page 4076, entry [1528]Open original source
غزو جرجان وطبرستان فذكر هشامَ بن محمد عن أبي مخنَف، أنّ يزيد بن المهلب لما قدم خُراسان أقام ثلاثة أشهر أو أربعةً، ثم أقْبَل إلى دِهِسْتانَ وجُرْجانَ وبعث ابنه مخلَدًا على خُراسان، وجاء حتى نزل بدهستان، وكان أهلُها طائفةً من الترك فأقام عليها، وحاصَر أهلَها، معه أهلُ الكوفة وأهلُ البَصْرة وأهلُ الشام ووجوه أهل خُراسان والرّي، وهو في مئة ألف مُقاتل سوى المَوالِي والمَماليك والمتطوّعين، فكانوا يَخرُجون فيُقاتِلون الناسَ، فلا يُلبثهم الناسُ أن يَهزِموهم فَيدخلُون حصنَهم، ثمّ يخرجون أحيانًا فيُقاتِلون فيشتدّ قِتالهم. وكان جَهْم وجمال ابنا زَحْر من يزيد بمكان، وكان يُكرمهما، وكان محمد بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرة الجُعْفيّ له لسان وبأس، غير أنه كان يُفسِد نفسَه بالشراب، وكان لا يُكثر غِشْيان يزيد وأهل بيته، وكأنه أيضًا حَجَزه عن ذلك ما رَأى من حُسْن أثَرهم على ابني زَحْر جَهْم وجمال، وكان إذا نادى المنادي: يا خيلَ الله ارْكبي وأبشِري كان أول فارس من أهل العسكر يبادر إلى موقِف البَأس عند الرّوع محمد بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرة، فنُودِيَ ذات يوم في الناسِ، فبدر الناس ابنُ أبي سَبْرة، فإنه لواقفٌ على تَلّ إذ مرّ به عثمانُ بنُ المفضّل، فقال له: يا بن أبي سَبْرة، ما قدرتُ علي أن أسبقَك إلى الموقِف قَطّ، فقال: وما يُغِني ذلك عني، وأنتم تُرشّحون غِلمان مِذحجِ، وتَجهلون حقّ ذوي الأسنان والتجارب والبَلاء! فقال: أما إنك لو تريد ما قبلنا لم نَعدل عنك ما أنتَ له أهل. قال: وخرج الناسُ فاقتتَلوا قتالًا شديدًا، فحمل محمد بن أبي سَبْرة على تركيّ قد صدّ الناسَ عنه، فاختَلَفا ضربتَين، فثبتَ سيفُ التركي في بَيضة ابن أبي سبرة، وضَرَبَه ابنُ أبي سَبْرة فقتَله، ثمّ أقبل وسيفُه في يَدِه يقطرُ دَمًا، وسيفُ التركيّ في بَيضَته، فنظر الناسُ إلى أحسَن منظرَ رأوه من فارس، ونظر يزيد إلى ائتلاق السَّيْفين والبَيضة والسلاح فقال: مَن هذا؟ فقالوا: ابنُ أبي سَبْرة، فقال: لله أبوه! أيّ رجل هو لولا إسرافُه على نفسه!وخرج يزيد بعد ذلك يومًا وهو يرتادُ مكانًا يَدخُل منه على القوم، فلم يَشعُر بشيء حتى هَجم عليه جماعةٌ من الترك - وكان معه وجوه الناس وفُرسانُهم، وكان في نحو من أربعمئة، والعدوّ في نحو من أربعة آلاف- فقاتلَهم ساعةً، ثمّ قالوا ليزيد: أيّها الأمير، انصرِف ونحنُ نُقاتِل عنك، فأبَى أن يَفعَل، وغَشَى القِتال يومئذ بنفسه، وكان كأحدهم، وقاتل ابن أبي سَبْرة وابنا زَحْر والحجَّاجُ بن جارية الخثعَميّ وجُل أصحابه فأحسنوا القِتال، حتى إذا أرادوا الانصراف جَعَل الحجّاجَ بن جارية على الساقة، فكان يُقاتِل مَن وراءه حتى انتهى إلى الماء، وقد كانوا عَطِشوا فَشرِبوا، وانَصَرف عنهم العدوّ، ولم يَظفرُوا منهم بشيء، فقال سُفيان بن صفْوان الخَثْعميّ: لولا ابنُ جارِيَةَ الأغَرُّ جَبينُهُ ... لَسُقِيتَ كأْسًا مُرَّةَ المُتَجَرَّعِ وحَمَاكَ في فُرْسَانِهِ وخيُولهِ ... حتَّى وَرَدتَ الماءَ غَيْرَ مُتَعتَع ثم إنّه ألحّ عليها وأنزل الجنود من كلّ جانب حولَها، وقَطَع عنهم الموادّ، فلمّا جُهِدوا، وعَجَزوا عِن قتالِ المسلمين، واشتدّ عليهم الحصار والبلاء، بعث صُول دِهْقان دِهستان إلى يزيدَ: إني أصالحك على أن تؤمنَني على نفسي وأهل بيتي ومالي، وأدفَع إليك المدينة وما فيها وأهلها. فصالَحه، وقَبِل منه، ووَفَى له، ودَخَل المدينَة فأخذ ما كان فيها من الأموال والكُنوز ومن السَّبي شيئًا لا يُحصَى، وقتَل أربعةَ عشر ألف تُركيّ صَبْرًا، وكتَب بذلك إلى سليمان بن عبد الملك. ثمّ خَرَج حتى أتى جُرْجانَ، وقد كانوا يُصالحون أهلَ الكوفة على مئة ألف، ومئتي ألف أحيانًا، وثلاثمئة ألف، وصالحوهم عليها، فلما أتاهم يزيدُ استقبلوه بالصّلح، وهابوه وزادُوه، واستخلَف عليهم رجلًا من الأزد يقال له: أسدُ بنُ عبد الله، ودخل يزيدُ إلى الإصبهبَذ في طَبَرِسْتان فكان معه الفَعَلة يَقطَعون الشَّجر، ويُصلِحون الطرق، حتى انتهوْا إليه، فنَزل به فحصَرَه وغَلَب على أرضِه، وأخذ الإصبهبذ يَعوِض على يزيدَ الصلح ويزيده على ما كان يُؤخَذ منه، فيأبَى رجاء افتتاحهَا، فبعث ذاتَ يوم أخاه أبا عُيينة في أهل المِصريْن، فأصَعد في الجَبَل إليْهم، وقد بعث الإصبهبذ إلى الدّيلم، فاستجاشَ بهم، فاقتتلو! ، فحازهم المسلمون ساعةً وكَشفوهم، وخرج رأسُ الدّيلم يَسأل المُبارَزة، فخرجإليه ابن أبي سَبْرة فقتَله، فكانت هزيمتُهم حتى انتهَى المسلمون إلى فَمِ الشَّعب؛ فذَهبَوا ليَصعَدوا فيه، وأشرَف عليهم العدوّ، يَرشُقونهم بالنشاب، ويَرمُونَهم بالحِجارة، فانهَزَم الناسُ من فَمِ الشِّعب من غير كبير قتال ولا قوّة من عدوّهم على اتباعهم وطلبِهم، وأقبلوا يَركب بعضهم بعضًا، حتى أخذوا يَتساقَطون في اللُّهوب، ويتَدهْدى الرجلُ من رأسِ الجبل حتى نزلوا إلى عسكر يزيد لا يَعبَؤون بالشرّ شيئًا. وأقامَ يزيدُ بمكانِه على حالِه، وأقبل الإصبهبذ يكاتب أهلَ جُرْجان ويسألهم أن يَثبوا بأصحاب يزيد، وأن يَقطعَوِا عليه مادّته والطرق فيما بينَه وبين العرب، ويَعِدهم أن يكافِئهم على ذلك، فوثَبوا بمن كان يزيد خلّف من المسلمين، فقتلَوا منهم من قَدَروا عليه، واجتمعَ بقيَّتهم فتحصّنوا في جانب، فلم يزالوا فيه حتى خرج إليهم يزيد، وأقام يزيدُ على الإصبهبذ في أرضه حتى صالَحه على سبعمئة ألف درهم وأربعمئة ألف نقدًا ومئتي ألف وأربعمئة حمار موقرة زَعْفرانًا، وأربعمئة رَجُل، على رأس كلّ رجل بُرْنُس، على البُرْنس طَيْلَسان ولجام من فضّة وسَرقة من حرير، وقد كانوا صالحوا قبل ذلك على مئتي ألف درهم. ثمّ خرج منها يزِيدُ وأصحابُه كأنهم فَلّ، ولولا ما صنعَ أهلُ جُرجانَ لم يَخرج من طبَرستان حتى يَفتحها (١). (٦/ ٥٣٢ - ٥٣٥). قال عليّ: قال أبو بكر الهذليّ: كان شَهْر بن حوشب على خزائن يزيد بن المهلب، فرفعوا عليه أن أخذَ خَريطةً، فسأله يزيدُ عنها، فأتاه بها، فدعا يزيدُ الذي رَفَع عليه فشَتَمه؛ وقال لشَهر: هي لك، قال: لا حاجةَ لي فيها، فقال القُطاميّ الكلبيّ - ويقال: سِنان بن مكمّل النّميريّ: لقد بَاعَ شَهرٌ دِينَهُ بِخَريطَةٍ ... فمن يأْمَنُ القرَّاءَ بعدَك يا شَهْرُ؟ ! أخَذْتَ به شيئًا طَفِيفًا وبِعْتَهُ ... من ابن جونبوذ إنَّ هذا هو الغَدْرُ وقال مرة النَّخْعيّ لشهْر: يابن المُهَلَّب ما أَرَدتَ إلى امرئٍ ... لولَاكَ كان كصالح القُرَّاء (٦/ ٥٣٨ - ٥٣٩).قال عليّ في حديثه، عمّن ذكر خَبَر جُرْجان عنهم: وزاد فيه عليّ بن مجاهد، عن خالد بن صبيح أنّ يزيدَ بن المهلب لما صالح صولا طَمع في طَبرستان أن يفتَحها، فاعتزَم على أن يسيرَ إليها، فاستعمل عبدَ الله بن المعَمَر اليشكريّ على البياسان ودهسْتان، وخلف معه أربعة آلاف، ثم أقبل إلى أداني جُرْجان مما يلي طَبَرِستان، واستعَمَل على أندرِسْتان أسد بن عمرو - أو ابن عبد الله بن الرّبعة - وهي مما يلي طَبَرِسْتان وخَلّفه في أربعة آلاف، ودخل يزيدُ بلادَ الإصبَهْبذ، فأرسل إليه يسأله الصّلح. وأن يَخرُج من طَبَرِسْتان، فأبى يَزيدُ وَرَجا أن يفتَحها، فوجَّه أخاه أبا عُيينة من وجه، وخالدَ بن يزيد ابنه من وجه، وأبا الجَهْم الكلبيّ من وجه، وقال: إذا اجتمعتم فأبو عُيينة على الناس، فسار أبو عُيينة في أهل المِصْريْن ومعه هُرَيم بن أبي طحمة، وقال يزيد لأبي عُيينة: شاوِرْ هُرَيمًا فإنه ناصِح وأقام يزيد معسكرًا. قال: واستجاش الإصبهبذ بأهل جِيلانَ وأهل الدَّيْلم، فأتَوْه فالتَقوا في سَند جبل، فانهزَم المشركون، وأتبعهم المسلمون حتى انتَهوا إلى فَم الشِّعب فدخله المسلمون، فصَعد المشركون في الجَبَل، وأتبعهم المسلمون، فرماهم العدوّ بالنّشاب والحجارة، فانهزَم أبو عُيينة والمسلمون، فركب بعضُهم بعضًا يتساقطون من الجبل، فلم يَثْبتُوا حتى انتهَوا إلى عسكر يزيدَ، وكَفّ العدوّ عن اتّباعهم، وخافَهم الإصبهبذُ، فكتب إلى المَرزبان ابن عمّ فَيروز بن قُول وهو بأقصى جُرْجان مما يلي البياسان: إنا قد قتلنا يزيد وأصحابه فاقتُلْ من في البياسان من العَرب، فخرج إلى أهل البياسان والمسلمون غارُّون في منازِلهم، قد أجمَعوا على قتلِهم، فقُتِلوا جميعًا في ليلة، فأصبَح عبدُ الله بن المعمّر مقتولًا وأربعة آلاف من المسلمين لم يَنجُ منهم أحدٌ، وقُتِل من بني العمّ خَمْسون رجلًا؛ قُتِل الحسينُ بنُ عبد الرحمن وإسماعيل بن إبراهيم بن شمّاس، وكتَب إلى الإصبهبذ يأخذُ بالمَضايق والطرق. وبلغ يزيدَ قتل عبد الله بن المَعمَّر وأصحابه، فأعظَموا ذلك، وهالَهم، ففَزع يزيدُ إلى حيّان النَّبطيّ. وقال: لا يمنعْك ما كان منّي إليك من نصيحة المسلمين، قد جاءنا عن جُرجان ما جاءنا، وقد أخذ هذا بالطرق، فأعمل في الصّلح؛ قال:نعم، فأتى حيّان الإصبهبذ فقال: أنا رجلٌ منكم، وإن كان الدين قد فرَّق بيني وبينكم، فإني لكم ناصح، وأنت أحبّ إليّ من يزيد، وقد بعث يَستمدّ، وأمدادهُ منه قريبة، وإنما أصابوا منه طَرفًا، ولستُ آمَن أن يأتيك ما لا تقومُ له، فأرحْ نفسَك منه، وصالحْه فإنك إن صالَحته صيَّر حدَّه على أهل جُرجْان، بغدرهم وقتلهم مَن قتلوا، فصالَحه على سبعمئة ألف - وقال عليّ بن مُجاهد: على خمسمئة ألف - وأربعمئة وقرْ زَعفران أو قيمته من العَينْ، وأربعمئة رجل، على رجل كل بُرْنس وطَيْلَسان، ومع كلّ رجل جام فضّة وسَرَقة خَزّ وكِسوْة. ثم رجع إلى يزيد بن المهلب فقال: ابعث من يحَمل صُلحهم الذي صالحتُهم عليه، قال: من عندهم أو من عندنا؟ قال: من عندهم. وكان يزيدُ قد طابتْ نفسُه على أن يُطيعهم ما سألوا، ويَرجع إلى جُرجْان فأرسَل يزيدُ من يَحمل ما صالحَهم علمِه حيَّان، وانصرف إلى جُرجْان وكان يزيدُ قد غرّم حيّانًا مئتي ألف، فخاف ألَّا يُناصِحه. والسبب الذي له أغرم حيّان فيه ما حدَّثني عليّ بن مجاهد، عن خالد بن صبيح، قال: كنتُ مؤدبًا لولَد حيّان، فدعاني فقال لي: أكتبْ كتابًا إلى مَخلَد بن يزيد - ومَخلدَ يومئذ ببَلْخَ، ويزيدُ بمَرْو - فتناولتُ القِرطْاس فقال: اكتب: مِنْ حيّتانَ مولى مصقلة إلى مخلد بن يزيدَ، فغمزني مُقاتل بن حيان ألَّا تَكتُب، وأقبلَ على أبيه فقال: يا أبتِ تَكتُب إلى مخلَد وتَبدأ بنفسك! قال: نَعَم يا بنيّ، فإن لى يَرضَ لقي ما لقي قتيبة. ثمّ قال لي: اكتُب، فكتبتُ، فبعَثَ مخلَد بكتابه إلى أبيه، فأغرم يزيدُ حيّان مئتي ألف دِرهَم. (٦/ ٥٣٩ - ٥٤١).