومي يمنعونك، فقال: ما أرى أن نأتي تَدْمُر وأهلها بنو عامر؛ وهم الذين خرجوا عليّ؛ ولكن دُلَّني على منزل حصين، فقال: أري أن تنزل القرية، قال: أكرهها، قال: فهذا الهَزِيم قال: أكره اسمه، قال: فهذا البَخْراء، قصرُ النعمان بن بشير، قال: ويحك! ما أقبح أسماء مياهكم! فأقبل في طريق السماوة، وترك الرّيف، وهو في مئتين، فقال: إذا لَم يكنْ خَيْرٌ مَع الشرّ لَمْ تَجِدْ ... نصيحًا ولا ذا حاجة حينَ تَفْزَعُ إذا ما هُم هَهمّوا بإِحْدَي هَنَاتِهِمْ ... حَسَرْتُ لهم رَأسي فلا أتقَنَّعُ فمرّ بشبكة الضّحاك بن قيس الفهريّ؛ وفيها مِنْ ولده وولد ولده أربعون رجلًا، فساروا معه وقالوا: إنا عُزْل؛ فلو أمرتَ لنا بسلاح؛ فما أعطاهم سيفًا ولا رُمحًا. فقال له بيهس بن زُمَيل: أمّا إذْ أبيتَ أن تمضيَ إلى حِمْص وتَدْمُر فهذا الحصن البَخْراء فإنه حَصِين، وهو من بناء العجم فانزله، قال: إني أخاف الطاعون، قال: الذي يُراد بك أشدّ من الطاعون؛ فنزل حصن البَخراء. قال: فندب يزيد بن الوليد الناسَ إلى الوليد مع عبد العزيز، ونادى مناديه. مَن سار معه فله ألفان، فانتدب ألفا رجل، فأعطاهم ألفيْن ألفيْن، وقال: موعدكم بذَنَبة، فوافَى بذَنبَة ألف ومئتان، وقال: موعدكم مصنعة بني عبد العزيزابن الوليد بالبرّيّة، فوافاه ثمانمئة، فسار، فتلقاهم ثَقَل (١) الوليد فأخذوه، ونزلوا قريبًا من الوليد، فأتاه رسول العباس بن الوليد: إني آتيك، فقال الوليد: أخرجوا سريرًا، فأخرجوا سريرًا فجلس عليه وقال: أعليّ توثّب الرجال، وأنا أثِبُ على الأسد وأتخصّرُ (٢) الأفاعي! وهم ينتظرون العباس، فقاتلهم عبد العزيز، وعلي الميمنة عمرو بن حُوَيّ السَّكسَكيّ وعلي المقدّمة منصور بن جُمهور وعلى الرّجالة عُمارة بن أبي كلثم الأزديّ، ودعا عبد العزيز ببغل له أدْهم فركبه، وبعث إليهم زياد بن حصين الكلبيّ، يدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيّه، فقتله قطريّ مولي الوليد، فانكشف أصحابُ يزيدُ، فترجّل عبد العزيز، فكرّ أصحابه، وقد قتل من أصحابه عدّة، وحملت رؤوسهم إلى الوليد وهو على باب حصن البَخْراء قد أخرج لواء مروان بن الحكم الذي كان عقده بالجابِية، وقتِل من أصحاب الوليد بن يزيد عثمان الخَشَبيّ، قتله جناح بن نعيم الكلبيّ، وكان من أولاد الخشبيّة الذين كانوا مع المختار. وبلغ عبدَ العزيز مسيرُ العباس بن الوليد، فأرسل منصور بن جُمهور في خيل، وقال: إنكم تلقون العباس في الشِّعْب، ومعه بنوه [في الشِّعب] فخذوهم، فخرج منصور في الخيل فلما صاروا بالشِّعب إذا هم بالعباس في ثلاثين من بنيه، فقالوا له: اعدل إلى عبد العزيز، فشتَمهم، فقال له منصور: والله لئن تقدّمتَ لأنفُذنّ حَصيَنك - يعني درعك - وقال نوح بن عمرو بن حُوَيّ السكسكيُّ: الذي لقي العباسَ بن الوليد يعقوب بن عبد الرحمن بن سليم الكلبيّ - فعدل به إلى عبد العزيز، فأبي عليه فقال: يا بن قُسْطنْطِين، لئن أبيتَ لأضربنّ الذي فيه عيناك، فنظر العباس إلى هَرِم بن عبد الله بن دحية، فقال: مَنْ هذا؟ قال: يعقوب بن عبد الرحمن بن سليم، قال: أما والله إن كان لبغيضًا إلى أبيه أن يقف ابنُه هذا الموقف؛ وعدل به إلى عسكر عبد العزيز، ولم يكن مع العباس أصحابه، كان تقدّمهم مع بنيه، فقال: إنه لله! فأتوا به عبد العزيز، فقال له: بايع لأخيك يزيد بن الوليد، فبايع ووقف ونصبوا راية، وقالا: هذه راية العباس بن الوليد، وقد بايع لأمير المؤمنين يزيد بن الوليد، فقال العباس:إنا لله! خُدْعَةٌ من خُدَع الشيطان! هلك بنو مروان فتفرّق النّاس عن الوليد، فأتوا العباس وعبد العزيز وظاهر الوليد بين دِرْعين، وأتوه بفرسيْه: السنديّ والزّائد، فقاتلهم قتالًا شديدًا، فناداهم رجل: اقتلوا عدوّ الله قِتْلةَ قوم لوط، ارموه بالحجارة (١). فلما سمع ذلك دخل القصر، وأغلق الباب، وأحاط عبد العزيز وأصحابه بالقصر، فدنا الوليد من الباب، فقال: أمَا فيكم رجل شريف له حسب وحياء أكلّمه! فقال له يزيد بن عنبسة السَّكسكيّ: كلمني، قال له: من أنت؟ قال: أنا يزيد بن عنبسة، قال: يا أخا السكاسك؛ ألم أزِدْ في أعطياتكم! ألم أرفع المؤَن عنكم! ألم أعطِ فقراءكم! ألم أخدم زَمْنَاكم! فقال: إنا ما ننقم عليكَ في أنفسنا، ولكن ننقِم عليك في انتهاك ما حَرّم الله وشُرْب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك، واستخفَافك بأمر الله؛ قال: حسبُك يا أخا السكاسك، فلعمري لقد أكثرت وأغرقت؛ وإن فيما أحِلّ لي لسعةً عمّا ذكرت. ورجع إلى الدار فجلس وأخذ مصحفًا، وقال: يوْمٌ كيوم (٢) عثمان؛ ونشر المصحف يقرأ، فَعَلُوا الحائط، فكان أوّل من علا الحائط يزيد بن عنبسة السَّكْسَكيّ، فنزل إليه وسيف الوليد إلى جَنْبه، فقال له يزيد: نحّ سيفك، فقال له الوليد: لو أردتُ السيف لكانتْ لي ولك حالة فيهم (٣) غير هذه، فأخذ بيد الوليد؛ وهو (٤) يريد أن يحبسه ويؤامرَفيه، فنزل من الحائط عشرة: منصور بن جمهور وحبال بن عمرو الكلبيّ وعبد الرحمن بن عَجْلان مولي يزيد بن عبد الملك وحميد بن نصر اللخْميّ والسريّ بن زياد بن أبي كبشة وعبد السلام اللخْميّ، فضربه عبد السلام على رأسه، وضربه السريّ على وجهه، وجرُّوه بين خمسة ليخرجوه (١)، فصاحت امرأة كانت معه في الدار، فكفّوا عنه ولم يخرجوه، واحتزّ أبو علاقة القُضاعيّ رأسه، فأخذ عَقَبًا (١) فخاط الضَّرْبة التي في وجهه، وقدم بالرأس على يزيد رَوْح بن مقبل، وقال: أبشر يا أمير المؤمنين بقتل الفاسق الوليد وأسْرِ من كان معه، والعباس - ويزيد يتغدّي - فسجد ومَن كان معه، وقام يزيد بن عنبسة السّكسكِيّ، وأخذ بيد يزيد، وقال: قم يا أمير المؤمنين، وأبشر بنصر الله، فاختلج يزيد يده من كفّه، وقال: اللهمَّ إن كان هذا لك رضًا فسدّدني، وقال ليزيد بن عنبسة: هل كلّمكم الوليد؟ قال: نعم، كلّمني من وراء الباب، وقال: أما فيكم (٢) ذو حسب فأكلّمه! فكلمته ووبّخته، فقال: حسبُك، فقد لعمري أغرقت وأكثرت، أما والله لا يُرْتَقُ فتقكم، ولا يُلمّ شعثكم، ولا تجمع كلمتكم. [٧/ ٢٤٣ - ٢٤٧]. وحدّثني أحمد عن عليّ، عن عمرو بن مَرْوان الكلبيّ، قال: حدّثني المثنّى بن معاوية، قال: أقبل الوليد فنزل اللؤلؤة، وأمر ابنه الحَكم والمؤمّل بن العباس أن يفرضا لمن أتاهما ستين دينارًا في العطاء، فأقبلتُ أنا وابن عمّي سليمان بن محمد بن عبد الله إلى عَسْكر الوليد، فقرّبني المؤمّل وأدناني، وقال: أدخلِك على أمير المؤمنين، وأكلّمه حتى يفرض لك في مئة دينار. قال المثنّى: فخرج الوليد من اللؤلؤة فنزل المليكة، فأتاه رسول عمرو بن قيس من حِمْص يخبره أن عمرًا قد وجَّه إليه خمسمئة فارس، عليهم عبد الرحمن بن أبي الجَنوب البهرانيّ، فدعا الوليد الضّحاك بن أيمن من بني عوف بن كلب، فأمره أن يأتيَ ابن أبي الجنَوب - وهو بالغُوَير - فيستعجله، ثم يأتي الوليد بالملكية، فلما أصبح أمر الناس بالرّحيل، وخرج على برْذون كُمَيت، عليه قبَاء خَزّ وعمامة خز، محتزمًا برَيْطة رقيقة قد طواها، وعلى كتفيهرَيْطة صفراء فوق السيف، فلقيه بنو سليم بن كيسان في ستة عشر فارسًا ثم سار قليلًا، فتلقَّاه بنو النعمان بن بشير في فوارس، ثم أتاه الوليد ابن أخي الأبرش في بني عامر من كَلْب، فحمله الوليد وكساه، وسار الوليد على الطريق ثم عدل في تَلْعة يقال لها المشبهة، فلقيه ابنُ أبي الجنوب في أهل حِمْص، ثم أتي البَخْراء، فضجّ أهلُ العسكر، وقالوا: ليس معنا عَلَف لدوابنا، فأمر رجلًا فنادي: إن أمير المؤمنين قد اشترَى زُروع القرية، فقالوا: ما نصنع بالقصيل (١)! تضعف عليه دوابُّنا؛ وإنما أرادوا الدراهم. قال المثنّى: أتيت الوليد، فدخلت من مؤخّر الفُسطاط، فدعا بالغَداء، فلما وُضع بين يديه أتاه رسولُ أمّ كُلْثوم بنت عبد الله بن يزيد بن عبد الملك يقال له عمرو بن مُرّة، فأخبره أنّ عبد العزيز بن الحجاج؛ قد نزل اللؤلؤة، فلم يلتفت إليه، وأتاه خالد بن عثمان المخراش - وكان على شُرَطه - برجل من بني حارثة بن جناب، فقال له: إنّي كنتُ بدمشق مع عبد العزيز، وقد أتيتك بالخبر؛ وهذه ألف وخمسمئة قد أخذتها - وحلَّ هِمْيانًا من وسطه، وأراه - وقد نزل اللؤلؤة: وهو غاد منها إليك، فلم يجبه والتفَت إلى رجل إلى جَنْبه، وكلمه بكلام لم أسمعْه، فسألت بعض مَنْ كان بيني وبينه عمّا قال، فقال: سأله عن النهر الذي حفره بالأردنّ: كم بقي منه؟ وأقبل عبد العزيز من اللؤلؤة، فأتي المليكة فحازَها، ووجّه منصور بن جمهور، فأخذ شرقيّ القري - وهو تلّ مشرف في أرض مَلْساء على طريق نِهْيا إلى البَخْراءِ - وكان العباس بن الوليد تهيأ في نحو من خمسين ومئة من مواليه وولده، فبعث العباس رجلًا من بني ناجية يقال له حُبيش إلى الوليد يخيِّره بين أن يأتيَه فيكون معه؛ أو يسير إلى يزيد بن الوليد، فاتّهم الوليد العباس، فأرسل إليه يأمره أن يأتيَه فيكون معه، فلقي منصور بن جمهور الرّسول، فسأله عن الأمر فأخبره، فقال له منصور: قل له: والله لئن رحلتَ من موضعك قبل طلوع الفجر لأقتلَنك ومَنْ معك؛ فإذا أصبح فليأخذ حيث أحبّ، فأقام العباس يتهيّأ؛ فلما كان في السَّحرَ سمعنا تكبير أصحاب عبد العزيز قد أقبلوا إلى البَخْراءِ، فخرج خالد بن عثمان المخْراش، فعبّأ الناس؛ فلم يكن بينهم قتال حتى طلعت الشمس؛ وكان مع أصحاب يزيد بنالوليد كتاب معلّق في رمح، فيه: إنا نَدْعُوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، وأن يصير الأمر شورى، فاقتتلوا فقتِل عثمان الخشبيّ، وقُتِل من أصحاب الوليد زهاءُ ستين رجلًا، وأقبل منصور بن جُمهور على طريق نِهيْا، فأتي عسكر الوليد مِن خلفهم، فأقبل إلى الوليد وهو في فُسطاطه؛ ليس بينه وبين منصور أحد. فلما رأيتُه خرجتُ أنا وعاصم بن هبيرة المَعَافريّ خليفة المخراش، فانكشف أصحاب عبد العزيز، ونكص أصحاب منصور، وصُرع سُميّ بن المغيرة وقُتِل، وعدل منصور إلى عبد العزيز، وكان الأبرش على فرس له يدعي الأديم، عليه قَلَنسوة ذات أذنين؛ قد شدّها تحت لحيته؛ فجعل يصيح بابن أخيه: يا بن اللخناء، قدّمْ رايتَك، فقال له: لا أجدُ متقدّمًا، إنها بنو عامر. وأقبل العباس بن الوليد فمنَعه أصحاب عبد العزيز، وشدّ مولي لسليمان بن عبد الله بن دحْية - يقال له التركيّ - على الحارث بن العباس بن الوليد، فطعنه طعنة أذْراه عن فرسه؛ فعدل العباس إلى عبد العزيز، فأسقِط في أيدي أصحاب الوليد وانكسروا، فبعث الوليد بن يزيد الوليدَ بن خالد إلى عبد العزيز بن الحجاج بأن يعطيَه خمسين ألف دينار، ويجعل له ولاية حِمْص ما بقي، ويؤمِّنه على كلّ حَدَث، على أن ينصرف ويكفّ؛ فأبي ولم يجبه، فقال له الوليد: ارجعْ إليه فعاودْه أيضًا، فأتاه الوليد فلم يجبه إلى شيء، فانصرف الوليد؛ حتى إذا كان غيرَ بعيد عطف دابَّته، فدنا من عبد العزيز، فقال له: أتجعل له خمسة آلاف دينار وللأبرش مثلها، وأن أكون كأخصّ رجل من قومي منزلة وآتيك، فأدخل معك فيما دخلت فيه؟ فقال له عبد العزيز: على أن تحمل الساعة على أصحاب الوليد؛ ففعل. وكان على ميمنة الوليد بن أبي سفيان بن يزيد بن خالد، فقال لعبد العزيز: أتجعل لي عشرين ألف دينار وولاية الأردنّ والشركة في الأمر على أن أصير معكم؟ قال: على أن تحمل على أصحاب الوليد من ساعتك، ففعل، فانهزم أصحاب الوليد، وقام الوليد فدخل البَخْراء، وأقبل عبد العزيز فوقف على الباب وعليه سلسلة، فجعل الرّجل بعد الرّجل يدخل من تحت السلسلة. وأتى عبْدَ العزيز عبد السلام بن بكير بن شمّاخ اللخميّ، فقال له: إنه يقول: أخرج على حُكْمك، قال: فليخرج؛ فلما ولّى قيل له: ما تصنع بخروجه! دعه يكفيكه الناس، فدعا عبد السلام فقال: لا حاجة لي فيما عَرَض عليّ، فنظرتإلى شابّ طويل على فرس، فدنا من حائط القَصْر فعلاه، ثم صار إلى داخل القصر، قال: فدخلت القصر، فإذا الوليد قائم في قميص قَصب وسراويل وَشْي، ومعه سيف في غمد والناس يشتمونه، فأقبل إليه بشر بن شيبان مولى كنانة بن عمير؛ وهو الذي دخل من الحائط، فمضى الوليد يريد الباب - أظنه أراد أن يأتي عبد العزيز - وعبد السلام عن يمينه ورسول عمرو بن قيس عن يساره، فضربه على رأسه؛ وتعاوره الناس بأسيافهم فقتِل، فطرح عبد السلام نفسَه عليه يحتزُّ رأسه - وكان يزيد بن الوليد قد جعل في رأس الوليد مئة ألف - وأقبل أبو الأسد مولى خالد بن عبد الله القسريّ فسلخ من جلد الوليد قَدْر الكفّ، فأتي بها يزيدَ بن خالد بن عبد الله، وكان محبوسًا في عسكر الوليد، فانتهب الناس عسكر الوليد وخزائنه، وأتاني يزيد العُلَيميّ أبو البَطريق بن يزيد؛ وكانت ابنته عند الحكم بن الوليد، فقال: امنع لي متاع ابنتي، فما وصل أحدٌ إلى شيء زعم أنه له. قال أحمد: قال عليّ: قال عمرو بن مَروان الكلبيّ: لما قُتل الوليد قُطعت كفّه اليسرى، فبُعث بها إلى يزيد بن الوليد، فسبقت الرّأس؛ قُدِم بها ليلة الجمعة، وأتِيَ برأسه من الغِد، فنصبه للناس بعد الصلاة، وكان أهل دمشق قد أرجفوا بعبد العزيز، فلما أتاهم رأس الوليد سكتوا وكفّوا. قال: وأمر يزيد بنصب الرأس، فقال له يزيد بن فروة مولي بني مروان: إنما تنصب رؤوس الخوارج، وهذا ابنُ عمّك؛ وخليفة، ولا آمنُ إن نصبتَه أن ترقّ له قلوب الناس، ويغضب له أهل بيته؛ فقال: والله لأنصبنّه، فنصبه على رمح، ثم قال له: انطلق به، فطُفْ به في مدينة دمشق؛ وأدخله دار أبيه. ففعل، فصاح الناس وأهل الدار، ثم ردّه إلى يزيد، فقال: انطلق به إلى منزلك؛ فمكث عنده قريبًا من شهر، ثم قال له: ادفعه إلى أخيه سليمان - وكان سليمان أخو الوليد ممن سعي على أخيه - فغسل ابن فروة الرّأس، ووضعه في سَفط، وأتي به سليمان، فنظر إليه سليمان، فقال: بُعدًا له! أشهد أنه كان شَرُوبًا للخمر، ماجنًا فاسقًا؛ ولقد أرادني على نفسي الفاسق، فخرج ابن فروة من الدار، فتلقَّته مولاة للوليد، فقال لها: ويحكِ! ما أشدَّ ما شتمه! زعم أنه أراده على نفسه! فقالت: كذب والله الخبيث، ما فعل، ولئن كان أراده على نفسه لقد فَعَل؛ وما كان ليقدر على الامتناع منه.وحدثني أحمد، عن عليّ، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، قال: حدثني يزيد بن مَصَاد، عن عبد الرحمن بن مصاد، قال: بعثني يزيد بن الوليد إلى أبي محمد السفيانيّ - وكان الوليد وجّهه حين بلغه خبر يزيد واليًا على دمشق وأتي ذنَبَة، وبلغ يزيد خبره، فوجّهني إليه - فأتيته، فسالم وبايع ليزيد، قال: فلم نرِمْ حتى رُفع لنا شخص مُقبلٌ من ناحية البَرّية، فبعثت إليه، فأتيت به فإذا هو الغُزَيِّل أبو كامل المغنِّي، على بغلة للوليد تدعي مريم، فأخبرنا أنّ الوليد قد قتل، فانصرفت إلى يزيد، فوجدت الخبر قد أتاه قبل أن آتيَه. حدّثني أحمد، عن عليّ، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، قال: حدّثني دُكَين بن شمَّاخ الكلبيّ ثم العامريّ، قال: رأيت بشر بن هلباء العامريّ يوم قُتِل الوليد ضرب باب البَخْراء بالسيف، وهو يقول: سَنبكي خالدًا بمُهَنَّداتٍ ... ولا تَذْهَبْ صنائعُهُ ضَلالا وحدّثني أحمد، عن عليّ، عن أبي عاصم الزّياديّ، قال: ادّعي قتلَ الوليد عشرة، وقال: إني رأيتُ جلدةَ رأس الوليد في يدِ وَجْه الفَلْس فقال: أنا قتلته؛ وأخذت هذه الجلدة، وجاء رجل فاحتزَّ رأسه، وبقيت هذه الجلدة في يدِي، واسم وجه الفَلْس عبد الرحمن، قال: وقال الحكم بن النعمان مولي الوليد بن عبد الملك: قدم برأس الوليد على يزيد منصور بن جمهور في عشرة؛ فيهم رَوْح بن مُقْبِل، فقال رَوْح: يا أميرَ المؤمنين؛ أبشر بقتل الفاسق وأسرِ العباس؛ وكان فيمن قدم بالرأس عبد الرحمن وَجْه الفلْس، وبشر مولي كنانة من كلْب؛ فأعطى يزيد كلَّ رجل منهم عشرة آلاف. قال؛ وقال الوليد يوم قُتِل وهو يقاتلهم: مَنْ جاء برأس فله خمسمئة: ؛ فجاء قوم بأرؤس، فقال الوليد: اكتبوا أسماءهم، فقال رجل من مواليه ممن جاء برأس: يا أمير المؤمنين؛ ليس هذا بيوم يُعْمَل فيه بنسيئة! قال: وكان مع الوليد مالك بن أبي السمح المغنّي وعمرو الوادي؛ فلما تفرّق عن الوليد أصحابُه، وحُصِر، قال مالك لعمرو: اذهب بنا، فقال عمرو: ليس هذا من الوفاء؛ ونحن لا يُعْرَضُ لنا لأنا لسنا ممن يقاتل، فقال ما لك: ويلك! والله لئنْ ظفروا بنا لا يقتَل أحد قبلي وقبلك؛ فيوضع رأسه بين رأسيْنا؛ ويقالللناس: انظروا مَن كان معه في هذه الحال؛ فلا يعيبونه بشيء أشدّ من هذا؛ فهربا. [٧/ ٢٤٧ - ٢٥٢]. وكان يكنى أبا العباس، وأمه أمّ الحجاج بنت محمد بن يوسف الثقفيّ؛ وكان شديد البَطْش، طويل أصابع الرجلين؛ كان يوتَد له سكة حديد فيها خيط ويشُدّ الخيط في رجله، ثم يثب على الدابة، فينتزع السكة ويركب، ما يمسّ الدابة بيده. وكان شاعرًا شَروبًا للخمر؛ حدّثني أحمد، قال: حدّثنا عليّ، عن ابن أبي الزّناد، قال: قال أبي: كنتُ عند هشام، وعنده الزُّهريّ، فذكر الوليدَ، فتنقّصاه وعاباه عَيْبًا شديدًا، ولم أعرض في شيء مما كانا فيه؛ فاستأذن الوليد، فأذن له، وأنا أعرف الغضب في وجهه، فجلس قليلًا، ثم قام، فلما مات هشام كتب فيّ فحمِلت إليه فرحّب بي، وقال: كيف حالك يابن ذكوان؟ وألطف المسألة بي، ثم قال: أتذكُر يوم الأحول وعنده الفاسق الزهريّ، وهما يعيبانني؟ قلت: أذكر ذلك؛ فلم أعرض في شيء مما كانا فيه، قال: صدقت؛ أرأيت الغلام الذي كان قائمًا على رأس هشام؟ قلت: نعم، قال: فإنه نمَّ إليّ بما قالا؛ وايمُ الله لو بقيَ الفاسق - يعني الزُّهريّ - لقتلته، قلتُ: قد عرفتُ الغضب في وجهك حين دخلت، ثم قال: يا بن ذكوان، ذهب الأحول بعمري، فقلت: بل يطيل الله لك عمرك يا أمير المؤمنين؛ ويمتّع الأمة ببقائك؛ فدعا بالعَشاءِ فتعشينا، وجاءت المغرب فصلينا، وتحدّثنا حتى جاءت العشاء الآخرة فصلينا وجلس، وقال: اسقني؛ فجاؤوا بإناء مغطَّى، وجاء ثلاث جوار فصُففن بين يديه، بيني وبينه، ثم شرب؛ وذهبنا فتحدّثنا واستسقي فصنعن مثل ما صنعن أولًا؛ قال: فما زال على ذلك يتحدّث ويستسقي ويصنعن مثل ذلك حتى طلع الفجر، فأحصيتُ له سبعين قدحًا (١). [٧/ ٢٥٣ - ٢٥٤]. * * * وفي هذه السنة قتِل خالد بن عبد الله القسريّ.* ذكر الخبر عن مقتله وسبب ذلك: قد تقدم ذكرنا الخبر عن عزل هشام إياه عن عمله وولايته العراق وخراسان واستعماله على العراق يوسف بن عمر؛ وكان - فيما ذكر - عمل لهشام على ذلك خمس عشرة سنة غير أشهر؛ وذلك أنه - فيما قيل - ولي العراق لهشام سنة خمس ومئة، وعُزل عنها في جمادي الأولي سنة عشرين ومئة، ولما عزله هشام وقدم عليه يوسف واسطًا أخذه وحبسه بها، ثم شخص يوسف بن عمر إلى الحِيرة، فلم يزل محبوسًا بالحيرة تمام ثمانية عشر شهرًا مع أخيه إسماعيل بن عبد الله وابنه يزيد بن خالد وابن أخيه المنذر بن أسد بن عبد الله، واستأذن يوسف هشامًا في إطلاق يده عليه وتعذيبه، فلم يأذن له حتى أكثر عليه، واعتلّ عليه بانكسار الخراج وذهاب الأموال، فأذن له مرّة واحدة، وبعث حرسيًّا يشهد ذلك، وحلف: لئن أتى على خالد أجلُه، وهو في يده ليقتلنّه؛ فدعا به يوسف؛ فجلس على دُكان بالحيرة وحضر الناس، وبسط عليه؛ فلم يكلّمه واحدةً حتى شتمه يوسف، فقال: يابنَ الكاهن - يعني شِقّ بن صعب الكاهن - فقال له خالد: إنك لأحمق، تعيّرني بشرفي! ولكن يا بن السبّاء، إنما كان أبوك سَبّاء خمر - يعني يبيع الخمر - ثم ردّه إلى حبسه، ثم كتب إليه هشام يأمره بتخلية سبيله في شوال سنة إحدى وعشرين ومئة، فنزل خالد في قصر إسماعيل بن عبد الله بدُوران، خلْف جسر الكوفة، وخرج يزيد بن خالد وحده؛ فأخذه على بلاد طّييء؛ حتى ورد دمشق، وخرج خالد ومعه إسماعيل والوليد؛ قد جهَّزهم عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد ما أخذ لهم، وردّ بعض الموالي إلى الرّقّ، فقدم خالد قصر بني مقاتل؛ وقد أخذ كل شيء لهم، فسار إلى هِيت، ثم تحمَّلوا إلى القرية - وهي بإزاء باب الرُّصافة - فأقام بها بقيَّة شوال وذا القعدة وذا الحجة والمحرّم وصَفر؛ لا يأذن لهم هشام في القدوم عليه، والأبْرَشُ يكاتب خالدًا، وخرج زيد بن عليّ فقُتِل. قال الهيثم بن عديّ - فيما ذكر عنه -: وكتب يوسف إلى هشام: إن أهلَ هذا البيت من بني هاشم قد كانوا هلكوا جوعًا؛ حتى كانت همَّةُ أحدهم قوت عياله؛ فلما ولي خالد العراق أعطاهم الأموال فقَوْوا بها حتى تاقت أنفسهم إلى طلَبالخلافة، وما خرج زيد إلا عن رأي خالد؛ والدليل على ذلك نزولُ خالد بالقرية على مَدْرجة العراق يستنشي (١) أخبارها. فسكت هشام حتى فرغ من قراءة الكتاب، ثم قال للحكم بن حَزْن القينيّ - وكان على الوفد، وقد أمره يوسف بتصديق ما كتَب به، ففعل - فقال له هشام: كذبت وكذبَ مَنْ أرسلك؛ ومهما اتَّهمنا خالدًا فلسنا نتَّهمه في طاعة؛ وأمر به فوجِئَتْ عنقه، وبلغ الخبرُ خالدًا فسار حتى نزل دمشق فأقام حتى حضرت الصائفة، فخرج فيها ومعه يزيد وهشام ابنا خالد بن عبد الله؛ وعلى دمشق يومئذ كلثوم بن عِيَاض القسريّ، وكان متحاملًا على خالد؛ فلما أدربوا (٢) ظهر في دور دمشق حريق؛ كلّ ليلة يلقيه رجل من أهل العراق يقال له أبو العمرَّس وأصحاب له؛ فإذا وقع الحريق أغاروا يسرقون، وكان إسماعيل بن عبد الله والمنذر بن أسد بن عبد الله وسعيد ومحمد ابنا خالد بالساحل لحدث كان من الروم؛ فكتب كلثوم إلى هشام يذكر الحريق، ويخبره أنه لم يكن قطّ؛ وأنه عمَلُ موالي خالد؛ يريدون الوثوب على بيت المال، فكتب إليه هشام يأمره أن يحبس آل خالد؛ الصغير منهم والكبير، ومواليهم والنساء؛ فأخذ إسماعيل والمنذر ومحمد وسعيد من الساحل فقدِم بهم في الجوامع ومَن كان معهم من مواليهم؛ وحبس أمّ جرير بنت خالد والرّائقة وجميع النساء والصبيان؛ ثم ظهر على أبي العمرّس؛ فأخذ ومَن كان معه، فكتب الوليد بن عبد الرحمن عامل خراج دمشق إلى هشام يخبره بأخذ أبي العمرّس ومَن كان معه، سماهم رجلًا رجلًا، ونسبهم إلى قبائلهم وأمصارهم، ولم يُذكر فيهم أحد من موالِي خالد، فكتب هشام إلى كلثوم يشتِمه ويعنّفه، ويأمره بتخلية سبيل جميع من حبس منهم، فأرسلهم جميعًا واحتبس الموالي رجاء أن يكلمه فيهم خالد إذا قدم من الصائفة، فلما أقبل الناس وخرجوا عن الدّرب بلغ خالدًا حبسُ أهله، ولم يبلغه تخليتُهم؛ فدخل يزيد بن خالد في غمار الناس حتى أتى حمص، وأقبل خالد حتى نزل منزله من دمشق، فلما أصبح أتاه الناس، فبعث إلى ابنتيه: زينب وعاتكة؛ فقال: إني قد كبِرت وأحببت أن تليَا خدمتي؛ فسُرَّتا بذلك - ودخل عليه إسماعيل أخوه ويزيدوسعيد ابناه، وأمر بالإذن، فقامت ابنتاه لتتنحيّا، فقال: وما لهما تَتنحيّان، وهشام في كلّ يوم يسوقهنّ إلى الحبس! فدخل الناس، فقام إسماعيل وابناه دون ابنتيه يسترونهما، فقال خالد: خرجتُ غازيًا في سبيل الله؛ سامعًا مطيعًا، فخُلفتُ في عَقِبي، وأخذ حُرَمي وحُرَم أهل بيتي؛ فحبِسوا مع أهل الجرائم كما يفعل بأهل الشرْك! فما منع عصابةً منكم أن تقوم فتقول: علام حُبس حُرم هذا السامع المطيع! أخفتم أن تقتلوا جميعًا! أخافكم الله! ثم قال: ما لي ولهشام! ليكفنّ عني هشام أو لأدعونّ إلى عراقيّ الهوي شأميّ الدار حجازيّ الأصل - يعني محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس - وقد أذنت لكم أن تبلّغوا هشامًا، فلما بلغه ما قال، قال: خَرِفَ أبو الهيثم. وذكر أبو زيد أن أحمد بن معاوية حدّثه عن أبي الخطاب، قال: قال خالد: أما والله، لئن ساء صاحب الرُّصافة - يعني هشامًا - لننصبنّ لنا الشأميّ الحجازيَّ العراقيَّ، ولو نخر نخرةً تداعتْ من أقطارها. فبلغت هشامًا، فكتب إليه: إنك هذَّاءَةٌ هُذَرَةٌ (١)، أبِبَجيلة القليلة الذليلة تتهدَّدني! قال: فوالله ما نصره أحد بيدٍ ولا بلسان إلّا رجل من عبس، فإنه قال: أَلا إنَّ بَحْرَ الجُودِ أَصْبَحَ سَاجِيًا ... أَسِيرَ ثَقيفٍ مُوثَقًا في السّلَاسِل فإنْ تَسْجُنوا القسريَّ لا تَسْجنوا اسمه ... ولا تسجنوا معروفَهُ في القبائل فأقام خالد ويزيد وجماعة أهل بيته بدمشق، ويوسف ملحٌّ على هشام يسأله أن يوجه إليه يزيد، وكتب هشام إلى كُلثوم بن عياض يأمره بأخْذ يزيد والبعثة به إلى يوسف، فوجه كلثوم إلى يزيد خيلًا وهو في منزله، فشدّ عليهم يزيد، فأفرجوا له، ثم مضى على فرسه، وجاءت الخيل إلى كُلثوم فأخبروه، فأرسل إلى خالد الغدَ من يوم تنحّى يزيد خيلًا، فدعا خالد بثيابه فلبسَها، وتصارخ النساء، فقال رجل منهم: لو أمرتَ هؤلاء النسوة فسكتن! فقال: ولمَ؟ أما والله لولا الطاعة لعَلم عبد بني قَسْر أنه لا ينال هذه مني، فأعلِموه مقالتي؛ فإن كانعربيًّا كما يزعم؛ فليطلب جَدّه مني، ثم مضي معهم فحبس في حَبْس دمشق، وسار إسماعيل من يومه حتى قدم الرُّصافة على هشام، فدخل على أبي الزبير حاجبه فأخبره بحبس خالد، فدخل أبو الزُّبير على هشام فأعلمه، فكتب إلى كُلثوم يعنِّفه، ويقول: خليت عمَّن أمرتك بحبسه، وحبست من لم آمرك بحبسه. ويأمره بتخلية سبيل خالد، فخلّاه. وكان هشام إذا أراد أمرًا أمَر الأبرش فكتب به إلى خالد، فكتب الأبرش: إنه بلغ أمير المؤمنين أنّ عبد الرحمن بن ثويب الضِّنيّ - ضنة سعد إخوة عُذْرة بن سعد - قام إليك، فقال: يا خالد إني لأحبك لعشر خصال: إنّ الله كريم وأنت كريم، والله جواد وأنت جواد، والله رحيم وأنت رحيم، والله حليم وأنت حليم ... حتى عدّ عشرًا؛ وأمير المؤمنين يقسم بالله لئن تحقق عنده ذلك ليستحلنّ دمك؛ فاكتب إليّ بالأمر على وجهه لأخبر به أمير المؤمنين. فكتب إليه خالد: إن ذلك المجلس كان أكثر أهلًا من أن يجوز لأحد من أهل البغي والفجور أن يحرِّف ما كان فيه إلى غيره؛ قام إليّ عبد الرحمن بن ثُويب، فقال: يا خالد أني لأحبّك لعشر خصال: إن الله كريم يحبّ كلّ كريم، والله يحبك وأنا أحبك لحبّ الله إياك؛ حتى عدّد عشر خصال؛ ولكن أعظم من ذلك قيام ابن شقي الحِمْيريّ إلى أمير المؤمنين، وقوله: يا أمير المؤمنين، خليفتك في أهلك أكرمُ عليك أم رسولك؟ فقال أمير المؤمنين: بل خليفتي في أهلي، فقال ابنُ شقي: فأنت خليفة الله ومحمد رسوله؛ ولعمري لضلالة رجل من بَجيلة إن ضلّ أهون على العامة والخاصّة من ضلالة أمير المؤمنين، فأقرأ الأبرش هشامًا كتابه، فقال خَرِفَ أبو الهيثم. فأقام خالد بدمشق خلافةَ هشام حتى هلَك، فلما هلك هشام، وقام الوليد، قدم عليه أشراف الأجناد؛ فيهم خالد؛ فلم يأذن لأحد منهم. واشتكى خالد، فاستأذن فأذِن له، فرجع إلى دمشق، فأقام أشهرًا، ثم كتب إليه الوليد: إنّ أمير المؤمنين قد علِم حال الخمسين الألف ألف؛ التي تعلم، فاقدم على أمير المؤمنين مع رسوله؛ فقد أمره ألّا يُعجلك عن جِهاز. فبعث خالد إلى عدّة من ثقاته، منهم عُمارة بن أبي كلثم الأزديّ، فأقرأهم الكتاب، وقال: أشيروا عليّ؛ فقالوا: إن الوليد ليس بمأمون عليك؛ فالرأي أنتدخل دمشق، فتأخذ بيوت الأموال وتدعوَ إلى من أحببت؛ فأكثرُ الناس قومُك، ولن يختلف عليك رجلان، فال: أو ماذا؟ قالوا: تأخذ بيوت الأموال، وتقيم حتى تتوثّق لنفسك، قال: أو ماذا؟ قالوا: أو تتوارى، قال: أما قولكم: تدعو إلى من أحببت؛ فإني أكره أن تكون الفرقة والاختلاف على يدي، وأما قولكم: تتوثّق لنفسك؛ فأنتم لا تأمنون عليّ الوليد؛ ولا ذنب لي، فكيف ترجون وفاءه لي وقد أخذت بُيوت الأموال! وأما التواري؛ فوالله ما قنَّعت رأسي خوفًا من أحد قطّ؛ فالآن وقد بلغت من السنّ ما بلغت! لا، ولكن أمضي وأستعين بالله. فخرج حتى قدم على الوليد، فلم يدعُ به، ولم يكلّمه وهو في بيته؛ معه مواليه وخدمُه، حتى قُدِم برأس يحيى بن زيد من خُراسان، فجمع الناس في رِواق، وجلس الوليد، وجاء الحاجب فوقف، فقال له خالد: إن حالي ما ترى؛ لا أقدر على المشي؛ وإنما أحِمَل في كرسيّ، فقال الحاجب: لا يدخل عليه أحد يُحمَل، ثم أذن لثلاثة نَفر، ثم قال: قم يا خالد، فقال: حالي ما ذكرت لك، ثم أذن لرجل أو رجلين، فقال: قم يا خالد، فقال: إن حالي ما ذكرت لك؛ حتى أذن لعشرة، ثم قال: قم يا خالد، وأذن للناس كلهم، وأمر بخالد فحمِل على كرسيّه؛ فدخِل به والوليد جالسٌ على على سريره، والموائد موضوعة، والناس بين يديه سماطان، وشبّة بن عقّال - أو عقّال بن شبّة - يخطب، ورأس يحيى بن زيد منصوب، فميل بخالد إلى أحد السماطين، فلما فرغ الخطيب قام الوليد وصُرف الناس، وحُمل خالد إلى أهله؛ فلما نزع ثيابه جاءه رسول الوليد فردّه، فلما صار إلى باب السرادق وقف فخرج إليه رسول الوليد، فقال: يقول لك أمير المؤمنين: أين يزيد بن خالد؟ فقال: كان أصابه من هشام ظفر، ثم طلبه فهرب منه، وكنا نراه عند أمير المؤمنين حتى استخلفه الله؛ فلما لم يظهر ظننّاه ببلاد قومه من السّراة، وما أوشكه، فرجع إليه الرسول، فقال: لا ولكنك خلَّفته طلبًا للفتنة، فقال خالد للرسول: قد علم أمير المؤمنين أنّا أهلَ بيت طاعة، أنا وأبي وجدي - قال خالد: وقد كنت أعلم بسرعة رجعة الرسول: أنّ الوليد قريب حيث يسمع كلامي - فرجع الرّسول، فقال: يقول لك أمير المؤمنين؛ لتأتينّ به أو لأزهقنّ نفسك. فرفع خالد صوتَه، وقال: قل له: هذا أردتَ، وعليه دُرْتَ؛ والله لو كان تحت قدميَّ ما رفعتُهما لك عنه؛ فاصنعما بدا لك! فأمر الوليد غيلان صاحب حرسه بالبَسْط عليه، وقال له: أسمعني صوته. فذهب به غَيْلان إلى رَحْله، فعذْبه بالسلاسل، فلم يتكلم فرجع غَيْلان إلى الوليد، فقال: والله ما أعذّب إنسانًا؛ والله ما يتكلم ولا يتأوَّه، فقال: اكفُف عنه واحبسه عندك، فحبسه حتى قدم يوسف بن عمر بمالٍ من العراق، ثم أداروا الأمر بينهم وجلس الوليد للناس ويوسف عنده؛ فتكلّم أبان بن عبد الرحمن النميريّ في خالد، فقال يوسف: أنا أشتريه بخمسين ألف ألف، فأرسل الوليد إلى خالد إنّ يوسف يشتريك بخمسين ألف ألف؛ فإن كنت تضمنها وإلّا دفعتُك إليه، فقال خالد: ما عهدت العرب تُباع؛ والله لو سألتني أن أضمن هذا - ورفع عودًا من الأرض - ما ضمنتُه، فرَ رأيك. فدفعه إلى يوسف، فنزع ثيابه ودرّعه عباءة ولحفه بأخري، وحمله في محمل بغير وطاء، وزميله أبو قحافة المُريّ ابن أخي الوليد بن تَلِيد - وكان عامل هشام على الموصل، فانطلق به حتى نزل المحْدَثة، على مَرْحلة من عسكر الوليد، ثم دعا به فذكر أمَّه، فقال: وما ذكر الأمهات لعنك الله! والله لا أكلمك كلمة أبدًا. فبسط عليه، وعذّبه عذابًا شديدًا [وهو] لا يكلّمه كلمة، ثم ارتحل به حتى إذا كان ببعض الطريق بعث إليه زيد بن تميم القينيّ بشربة سويق حبّ رمّان مع مولى له يقال له سالم النفّاط، فبلغ يوسف فضرب زيدًا خمسمئة سوط، وضرب سالمًا ألف سوط، ثم قدم يوسف الحيرة فدعا به وبإبراهيم ومحمد ابني هشام فبسط على خالد، فلم يكلّمه، وصبر إبراهيم بن هشام وخَرعَ محمد بن هشام، فمكث خالد يومًا في العذاب، ثم وضَع على صدره المضرّسة فقتله من الليل، ودفن بناحية الحيرة في عباءته التي كان فيها، وذلك في المحرّم سنة ست وعشرين ومئة في قول الهيثم بن عديّ، فأقبل عامر بن سهلة الأشعريّ فعقر فرسه على قبره، فضربه يوسف سبعمئة سوط. قال أبو زيد: حدّثني أبو نُعيم قال: حدّثني رجل، قال: شهدتُ خالدًا حين أتِيَ به يوسف، فدعا بعود فوضع على قدميه، ثم قامت عليه الرّجال حتى كسِرت قدماه؛ فوالله ما تكلّم ولا عَبس، ثم على ساقيه حتى كُسِرَتا، ثم على فخذيه ثم على حَقْويه ثم على صدره حتى مات، فوالله ما تكلم ولا عَبس، فقال خلف بن خليفة