Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

هزيمه ابن الاشعث واصحابه في وقعه مسكن

محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري · page 3976, entry [1476]

صحيح وضعيف تاريخ الطبري — محمد بن طاهر البرزنجي

Open narrator profile: هزيمه ابن الاشعث واصحابه في وقعه مسكن
page 3976, entry [1476]Open original source
هزيمة ابن الأَشعث وأَصحابه في وقَعة مسكن وفي هذه السنة كانت الوقعة بمَسْكن بين الحجّاج وابن الأشعث بعدما انهزم من دير الجماجم. * ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعة وعن صفتها: قال هشام: حدّثني أبو مِخنَف، عن أبي يزيدَ السَّكْسكيّ، قال: خرج محمّد بن سعد بن أبي وَقاص بعد وَقْعة الجماجم حتى نزل المدائن، واجتمع إليه ناسٌ كثير، وخرج عُبيد الله بنُ عبد الرّحمن بن سَمُرة بن حبيب بن عبد شمس القُرَشيّ حتى أتى البَصرة وبها أيّوب بن الحكَم بن أبي عقِيل، ابن عمّ الحجاج، فأخذها، وخرج عبد الرّحمن بن محمَّد حتى قدم البَصرة وهو بها، فاجْتمعَالناسُ إلى عبد الرحمن ونزل، فأقبل عُبيد الله حينئذ إلى ابن محمَّد بن الأشعث، وقال له: إني لم أرِد فِراقَك، وإنما أخذتها لك، وخرج الحجاج فبدأ بالمدائن، فأقام عليها خَمْسًا حتى هيأ الرجال في المعَابر، فلما بلغ محمَّد بن سعد عبورُهم إليهم خرجوا حتى لحِقوا بابن الأشعث جميعًا، وأقبَل نحوَهم الحجاج، فخرج الناسُ معه إلى مَسكن على دُجَيل، وأتاه أهلُ الكوفة والفُلول من الأطراف، وتَلَاوم الناسُ على الفِرار، وبايع أكثرهم بِسطام بن مَصقَلة على الموت، وخنَدَقَ عبدُ الرحمن على القوم؛ فسار عمارة بن تميم إلى عبد الرّحمن فأدركه بالسوس، فقاتَلَه ساعةً من نهار، ثمّ إنه انهزَم هو وأصحابه فمضَوا حتى أتَوا سابور، واجتمعت إلى عبد الرحمن بن محمَّد الأكرَادُ مع من كان معه من الفُلول، فقَاتَلَهم عمارة بن تميم قتالًا شديدًا على العَقَبة حتى جُرِح عمارة وكثيرٌ من أصحابه، ثمّ انهزم عمارة وأصحابه وخلَّوْا لهم عن العَقَبة، ومضى عبدُ الرحمن حتى مرّ بكَرمان (١). (٦/ ٣٦٧ - ٣٦٨). قال الواقديّ: كانت وقعة الزاوية بالبَصرة في المحرّم سنة ثلاث وثمانين. (٦/ ٣٦٨). قال أبو مخنفَ: حدّثني سيف بن بِشْر العجْليّ، عن المنخل بن حابس العبديّ، قال: لما دخل عبد الرحمن بن محمَّد كَرْمان تلقاه عمرو بن لَقيط العبديّ - وكان عاملَه عليها - فهيأ له نُزُلًا فَنَزل، فقال له شيخ من عبد القيس يقال له مَعقِل: واللهِ لقد بَلَغنا عنك يا بن الأشعث أن قد كنت جَبانًا، فقال عبدُ الرحمن: واللهِ ما جَبُنْتُ، والله لقَد دلَفْتُ الرّجال بالرّجال، ولففتُ الخيلَ بالخيل، ولقد قاتلت فارسًا، وقاتلت راجلًا، وما انهزمتُ ولا تركتُ العرْصة للقوم في مَوْطن حتى لا أجِد مُقاتَلًا ولا أرى معي مقَاتلًا، ولكني زاولتُ مُلْكًا مؤجلًا، ثمّ إنه مضى بمن معه حتى فوّز في مَفازةِ كرْمان (٢). (٦/ ٣٦٨). قال أبو مخنَف: فحدّثني هشام بن أيّوب بن عبد الرحمن بن أبي عَقِيل الثقفيّ، قال: لما مضى ابن محمَّد في مفازة كَرمان وأتْبعه أهلُ الشام دخل بعضُأهل الشام قصرًا في المَفازة، فإذا فيه كتاب قد كتَبه بعضُ أهل الكوفة من شِعْر أبي جلدة اليَشكُريّ، وهي قصيدة طويلة: أَيا لَهْفًا ويا حَزنًا جميعًا ... ويا حَرَّ الفؤاد لِمَا لَقِينَا! تركنا الدّينَ والدنيا جميعًا ... وأَسلمْنا الحلائلَ والبنِينَا فما كنّا أُناسًا أهلَ دينٍ ... فنَصبِرَ في البلاءِ إذا ابتلينا وما كنَّا أُناسًا أهل دنْيَا ... فنمْنَعَهَا وَلَوْ لم نرجُ دينا تركنا دُورنا لطَغَامِ عَكٍّ ... وأنباطِ القُرَى والأَشَعرينا ثمّ إن ابن محمَّد مضى حتى خرج على زَرَنْج مدينة سِجِستَان وفيها رجل من بني تميم قد كان عبد الرحمن استعمَلَه عليها، يقال له عبد الله بن عامر البعّار من بني مُجَاشع بن دارِم، فلما قَدِم عليه عبد الرّحمن بن محمَّد على أصحابه، وبَشَقَ الماء من جانب، فجعل القتال من وجه واحد، وقدم عليه خالد بن جرير بن عبد الله القَسْريّ من خُراسان في ناس من بَعْث الكوفة، فاقتَتَلوا خمسَ عشرةَ ليلةً من شعبان أشدَّ القتال حتى قُتِل زيادُ بن غُنيم القَينيّ، وكان على مَسالِح الحجّاج، فهدّه ذلك وأصحابَه هدًّا شديدًا (١). (٦/ ٣٦٦). قال أبو مِخنَف: حدّثني أبو جَهْضَم الأزْديّ، قال: بات الحجّاج ليلَه كلَّه يسير فينا يقول لنا: إنكم أهل الطاعة، وهم أهل المعصية، وأنتم تَسعَوْن في رضوان الله، وهم يَسَعَون في سُخْط الله، وعادة الله عندكم فيهم حَسَنة؛ ما صدقتمُوهم في موطِن قطّ ولا صبرتُم لهم إلَّا أعقَبَكم الله النصرَ عليهم والظفَر بهم؛ فأصبِحوا إليهم عادِين جادِّين، فإني لست أشكّ في النصر إن شاء الله. قال: فأصبَحْنا، وقد عبّأنا في السَّحَر، فباكرناهم فقاتَلْناهم أشدَّ قتال قاتلناهُمُوه قطّ، وقد جاءنا عبدُ الملك بن المهلب مجفّفًا، وقد كُشفتْ خيل سُفيان بن الأبرد، فقال له الحجاج: ضمّ إليك يا عبد الملك هذا النّشَر لعلي أحمِل عليهم، ففعَل، وحمل الناسُ من كلّ جانب، فانهزم أهلُ العراق أيضًا، وقتِل أبو البَخْتريّ الطائيّ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وقالا قبل أن يُقتَلا: إنَّ الفِرار كلّ ساعة بنا لَقبيح، فأصيبا.قال: ومشى بِسطام بن مَصقَلة الشيبانيّ في أربعة آلاف من أهل الحِفاظ من أهل المصرَيْن، فكَسَروا جفونَ السيوف، وقال لهم ابن مَصقَلة: لو كنا إذا فررنا بأنفسنا من الموت نجوْنا منه فَرَرنا، ولكنا قد علمنا أنَّه نازل بنا عما قليل، فأين المَحيد عما لابدّ منه! يا قوم إنكم مُحِقون، فقاتِلوا على الحقّ، واللهِ لو لم تكونوا على الحقّ لكان موتٌ في عزّ خيرًا من حياة في ذُلّ. فقاتَلَ هو وأصحابُه قتالًا شديدًا كَشَفوا فيه أهلَ الشام مرارًا، حتى قال الحجّاج: عليّ بالرماة لا يقاتلهم غيرُهم، فلما جاءتْهم الرّماة وأحاطَ بهم الناس من كلّ جانب قُتلوا إلا قليلًا، وأخذ بكير بن ربيعة بن ثَرْوان الضّبيّ أسيرًا، فأتِيَ به الحجاج فقتله (١). (٦/ ٣٦٦ - ٣٦٧). قال أبو مِخنَف: فحدّثني أبو الجَهْضَم، قال: جئت بأسير كان الحجاج يعرفه بالبأس، فقال الحجاج: يا أهل الشام، إنه من صُنعْ الله لكم أنّ هذا غلام من الغِلْمان جاء بفارس أهل العراق أسيرًا، اضرب عنقَه، فقتله. قال: ومضى ابن الأشعث والفَلّ من المنهزِمين معه نحو سِجِسْتانَ فأتْبَعهم الحجّاج عمارة بن تميم اللخميّ، ومعه ابنه محمَّد بن الحجاج وعمارة أميرٌ منهزمًا أَغلَق باب المدينة دونَه، ومنعه دخولَها، فأقام عليها عبد الرّحمن أيامًا رجاءَ افتتاحها ودخولها، فلما رأى أنَّه لا يصل إليها خرج حتى أتى بُسْتَ، وقد كان استعمل عليها رجلًا من بكر بن وائل يقال له عِياض بن هِمْيان أبو هِشام بن عياضِ السدوسيّ، فاستقبَلَه، وقال له: انزِل، فجاء حتى نزل به، وانتظر حتى إذا غَفل أصحاب عبد الرحمن وتفرّقوا عنه وثب عليه فأوثَقَه، وأراد أن يأمَن بها عند الحجاج، ويتخذ بها عندَه مكانًا، وقد كان رُتْبيل سمع بمقدم عبد الرّحمن عليه، فاستقبله في جنوده، فجاء رُتْبيل حتّى أحاط ببُسْت، ثمّ نزل وبعث إلى البكريّ: والله لئن آذيتَه بما يُقذِي عينَه، أو ضررته ببعض المضرّة، أو رزأته حَبْلًا من شَعَر لا أبرح العَرْصة حتى أستنزِلَك فأقتُلَك وجميع من معك، ثمّ أسبي ذراريَّكم، وأقسِّم بين الجند أموالَكم، فأرسل إليه البكريّ، أن أعطنا أمانًا على أنفسِنا وأموالنا، ونحن ندفعه إليك سالمًا، وما كان له من مال مُوَفّرًا،فصالحهم على ذلك، وآمنهم ففَتحوا لابن الأشعث الباب وخلّوا سبيلهُ، فأتى رُتْبيل فقال له: إنّ هذا كان عاملي على هذه المدينة، وكنت حيث ولّيته واثقًا به، مطمئنًا إليه، فغدَرَ بي وركب مني ما قد رأيتَ، فائْذنْ لي في قَتْله، قال: قد آمنتُه وأكرَه أن أغدِر به، قال: فأذْن لي في دفْعه وَلهزِه، والتصغير به، قال: أمّا هذا فنعم، ففعَل به عبدُ الرحمن بن محمد، ثمّ مضى حتىِ دخل مع رُتْبيل بلاده، فأنزله رُتْبيل عنده وأكرمه وعظّمه، وكان معه ناس من الفلّ كثير. ثمّ إن عُظْم الفُلول وجماعةَ أصحاب عبد الرحمن ومن كان لا يرجو الأمان؛ من الرّؤوس والقادة الذين نصبوا للحجّاج في كلّ موطن مع ابن الأشعث، ولم يَقبَلوا أمان الحجّاج في أوّل مرّة، وجهَدوا عليه الجهْدَ كلَّه، أقبلوا في أثر ابن الأشعث وفي طلبه حتى سَقَطوا بسِجِستانَ، فكان بها منهم وممن تَبِعهم من أهل سِجِسْتان وأهل البلد نحو من ستّين ألفًا، ونزلوا على عبد الله بنِ عامر البعّار فحصروه، وكَتَبوا إلى عبد الرحمن يخبرونه بقدومِهم وعَددِهم وجماعتِهم، وهو عند رُتْبيل، وكان يصلي بهم عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، فكَتَبوا إليه: أن أقبِلْ إلينا لعلنا نسير إلى خُراسان، فإنّ بها منا جُنْدًا عظيمًا، فلعلّهم يبايعوننا على قتال أهلِ الشام، وهي بلادٌ واسعة عريضة، وبها الرّجال والحُصون، فخرج إليهم عبد الرحمن بن محمد بمن معه، فحصروا عبد الله بن عامر البعّار حتى استنزَلوه، فأمر به عبد الرحمن فضُرِب وعُذّب وحُبِس، وأقبل نحوَهم عمارة بن تميم في أهل الشام، فقال أصحابُ عبد الرحمن بن محمد لعبد الرحمن: اخرُج بنا عن سِجِستَان فلندعها له ونأتيَ خُراسان، فقال عبدُ الرحمن بن محمد: على خُراسان يزيد بن المهلب، وهو شابّ شجاع صارم، وليس بتارك لكمْ سلطانَه، ولو دخلتمُوها وجدتموه إليكم سريعًا، ولن يدع أهل الشام اتّباعكم، فأكره أن يجتمعَ عليكم أهلُ خُراسان وأهل الشام، وأخاف ألّا تنالوا ما تَطلبون، فقالوا: إنما أهل خُراسان منّا، ونحن نرجو أن لو قد دخلناها أن يكون من يتبعنا منهم أكثر ممن يقاتلنا، وهي أرضٌ طويلة عريضة ننتحِي فيها حيث شئنا، ونمكث حتى يُهلِك الله الحجّاج أو عبد الملك، أو نرى من رأينا، فقال لهم عبد الرحمن: سيرُوا على اسم الله. فساروا حتى بلغوا هَراةَ، فلم يشعُروا بشيء حتى خرج من عسكره عُبيد الله بنعبد الرحمن بن سَمُرة القرشيّ في ألفين، ففارَقَه فأخذ طريقًا سوى طريقِهم، فلمَّا أصبح ابن محمد قام فيهم فحَمِد اللهَ وأثنى عليه، ثمّ قال: أما بعد، فإني قد شهدتكم في هذه الموَاطن، وليس فيها مَشهَد إلّا أصبر لكم فيه نفسي حتى لا يَبقَى منكم فيه أحد، فلما رأيتُ أنكم لا تقاتلون، ولا تَصبرون، أتيتُ ملجأ ومأمنًا فكنتُ فيه، فجاءتني كتبُكم بأن أقبل إلينا، فإنا قد أجتمعْنا وأمرُنا واحد، لعلنا نقاتل عدوّنا، فأتيتكم فرأيت أن أمضيَ إلى خُراسان وزعمتم أنكم مجتمعون لي، وأنكم لن تفرّقوا عني، ثمّ هذا عبيد الله بن عبد الرّحمن قد صنع ما قد رأيتم، فَحسبي منكم يومي هذا فاصنعوا ما بدا لكم، أما أنا فمنصرف إلى صاحبي الذي أتيتكم من قبَله، فمن أحبّ منكم أن يتّبعني فليتّبعْني، ومن كَرِه ذلك فليذهبْ حيث أحبّ في عياذ من الله. فتفرّقت منهم طائفة، ونزلتْ معه طائفة، وبقي عُظْم العسكر، فَوثَبُوا إلى عبد الرحمن بن العبّاس لما انصرف عبدُ الرحمن، فبايعوه، ثمّ مضى ابن محمد إلى رُتْبيل ومضوا هم إلى خُراسان حتى انتَهوا إلى هَرَاةَ، فلقوا بها الرّقاد الأزديّ من العَتيك، فقتَلوه، وسار إليهم يزيد بن المهلب. وأما عليّ بن محمد المدائنيّ فإنه ذكر عن المفضّل بن محمد أنّ ابن الأشعث لما انهزَم من مَسكِن مضى إلى كابُل، وأنّ عبيد الله بن عبد الرّحمن بن سَمُرة أتى هَراةَ فذمَ ابنَ الأشعث وعابَه بفراره، وأتى عبدُ الرّحمن بن عباس سِجِستْان فانضمّ إليه فَلّ ابنِ الأشعث، فسار إلى خُراسانَ في جمع يقال في عشرين ألفًا، فنَزل هراةَ ولقوا الرُّقّاد بن عبيد العَتَكى فقَتلوه، وكان مع عبد الرحمن من عبد القيس عبدُ الرحمن بن المنذر بن الجارود، فأرسل إليه يزيدُ بن المهلّب: قد كان لك في البلاد متَّسعٌ، ومن هو أكلّ مني حَدًّا وأهوَنُ شَوْكة، فارتحِلْ إلى بلد ليس فيه سلطان، فإني أكره قِتالَك، وإن أحببتَ أن أمِدَّك بمال لسفرِك أعنتُك به؛ فأرسَلَ إليه: ما نزلْنا هذه البلاد لمحاربة ولا لمقام، ولكنا أردنا أن نريحَ، ثمّ نَشخَص إن شاء الله، وليست بنا حاجةٌ إلى ما عرضتَ. فانصرَف رسولُ يزيدَ إليه، وأقبل الهاشميّ على الجباية، وبلغ يزيدَ، فقال: من أراد أن يُريحَ ثمّ يجتازَ لم يجْبِ الخَراجَ، فقدّم المفضّل في أربعة آلاف - ويقال في ستة آلاف - ثمّ أتبعه في أربعة آلاف، ووَزَن يزيدُ نفسَه بسلاحِه، فكان أربعَمئة رطل، فقال:ما أراني إلا قد ثَقُلت عن الحرب، أيّ فرس يحملني! ثمّ دعا بفرسه الكامل فرَكبهِ، واستخلَف على مرَو خالَه جُدَيع بن يزيد، وصيّر طريقَه على مَرْوَ الرُّوذ، فأتى قبرَ أبيه فأقام عندَه ثلاثة أيام، وأعطى من معه مئَة درهم مئَة درهم، ثمّ أتى هَراةَ فأرسل إلى الهاشميّ: قد أرحْتَ وأسمنْتَ وجَبَيْتَ، فلك ما جَبَيْتَ، وإن أردتَ زيادةً زِدناك، فأخرج فوالله ما أحِبّ أن أقاتلَك، قال: فأبى إلّا القتالَ ومعه عُبيد الله بنُ عبد الرحمن بن سَمُرة، ودسَّ الهاشميّ إلى جند يزيدَ يمنِّيهم ويدعوهم إلى نفسِه، فأخبر بعضهم يزيدَ، فقال: جَلَّ الأمرُ عن العتاب، أتغدَّى بهذا قبل أن يتعشَّى بي؛ فسار إليه حتى تَدانَى العسكران، وتأهبّوا للقتال، وألِقيَ ليزيدَ كرسيّ فقعد عليه، وولَّى الحربَ أخاه المفضّل، فأقبل رجلٌ من أصحاب الهاشميّ - يقال له خُلَيد عَيْنَيْنِ من عبد القيس - على ظَهْر فرَسه، فرفع صوتَه فقال: دَعتْ يا يَزِيدَ بنَ المهلَّب دَعْوَةً ... لها جَزَعٌ ثم استهلَّتْ عيُونُها ولو يُسمِع الداعي النِّداء أَجابَها ... بصُمِّ القَنَا والبيض تُلْقَى جفُونُها وقدْ فَرَّ أَشرافُ العِرَاق وغادرُوا ... بها بقَرًا للحيْنِ جُمًّا قُرونُها وأراد أن يحضّ يزيد، فسكت يزيدُ طويلًا حتى ظنّ الناس أن الشِّعر قد حرَّكه، ثمّ قال لرجل: نادِ وأسِمعْهم، جَشّموهم ذلك، فقال خُلَيد: لبئس المنادِي والمنوَّهُ باسمِه ... تُنَادِيه أَبكارُ العِراقِ وعُونُها يَزيدُ إذا يُدعَى لِيَوْم حَفيظَةٍ ... ولا يَمْنَعُ السَّوْآتِ إلَّا حُصُونها فإِنّي أَراه عن قليلٍ بنفسِهِ ... يُدانُ كما قد كان قَبْلُ يَدِينُها فلا حُرَّةٌ تَبكِيهِ لكنْ نوَائحٌ ... تُبكِّي عليه البُقْعُ منها وَجُونُها فقال يزيدُ للمفضّل: قدِّم خيلَك، فتقدّم بها، وتهايَجوا فلم يكن بينهم كبيرُ قتال حتى تفرّق الناس عن عبد الرحمن، وصبر وصبرتْ معه طائفة من أهل الحفاظ، وصبر معه العبديّون، وحمل سعد بن نجد القُرّدوسيّ على حُلَيس الشيبانيّ وهو أمام عبد الرحمن، فطعنه حُلَيس فأذراه عن فرسِه، وسماه أصحابُه، وكثرهم الناس فانكشفوا، فأمر يزيدُ بالكَفّ عن اتباعهم، وأخذوا ما كان في عسكرهم، وأسَروا منهم أسرَى، فولى يزيدُ عطاءَ بنَ أبي السائب العسكر، وأمَرَه بضّم ما كان فيه، فأصابوا ثلاثَ عشرةَ امرأة، فأتوا بهنّ يزيدَفدفعهنّ إلى مرّة بن عطاء بن أبي السائب، فحمَلَهنّ إلى الطّبَسَين، ثمّ حملهنّ إلى العِراق، وقال يزيد لسعد بن نجد: مَن طعنَك؟ قال: حليس الشيبانيّ، وأنا والله راجلًا أشدّ منه وهو فارس. قال: فبلغ حُليسًا، فقال: كذب واللهِ, لأنا أشدُّ منه فارسًا وراجلًا، وهرب عبد الرحمن بنُ منذر بن بِشر بن حارثة فصار إلى موسى بنِ عبد الله بنِ خازم، قال: فكان في الأسرى محمد بن سعد بن أبي وقاص، وعمرو بن موسى بن عبيد الله بن مَعمَر، وعيّاش بن الأسوَد بن عوف الزّهريّ والهلقام بن نُعيم بن القَعقاع بن مَعبد بن زُرارة، وفَيروز حصين، وأبو العِلْج مولَى عُبيد الله بن معمَرَ، ورجل من آل أبي عَقيل، وسَوّار بن مروان، وعبد الرحمن بن طلحة بن عبد الله بن خَلَف، وعبد الله بن فَضالة الزّهرانيّ. ولحق الهاشميّ بالسِّند، وأتى ابنُ سَمُرة مروَ، ثمّ انصرف يزيدُ إلى مروَ وبعث بالأسرى إلى الحجاج مع سَبْرة بن نَخْف بن أبي صُفْرة، وخلى عن ابن طلحة وعبدِ الله بن فضَالة، وسعى قومٌ بعُبيد الله بن عبد الرحمن بن سَمُرة، فأخذه يزيدُ فحبسه (١). (٦/ ٣٦٨ - ٣٧٣). وأمّا هشام فإنه ذكر أنه حدّثه القاسم بن محمد الحضرمي، عن حفص بن عمرو بن قَبيصة، عن رجل من بني حنيفة يقال له جابر بن عمارة، أنّ يزيدَ بن المهلب حبس عندَه عبدَ الرحمن بن طلحة وآمنَه، وكان الطلحيّ قد آلَى على يمينٍ ألا يرَى يزيدَ بنَ المهلب في موقف إلّا أتاه حتى يقبِّل يدَه شكرًا لما أبلاه، قال: وقال محمد بن سعد بن أبي وقاص ليزيدَ: أسألك بدعوةِ أبي لأبيك! فخلّى سبيلَه، ولقول محمد بن سعد ليزيدَ: "أسألك بدعوةٍ أبي لأبيك" حديثٌ فيه بعضُ الطول. (٦/ ٣٧٣ - ٣٧٤). قال هِشام: حدّثني أبو مِخنَف: قال: حدّثني هشام بن أيّوب بن عبد الرحمن بن أبي عَقيل الثقفيّ، قال: بعث يزيد بن المهلب ببقية الأسرى إلى الحجاج بن يوسفَ؛ بعمَر بن موسى بن عُبيد الله بن مَعمَر، فقال: أنت صاحبُ شرطة عبد الرحمن؟ فقال: أصلح الله الأمير! كانت فتنةٌ شملت البَرَّ والفاجر،فدخلنا فيها، فقد أمكَنَك الله منا، فإنْ عفوتَ فبِحلمك وفضلِك، وإنه عاقبْت عاقبتَ ظَلَمَةً مذنِبين، فقال الحجّاج: أما قولك: "إنها شمِلتِ البرّ والفاجرَ" فكذبتَ، ولكنها شملت الفُجّارَ، وعُوفيَ منها الأبرار، واما اعترافك بذَنبْك فعسى أن يَنفَعَك، فعُزِل، ورجا الناس له العافية حتى قُدِم بالهلقام بن نعيم، فقال له الحجاج: أخبِرْني عنك، ما رجوتَ من اتباع عبد الرحمن بن محمد؟ أرجوتَ أن يكون خليفةَ؟ قال: نعم، رجوتُ ذلك، وطمِعت أن يُنزلني منزلتَك من عبد الملك، قال: فغضب الحجاج وقال: اضربوا عنقَه، فقُتل. قال: ونظر إلى موسى بن عمر بن عبيد الله بن مَعْمرَ وقد نُحِّي عنه فقال: اضِربُوا عُنقَه، وقتل بقيّتهم، وقد كان آمن عمرو بن أبي قرّة الكنديّ ثمّ الحجْريّ وهو شريف وله بيتٌ قديم، فقال: يا عمرو، كنت تُفضي إليّ وتحدّثني أنك ترغب عن ابن الأشعث وعن الأشعث قبله، ثمّ تبعتَ عبد الرّحمن بن محمد بن الأشعث؛ والله ما بك عن اتّباعهم رغبةٌ، ولا نَعمةَ عين لك ولا كرامة. قال: وقد كان الحجاجُ حين هُزِم الناس بالجماجم نادى مناديه: مَن لِحق بقتَيْبة بن مسلم بالريّ فهو أمانُه، فلحق ناسٌ كثير بقتيبة، وكان فيمن لحق به عامر الشَّعبيّ، فذكر الحجّاجُ الشعبيَّ يومًا فقال: أين هو؟ وما فعل؟ فقال له يزيد بنُ أبي مسلم: بلغني أيها الأمير أنه لحق بقتيبة بن مسلم بالرّيّ، قال: فابحث إليه فلنُؤتَ به، فكَتَبَ الحجّاج إلى قتيبة: أمّا بعد، فابحث إليّ بالشعبيّ حين تَنظُر في كتابي هذا؛ والسّلام عليك؛ فسُرّح إليه. (٦/ ٣٧٤ - ٣٧٥). قال أبو مِخنَف: فحدّثني السرّيّ بن إسماعيل عن الشعبيّ، قال: كنتُ لابن أبي مسلم صَدِيقًا، فلما قُدِم بي على الحجاج لقيتُ ابن أبي مسلم فقلتُ: أشِرْ عليّ؛ قال: ما أدري ما أشيرُ به عليك غير أن أعتَذِر ما استطعت من عذر! وأشار بمثلِ ذلك عليّ نُصَحائي وإخواني، فلما دخلتُ عليه رأيتُ واللهِ غيرَ ما رأوا لي، فسلّمت عليه بالإمرة ثم قلت: أيّها الأمير، إنّ الناس قد أمروني أن أعتذرَ إليك بغير ما يَعلم الله أنه الحقّ، وايمُ الله لا أقول في هذا المقام إلّا حقًّا، قد والله سوِّدنا عليك، وحرّضَنا وجهدنا عليك كلّ الجهد، فما آلِونا، فما كنا بالأقوياء الفجَرة، ولا الأتقياء البَرَرَة، ولقد نصرك اللهُ علينا، وأظفرَك بنا، فإن سطوتَ فبذُنوبنا وما جَرّت إليه أيدينا، وإن عفوتَ عنا فبحلمك، وبعد الحجة.لك علينا، فقال له الحجاج: أنت واللهِ أحبّ إليّ قولًا ممن يدخل علينا يَقطر سيفُه من دمائنا ثمّ يقول: ما فعلتُ ولا شهدتُ؛ قد أمِنْتَ عندنا يا شَعبيُّ، فانصرِفْ، قال: فانصرفتُ، فلما مَشَيتُ قليلًا قال: هلّم يا شعبيّ؛ قال: فوَجِل لذلك قلبي، ثمّ ذكرتُ قولَه: "قد أمِنْت يا شعبيّ" فاطمأنت نفسي، قال: كيف وجدتَ الناس يا شعبيّ بعدنا؟ قال - وكان لي مكرمًا: فقلتُ: أصلَح اللهُ الأمير! اكتحلتُ واللهِ بعدَك السَّهَر، واستوعَرْتُ الجَناب، واستحلَسْتُ الخوف، وفقدْتُ صالح الإخوان، ولم أجد من الأمير خَلَفًا. قال: انصرِف يا شَعبيّ، فانصرَفْتُ (١). (٦/ ٣٧٥). قال أبو مِخنَف: قال خالد بن قَطَن الحارثيّ: أتِيَ الحجّاجُ بالأعشى، أعشَى همْدانَ فقال: إيه يا عَدُوّ الله! أنشِدْني قولَك: "بين الأشجّ وبين قيس"، أنفِذْ بيتَك، قال: بل أنشدُك ما قلتُ لك؛ قال: بل أنشدْني هذه؛ فأنشدَهَ: أبى الله إلا أَن يُتَمِّمَ نُورَهُ ... ويُطْفئَ نُورَ الفَاسِقِينَ فيَخمُدا ويُظهِرَ أَهْلَ الحَقّ في كلّ مَوْطِنٍ ... ويُعْدِلَ وقْع السَّيْفِ من كان أَصيَدا ويُنْزِلَ ذُلّا بالعِرَاقِ وأَهلِهِ ... لِما نَقَضُوا العَهْد الوثيقَ الموكَّدَا وما أحْدَثوا مِنْ بِدْعَةٍ وعظيمةٍ ... من القوْلِ لم تَصْعدْ إلى اللهِ مَصْعدا وما نكَثوا مِنْ بَيْعةٍ بعْد بَيْعَةٍ ... إذا ضَمِنُوها اليَوْمَ خَاسُوا بها غَدَا وجُبْنًا حَشاهُ رَبهُمْ في قلوبِهِمْ ... فما يقْربُونَ الناس إلا تَهدُّدا فلا صِدْقَ في قَولٍ وِلا صَبْرَ عِنْدَهْم ... ولكِنَّ فخرًا فيهِمُ وتَزيُّدا فكَيْفَ رأيت اللهَ فرَّقَ جَمْعَهُمْ ... ومزَّقهُمْ عَرْضَ البلادِ وشرَّدَا! فقَتْلَاهم قَتلَى ضلَالٍ وفتْنةٍ ... وحيُّهُمُ أَمسى ذَلِيلًا مُطرَّدا ولما زَحَفْنَا لابنِ يُوسُفَ غُدْوةً ... وأَبْرَقَ مِنَّا العَارِضَانِ وأَرْعَدا قَطَعْنَا إليه الخندقَين وإِنَّما ... قطَعْنا وأَفضينا إلى الموت مُرْصِدا