page 3864, entry [1449]Open original source
ثم دخلت سنة اثنتين وستين ذكر الخبر عمَّا كان في هذه السنة من الأحداث فمن ذلك مقدم وفد أهل المدينة على يزيد بن معاوية ذكر الخبر عن سبب مقدمهم عليه: وكان السبب في ذلك -فيما ذكر لوط بن يحيى، عن عبد الملك بن نوفل بن مُساحق، عن عبد الله بن عروة: أنّ يزيد بن معاوية لما سرّح الوليد بن عُتْبة على الحجاز أميرًا، وعَزَل عمرو بن سعيد؛ قدم الوليدُ المدينة فأخذ غلمانًا كثيرًا لعمرو ومواليَ له، فحبَسَهم، فكلّمه فيهم عمرو، فأبى أن يخلّيَهم، وقال له:لا تجزع يا عمرو؛ فقال أخوه أبان بن سعيد بن العاص: أعمرو يَجزع! والله لو قبضتم على الجَمْرِ وقبض عليه ما تَرَكه حتى تتركوه، وخرج عمرو سائرًا حتى نزل من المدينة على ليلتين، وكتب إلى غلمانه ومواليه وهم نحوٌ من ثلاثمئة رجل: إني باعث إلى كلّ رجل منكم جَمَلًا وحقيبةً وأداته، وتُناخ لكم الإبل في السوق، فإذا أتاكم رسولي فاكسروا بابَ السجن، ثم ليقمْ كلُّ رجل منكم إلى جَمَله فليركبْه، ثمّ أقبِلوا عليّ حتى تأتوني؛ فجاء رسولُه حتى اشترى الإبل، ثمّ جهزها بما ينبغي لها، ثمّ أناخها في السوق، ثمّ أتاهم حمَى أعلمهم ذلك، فكسروا باب السجن، ثم خرجوا إلى الإبل فاستوَوْا عليها، ثمّ أقبلوا حتى انتهوا إلى عمرو بن سعيد فوجدوه حين قدم على يزيدَ بن معاوية، فلما دخل عليه رحّب به وأدنى مجلسَه. ثمّ إنه عاتبه في تقصيره في أشياء كان يأمره بها في ابن الزّبير، فلا ينفّذ منها إلا ما أراد، فقال: يا أمير المؤمنين! الشاهدُ يرى ما لا يرى الغائبُ، وإنّ جُلَّ أهلِ مكة وأهل المدينة قد كانوا مالُوا إليه وهوَوه وأعطوه الرّضا، ودعا بعضهم بعضًا سِرًّا وعلانية، ولم يكن معي جند أقوى بهم عليه لو ناهضتهُ، وقد كان يحذَرُني ويتحرَّز مني، وكنت أرفق به وأداريه لأستمكر منه فأثبَ عليه، مع أني قد ضَيَّقتُ عليه، ومنعتُه من أشياءَ كثيرة لو تركته وإياها ما كانت له إلا معونةً، وجعلتُ على مكة وطُرُقها وشعابها رجالًا لا يَدَعون أحدًا يدخلها حتى يكتبوا إليّ باسمه واسم أبيه، ومن أيّ بلاد الله هو، وما جاء به وما يريد؛ فإن كان من أصحابه أو ممن أرى أنه يريده رددتُه صاغرًا، وإن كان ممن لا أتَّهم، خلّيتُ سبيلَه، وقد بعثتَ الوليد، وسيأتيك من عمله وأثره ما لعلك تعرف به فضلّ مبالغتي في أمرك، ومناصحتي لك إن شاء الله، واللهُ يصنع لك، ويَكبت عدوّك يا أمير المؤمنين! . فقال له يزيد: أنت أصدَق ممن رقَّى هذه الأشياء عنك، وحَمَلّني بها عليك، وأنت ممن أثق به، وأرجو معونته، وأدخره لرأبِ الصَّدْع، وكفاية المُهمّ، وكشفِ نوازل الأمور العظام؛ فقال له عمرو: وما أرى يا أميرَ المؤمنين أنّ أحدًا أولَى بالقيام بتشديد سلطانك، وتوهين عدوك، والشدّة على من نابَذَك مني. وأقام الوليد بن عتبة يريد ابن الزبير، فلا يجده إلا متحذّرًا متمنّعًا، وثارنَجْدة بن عامر الحنفيّ باليمامة حين قُتل الحسين، وثار ابن الزبير، فكان الوليد يُفيض من المُعَرَّف، وتُفيض معه عامة الناس، وابن الزبير واقف وأصحابه، ونجدة واقفٌ في أصحابه، ثم يُفيض ابن الزبير بأصحابه ونجدة بأصحابه، لا يُفيض واحد منهم بإفاضة صاحبه، وكان نجدة يَلقَى ابن الزّبير فيكثر حتى ظنّ الناس أنه سيبايعه، ثمّ إنّ ابن الزبير عمل بالمكر في أمر الوليد بن عُتبة، فكتب إلى يزيدَ بن معاوية: إنك بعثتَ إلينا رجلًا أخرَق، لا يَتَّجه لأمر رشَد، ولا يَرعَوي لعظَة الحكيم، ولو بعثتَ إلينا رجلًا سهلَ الخُلُق، ليِّن الكتف؛ رجوتُ أن يَسْهُل من الأمور ما استَوْعَر منها، وأن يجتمع ما تفرّق، فانظر في ذلك، فإن فيه صلاح خواصنا وعوامّنا إن شاء الله؛ والسلام. فبعث يزيدُ بن معاوية إلى الوليد فعزَله وبعث عثمان بن محمد بن أبي سُفْيان -فيما ذكر أبو مخنف عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق، عن حميد بن حمزة؛ مولىٌ لبني أمية، قال: فقَدِم فتى غزٌّ حَدَثٌ غَمْرٌ لم يُجرّب الأمور، ولم يحنّكه السنّ، ولم تُضرّسه التجارب؛ وكان لا يكاد ينظر في شيء من سلطانه ولا عمله، وبعث إلى يزيدَ وفدًا من أهل المدينة فيهم عَبدُ الله بن حنظلة الغَسيل الأنصاريّ وعبد الله بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزوميّ، والمنذر بن الزبير، ورجالًا كثيرًا من أشراف أهل المدينة، فقدموا على يزيدَ بن معاوية، فأكرمهم، وأحسنَ إليهم، وأعظم جوائزَهم، ثمّ انصرفوا من عنده، وقَدِموا المدينة كلهم إلّا المنذر بن الزبير فإنه قدم على عبيد الله بن زياد بالبصرة -وكان يزيد قد أجازه بمئة ألف درهم- فلما قدم أولئك النفر الوفد المدينةَ قاموا فيهم فأظهروا شَتْمَ يزيدَ وعُتبة، وقالوا: إنا قدمْنا من عندِ رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويَعزِف بالطنابير، ويَضرِب عنده القيان، ويَلعَب بالكلاب، ويسامر الخُرَّاب والفتيان، وإنا نُشهدكم أنا قد خلعناه؛ فتابَعَهم الناس (١). (٤٧٨: ٥ - ٤٨٠). قال لوط بن يحيى: فحدّثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق، أنّ الناس أتَوا عبد الله بن حنظلة الغسيل فبايعوه وولوه عليهم (٢). (٥: ٤٨).قال لوط: وحدثني أيضًا محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عوف: ورجع المنذر من عند يزيدَ بن معاوية، فقَدِم على عُبيد الله بن زيادة البصرةَ، فأكرمه وأحسن ضيافتَه، وكان لزياد صديقًا، إذ سقط إليه كتابٌ من يزيد بن معاوية حيث بلغه أمرُ أصحابه بالمدينة، أن أوثقْ المنذرَ بن الزبير واحبِسه عندَك حتى يأتيَك فيه أمري؛ فكره ذلك عبيد الله بن زياد لأنه ضيْفه، فدعاه فأخبره بالكتاب وأقرأه إياه، وقال له: إنك كنت لزياد وُدًّا وقد أصبحتَ لي ضيفًا، وقد آتيتُ إليك معروفًا، فأنا أحبُّ أن أسدِيَ ذلك كله بإحسان، فإذا اجتمع الناس عندي فقُمْ فقُلْ: ائذنْ لي فلأنصرفْ إلى بلادي، فإذا قلتُ: لا بَلْ أقِمْ عندي فإنّ لك الكرامةَ والمواساة والأثَرةَ، فقُل: لي ضيعةٌ وشُغْلٌ، لا أجد من الانصراف بُدًّا فائْذَنْ لي، فإني آذنُ لك عند ذلك؛ فالحقْ بأهلك. فلما اجتمع الناس عند عُبيد الله قام إليه فاستأذنه فقال: لا بل أقِمْ عندي فإني مُكرمُك ومُواسيك ومؤثرُك، فقالى له: إنّ لي ضيعةً وشُغلًا، ولا أجدُ من الانصراف بدًّا فائْذَنْ لي؛ فأذن له، فانطلق حتى لحِق بالحجاز، فأتى أهلَ المدينة، فكان فيمن يحرِّض الناسَ على يزيد، وكان من قوله يومئذ: إن يزيدَ والله لقد أجازني بمئة ألف درهم، وإنه لا يمنعني ما صنع إليّ أن أخبركم خبرَه، وأصدُقكم عنه، والله إنه ليَشرب الخمر، وإنه ليَسكَرْ حتى يدَع الصلاة؛ وعابه، بمثل ما عابه به أصحابُه الذين كانوا معه وأشدَّ، فكان سعيد بن عمرو يحدِّث بالكوفة: أنّ يزيدَ بن معاوية بلغه قولُه فيه فقال: اللهمَّ إني آثرتُه وأكرمتُه، ففعل ما قد رأيت، فاذكرْه بالكذب والقطيعة (١). (٥: ٤٨٠ - ٤٨١). قال أبو مخنف: فحدّثني سعيد بن زيد أبو المثلم: أنّ يزيدَ بن معاوية بعث النعمان بن بشير الأنصاريّ فقال له: ائتِ الناس وقومك فافثأهم عمّا يريدون، فإنهم إنْ لم ينهضوا في هذا الأمر لم يجترئ الناسُ على خلافي، وبها من عشيرتي من لا أحبّ أن ينهض في هذه الفتنة فيَهلك. فأقبل النعمان بن بشير فأتى قومَه، ودعا الناس إليه عامّة، وأمَرَهم بالطاعة ولزوم الجماعة، وخوَّفهم الفتنةَ، وقال لهم: إنه لا طاقةَ لكم بأهل الشام؛ فقالعبد الله بن مطيع العدويّ: ما يحملك يا نُعمانُ على تفريق جماعتنا، وفسادِ ما أصلَح الله من أمرنا! فقال النعمان: أمَا والله لكاني بك لو قد نزلتْ تلك التي تدعو إليها، وقامت الرَجال على الرُّكَب تَضرِب مفَارقَ القوم وجباهَهم بالسيوف، ودارت رحا الموت بين الفريقين قد هربتَ على بغلتك تضرب جنبيْها إلى مكة، وقد خلّفت هؤلاء المساكين -يعني الأنصار- يُقتلون في سِكَكِهم ومساجدهم، وعلى أبواب دُورهم! فعصاه الناس، فانصرف، وكان والله كما قال (١).