لما قتِل الوليد بن يزيد:لقد سَكَّنَتْ كلبٌ وأَسباقُ مَذْحِجٍ ... صَدىً كان يَزْقو لَيْلَهُ غَيرَ راقِدِ تَرَكْنَ أميرَ المؤمنينَ بخالدٍ ... مُكِبًّا على خَيْشُومِهِ غَيرَ سَاجِدِ فإنْ تَقْطَعُوا مِنّا مَناطَ قِلَادَةٍ ... قَطَعْنا به منكمْ منَاطَ قَلائِدِ وَإنْ تشْغَلُونا عن ندانا فإِنَّنا ... شَغلنا الوليدَ عن غناءِ الولائد وإِنْ سافَرَ القَسريّ سَفرَةَ هالكٍ ... فإنَّ أَبا العباسِ ليسَ بشاهِدِ وقال حسان بن جعدة الجعفريّ يكذّب خلف بن خليفة في قوله هذا: إنَّ امْرَأً يَدَّعِي قتلَ الوليدِ سوَى ... أَعمامِهِ لَمَلِيء النفسِ بالكَذِب ما كان إلا امْرَأً حانَتْ مَنِيَّتُهُ ... سَارتْ إليه بنو مرْوان بالعَرَبِ وقال أبو محْجن مولى خالد: سائلْ وَليدًا وسائلْ أهلَ عسكَرِه ... غداة صَبَّحَهُ شُؤْبُوبُنا البَرِدُ هلْ جاءَ مِنْ مُضَرٍ نَفسٌ فتَمْنَعهُ ... والخَيْلُ تحْتَ عجاجِ الموتِ تَطّرِدُ مَنْ يَهْجُنا جاهِلًا بالشِّعْر نَنْقُضهُ ... بالبيض إنها بِها نَهْجُو ونَفتئدُ وقال نصر بن سعيد الأنصاريّ: أَبْلغ يَزيدَ بَنِي كرْزٍ مُغَلْغَلةً ... أَني شُفِيتُ بِغَيْب غَيْرَ مَوْتُورِ قَطَعتَ أَوْصال قَنُّورٍ على حَنَقٍ ... بِصَارِمٍ مِنْ سُيُوفِ الهِنْدِ مأْثورِ أمْسَتْ حلائلُ قَنُّورٍ مُجَدَّعَةً ... لِمَصْرَعِ العبدِ قنُّورِ بن قَنُّورِ ظلّتْ كِلابُ دمَشْقٍ وَهْيَ تَنْهَشُهُ ... كأنَّ أعضاءَهُ أعضاءُ خنزِير غادَرْنَ مِنْهُ بقايا عِنْدَ مَصرَعِهِ ... أنقاضَ شِلْوٍ على الأَطْنَابِ مَجْرور حكّمْتَ سَيْفك إذ لَمْ تَرْضَ حكمَهمُ ... والسَّيْفُ يحكمُ حكْمًا غَيْر تعذِير لا ترْضَ مِنْ خالدٍ إنْ كُنْتَ مُتَّئرًا ... إلا بكلِّ عَظِيم المُلك مَشْهُورِ أسعرْتَ مُلكَ نِزَارٍ ثمَّ رُعْتَهُمُ ... بالخيْلِ ترْكُضُ بالشُمّ المَغَاوير ما كانَ في آل قَنُّور ولا وَلَدوا ... عَدْلًا لبدرْ سَماء ساطِعٍ النّور [٧/ ٢٥٤ - ٢٦١]. قال عمرو بن مروان؛ فحدّثني يزيد بن مَصَاد، قال: كنت في عسكر سليمان، فلحقنا أهل حِمْص، وقد نزلوا السلمانيّة، فجعلوا الزيتون على أيمانهم، والجبَل على شمائلهم، والجِباب خلفهم؛ وليس عليهِم مأتىً إلا من وجْه واحد، وقد نزلوا أوّل الليل، فأراحوا دوابَّهم، وخرجنا نسري ليلتَناكلَّها، حتى دفعنا إليهم؛ فلما متَع (١) النهار واشتدّ الحرّ، ودوابنا قد كلّت وثقل علينا الحديد، دنوت من مسرور بن الوليد، فقلت له - وسليمان يسمع كلامي: أنشدك الله يا أبا سعيد أن يُقدِم الأمير جندَه إلى القتال في هذه الحال! فأقبل سليمان فقال: يا غلام، أصبر نفسَك، فوالله لا أنزل حتى يقضيَ الله بيني وبينهم ما هو قاض، فتقدَّم وعلى ميمنتِه الطُّفيل بن حارثة الكلبيّ، وعلى ميسرته الطُّفَيل بن زرارة الحبشيّ، فحملوا علينا حَمْلة، فانهزمت الميمنة والميسرة أكثر من غَلْوتين، وسليمان في القلْب لم يزُل من مكانه؛ ثم حمل عليهم أصحاب سليمان حتى ردّوهم إلى موضعهم، فلم يزالوا يحملون علينا ونحمل عليهم مرارًا، فقتِل منهم زُهاء مئتي رجل، فيهم حرب بن عبد الله بن يزيد بن معاوية، وأصيب من أصحاب سليمان نحوٌ من خمسين رجلًا، وخرج أبو الهَلباء البَهْرانيّ - وكان فارسَ أهل حمْص - فدعا إلى المبارزة، فخرج إليه حَيّة بن سلامة الكلبيّ فطعنه طعنة أذراه عن فرسه، وشدّ عليه أبو جعدة (مولىً لقريش من أهل دمشق) فقتله، وخرج ثُبيت بن يزيد البهرانيّ، فدعا إلى المبارزة، فخرج إليه إيراك السُّغديّ، من أبناء ملوك السُّغد كان منقطعًا إلى سليمان بن هشام - وكان ثبيت قصيرًا، وكان إيراك جسيمًا - فلما رآه ثُبيت قد أقبل نحوه استطرد، فوقف إيراك ورماه بسهم فأثبت عضلة ساقه إلى لبْده، قال: فبينا هم كذلك إذ أقبل عبد العزيز من ثَنيّة العُقَاب، فشدّ عليهم، حتى دخل عسكرهم فقتَل ونفذ إلينا. [قال أحمد]: قال عليّ: قال عمرو بن مروان: فحدّثني سليمان بن زياد الغسانيّ قال: كنت مع عبد العزيز بن الحجاج: فلما عاين عسكر أهل حمص، قال لأصحابه: موعدكم التلَّ الذي في وسط عسكرهم؛ والله لا يتخلّف منكم أحدٌ إلّا ضربتُ عنقه. ثم قال لصاحب لوائه: تقدّم، ثم حمل وحملنا معه؛ فما عرض لنا أحد إلا قُتِل حتى صرنا على التلّ، فتصدّع عسكرهم، فكانت هزيمتهم، ونادى يزيد بن خالد بن عبد الملك القسريّ: الله الله في قومك! فكفّ الناس، وكره ما صنع سليمان وعبد العزيز؛ وكاد يقع الشرّ بين الذَّكوانيَّة وسليمان وبين بني عامر من كلْب، فكفُّوا عنهم، علَى أن يبايعوا ليزيد بن الوليد، وبعثسليمان بن هشام إلى أبي محمد السفيانيّ ويزيد خالد بن يزيد بن معاوية فأخِذا، فمرَّ بهما على الطُفيل بن حارثة، فصاحا به: يا خالاه! ننشدك الله والرّحم! فمضى معهما إلى سليمان فحبسهما، فخاف بنو عامر أن يقتلَهما، فجاءت جماعة منهم؛ فكانت معهما في الفُسطاط، ثم وجّههما إلى يزيد بن الوليد، فحبسهما في الخَضْراء مع ابني الوليد، وحبس أيضًا يزيد بن عثمان بن محمد بن أبي سفيان؛ خال عثمان بن الوليد معهم، ثم دخل سليمان وعبد العزيز إلى دمشق؛ ونزلا بعذراء، واجتمع أمر أهل دمشق، وبايعوا يزيد بن الوليد، وخرجوا إلى دمشق وحِمْص وأعطاهم يزيد العَطَاء، وأجاز الأشراف منهم معاوية بن يزيد بن الحصين والسِّمط بن ثابت وعمرو بن قيس وابن حُوَيّ والصقر بن صفوان؛ واستعمل معاوية بن يزيد بن حصين من أهل حمص، وأقام الباقون بدمشق، ثم ساروا إلى أهل الأردنّ وفلسطين وقد قتل من أهل حِمْص يومئذ ثلثمئة رَجُل. [٦/ ٢٦٤ - ٢٦٦]. قال: وحدّثني عثمان بن داود الخوْلانيّ، قال: وجّهني يزيد بن الوليد ومعي حذيفة بن سعيد إلى محمد بن عبد الملك ويزيد بن سليمان، يدعوهما إلى طاعته، ويعدهما ويمنّيهما، فبدأنا بأهل الأردنّ ومحمد بن عبد الملك، فاجتمع إليه جماعة منهم؛ فكلّمتُه فقال بعضهم: أصلح الله الأمير! اقتل هذا القدَريّ الخبيث، فكفهم عني الحكم بن جرو القيني. فأقيمت الصلاة فخلوتُ به، فقلتُ: إني رسول يزيد إليك، والله ما تركت ورائي راية تُعْقَدُ إلّا على رأس رجل من قومك، ولا دِرهم يخرج من بيت المال إلّا في يد رجل منهم؛ وهو يحمل لك كذا وكذا. قال: أنت بذاك؟ قلت: نعم: ثم خرجت فأتيت ضِبْعان بن رَوْح، فقلت له مثل ذلك، وقلت له: إنه يوليك فلسطين ما بَقِيَ، فأجابني فانصرفت، فما أصبحت حتى رَحل بأهلِ فلسطين. حدّثني أحمد، عن عليّ، عن عمرو بن مَرْوان الكلبيّ، قال: سمعتُ محمد بن سعيد بن حسان الأردنيّ، قال: كنت عَيْنًا ليزيد بن الوليد بالأردنّ، فلما اجتمع له ما يريد ولّاني خراج الأردنّ، فلما خالفوا يزيد بن الوليد أتيتُ سليمان بن هشام، فسألته أن يوجّه معي خيلًا، فأشنّ الغارة على طَبريّة، فأبى سليمان أن يوجّه معي أحدًا، فخرجت إلى يزيد بن الوليد، فأخبرته الخبر، فكتب إلىسليمان كتابًا بَخطه، يأمره أن يوجه معي ما أردت؛ فأتيتُ به سليمان، فوجه معي مسلم بن ذَكْوان في خمسة آلاف، فخرجت بهم ليلًا حتى أنزلتهم البطيحة، فتفرّقوا في القُري، وسرت أنا في طائفة منهم نحو طبريّة، وكتبوا إلى عسكرهم، فقال أهل طَبريّة: علام نقيم والجنود تجوس منازلنا وتحكم في أهالينا! ومضوا إلى حجرة يزيد بن سليمان ومحمد بن عبد الملك، فانتهبوهما وأخذوا دوابهما وسلاحهما، ولحقوا بقراهم ومنازلهم؛ فلما تفرّق أهلُ فلسطين والأردنّ، خرج سليمان حتى أتى الصِّنَّبْرَة، وأتاه أهل الأردنّ، فبايعوا ليزيد بن الوليد؛ فلما كان يوم الجمعة وجّه سليمان إلى طَبريَة، وركب مركبًا في البحيرة، فجعل يسايرهم حتى أتى طبريّه، فصلى بهم الجمعة، وبايع مَنْ حضر ثم انصرف إلى عسكره. حدثني أحمد، قال: حدَّثنا عليّ، عن عمرو بن مَرْوان الكلبيّ، قال: حدّثني عثمان بن داود، قال: لما نزل سليمان الصَّنّبرة، أرسلني إلى يزيد بن الوليد، وقال لي: أعلِمْه أنك قد علمت جفاء أهل فلسطين، وقد كفي الله مؤونتهم، وقد أزمعت على أن أولِّيَ ابن سراقة فلسطين والأسود بن بلال المحاربيّ الأردنّ. فأتيت يزيد، فقلت له ما أمرني به سليمان، فقال: أخبرني كيف قلت لضِبْعان بن رَوْح؟ فأخبرته، قال: فما صنع؟ قلت: ارتحلَ بأهل فلسطين، وارتحل ابن جِرْو بأهل الأردنّ قبل أن يُصبِحا. قال: فليسا بأحقّ بالوفاء منا، ارجع فمرْه ألّا ينصرف حتى ينزل الرمْلة، فيبايعْ أهلها، وقد استعملتُ إبراهيم بن الوليد على الأردنّ وضِبعان بن رَوْح على فلسطين ومسرور بن الوليد على قنَّسرين وابن الحصين على حِمص. [٧/ ٢٦٧ - ٢٦٨]. ثم دعا الناس إلى تجديد البيعة له، فكان أول من بايعه الأفقم يزيد بن هشام، وبايعه قيس بن هانيء العبسيّ، فقال: يا أمير المؤمنين، اتّق الله ودُمْ على ما أنت عليه، فما قام مقامك أحدٌ من أهل بيتك؛ وإن قالوا: عمر بن عبد العزيز فأنت أخذتها بحبل صالح، وإن عمر أخذها بحبل سوء. فبلغ مروان بن محمد قولُه، فقال: ما له قاتله الله ذمّنا جميعًا وذمّ عمر! فلما وليّ مروان بعث رجلًا، فقال: إذا دخلتَ مسجد دمشق فانظر قيس بن هانيء، فإنه طالما صلّى فيه، فاقتله؛ فانطلق الرجل، فدخل مسجد دمشق، فرأى قَيْسًا يصلي فقتله. * * *وفي هذه السنة عَزل يزيد بن الوليد يوسف بن عمر عن العراق وولاها منصورَ بن جُمْهور. ذكر الخبر عَنْ عزل يوسف بن عمر وولاية منصور بن جُمْهور: ولما استوثق ليزيد بن الوليد على الطاعة أهل الشام، ندب - فيما قيل - لولاية العراق عبدَ العزيز بن هارون بن عبد الله بن دحية بن خليفة الكلبيّ، فقال له عبد العزيز: لو كان معي جند لقبلت، فتركه وولّاها منصور بن جمهور. وأما أبو مخنف، فإنه قال - فيما ذكر هشام بن محمد عنه: قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك يوم الأربعاء، لليلتين بقيَتا من جمادي الآخرة سَنة ست وعشرين ومئة، وبايع الناس يزيد بن الوليد بن عبد الملك بدمشق، وسار منصور بن جمهور من البَخْراء في اليوم الذي قتِل فيه الوليد بن يزيد إلى العراق، وهو سابع سبعة، فبلغ خبرُه يوسفَ بن عمر فهرب، وقدم منصور بن جمهور الحيرة في أيام خَلْون من رجب، فأخذ بيوت الأموال، فأخرج العطاء لأهل العطاءِ والأرزاق، واستعمل حُريث بن أبي الجهم على وَاسط، وكان عليها محمد بن نُباتة، فطرقه ليلًا فحبسه وأوثقه، واستعمل جرير بن يزيد بن يزيد بن جرير على البصرة، وأقام منصور وولَّى العمال، وبايع ليزيد بن الوليد بالعراق، وفي كورها، وأقام بقيّة رجب وشعبان ورمضان، وانصرف لأيام بَقِينَ منه. وأما غيرُ أبي مخنف فإنه قال: كان منصور بن جمهور أعرابيًّا جافيًا غَيْلانيًّا، ولم يكن من أهل الدّين، وإنما صار مع يزيد لرأيه في الغَيْلانيّة، وحميّةً لقتل خالد، فشهد لذلك قتل الوليد، فقال يزيد له لما ولاه العراق: قد وليتُك العراق فسر إليه، واتّق الله، واعلم أني إنما قتلت الوليد لفسقه ولمَا أظهرَ من الجوْر؛ فلا ينبغي لك أن تركب مثل ما قتلناه عليه، فدخل على يزيد بن الوليد يزيدُ بن حجرة الغسانيّ - وكان ديّنًا فاضلًا ذا قَدْر في أهل الشأم، قد قاتل الوليد ديانةً - فقال: يا أمير المؤمنين، أولّيتَ منصورًا العراق؟ قال: نعم، لبلائه وحسن معونته، قال: يا أميرَ المؤمنين؛ إنه ليس هناك في أعرابيّته وجفائه في الدين. قال: فإذا لم أولّ منصورًا في حسن معاونته فمَنْ أوَلِّي! قال: تولِّي رجلًا من أهل الدين والصلاح والوقوف عند الشبهات، والعلم بالأحكام والحدود؛ وما لي لا أري أحدًا من قيس يغشاك، ولا يقف ببابك! قال: لولا أنه ليس من شأنيسفك الدماء لعاجلتُ قيسًا، فوالله ما عزَّتْ إلّا ذلّ الإسلام. ولما بلغ يوسفَ بن عمر قتلُ الوليد، جعل يعمِد إلى مَن بحضرته من اليمانيَة فيلقيهم في السُّجون، ثم جعل يخلُو بالِرجل بعد الرّجل من المضريّة، فيقول له: ما عندك إن اضطرب حبل أو انفتق فَتْق؟ فيقول: أنا رجل من أهل الشام، أبايع مَنْ بايعوا، وأفعل ما فعلوا، فلم يرَ عندهم ما يحبّ، فأطلَق مَنْ في السجون من اليمانية، وأرسل إلى الحجاج بن عبد الله البصريّ ومنصور بن نصير - وكانا على خَبَر ما بينه وبين أهل الشام - فأمرهما بالكتاب إليه بالخبر، وجعل على طريق الشام أرصادًا، وأقام بالحيرة وجلًا، وأقبل منصور حتى إذا كان بالجمع؛ كتب إلى سُليمان بن سُليم بن كيسان كتابًا: أما بعد، فإن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم؛ وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مردَّ له؛ وإنّ الوليد بن يزيد بدّل نعمة الله كفرًا، فسفّك الدّماء، فسفك الله دَمه، وعجَّله إلى النار! وولى خلافته مَنْ هو خير منه، وأحسن هديًا؛ يزيد بن الوليد، وقد بايعه الناس، وولّى على العراق الحارثَ بن العباس بن الوليد، ووجّهني العباس لآخذ يوسف وعماله، وقد نزل الأبيض، ورائي على مرحلتين؛ فخذ يوسف وعماله، لا يفوتنّك منهم أحد، فاحبسهم قِبَلك، وإياك أن تخالف، فيحلّ بك وبأهل بيتك ما لا قِبَل لك به؛ فاختر لنفسك أو دَعْ. وقيل إنه لما كان يعين التّمْر كتب إلى مَنْ بالحيرة من قوّاد أهل الشأم يُخبرهم بقتل الوليد، ويأمرهم بأخذ يوسف وعماله. وبعث بالكتب كلها إلى سليمان بن سُليم بن كَيْسان، وأمره أن يفرّقها على القوّاد، فأمسكها سليمان، ودخل على يوسف، فأقرأه كتاب منصور إليه، فَبعِل به (١). قال حُريث بنُ أبي الجهم: كان مكثي بواسط؛ فما شعرت إلا بكتاب منصور بن جمهور قد جاءني أن خذْ عمال يوسف، فكنت أتولّى أمره بواسط، فجمعت مواليَّ وأصحابي، فركبنا نحوًا من ثلاثين رجلًا في السلاح؛ فأتينا المدينة. فقال البوابون: مَنْ أنت؟ قلتُ: حُرَيث بن أبي الجهم، فقالوا: نقسم بالله ما جاءبحريث إلا أمر مهمٌّ؛ ففتحوا الباب فدخلنا، فأخذنا العامل فاستسلم، وأصبحنا فأخذنا البَيْعة من الناس ليزيد بن الوليد. قال: وذكر عمر بن شجرة أنّ عمرو بن محمد بن القاسم كان على السِّند، فأخذ محمد بن غزّان - أو عِزّان - الكلبيّ، فضربه وبعث به إلى يوسف، فضربه وألزمه مالًا عظيمًا يؤدّى منه في كل جمعة نجمًا، وإن لم يفعل ضرِب خمسة وعشرين سوطًا، فجفت يده وبعض أصابعه، فلما ولي منصور بن جمهور العراق ولّاه السِّند وسجستان، فأتى سجسْتان فبايع ليزيد، ثم سار إلى السند، فأخذ عمرو بن محمد، فأوثقه وأمر به حرَسًا يحرسونه، وقام إلى الصلاة، فتناول عمرو سيفًا مع الحَرَس، فاتّكأ عليه مسلولًا حتى خالط جوفه، وتصايح الناسُ؛ فخرج ابن غَزّان فقال: ما دعاك إلى ما صنعت؟ قال: خفت العذاب، قال: ما كنت أبلغ منك ما بلغتَه من نفسك. فلبث ثلاثًا ثم مات، وبايع ابن غزّان ليزيد؛ فقال يوسف بن عمر لسليمان بن سليم بن كيسان الكلبيّ حين أقرأه كتاب منصور بن جمهور: ما الرأي؟ قال: ليس لك إمام تقاتل معه، ولا يقاتل أهل الشأم الحارث بن العباس معك، ولا آمن عليك منصور بن جمهور إن قدم عليك، وما الرّأي إلا أن تلحق بشأمك؛ قال: هو رأيي، فكيف الحيلة؟ قال: تظهر الطاعة ليزيد، وتدعُو له في خُطبتك؛ فإذا قرب منصور وجّهتُ معك مَنْ أثق به. فلما نزل منصور بحيث يصبّح الناس البلدَ، خرج يوسف إلى منزل سليمان بن سليم، فأقام به ثلاثًا، ثم وجّه معه من أخذ به طريق السَّمَاوة حتى صار إلى البَلْقاء. وقد قيل إنّ سليمان قال له: تستخفي وتَدع منصورًا والعملَ، قال: فعند مَنْ؟ قال: عندي، وأضعك في ثقة؛ ثم مضى سليمان إلى عمرو بن محمد بن سعيد بن العاص، فأخبره بالأمر، وسأله أن يؤويَ يوسف، وقال: أنت امرؤٌ من قريش، وأخوالك بكر بن وائل؛ فآواه. فال عمرو: فلم أر رجلًا كان مثل عُتُوّه رُعب رُعْبَه؛ أتيته بجارية نفيسة، وقلت: تدفئه وتطيِّب نفسه، فوالله ما قربها ولا نظر إليها، ثم أرسل إليّ يومًا فأتيته، فقال: قد أحسنتَ وأجملت؛ وقد بقيتْ لي حاجة، قلت: هاتها، قال: تخرجني من الكوفة إلى الشأم، قلت: نعم، وصبّحنَا منصور بن جمهور، فذكر الوليد فعابه، وذكر يزيد بن الوليد،فقرظه وذكر يوسف وجَوْره، وقامت الخطباء فشعّثوا من الوليد ويوسف، فأتيته فأقصصت قِصّتهم، فجعلت لا أذكر رجلًا ممّن ذكره بسوء إلا قال: لله عليّ أن أضربه مئة سوّط، مئتي سوط؛ ثلثمئة سوط؛ فجعلت أتعجّب من طمعه في الولاية بعد؛ وتهدده الناس، فتركه سليمان بن سُليم، ثم أرسله إلى الشام فاختفى بها، ثم تحوّل إلى البلقاء. ذكر عليّ بن محمد أن يوسف بن عمر وجّه رجلًا من بني كلاب في خمسمئة، وقال لهم: إن مرّ بكم يزيد بن الوليد فلا تَدعُنّه يجوز، فأتاهم منصور بن جمهور في ثلاثين، فلم يهايجوه، فانتزع سلاحهم منهم، وأدخلهم الكوفة، قال: ولم يخرج مع يوسف من الكوفة إلّا سفيان بن سلامة بن سليم بن كيسان وغسّان بن قعاس العذريّ، ومعه من ولده لصلبه ستون بين ذكر وأنثى، ودخل منصور الكوفة لأيام خَلَوْن من رجب، فأخذ بيوت الأموال، وأخرج العَطاء والأرزاق، وأطلق مَن في سجون يوسف من العمال وأهل الخراج. قال: فلما بلغ يوسف البلقَاء حينئذ بلغ خبرُه إلى يزيد بن الوليد؛ فحدّثني أحمد بن زهير؛ قال: حدثنا عبد الوهاب بن إبراهيم خالد بن يزيد بن هريم، قال: حدّثنا أبو هاشم مخلّد بن محمد بن صالح مولى عثمان بن عفان، قال: سمعت محمد بن سعيد الكلبيّ - وكان من قوّاد يزيد بن الوليد - يقول: إنّ يزيد وجّهه في طلب يوسف بن عمر حيث بلغه أنه في أهله بالبلقاء، قال: فخرجت في خمسين فارسًا أو أكثر، حتى أحطت بداره بالبلقاء، فلم نزل نفتّش، فلم نر شيئًا، وكان يوسف قد لبس لُبسة النساء، وجلس مع نسائه وبناته، ففتشهنّ فظفر به مع النساء، فجاء به في وَثاق، فحبسه في السجن مع الغلامين ابني الوليد، فكان في الحبس ولايةَ يزيد كلها وشهرين وعشرة أيام من ولاية إبراهيم؛ فلما قدم مروان الشام وقرب من دمشق وليَ قتلهم يزيد بن خالد، فأرسل يزيد مولى خالد - يكنى أبا الأسد - في عدَّة من أصحابه، فدخل السجن لشدخ الغلامين بالعَمد، وأخرج يوسف بن عمر فضرب عنقه. وقيل: إن يزيد بن الوليد لما بلغه مصيرُ يوسف إلى البَلْقاء وجّه إليه خمسين فارسًا، فعرض له رجل من بني نُمير، فقال: يابن عمّ، أنت والله مقتول فأطعني وامتنع، وائذن لي حتى أنتزعَك من أيادي هؤلاء. قال: لا، قال: فَدعْنِي أقتلكأنا، ولا يقتلك هذه اليمانية؛ فتغيّظنا بقتلك، قالى: ما لي في واحدة مما عرضتَ عليّ خيار، قال: فأنت أعلم. ومضوا به إلى يزيد، فقال: ما أقدمك؟ قال: قدم منصور بن جمهور واليًا فتركته والعمل، قال: لا، ولكنك كرهت أن تليَ لي، فأمر بحبسه، وقل: إن يزيد دعا مسلم بن ذكوان ومحمد بن سعيد بن مطرِّف الكلبيّ، فقال لهما؛ إنه بلغني أنّ الفاسق يوسف بن عمر قد صارَ إلى البلقاء، فانطلِقا فائْتياني به، فطلباه فلم يجدَاه: فرهَّبا ابنًا له، فقال: أنا أدلّكما عليه، فقال: إنه انطلق إلى مَزرعة له على ثلاثين ميلًا، فأخذا معهما خمسين رجلًا من جُنْد البلقاء، فوجدوا أثره - وكان جالسًا - فلما أحسّ بهم هرب وترك نعليه، ففتّشا فوجداه بين نسوة قد ألقيْن عليه قطيفة خزّ، وجلسْنَ على حواشيها حاسرات، فجرّوا برجله، فجعل يطلب إلى محمد بن سعيد أن يُرضِيَ عنه كلبًا، ويدفع عشرة آلاف دينار وديَةَ كلثوم بن عمير وهانئ بن بشر، فأقبلا إلى يزيد، فلقيه عاملٌ لسليمان على نوبة من نوائب الحرس، فأخذ بلحيته فهزّها، ونتف بعضها - وكان من أعظم الناس لحية وأصغرهم قامة - فأدخلاه على يزيد، فقبض على لحية نفسه - وإنها حينئذ لتَجوز سرّته - وجعل يقول: نتف والله يا أمير المؤمنين لحيتي، فما بقي فيها شعرة. فأمر به يزيد فحبُس في الحَضْراء، فدخل عليه محمد بن راشد، فقال له: أما تخاف أن يطلّع عليك بعض من قد وترت، فيُلقى عليك حجرًا! فقال: لا والله ما فطنت إلى هذا، فنشدتك الله إلّا كلمتَ أمير المؤمنين في تحويلي إلى مجلس غير هذا؛ وإن كان أضيقَ منه! قال: فأخبرت يزيد، فقال: ما غاب عنك من حُمقه أكثر، وما حبستُه إلا لأوجّهه إلى العراق، فيقام للناس وتُؤخذ المظالم من ماله ودمه. ولما قَتل يزيد بن الوليد الوليدَ بن يزيد، ووجّه منصور بن جمهور إلى العراق كتب يزيد بن الوليد إلى أهل العراق كتابًا يذكر فيه مساوئ الوليد، فكان مما كتب به - فيما حدّثني أحمد بن زهير عن عليّ بن محمد: إنّ الله اختار الإسلام دينًا وارتضاه وطهّره، وافترض فيه حقوقًا أمر بها، ونهى عن أمور حرّمها؛ ابتلاء لعباده في طاعتهم ومعصيتهم، فأكمل فيه كلّ منقبَة خير وجسيم فضل؛ ثم تولّاه، فكان له حافظًا ولأهله المقيمين حدوده وليًّا، يحوطهم ويعرّفهم بفضلالإسلام، فلم يكرم الله بالخلافة أحدًا يأخذ بأمر الله وينتهي إليه فيناوئه أحدٌ بميثاق أو يحاول صرف ما حباه الله به، أو ينكث ناكث إلّا كان كيدُه الأوْهن، ومكرُه الأبور؛ حتى يتمّ الله ما أعطاه، ويدّخر له أجره ومثوبته، ويجعل عدوّه الأَضَلّ سبيلًا، الأخسرَ عملًا. فتناسخت خلفاء الله ولاة دينه، قاضين فيه بحُكْمه، متبعين فيه لكتابه؛ فكانت لهم بذلك من ولايته ونصرته ما تمّت به النعم عليهم، قد رضي الله بهم لها حتى توفي هشام. ثم أفضى الأمر إلى عدوّ الله الوليد المنتهك للمحارم التي لا يأتي مثلها مُسلم، ولا يُقدِم عليها كافر؛ تكرُّمًا عن غشيان مثِلها، فلما استفاض ذلك منه واستعلن، واشتدّ فيه البلاء، وسُفِكت فيه الدماء، وأخِذَت الأموال بغير حقها؛ مع أمور فاحشة، لم يكن الله ليمليَ للعاملين بها إلا قليلًا، سرتُ إليه مع انتظار مراجعته، وإعذار إلى الله وإلى المسلمين، منكرًا لعمله وما اجترأ عليه من معاصي الله، متوخّيًا من الله وإلى المسلمين، منكرًا لعمله وما اجترأ عليه من معاصي الله، متوخّيًا من الله إتمام الذي نويتُ؛ من اعتدال عمود الدين، والأخذ في أهله بما هو رضا، حتى أتيت جندًا، وقد وَغرَتْ صدورهم على عدوِّ الله، لما رأوا من عمله؛ فإنّ عدوّ الله لم يكن يرى من شرائع الإسلام شيئًا إلا أراد تبديلَه، والعمل فيه بغير ما أنزل الله؛ وكان ذلك منه شائعًا شاملًا عريان لم يجعل الله فيه سترًا، ولا لأحد فيه شكًّا، فذكرتُ لهم الذي نَقِمتُ وخِفت من فساد الدين والدنيا، وحَضَضْتهم على تلافِي دينهم والمحاماة عنه؛ وهم في ذلك مُستريبون، قد خافوا أن يكونوا قد أبقوْا لأنفسهم بما قاموا عليه، إلى أن دعوتُهم إلى تغييره فأسرعوا الإجابة. فابتعث الله منهم بعثًا يخبرهم من أولي الدين والرضا، وبعثت عليهم عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، حتى لقىِ عدوَّ الله إلى جانب قرية يقال لها البَخْراء، فدعوْه إلى أن يكون الأمر شورَى، ينظر المسلمون لأنفسهم مَنْ يقلدونه ممّن اتفقوا عليه، فلم يجب عدوّ الله إلى ذلك؛ وأبى إلّا تتايُعًا في ضلالته؛ فبدرهم الحملة جهالة بالله، فوجد الله عزيزًا حكيمًا، وأخْذَه أليمًا شديدًا، فقتله الله على سوء عمله وعُصبتَه؛ ممن صاحبوه من بطانته الخبيثة،لا يبلغون عشرة، ودخل مَنْ كان معه سواهم في الحقّ الذي دُعوا إليه، فأطفأ الله جَمْرته وأراح العباد منه، فبُعدًا له ولمن كان على طريقته! أحببت أن أعلمكم ذلك، وأعجّل به إليكم، لتحمدوا الله وتشكروه، فإنكم قد أصبحتم اليومَ على أمثل حالكم؛ إذ ولاتكم خياركم، والعدل مبسوط لكم، لا يُسار فيكم بخلافه؛ فأكثروا على ذلك حمد ربِّكم، وتابعوا منصور بن جمهور؛ فقد ارتضيتُه لكم، على أنّ عليكم عهد الله وميثاقه، وأعظم ما عهِد وعقد على أحد من خلقه؛ لتستمعُنّ وتطيعنّ لي، ولمن استخلفته من بعدي، ممن اتفقت عليه الأمة، ولكم عليّ مثل ذلك؛ لأعملنّ فيكم بأمر الله وسنة نبيه ﷺ، واتبع سبلَ مَنْ سلف من خياركم؛ نسأل الله ربَّنا ووليّنا أحسن توفيقه وخير قضائه [٧/ ٢٦٩ - ٢٧٧]. * * *

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Critical assessments

  • Da'IfDa'If

    إيراك السُّغديّ، من أبناء ملوك السُّغد كان منقطعًا إلى سليمان بن هشام - وكان ثبيت قصيرًا، وكان إيراك جسيمًا - فلما رآه ثُبيت قد أقبل نحوه استطرد، فوقف إيراك ورماه بسهم فأثبت عضلة ساقه إلى لبْده، قال: فبينا هم كذلك إذ أقبل عبد العزيز من ثَنيّة العُقَاب، فشدّ عليهم، حتى دخل عسكرهم فقتَل ونفذ إلينا. [قال أحمد]: قال عليّ: قال عمرو بن مروان: فحدّ

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • MatrukMatruk

    سط عسكرهم؛ والله لا يتخلّف منكم أحدٌ إلّا ضربتُ عنقه. ثم قال لصاحب لوائه: تقدّم، ثم حمل وحملنا معه؛ فما عرض لنا أحد إلا قُتِل حتى صرنا على التلّ، فتصدّع عسكرهم، فكانت هزيمتهم، ونادى يزيد بن خالد بن عبد الملك القسريّ: الله الله في قومك! فكفّ الناس، وكره ما صنع سليمان وعبد العزيز؛ وكاد يقع الشرّ بين الذَّكوانيَّة وسليمان وبين بني عامر من كلْب

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • MatrukMatruk

    لو جَمَعتَنِي وإياهم لَرممْتُ فسادَ أمرهم بيدي ولساني، ولخفت الله في ترك ذلك؛ لعلمي ما في عواقب الفُرْقة من فساد الدين والدنيا؛ وأنه لن ينتقل سلطان قوم قطُّ إلا بتشتيت كلمتهم؛ وإنّ كَلمتهم إذا تشتّت طمع فيهم عدُّوهم، وأنت أقربُ إليهم منّي، فاحتل لعلم ذلك وإظهار المتابعة لهم؛ فإذا صرت إلى علم ذلك فتهدَّدْهم بإظهار أسرارهم، وخُذْهم بلسانك، وخَو

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • MatrukMatruk

    وإياهم لَرممْتُ فسادَ أمرهم بيدي ولساني، ولخفت الله في ترك ذلك؛ لعلمي ما في عواقب الفُرْقة من فساد الدين والدنيا؛ وأنه لن ينتقل سلطان قوم قطُّ إلا بتشتيت كلمتهم؛ وإنّ كَلمتهم إذا تشتّت طمع فيهم عدُّوهم، وأنت أقربُ إليهم منّي، فاحتل لعلم ذلك وإظهار المتابعة لهم؛ فإذا صرت إلى علم ذلك فتهدَّدْهم بإظهار أسرارهم، وخُذْهم بلسانك، وخَوِّفهم العواقب

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • ThiqaThiqa

    أقام به ثلاثًا، ثم وجّه معه من أخذ به طريق السَّمَاوة حتى صار إلى البَلْقاء. وقد قيل إنّ سليمان قال له: تستخفي وتَدع منصورًا والعملَ، قال: فعند مَنْ؟ قال: عندي، وأضعك في ثقة؛ ثم مضى سليمان إلى عمرو بن محمد بن سعيد بن العاص، فأخبره بالأمر، وسأله أن يؤويَ يوسف، وقال: أنت امرؤٌ من قريش، وأخوالك بكر بن وائل؛ فآواه. فال عمرو: فلم أر رجلًا كان مثل

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • ThiqaThiqa

    الحيرة في أيام خَلْون من رجب، فأخذ بيوت الأموال، فأخرج العطاء لأهل العطاءِ والأرزاق، واستعمل حُريث بن أبي الجهم على وَاسط، وكان عليها محمد بن نُباتة، فطرقه ليلًا فحبسه وأوثقه، واستعمل جرير بن يزيد بن يزيد بن جرير على البصرة، وأقام منصور وولَّى العمال، وبايع ليزيد بن الوليد بالعراق، وفي كورها، وأقام بقيّة رجب وشعبان ورمضان، وانصرف لأيام بَقِين

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • ThiqaThiqa

    يفعل ضرِب خمسة وعشرين سوطًا، فجفت يده وبعض أصابعه، فلما ولي منصور بن جمهور العراق ولّاه السِّند وسجستان، فأتى سجسْتان فبايع ليزيد، ثم سار إلى السند، فأخذ عمرو بن محمد، فأوثقه وأمر به حرَسًا يحرسونه، وقام إلى الصلاة، فتناول عمرو سيفًا مع الحَرَس، فاتّكأ عليه مسلولًا حتى خالط جوفه، وتصايح الناسُ؛ فخرج ابن غَزّان فقال: ما دعاك إلى ما صنعت؟ قال

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Chronology

  • Death Year Ah

    7

    نة نبيه ﷺ، واتبع سبلَ مَنْ سلف من خياركم؛ نسأل الله ربَّنا ووليّنا أحسن توفيقه وخير قضائه [٧/ ٢٦٩ - ٢٧٧]. * * *

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
340468
Book record
shamela-145435
Source record
dedupe:1594:918307
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate