page 3968, entry [1475]Open original source
ثمَّ دخلت سنة ثلاث وثمانين ذكر الأحداث التي كانت فيها خبر هزيمة ابن الأَشعث بدير الجماجم فمما كان فيها من ذلك هزيمةُ عبدِ الرحمن بن محمَّد بن الأشعث بدَيْر الجمَاجم. * ذكر الخبر عن سبب انهزامه: ذكر هشام بن محمَّد، عن أبي مخنَف، قال: حدّثني أبو الزّبير الهمْدانيّ،قال: كنتُ في خَيْل جَبَلة بن زحْل، فلما حَمَل عليه أهلُ الشام مرة بعد مرّة نادانا عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه فقال: يا معشرَ القرّاء، إنَّ الفِرار ليس بأحد من الناس بأقبحَ منه بكم؛ إني سمعتُ عليًّا - رفع الله درجتَه في الصّالحين، وأثابَه أحسَن ثوابَ الشهداء والصدّيقين - يقول يومَ لقينا أهل الشام: أيها المؤمنون، إنه مَن رأى عُدوانًا يُعمَل به، ومُنكَرًا يُدعَى إليه، فأنكرَهَ بقَلْبه فقد سَلم وبَرِئ، ومن أنكر بلِسانه فقد أجِر، وهو أفضلُ من صاحبه، ومَن أنكَره بالسيف لتكون كلمةُ الله العُلَيا وكلمةُ الظالمين السفْلَى، فذلك الذي أصابَ سبيلَ الهُدى، ونوّر في قلبه اليقين، فقاتِلوا هؤلاء المُحِلّين المُحدِثين المبتدعِين الذين جهلوا الحقّ فلا يعرفونه، وعَمِلوا بالعدوان فليس يُنْكرونه. وقال أبو البَخْتَري: أيّها الناس، قاتلوهم على دينكم ودُنْياكم، فوالله لئن ظهَروا عليكم ليُفسِدُنّ عليكم دينكم، وليَغلِبُنّ على دنياكم. وقال الشعبيّ: يا أهل الإِسلام قاتِلُوهم ولا يأخذْكم حَرَجٌ من قتالهم، فوالله ما أعلم قومًا على بَسيطِ الأرض أعمَل بِظُلم، ولا أجْوَرَ منهم في الحُكم، فليكن بهم البدار. وقال سعيد بنُ جُبير: قاتلوهم ولا تأثموا من قتالهم بنية ويقين، وعلى آثامهم قاتِلوهم على جَوْرِهم في الحُكْم، وتجبّرهم في الدين، واستذلالِهم الضّعفاء وإماتتهم الصّلاة (١). (٦/ ٣٥٧ - ٣٥٨). قال أبو مخنَف: قال أبو الزّبير: فتهيّأنا للحَمْلة عليهم، فقال لنا جَبَلة: إذا حمِلتم عليهمْ فاحملوا حملةً صادقة، ولا تردّوا وجوهكم عنهم حتى تُواقِعوا صفَّهم، قال: فحملنا عليهم حملةً بجدّ منّا في قتالِهم، وقوّة منا عليهم، فضربنا الكتائبَ الثلاث حتى اشفترّت، ثمّ مضينا حتى واقعْنا صفّهم فضربناهم حتى أزلْناهم عنه، ثمّ انصرفْنا فمررنا بجَبَلة صريعًا لا نَدري كيف قُتل. قال: فهدّنا ذلك وَجبُنّا فوقَفْنا موقفنا الذي كنّا به، وإنّ قُرّاءنا لمتوافِرون ونحن نتنَاعى جبلةَ بن زَحْر بيننا، كأنما فقدَ به كلّ واحد منا أباه أو أخاه، بل هوفي ذلك المَوطِن كان أشدّ علينا فَقدًا، فقال لنا أبو البَخْتريّ الطائيّ: لا يستبينَنّ فيكم قتلُ جَبَلة بن زَحْر، فإنما كان كرجل منكم أتتْه منيّته ليَومها، فلم يكن ليتقدّم يومُه ولا ليتأخّر عنه، وكلّكم ذائق ما ذاقَ، ومدعوّ فمجيب، قال: فنظرتُ إلى وجوه القُرّاء فإذا الكآبةُ على وجوههم بيّنة، وإذا ألسنتهم منقطِعة، وإذا الفَشَل فيهم قد ظَهَر، وإذا أهلُ الشام قد سُرّوا وجَذِلوا، فنادَوا: يا أعداءَ الله، قد هَلَكتم، وقد قَتَل الله طاغُوتكم (١). (٦/ ٣٥٨). قال أبو مخنَف: فحدّثني أبو يزيد السَّكسكيّ أنّ جبَلة حين حَمل هو وأصحابُه علينا انكشفْنا، وتبعونا، وافترقتْ منا فِرقة فكانت ناحيةً، فنظرْنا فإذا أصحابه يتبعون أصحابَنا، وقد وقف لأصحابه ليرجعوا إليه على رأس رَهوة فقال بعَضُنا: هذا والله جَبَلة بن زَحْر، احملوا عليه ما دام أصحابه مشاغيلَ بالقِتال عنه لعلّكم تصيبونه، قال: فحملْنا عليه، فأشهَدُ ما وَلَّى ولكن حَمل علينا بالسيف، فلمّا هبط من الرَّهوة، شَجرْناه بالرّماح فأذْرَيناه عن فرسه فوقع قتيلًا، ورجع أصحابُه، فلما رأيناهم مقبلين تنحيْنا عنهم، فلما رأوه قتيلًا رأينا من استرجاعهم وجزعِهم ما قرّت به أعيُننا؛ قال: فتبينّا ذلك في قتالهم إيانا وخروجِهم إلينا (٢). (٦/ ٣٥٨ - ٣٥٩). قال أبو مخنَف: حدّثني سهم بنُ عبد الرحمن الجُهَنيّ، قال: لما أصيب جَبلة هدّ الناسَ مقتلُه، حتى قدم علينا بِسطام بن مَصقَلة بن هُبيرة الشيبانيّ، فشجع الناسَ مقدَمُه، وقالوا: هذا يقوم مقامَ جَبَلة، فسَمِع هذا القولَ من بعضهم أبو البَختريّ، فقال: قُبِّحتم! إن قتل منكم رجل واحد ظننتمْ أن قد أحِيط بكم، فإن قُتل الآن ابنَ مصقَلة ألقَيتم بأيديكم إلى التهلكة، وقلتم: لم يَبق أحد يقاتِل معه! ما أخَلَقكم أن يُخلَفَ رجاؤنا فيكم! وكان مَقدم بِسطام من الرّيّ، فالتقى هو وقتيبة في الطريق، فدعاه قُتيبة إلى الحجّاج وأهل الشام، ودعاه بِسطام إلى عبد الرحمن وأهل العراق، فكلاهما أبى على صاحبه، وقال بِسطام: لأنَّ أموتَ مع أهل العراق أحَبّ إليّ من أن أعيشَ مع أهل الشام، وكان قد نزل ماسَبَذَانَ؛ فلمّا قدم قال لابن محمَّد: أمِّرْني على خيل ربيعةَ؛ ففعل، فقال لهم: يا معشرربيعة، إنَّ فيّ شَرسَفةً عند الحرب فاحتملوها لي - وكان شُجاعًا - فخرج الناسُ ذاتَ يوم ليَقتتلوا، فَحمل في خيلِ ربيعةَ حتى دخل عسكرَهم، فأصابوا فيهم نحوًا من ثلاثين امرأةً من بين أمَة وسُرّيّة، فأقبل بهن حتى إذا دنا من عسكره ردّهنّ، فجئن ودخلْنَ عسكر الحجاج، فقال: أوْلَى لهم! مَنَع القومُ نساءَهم، أما لو لم يردّوهنّ لسبيت نساؤهم غدًا إذا ظَهرت ثمَّ اقتَتلوا يومًا آخَر بعد ذلك، فحمَل عبدُ الله بنُ مُلَيل الهَمْدانيّ في خيل له حتى دخل عسكرهم فسبا ثمانيَ عشرةَ امرأةً، وكان معه طارقُ بنُ عبد الله الأسديّ - وكان راميًا - فخرج شيخٌ من أهل الشام من فُسْطاطِه، فأخَذ الأسديّ يقول لبعض أصحابه: استرْ منّي هذا الشيخَ لعلّني أرمِيه أو أحمل عليه فأطعنه، فإذا الشيخ يقول رافعًا صوتَه: اللهمّ لُمّنا وإيّاهم بعافية؛ فقال الأسَديّ: ما أحبّ أن أقتَل مِثلَ هذا، فتركه وأقبَل ابنُ مليل