فكافَحَنَا الحجّاجُ دُونَ صُفُوفنَا ... كِفاحًا ولَمْ يضْرِبْ لذلك موْعِدَا بِصَفٍّ كأَنَّ البَرقَ في حَجَراتِهِ ... إذا ما تجَلَّى بيْضهُ وتَوقّدا دلفْنَا إليه في صُفُوفٍ كأَنَّها ... جِبَالُ شَرَوْرَى لو تُعان فتَنْهُدا فما لَبثَ الحجّاجُ أَنْ سَلَّ سَيْفهُ ... عليْنَا فولَّى جَمْعُنا وتَبَدَّدَاوما زاحَفَ الحجّاجُ إلا رأَيْتَهُ ... مُعانًا مُلَقَّى للْفتُوحِ مَعُوَّدَا وإنَّ ابْنَ عباسٍ لفي مرجَحِنَّةٍ ... نُشبّهُهَا قِطْعًا من الليْل أَسْوَدا فما شَرَعُوا رُمْحًا ولا جَرَّدُوا له ... ألا رُبَّما لاقى الجَبان فَجَرَّدا وكرَّتْ علَيْنا خَيْلُ سُفْيَانَ كَرَّةً ... بفرْسانها والسَمْهَريِّ مُقَصدَا وسُفْيَان يَهْدِيها كأنَّ لواءَهُ ... من الطعن سِندٌ بات بالصِّبغ مُجسدا كهولٌ ومُرْدٌ من قُضَاعَةَ حَوْلَهُ ... مَسَاعير أبَطال إذا النِّكْسُ عَرَّدا إذا قال شُدُّوا شَدَّةً حمَلوا مَعًا ... فأَنْهَلَ خِرْصانَ الرِّماح وأوردَا جُنُودُ أَمير المؤمنينَ وخَيْلُهُ ... وسلطَانُهُ أمسى عزيزًا مؤيَّدَا فيَهْنى أميرَ المؤمنينَ ظُهُورُه ... على أمّة كانوا بُغاةً وحسّدا نزوْا يَشتكونَ البغْيَ من أمرائِهِمْ ... وكانوا هُمُ أبغَى البغاةِ وأَعنَدا وجَدْنا بَنِي مروَانَ خَيْرَ أئمةٍ ... وأفضلَ هذي النّاسِ حِلْمًا وسُودَدَا وخَيْرَ قُريشٍ في قريش أرُومَةً ... وأكرمَهُم إلا النبيَّ محمّدا إذا ما تَدَبَّرنَا عَواقِبَ أَمرهِ ... وجَدْنا أَمير المؤمنين مُسَدَّدا سيُغلَب قوم غالبُوا الله جَهرةً ... وإن كايَدُوهُ كانَ أقوَى وأكْيَدا كذاك يضِلُّ اللهُ من كان قلبُه ... مريضًا ومَنْ والى النِّفاقَ وألْحدَا فقد تركوا الأَهلِينَ والمالَ خلفَهُمْ ... وبيضًا عليهنَّ الجلابيب خُرّدَّا يُنادينهم مُسْتَعْبرات إليهم ... ويُذْرِينَ دَمعًا في الخُدُودِ وإِثمِدَا فإِلّا تُنَاوِلْهُنَّ مِنكَ برحْمةٍ ... يكنَّ سَبايَا والبُعُولَةُ أعبُدَا أنكْثًا وعِصْيَانًا وغَدْرًا وذِلّةً ... أهان الإلهُ من أَهانَ وأبْعَدَا لقد شأم المِصْريْنِ فَرْخُ مُحَمدٍ ... بحقّ وما لاقى من الطَير أسْعدَا كما شأمَ اللهُ النُّجَيرَ وأهلَهُ ... بجَدٍّ لهُ قد كانَ أَشقى وأنكدَا فقال أهل الشام: أحْسَن، أصلح الله الأمير! فقال الحجّاج: لا، لم يحسْن، إنكم لا تدرون ما أراد بها، ثمّ قال: يا عدوّ الله، إنا لسنا نحْمَدُك على هذا القول، إنما قلت: تأسُّفَ ألا يكون ظَهَر وظَفِر وتحريضًا لأصحابك علينا، وليس عن هذا سألناك، أنفِذْ لنا قولَك: بيْنَ الأشَجّ وبيْنَ قيْسٍ باذخٌ فأنفَذَها، فلما قال:بَخْ بَخْ لوالِدِه وللمَوْلودِ قال الحجاج: لا واللهِ لا تُبَخبخ بعدَها لأحد أبدًا، فقَدّمه فضَرَب عُنقَه (١). (٦/ ٣٧٥ - ٣٧٨). وقد ذُكر من أمر هؤلاء الأسرى الذين أسَرَهم يزيدُ بن المهلب ووجّههم إلى الحجّاج ومن فُلول ابن الأشعث الذين انهزَموا يومَ مسكِن أمرٌ غيرَ ما ذكره أبو مِخنَف عن أصحابه، والذي ذُكِر عنهم من ذلك أنه لما انهزم ابنُ الأشعث مضى هؤلاء مع سائر الفَلّ إلى الرّي، وقد غلب عليها عُمر بن أبي الصّلت بن كنارا مولى بني نَصْر بن معاوية، وكان من أفْرَس الناس، فانضمّوا إليه، فأقبَل قتيبةُ بن مسلم إلى الرّيّ مِن قِبَل الحجاج وقد ولّاه عليها. فقال النفرُ الذين ذكرت أنّ يزيد بن المهلّب وجّههم إلى الحجاج مقيّدين وسائر فلّ ابن الأشعث الذين صاروا إلى الرّي لعمرَ بن أبي الصّلت: نوليك أمرَنا وتحارب بنا قتيبة؛ فشاور عُمر أباه أبا الصّلت، فقال له أبوه: والله يا بُنيّ ما كنتُ أبالي إذا سار هؤلاء تحت لوائك أن تُقتَل من غد، فعقد لواءه، وسار فَهُزم وهُزم أصحابه، وانكشفوا إلى سِجِستانَ، واجتمعتْ بها الفُلول، وكتبوا إلى عبد الرحمن بن محمد وهو عند رُتْبِيل، ثمّ كان من أمرهم وأمر يزيدَ بن المهلب ما قد ذكرتُ. وذكَر أبو عُبيدة أنّ يزيدَ لما أراد أن يوجّه الأسرى إلى الحجّاج قال له أخوه حبيب: بأيّ وجه تَنظر إلى اليمانية وقد بعثت ابن طلحة! فقال يزيدُ: هو الحجاج، ولا يُتعرّض له! وقال: وَطن نفسَك على العَزْل، ولا تُرسل به، فإنّ له عندنا بلاءً، قال: وما بلاؤه؟ قال لُزِم المهلب في مسجد الجماعة بمئتي ألف، فأدّاها طلحة عنه، فأطلقَه، وأرسل بالباقين، فقال الفرزدق: وَجَد ابنُ طلحةَ يومَ لاقى قومَه ... قَحطانَ يوم هَراةَ خيرَ المعشَرِ (٦/ ٣٧٨ - ٣٧٩). وقيل: إنّ الحجاج لما أتِي بهؤلاء الأسرى من عند يزيد بن المهلب قال لحاجبه: إذا دعوتُك بسيِّدهم فائْتني بفيْرُوز، فأبرز سريره - وهو حينئذ بواسِط القَصَب قبل أن تُبنَى مدينة واسط - ثمّ قال لحاجبه: جئني بسيّدهم؛ فقال لفَيْروز:قم؛ فقال له الحجاج: أبا عثمان، ما أخرَجك مع هؤلاء؟ فوالله ما لحمُك من لحومِهم، ولا دَمُك من دمائهم! قال: فتنةٌ عمّت الناس، فكنّا فيها، قال: اكتبْ لي أموالك، قال: ثمّ ماذا؟ قال: اكتبها أوّل؛ قال: ثمّ أنا آمِن على دمي؟ قال: اكتبها، ثمّ أَنظُر؛ قال: اكتبْ يا غلام، ألف ألف ألفيْ ألف، فذَكرَ مالًا كثيرًا، فقال الحجاج: أين هذه الأموال؟ قال: عندي، قال: فأدّها؛ قال: وأنا آمِن على دمي؟ قال: والله لتؤدّينها ثمّ لأقتلنك؛ قال: والله لا تَجمَع مالي ودمي، فقال الحجاج للحاجب: نَحِّهِ، فنحّاه. ثمّ قال: ائتني بمحمد بن سعد بن أبي وقّاص، فدعاه، فقال له الحجاج: إيهًا يا ظِلّ الشيطان أعظمَ الناس تِيهًا وكِبرًا، تأَبى بيعةَ يزيدَ بن معاوية، وتشبّه بحسين وابن عُمر، ثمّ صرتَ مؤذنًا لابن كنارا عبد بني نصر - يَعْني عمر بن أبي الصَّلت - وجعل يَضرِب بعُود في يده رأسَه حتى أدماه؛ فقال له محمد: أيها الرجل، مَلكتَ فأسجح! فكَفّ يدَه، فقال: إن رأيتَ أن تكتبَ إلى أمير المؤمنين فإن جاءك عفوٌ كنتَ شريكًا في ذلك محمودًا، وإن جاءك غيرُ ذلك كنتَ قد أعذَرتَ، فأطرق مَلِيًّا ثمّ قال: اضرب عنقَه، فضُرِبت عنُقه. ثمّ دعا بعمرَ بن موسى فقال: يا عبدَ المرأة، أتقوم بالعَمود على رأس ابن الحائك، وتَشَربَ معه الشراب في حمّام فارسَ، وتقول المقَالَة التي قلت! أين الفرزدق؟ قم فأنشِدْه ما قلت فيه. فأنشَدَه: وخضَبْتَ أيْرَكَ للزِّناءِ ولم تكنْ ... يومَ الهِيَاج لتَخْضِبَ الأَبطَالا فقال: أما واللهِ لقد رفعتُه عن عقائلِ نِسائك، ثمّ أمَر بضَرْب عنِقه. ثمّ دعا ابنَ عبيد الله بن عبد الرحمن بن سَمرة، فإذا غلام حَدَث، فقال: أصلَحَ ألله الأمير! ما لي ذنبٌ، إنما كنت غلامًا صغيرًا مع أبي وأمي لا أمرَ لي ولا نَهْي، وكنت معهما حيث كانا، فقال: وكانت أمُّك مع أبيك في هذه الفِتن كلّها؟ قال: نعم، قال: على أبيك لعنةُ الله. ثمّ دعا بالهلْقام بن نعيم فقال: اجعل ابنَ الأشعث طلَبَ ما طَلَب، ما الذي أمّلت أنتَ معه؟ قال: أمّلتُ أن يملك فيولّيني العرافَ كما ولّاك عبدُ الملك، قال: قم يا حَوْشَب فاضربْ عنقَه، فقام إليه، فقال له الهِلْقام: يا بن لقيطة، أتَنْكَأ القرح! فضرب عنقه.ثمّ أُتِيَ بعبد الله بن عامر، فلما قدم بين يديه قال: لا رأتْ عيناك يا حجّاج الجنة إن أقلتَ ابن المهلب بما صَنَع، قال: وما صَنَع؟ قال: لأنَّه كاس في إِطلاقِ أُسرَتِهِ ... وقادَ نحوَكَ في أغلالها مُضَرَا وَقَى بقومِكَ ورد الموتِ أسرَتَه ... وكان قومُك أدنى عندَه خَطَرا فأطْرَق الحجّاج مَلِيًّا، ووَقرَتْ في قلبه، وقال: وما أنتَ وذاك! اضرِب عنقَه، فضُربتْ عنقُه، ولم تزل في نفس الحجّاج حتى عَزلَ يزيدَ عن خُراسانَ وحَبَسه. ثمّ أمر بفَيْروزَ فعذّب، فكان فيما عُذّب به أن كان يشُدّ عليه القصب الفارسيّ المشقوق، ثم يجرّ عليه حتى يخرّق جسدَه، ثم يُنْضَح عليه الخَلّ والمِلح، فلما أحسّ بالموت قال لصاحب العذاب: إن الناس لا يَشُكّون أني قد قُتلتُ، ولي ودائع وأموال عند الناس، لا تؤدَّي إليكم أبدًا، فأظهِروني للناس ليِعلَموا أني حيّ فيؤدّوا المالَ، فأعلم الحجاج، فقال: أظهروه، فأخرج إلى باب المدينة، فصاحَ في الناس: مَنْ عرَفني فقد عرَفني، ومن أنكَرني فأنا فيروزُ حصين؛ إنّ لي عند أقوامٍ مالًا، فمن كان لي عندَه شيء فهو له، وهو منه في حِلّ، فلا يؤدينّ منه أحد درهمًا، ليُبَلغ الشاهدُ الغائبَ، فأمر به الحجاج فقُتِل، وكان ذلك ممّا روى الوليدُ بن هشام بن قحذم، عن أبي بكر الهُذليّ. (٦/ ٣٧٩ - ٣٨١). وذكر ضَمْرة بن ربيعة، عن أبي شَوْذب، أنّ عمّال الحجّاج كتبوا إليه: إن الخَراج قد انكسر، وإنّ أهَل الذمّة قد أسلموا ولَحقوا بالأمصار، فكَتَب إلى البَصْرة وغيرِها أنّ من كان له أصلٌ في قرية فليخرج إليها، فخرج الناسُ فعَسكرَوا، فجعلوا يَبكون وينادُون: يا محمّداه يا محمّداه! وجعلوا لا يدرون أين يذهبون! فجعل قرّاء أهل البصرة يخرجون إليهم متقنّعين فيبكون لما يَسمعون منهم ويَروْن، قال: فقدِمَ ابنُ الأشعثِ على تَفِيئةِ ذلك، واستبْصر قرّاء أهلِ البَصْرة في قتال الحجّاج مع عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث. (٦/ ٣٨١). وذكر عن ضمرة بن ربيعَة عن الشيْبانيّ، قال: قَتَل الحجاجُ يوم الزاوية أحدَ عشر ألفًا، ما استحيَا منهم إلّا واحدًا، كان ابنهُ في كُتّاب الحجاج، فقال له: أتحبّ أن نَعفوَ لك عن أبيك؟ قال: نعم. فترَكَه لابنه؛ وإنما خدعَهم بالأمان، أمر مناديًا فنادى عند الهزيمة: ألا لا أمانَ لفلان ولا فلان، فسمَّى رجالًا منأولئك الأشراف، ولم يَقُل: الناس آمنون، فقالت العامّة: قد آمَن الناس كلهم إلّا هؤلاء النفَر، فأقبلوا إلى حُجْرته فلما اجتمعوا أمرَهم بوَضْع أسلِحتهم، ثم قال: لآمرن بكم اليومَ رجلًا ليس بينكم وبينه قرابة، فأمر بهم عُمارة بن تميم اللخميّ فقرّبهم فقتَلهم. (٦/ ٣٨١). ورُوي عن النّضر بن شُميل، عن هشام بن حسّان، أنه قال: بلغ ما قَتَل الحجّاجُ صبرًا مئةً وعشرين، أو مئةً وثلاثين ألفًا. (٣/ ٣٨١ - ٣٨٢). وقد ذُكر في هزيمة ابن الأشعث بمَسكِن قولٌ غيرُ الذي ذكره أبو مِخنَف؛ والذي ذُكِر من ذلك أنّ ابن الأشعث والحجّاج اجتمَعا بمَسكِن من أرض أبزقباذ، فكان عسكرُ ابن الأشعث على نهر يُدعَى خداش مؤخّر النهر، نهر تِيرَى، ونزل الحجاج على نهر أفريذ والعسكران جميعًا بين دِجلَة والسّيْب والكَرْخ، فاقتتَلوا شَهْرًا - وقيل: دون ذلك - ولم يكن الحجّاج يَعرِف إليهم طريقًا إلا الطريق الذي يلتَقُون فيه، فأتِيَ بشَيْخ كان راعيًا يُدعَى زَوْرقًا، فدلّه على طريق من وراء الكَرْخ طولُه ستّة فراسخ، في أجَمةٍ وضَحْضاح من الماء، فانتخب أربعة آلاف من جِلّة أهلِ الشام، وقال لقائدهم: لِيكُن هذا العِلْج أمامَك، وهذه أربعةُ آلاف دِرْهم معك، فإن أقامَكَ على عسكرهم فادفع المالَ إليه، وإن كان كَذِبًا فاضربْ عنقَه، فإن رأيتَهم فاحملْ عليهم فيمن معك، وليكنْ شعارُكم: يا حجّاج يا حجّاج. فانطلق القائدُ صلاةَ العصر، والتَقَى عسكرُ الحجاج وعسكرُ ابن الأشعث حين فَصَل القائد بمن معه، وذلك مع صلاة العصر، فاقتَتَلوا إلى الليل، فانكشف الحجّاج حتى عبر السِّيب - وكان قد عقده - ودخل ابنُ الأشعث عسكرَه فانتَهبَ ما فيه. فقيل له: لو اتبعتَهُ؟ فقال: قد تعِبنا ونَصِبْنا، فرَجَع إلى عسكرِه فألقَى أصحابُه السلاحَ، وباتوا آمِنين في أنفسِهم لهم الظَّفَر، وهجم القومُ عليهم نصفَ الليل يصيحون بشِعارهم، فجعل الرجلُ من أصحاب ابن الأشعث لا يدري أين يتوجّه! دُجَيل عن يساره ودِجلة أمامَه، ولها جُرْف منكَر، فكان من غَرق أكثر ممن قُتِل. وسمع الحجاج الصوتَ فعبر السِّيبَ إلى عسكره، ثمّ وجّه خيلَه إلى القوم فالتقى العسكران على عسكر ابن الأشعث، وانحازَ في ثلاثمئة، فمضى على شاطئ دِجلةَ حتى أتى دُجَيلا فعبَره في السفن، وعَقَروا دوابَّهم، وانحدَروا فيالسفن إلى البَصْرة، ودخل الحجاج عسكرَه فانتهب ما فيه، وجعل يَقتُل من وجد حتى قَتل أربعةَ آلاف؛ فيقال: إنّ فيمن قُتِل عبد الله بن شدّاد بن الهاد، وقتل فيهم بِسْطام بن مَصْقَلة بن هُبيرة، وعمر بن ضُبيْعة الرّقاشيّ، وبشر بن المنذر بن الجارود والحَكم بن مخرَمة العبديَّيْن، وبُكَير بن ربيعة بن ثَرْوان الضّبيّ؛ فأتِي الحجاج برؤوسهم على تُرْس، فجعل يَنظُر إلى رأس بِسطامَ ويتمثّل: إذا مَررْتَ بوادِي حَيَّةٍ ذَكَرٍ ... فاذهبْ ودَعْني أقاسي حيةَ الوادِي ثم نظر إلى رأس بُكَير، فقال: ما ألقى هذا الشقيّ مع هؤلاء، خُذْ بأذنه يا غلام فألقِه عنهم، ثمّ قال: ضَعْ هذا الترس بين يديْ مسمَع بن مالك بن مِسمَع، فوُضع بين يديه، فبكى، فقال له الحجّاج: ما أبكاك؟ أحزنًا عليهم؟ قال: بل جَزعًا لهم من النار. (٦/ ٣٨٢ - ٣٨٣). * * *
Parsing and provenance details
Local passage ID
340363
Book record
shamela-145435
Source record
dedupe:1476:917985
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate