page 3883, entry [1456]Open original source
خلافة معاوية بن يزيد فحدّثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: حدّثنا عبد العزيز بن خالد بن رُسْتم الصنعانيّ أبو محمَّد، قال: حدّثنا زياد بن جيل، قال: بينا حُصَين بن نمير يقاتل ابنَ الزبير؛ إذْ جاء موت يزيد؛ فصاح بهم ابن الزبير، فقال: إنَّ طاغِيتَكم قد هلك، فمن شاء منكم أن يدخلَ فيما دخل فيه الناس فلْيفعلْ، فمن كَرِه فليلْحقْ بشأمه، فغَدَوْا عليه يقاتلونه. قال: فقال ابن الزبير للحصين بن نُمَير: اُدنُ مني أحدّثْك، فدنا منه فحدّثه، فجعل فرسُ أحدهما يجْفِل - والجَفل: الرَّوْث - فجاء حَمام الحَرَم يلتقط من الجَفْل، فكفّ الحصين فرسَه عنهنّ، فقال له ابن الزبير: ما لَك؟ قال: أخاف أن يَقتُل فرسي حَمامَ الحرَم؛ فقال له ابن الزبير: أتتحَرَّجُ من هذا وتريد أن تَقتُل المسلمين! فقال له: لا أقاتلك؛ فائْذَنْ لنا نَطفْ بالبيت، وننصرف عنك، ففعل فانصرفوا. (٥: ٥٠١). وأما عوانة بن الحكَم فإنَّه قال - فيما ذكر هشام، عنه - قال: لما بلغ ابنَ الزبير موتُ يزيد، وأهل الشام لا يعلمون بذلك، قد حصروه حصارًا شديدًا وضيّقوا عليه - أخذ يناديهم هو وأهل مكّة: علامَ تقاتلون؟ قد هلك طاغيِتُكم؛ وأخذوا لا يصدّقونه حتى قدم ثابت بن قيس بن المُنْقَع النخَعيّ من أهل الكوفة في رؤوس أهل العراق، فمرّ بالحصين بن نمير - وكان له صديقًا، وكان بينهما صِهْر، وكان يراه عند معاوية، فكان يعرف فضلَه وإسلامَه وشرفَه - فسأل عن الخبر، فأخبره بهلاك يزيدَ، فبعث الحصين بن نُمَير إلى عبد الله بن الزبير، فقال: موعدُ ما بيننا وبينك الليلةَ الأبطحُ، فالتقيا، فقال له الحصين: إن يكُ هذا الرجل قدهلك فأنت أحقّ الناس بهذا الأمر؛ هلمَّ فلنبايعْك، ثمّ أخرج معي إلى الشام، فإنّ هذا الجند الذي معي هم وجوهُ أهل الشام وفُرسانُهم، فوالله لا يختلف عليك اثنان، وتؤمّن الناس وتُهدِر هذه الدّماء التي كانت بيننا وبينك، والتي كانت بيننا وبين أهل الحرَّة؛ فكان سعيد بن عمرو يقول: ما مَنَعه أن يبايعَهم ويخرج إلى الشام إلَّا تطَيّرٌ، لأنَّ مكة التي منعه الله بها، وكان ذلك من جند مروان، وإن عبد الله والله لو سار معهم حتى يدخل الشام ما اختلف عليه منهم اثنان، فزعم بعضُ قريش: أنَّه قال: أنا أهدِر تلك الدماء! أما والله لا أرضى أن أقتُل بكلّ رجل منهم عَشرة، وأخذ الحصينُ يكلّمه سرًّا، وهو يجهر جهرًا، وأخذ يقول: لا والله لا أفعل؛ فقال له الحصين بن نمير: قبح اللهُ من يعدّك بعد هذه داهيًا قطّ أو أديبًا! قد كنتُ أظنّ أنّ لك رأيًا، ألا أراني أكلمك سرًّا وتكلمني جهرًا، وأدعوك إلى الخلافة، وتعِدُني القتلَ والهَلَكة! ثمَّ قام فخرج وصاح في الناس، فأقبل فيهم نحوَ المدينة، وندم ابن الزبير على الذي صنع، فأرسل إليه: أمَّا أن أسيرَ إلى الشام فلستُ فاعلًا، وأكره الخروج من مكة، ولكن بايعوا لي هنالك فإنِّي مؤمّنكم وعادلٌ فيكم، فقال له الحصين: أرأيتَ إن لم تقدم بنفسك، ووجدتُ هنالك أناسًا كثيرًا من أهل هذا البيت يطلبونها يجيبهم الناس، فما أنا صانعٌ؟ فأقبَل بأصحابه ومَنْ معه نحوَ المدينة، فاستقبله عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ومعه قتٌّ وشعيرٌ، وهو على راحلة له، فسلّم على الحصين، فلم يكد يلتفت إليه، ومع الحصين بن نمير فرسٌ له عتيق، وقد فَنِيَ قَتُّهُ وشعيرُه، فهو غَرِضٌ، وهو يسبّ غلامَه ويقول: من أين نجد هنا لدابّتنا عَلفًا! فقال له عليّ بن الحسين: هذا علفٌ عندنا، فاعلف منه دابّتك، فأقبل على عليٍّ عند ذلك بوَجهه، فأمر له بما كان عنده من عَلَف، واجترأ أهلِ المدينة وأهلُ الحجاز على أهل الشام فذلّوا حتى كان لا ينفرد منهم رجل إلَّا أخِذ بلجام دابته ثمَّ نُكِس عنها، فكانوا يجتمعون في معسكرهم فلا يفترقون. وقالت لهم بنو أميّة: لا تبرحوا حتى تحملونا معكم إلى الشام، ففعلوا، ومضى ذلك الجيش حتى دخل الشام، وقد أوصى يزيد بن معاوية بالبيعة لابنه معاوية بن يزيد، فَلم يلبث إلَّا ثلاثة أشهر حتى مات (١). (٥: ٥٠١ - ٥٠٣).