بالنساء غيرَ بعيد؛ ثمّ خلّى سبيلَهنّ أيضًا، فقال الحجّاج مِثلَ مقالتِه الأولى (١). (٦/ ٣٥٩ - ٣٦٠). قال هشام: قال أبي: أقبل الوليد بن نُحيْت الكلبيّ من بني عامر في كتيبة إلى جَبَلة بن زحْر، فانحطّ عليه الوليد من رابية - وكان جسيمًا، وكان جبَلة رجلًا رَبْعةً - فالتَقَيا، فضربَه على رأسه فسَقَط، وانهزَم أصحابُه وجِيء برأسِه. (٦/ ٣٦٠). قال هشام: فحدّثني بهذا الحديث أبو مِخنَف وعَوانة الكلبيّ، قال: لمّا جيء برأس جبلة بن زَحْر إلى الحجاج حَمَله على رمحين ثمّ قال: يا أهل الشام، أبشِروا؛ هذا أوّل الفتح، لا والله ما كانت فِتنة قطّ فخبَتْ حتى يُقتل فيها عظيمٌ من عظماء أهل اليَمَن، وهذا من عظمائهم، ثمّ خرجوا ذاتَ يوم فخرج رجلٌ من أهل الشام يدعو إلى المبارَزة، فخرج إليه الحجّاج بن جارية، فحملِ عليه، فطعنَه فأذْراه، وحمل أصحابُه فاستنقَذوه، فإذا هو رجل من خَثْعَم يقال له أبو الدَّرداء، فقال الحجاج بن جارية: أما إنّي لم أعرفه حتى وقع، ولو عرفتُه ما بارزته، ما أحِبّ أن يصابَ من قومي مِثله، وخرج عبد الرحمن بن عوف الرّؤاسيّ أبو حميد فدعا إلى المبارزة، فخرج إليه ابن عمّ له من أهل الشام،فاضطربا بسيْفَيهما، فقال كلّ واحد منهما: أنا الغلام الكلابيّ، فقال كلّ واحد منهما لصاحبه: مَنْ أنت؟ فلمّا تساءَلا تحاجَزا، وخرج عبدُ الله بنُ رِزام الحارثيّ إلى كَتيبة الحجاج، فقال: اخرُجوا إليّ رجلًا رجلًا، فأخرج إليه رجلٌ، فقتَلَه ثمّ فعل ذلك ثلاثة أيام، يَقتُل كلّ يوم رجلًا، حتى إذا كان اليوم الرابع أقبَل، فقالوا: قد جاء لا جاء الله به! فدعا إلى المبارَزة، فقال الحجاج للجرّاح: اخُرج إليه، فخرج إليه، فقال له عبدُ الله بنُ رِزام - وكان له صديقًا: ويْحَك يا جرّاح! ما أخرجك إليّ! قال: قد ابتُليتُ بك، قال: فهل لك في خير؟ قال: ما هو؟ قال: أنهزِم لك فترجع إلى الحجاج وقد أحسنتَ عندَه وحَمِدَك، وأما أنا فإني أحتمل مقالَة الناس في انهزامي عنك حُبًّا لسلامتك، فإني لا أحبّ أن أقتلَ من قومي مثلك؛ قال: فافعل، فحَملَ عليه فأخذ يَستَطرد له - وكان الحارثيّ قد قطعتْ لهاتُه، وكان يَعطش كثيرًا، وكان معه غلامٌ له معه إدَاوةٌ من ماء، فكلَّما عَطِش سقاهُ الغلام - فاطَّرد له الحارثيّ، وحمَل عليه الجرّاح حملةً بجد لا يريد إلَّا قتله، فصاح به غُلامُه: إنّ الرجل جادّ في قتلك! فعَطَف عليه فضربه بالعمود على رأسه فصَرَعه، فقال لغلامه: انضَحْ على وجهه من ماء الإداوة، واسقِه؛ ففعلَ ذلك به، فقال: يا جرّاح، بئْسَما جزَيْتني، أردتُ بك العافية وأردتَ أن تُزيرني المنيّة! لم أرِدْ ذلك، فقال: انطَلِقْ فقد تركتُك للقرابة والعشيرة (١). (٦/ ٣٦٠ - ٣٦١). قال محمّد بن عمر الواقديّ: حدّثني ابن أبي سَبْرة، عن صالح بن كَيْسان، قال: قال سعيد الحَرَشيّ: أنا في صفّ القتال يومئذ إذ خرج رجلٌ من أهل العراق، يقال له: قدامة بن الحَريش التميميّ، فوقف بين الصّفين، فقال: يا معشر جَرامِقة أهلِ الشام، إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنّة رسوله، فإن أبيتم فليخرج إليّ رجلٌ، فخرج إليه رجلٌ من أهل الشام فقتَله، حتى قتل أربعة، فلما رأى ذلك الحجاج أمر مناديًا فنادَى: لا يَخرج إلى هذا الكَلْب أحد، قال: فكفّ الناس، قال سعيد الحَرَشيّ: فدنوتُ من الحجاج فقلت: أصلَح الله الأمير! إنك رأيتَ ألَّا يَخرُج إلى هذا الكلب أحد، وإنما هلك مَن هلك من هؤلاء النفر بآجالهم، ولهذا الرجل أجَلٌ، وأرجو أن يكون قد حضر، فائْذن لأصحابي الذين قَدِموا معي فليخرج إليه رجل منهم، فقال الحجّاج: إن هذا الكلب لم يزلهذا، له عادة وقد أرعب الناس، وقد أذنت لأصحابك، فمن أحبَّ أن يقوم فليَقم. فرجع سعيد الحَرشيّ إلى أصحابه فأعلمهم، فلما نادى ذلك الرجل بالبراز بَرَز إليه رجل من أصحاب الحرشيّ، فقتله قدامةُ، فشقّ ذلك على سعيد، وثَقُل عليه لكلامه الحجاج، ثمَّ نادى قدامة: مَن يُبارِز؟ فدنا سعيد من الحجاج، فقال: أصلَحَ الله الأمير! ائذَن لي في الخروج إلى هذا الكَلْب، فقال: وعندَك ذلك؟ قال سعيد: نعم، أنا كما تحبّ؛ فقال الحجاج: أرِني سيفَك، فأعطاه إياه، فقال الحجّاج - ونظر إلى سعيد فقال: ما أجوَدَ دِرعَك وأقوى فرسك! ولا أدري كيف تكون مع هذا الكلب! قال سعيد: أرجو أن يُظفِرني الله به، قال الحجاج: أخرج على بَرَكة الله، قال سعيد: فخرجتُ إليه، فلما دنوتُ منه، قال: قفْ يا عدوَّ الله، فوقفتْ، فسرّني ذلك منه، فقال: اختَر إما أنْ تُمكِنني فأضربَك ثلاثًا، وإما أن أمكِنك فتضرَبني ثلاثًا، ثمّ تُمكِنني، قلت: أمكِنّي، فوَضَع صدرَه على قَرَبوسه ثمّ قال: اضربْ، فجمعتَ يديّ على سَيْفي، ثمَّ ضربتَ على المِغفرَ متمكِّنًا، فلم يصنع شيئًا، فساءني ذلك من سيفي ومِن ضَرْبتي، ثمّ أجمع رأيي أن أضربَه على أصل العاتق، فإما أن أقطع وإما أن أوهن يدَه عن ضربته، فضربتُه فلم أصنع شيئًا؛ فساءني ذلك ومن غاب عني ممّن هو في ناحية العسكر حتى بلغه ما فعلت، والثالثةَ كذلك، ثمّ اخترط سيفًا ثمَّ قال: أمكنّي، فأمكَنْته، فضربني ضربةً صَرَعني منها، ثمَّ نزل عن فرسه وجلس على صَدري، وانتَزعَ من خُفّيْه خِنْجرًا أو سكّينًا فوضعها على حَلْقي يريد ذَبْحي، فقلتُ له: أُنشدُك الله! فإنك لست مصيبًا من قتلى الشرف والذكر مثلَ ما أنت مصيب من تَرْكي، قال: ومن أنتَ؟ قلت: سعيد الحَرشيّ، قال: أوْلى يا عدو الله! فانْطلِقْ فأعلِم صاحبك ما لقيت. قال سعيد: فانطلقتُ أسعى حتى انتهيتُ إلى الحجاج، فقال: كيف رأيتَ! فقلتُ: الأميرُ كان أعلمَ بالأمر. (٦/ ٣٦٧ - ٣٦٣). * * * رجع الحديث إلى حديث أبي مِخنَف، عن أبي يزيد، قال: وكانأبو البَخْتري الطائيّ وسعيد بن جُبَير يقولان: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا. . .﴾ إلى آخر الآية، ثمَّ يَحمِلان حتى يُواقِعا الصّفّ. قال أبو المُخارِق: قاتلْناهم مئةَ يوم سَواء أعدّها عدًّا. قال: نَزلْنا ديرَ الجماجم مع ابن محمَّد غداةَ الثلاثاء لليلة مضتْ من شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث وثمانين، وهُزمنا يوم الأربعاء لأربع عشرة مضتْ من جُمادى الآخرة عند امتداد الضّحى ومُتوع النهار، وما كنا قطّ أجرأ عليهم ولا هم أهوَن علينا منهم في ذلك اليوم. قال: خرجْنا إليهم وخرجوا إلينا يومَ الأربعاء، لأربع عشرة مضتْ من جُمادى الآخِرة، فقاتلْناهم عامّة النهار أحسنَ قتال قاتلناهُمُوه قَطّ، ونحن آمنون من الهزيمة، عالُون للقوم، إذ خرج سُفيان بنُ الأبرد الكلبيّ في الخيل من قِبَل ميمنة أصحابه، حتى دنا من الأبرد بن قُرّة التميميّ، وهو على مَيْسرة عبد الرحمن بن محمد، فوالله ما قاتَلَه كبير قتال حتى انهزم، فأنكَرها الناسُ منه، وكان شجاعًا، ولم يكن الفِرار له بعادة، فظنّ الناسُ أنَّه قد كان أومِن، وصُولح على أن يَنهزم بالناس، فلما فعلها تقوَّضَت الصفوفُ من نحوه، ورَكِب الناس وجوههم وأخذوا في كلّ وجه، وصَعِد عبد الرحمن بن محمَّد المِنبَر، فأخذ يُنادِي الناس: عبادَ الله، إليّ أنا ابنُ محمَّد؛ فأتاه عبدُ الله بن رزام الحارثيّ، فوقف تحت منبره، وجاء عبدُ الله بن ذؤاب السُّلَميّ في خيل له، فوقف منه قريبًا، وثبت حتى دنا منه أهل الشام، فأخذتْ نَبلُهم تحوزُه، فقال: يا بن رِزام، احِمل على هذه الرجال والخيل، فحمل عليهم حتى أمعنوا، ثمَّ جاءت خيل لهم أخرى ورَجّالة، فقال: احمل عليهم يا بن ذُؤاب، فحمَل عليهم حتى أمعَنوا، وثبت لا يبرَح مِنبرَه، ودخل أهل الشام العسكر، فكبَّروا، فصَعِد إليه عبدَّ الله بن يزيد بن المغفَّل الأزديّ - وكانت مُلَيكة ابنة أخيه امرأة عبد الرحمن - فقال: انزل، فإني أخافُ عليك إن لم تنزل أن تؤسَر، ولعلك إن انصرفْتَ أن تجمع لهم جَمْعًا يُهلكُهم الله به بعد اليوم، فنزل وخَلَّى أهل العراق العسكر، وانهزَموا لا يلوُون على شيء، ومضى عبدُ الرحمن بنُ محمَّد مع ابن جَعدة بن هُبيرة ومعه أناس من أهل بيته، حتى إذا حاذَوا قريةَ بني جَعْدة بالفلّوجة دعوا بِمعبَر، فعبَروا فيه، فانتهى إليهم بِسطام بنُ مَصقَلة، فقال: هل في السفينة عبدُ الرحمن بن محمَّد؟ فلم يكلّموه، وظنّ أنَّه فيهم، فقال:لا وأَلَتْ نفس عليها تُحاذِرُ ضَرَّمَ قَيْسٌ عليَّ البِلا ... دَ حتى إذا اضْطَرَمت أجْذَمَا ثمَّ جاء حتى انتهى إلى بيته وعليه السلاح، وهو على فرسه لم يَنزل عنه، فخرجتْ إليه ابنتُه فالتزمها، وخرج إليه أهلُه يبكون، فأوصاهم بوصيّة وقال: لا تَبكُوا، أرأيتم إن لم أتركْكم، كم عسَيتُ أن أبقَى معكم حتى أموت! وإن أنا مِتّ فإن الذي رَزَقكم الآن حيٌّ لا يموت، وسَيرْزقكم بعدَ وَفاتي كما رَزقكم في حياتي، ثمّ ودّع أهلَه وخرج من الكُوفة (١). (٦/ ٣٦٣ - ٣٦٤). قال أبو مِخنف: فحدّثني الكلبيّ سحمد بن السائب، أنهم لما هُزِموا ارتفاعَ النهار حين امتدّ ومَتَع، قال: جئتُ أشتدّ معي الرمح والسيف والتُّرس حتى بلغتُ أهلي من يومي، ما ألقيتُ شيئًا من سلاحي، فقال الحجاج: اتركوهم فليتبدّدوا ولا تتبعوهم، ونادى المنادِي: مَن رجع فهو آمِن، ورجع محمَّد بنُ مروانَ إلى الموصل، وعبد الله بن عبد الملك إلى الشام بعد الوقعة، وخلّيا الحجّاج والعراق، وجاء الحجّاج حتى دخل الكوفة، وأجلس مَصقَلة بن كرب بن رَقَبة العبدّي إلى جَنْبه، وكان خطيبًا، فقال: اشتم كلَّ امرئ بما فيه ممّن كُنّا أحسنا إليه، فاشتمه بقلّة شكره، ولؤم عهده؛ ومن علمتَ منه عيبًا فعبْه بما فيه، وصغّرْ إليه نفسَه، وكان لا يبايعه أحدٌ إلا قال له: أتشهد أنك قد كفرتَ؟ فإذا قال: نعم، بايَعه وإلا قتَله، فجاء إليه رجل من خَثْعَم قد كان مُعتزِلًا للناس جميعًا من وراء الفُرات، فسأله عن حاله فقال: ما زلتُ معتزلًا وراءَ هذه النّطفة، منتظِرًا أمرَ الناس حتى ظهرتَ، فأتيتُك لأبايعَك مع الناس؛ قال: أمتربِّص! أتَشْهَد أنك كافر؟ قال: بئسَ الرَّجل أنا إن كنتُ عبدتُ الله ثمانين سنةً ثمّ أشهد على نفسي بالكفر؛ قال: إذًا أقتُلَكَ؛ قال: وإن قتلتَني فوالله ما بقي من عُمْري إلَّا ظِمْءُ حِمار، وإني لأنتظر الموتَ صباحَ مساءَ، قال: اضربوا عنقه، فضُربتْ عنقه، فزَعموا أنَّه لم يبق حولَه قرشيّ ولا شاميّ، ولا أحد من الحزْبَيْن إلَّا رحمه ورَثى له من القَتْل. وَدَعَا بكُميل بن زياد النَّخَعيّ فقال له: أنت المقتصّ من عثمانَ أمير المؤمنين؟ قد كنت أحبّ أن أجدَ عليك سبيلًا، فقال: واللهِ ما أدري على أيّنا أنتَ أشدّغضبًا؟ عليه حين أقادَ من نفسه، أم عليّ حين عفوتُ عنه؟ ثمِّ قال: أيّها الرجل من ثَقيف، لا تَصرِف عليَّ أنيابَك، ولا تهدَّمْ عليَّ تهدُّم الكَثِيب، ولا تكشِرْ كَشَرانَ الذئب، والله ما بقي من عمري إلَّا ظِمْءُ الحمار، فإنَّه يشرب غُدوةً ويموت عشيّة، ويشرب عشيّة ويموت غُدْوة، اقضِ ما أنتَ قاض، فإنّ الموعد اللهُ، وبعد القتل الحساب، قال الحجاج: فإنّ الحجة عليك، قال: ذلك إن كان القضاء إليك، قال: بلى، كنتَ فيمن قتلَ عثمانَ، وخلعتَ أميرَ المؤمنين، اقتلوه. فقُدِّم فقُتل، قتَلَه أبو الجَهْم بن كنانة الكلبيّ من بني عامر بن عوف، ابن عمّ منصور بن جمهور. وأتِيَ بآخرَ من بعده، فقال الحجّاج: إِني أرى رجلًا ما أظنه يشهد على نفسه بالكُفر، فقال: أَخادِعي عن نفسي! أنا أكفر أهلِ الأرض، وأكفَر من فرعون ذِي الأوتادِ، فضحك الحجاج وخلّى سبيلَه. وأقام بالكوفة شهرًا. وعَزَل أهل الشام عن بيوت أهل الكوفة (١). (٦/ ٣٦٤ - ٣٦٥).