page 4080, entry [1529]Open original source
فتح جرجان وفي هذه السنة فَتَح يزيُد جُرجْان الفتحَ الآخر بعد غدرِهم بجُنده ونقضهِم العَهْد، قال عليّ: عن الرّهط الِذين ذكَر أنهم حَدّثوه بخبر جُرْجان وطَبَرِستان: ثمّ إنّ يزيد لما صالح أهل طَبَرِستان قَصَد لجرْجان، فأعطى الله عَهْدًا؛ لئن ظَفِر بهم ألَّا يقلِع عنهم، ولا يرَفع عنهم السيفَ حتى يطحن بدمائهم، ويختبزَ من ذلك الطحينِ، ويأكل منه، فلما بلغ المَرزْبانَ أنه قد صالح الإصبهبذ وتوجه إلى جُرجان، جَمعَ أصحابَه وأتى وجاه، فتحصّن فيها، وصاحبها لا يحتاج إلى عُدَّةمن طعام ولا شَراب. وأقبل يزيدُ حتى نَزل عليها وهم متحصِّنون فيها، وحولها غياض فليس يُعرف لها إلَّا طريق واحد، فأقام بذلك سبعة أشهر لا يَقدر منهم على شيء، ولا يَعرِف لهم مَأتى إلَّا مِن وجه واحد، فكانوا يخرجون في الأيام فيقاتلونة ويرجعون إلى حِصْنهم، فَبيْناهُم على ذلك إذْ خرج رجلٌ من عَجم خُراسانَ كان مع يزيد يتصّيدُ ومعه شاكريّةٌ له. (٦/ ٥٤١ - ٥٤٢). وقال هشام بن محمد، عن أبي مخنف: فخَرَج رجل من عسكره من طيّئ يتصيّد، فأبصَر وَعلًا يَرقى في الجَبَل، فاتّبعه، وقال لمن معه: قفوا مَكانكم، ووقَل في الجَبَل، يقتصّ الأثر، فما شَعر بشيء حتى هَجَم على عسكرهم، فرجع يريد أصحابه، فخاف ألَّا يهتديَ، فجعل يُخرّق قبَاءه ويَعقد على الشجر علامات حتى وَصَل إلى أصحابه، ثم رجع إلى العسكر. ويقال: إنّ الذي كان يتصيد الهيّاج بن عبد الرحمن الأزديّ من أهل طُوس، وكانَ منْهومًا بالصيّد، فلما رجع إلى العسكر أتى عامر بن أينم الواشجيّ صاحب شرْطة يَزيد، فمَنعوه من الدّخول، فصاح: إنّ عندي نَصيحة (١). (٦/ ٥٤٢). وقال هِشام عن أبي مخنف: جاء حتى رَفعَ ذلك إلى ابني زَحْر بن قيس، فانطلق به ابنا زَحْر حتى أدخلاه على يرْيد، فأعلمَه، فضَمن له بضمان الجُهنيّة - أمّ ولد كانت ليزيد - على شيء قد سمّاه (٢) (٦/ ٥٤٢). وقال عليّ بن محمد في حديثه عن أصحابه: فدعا به يزيد فقال: ما عندَك؟ قال: أتريد أن تدخل وجاه بغير قتال؟ قال: نعم، قال: جعَالتي؟ قال: احتَكمْ، قال: أربعة آلاف؛ قال: لك دِيَة، قال: عَجِّلوا لي أربعة آلاف، ثم أنتم بعدُ من وراء الإحسان. فأمَر له بأربعة آلاف، ونَدَب الناس، فانتدب ألف وأربعمئة، فقال: الطريق لا يَحمِل هذه الجماعة لالتفاف الغياض، فاختار منهم ثلاثمئة، فوجّههم، واستعمل عليهم جَهْم بن زَحْر. (٦/ ٥٤٢). وقال بعضهم: استعملَ عليهم ابنه خالد بن يزيد، وقال له: إن غُلبتَ على الحياة فلا تُغلَبنَّ على الموت، وإياك أن أراكَ عندي منهزِمًا، وضمّ إليه جَهْم بنزَحْر، وقال يزيد للرجل الذي ندَب الناسَ معه: متَى تَصلُ إليهم؟ قال: غدًا عند العَصْر فيما بين الصّلاتين، قال: امضُوا على بركة الله؛ فإني سأجهَد على مناهضتهم غدًا عند صلاة الظهر، فساروا، فلما قارب انتصاف النهار من غدٍ أمَر يزيدُ الناس أن يُشعِلوا النارَ في حَطَب كان جمعَه في حِصارِه إياهم، فصيّره آكامًا، فأضرَموه نارًا؛ فلم تَزُل الشمس حتى صارَ حولَ عسكره أمثال الجبال، من النيران، ونَظَر العدوّ إلى النار، فهالَهم ما رأوا من كَثْرتها، فخرجوا إليهم، وأمَرَ يزيدُ الناسُ حين زالت الشمس فصلّوْا، فجمعوا بين الصّلاتين، ثمّ زحَفوا إليهم فاقتَتَلوا وسار الآخرون بقيّةَ يومهم والغد، فهَجَموا على عسكر الترك قُبَيْل العَصْر، وهم آمِنون من ذلك الوجه، ويزيدُ يُقاتِل من هذا الوجه، فما شَعروا إلَّا بالتكبير من ورائهم، فانقطَعوا جميعًا إلى حِصْنهم، ورَكِبهُم المسلمون، فأعطَوْا بِأيديهم، ونَزَلوا على حُكْم يزيدَ، فسبي ذراريَّهم، وقتّل مقاتِلتَهم، وصلبهم فرْسَخين عن يمين الطريق ويسارِه، وقاد منهم اثني عشرَ ألفًا إلى الأندرهز - وادي جرْجان - وقال: مَنْ طلبهم بثأر فليقتُل، فكان الرجلُ من المسلمين يَقتلُ الأربعة والخمسَة في الوادي، وأجرِي الماء في الوادي على الدّم، وعليه أرحاء ليطحَن بدمائهم، ولتبرّ يمينُه، فطَحَن واختَبَز وأكَل وبَنَى مدينةَ جُرْجان، وقال بعضهم: قَتَل يزيدُ من أهل جُرجان أربعين ألفًا، ولم تكن قبلَ ذلك مدينة ورَجع إلى خُراسان واستعمَل على جُرجانَ جَهْم بن زَحْر الجعفيّ (١). (٦/ ٥٤٣). وأمّا هشام بنُ محمد فإنه ذكَر عن أبي مخنَف أنه قال: دعا يزيد جهمَ بن زَحْر فبعث معه أربعمئة رجل حتى أخذوا في المكان الذي دُلّوا عليه وقد أمَرَهم يزيدُ فقال: إذا وصَلْتم إلى المدينة فانتَظِروا، حتى إذا كان في السَّحر فكَبِّروا، ثم انطلِقوا نحوَ باب المدينة، فإنكم تجدوني وقد نهضت بجميع الناس إلى بابها؛ فلما دخل ابن زَحْر المدينةَ أمهل حتى إذا كانت الساعةُ التي أمره يزيدُ أن يَنهضَفيها مَشَى بأصحابه، فأخذَ لا يَستقبل من أحراسِهم أحدًا، إلَّا قتلَه، وكَبَّر، ففزع أهلُ المدينة فَزَعًا لم يَدخُلهم مِثلُه قطّ فيما مضى، فلم يَرعهم، إلَّا والمسلمون معهم في مَدينتهم يكبّرون فدُهِشوا، فألقَى اللهُ في قلوبهم الرّعب، وأقبَلوا لا يَدْرون أي يتوجّهون! غيرَ أنّ عِصابة منهم ليسوا بالكثير قد أقبلوا نحو جَهْم بن زَحْر، فقَاتَلوا ساعة، فدُقت يدُ جَهْم، وصبر لهم هو وأصحابُه، فلم يُلبثوهم أنّ قتلوهم إلَّا قليلًا، وسمع يزيدُ بنُ المهلب التكبيرَ، فوَثَب في الناس إلى الباب، فوجدوهم قد شَغلَهم جَهْم بن زَحْر عن الباب، فلَم يجدْ عليه من يمنعُه ولا مَن يَدفع عنه كبير دَفع، ففتَح الباب ودخَلَها من ساعته، فأخرَج من كان فيها من المُقاتِلة، فنَصب لهم الجُذوعَ فرْسَخين عن يمين الطريق ويسارِه، فصَلَبهم أربعةَ فراسخ، وسَبَى أهلَها، وأصاب ما كان فيها (١). (٦/ ٥٤٣ - ٥٤٤). قال أبو جعفر: وفي هذه السنة توفّي أيوب بنُ سليمانَ بن عبد الملك، فحدّثت عن عليّ بن محمد، قال: حدثنا عليّ بن مجاهد، عن شيخِ من أهل الرّيّ أدرَكَ يزيدَ، قال: أتَى يزيدُ بن المهلب الرّي حين فَرَغ من جُرْجان، فبلغه وفاةُ أيوب بن سليمان وهو يسيرُ في باغ أبي صالح على بابِ الرّي، فارتجز راجزٌ بين يَدْيه، فقال: إن يَك أَيّوبُ مَضَى لشانِهِ ... فإِنَ داودَ لفِي مَكانِهِ يقيمُ ما قدْ زَال مِنْ سُلْطَانِهِ (٦/ ٥٤٥)