page 2962, entry [1178]Open original source
ذكر فتح بَيْسانَ ووقعة أجْناديْن ٣٨٦ - ولمّا توجّه علقمة إلى غزّة، وتوجّه معاوية إلى قَيساريّة؛ صمد عمرو بن العاص إلى الأرْطَبون، ومرّ بإزائه، وخرج معه شُرَحبيل بن حَسَنة على مقدّمته، واستخلف على عمل الأرْدُن أبا الأعورَ، وولى عمرو بن العاص مجنّبتيه عبدَ الله بن عمرو، وجُنادة بن تميم المالكيّ -مالك بن كنانة- فخرج حتى ينزل على الرّوم بأجناديْن، والرّوم في حصونهم وخنادقهم وعليهم الأرطَبون. وكان الأرطبون أدْهى الرُّوم وأبعدَها غَوْرًا، وأنكاها فعلًا، وقد كان وضع بالرّملة جندًا عظيمًا، وبإيلياء جندًا عظيمًا؛ وكتب عمرو إلى عمر بالخبر؛ فلمّا جاءه كتاب عمرو، قال: قد رمينا أرطبون الرّوم بأرطبون العرب، فانظروا عمّ تتفرّج! وجعل عمر ﵀ من لدن وجّه أمراء الشام يمدّ كلّ أمير جند ويرميه بالأمداد؛ حتى إذا أتاه كتاب عمرو بتفريق الرّوم، كتب إلى يزيد أن يبعثمعاوية في خيله إلى قيساريّة، وكتب إلى معاوية بإمرته على قتال أهل قيساريّة، وليشغلهم عن عمرو؛ وكان عمرو قد استعمل علْقمة بن حكيم الفراسيّ، ومسروق بن فلان العكّي على قتال أهل إيلياء، فصاروا بإزاء أهل إيلياء، فشغلوهم عن عمرو، وبعث أبا أيوب المالكيّ إلى الرّملة، وعليها التَّذَارِق، وكان بإزائهما، ولما تتابعت الأمداد على عمرو، بعث محمد بن عمرو مددًا لعلقمة ومسروق، وبعث عُمارة بن عمرو بن أميّة الضّمْريّ مددًا لأبي أيّوب، وأقام عمرو على أجناديْن لا يقدر من الأرطبون على سقطة، ولا تشفيه الرُّسل، فوليَه بنفسه، فدخل عليه كأنه رسول، فأبلغه ما يريد، وسمع كلامه، وتأمّل حصونَه حتى عرف ما أراد، وقال أرطبون في نفسه: والله إنّ هذا لعمرو، أو إنه لَلذي يأخذ عمرو برأيه؛ وما كنت لأصيب القوم بأمر أعظمَ عليهم من قتله. ثم دعا حرَسيًا فسارّه بقتله، فقال: اخرج. فقم مكان كذا وكذا، فإذا مرّ بك فاقتله، وفطِن له عمرو، فقال: قد سمعتَ منّي وسمعتُ منك، فأمّا ما قلتَه فقد وقع مني موقعًا؛ وأنا واحد من عشرة؛ بعثَنا عمر بن الخطاب مع هذا الوالي لنكانفه ويشهدنا أموره، فأرجع فآتيك بهم الآن، فإن رأوا في الذي عرضت مثلَ الذي أرى، فقد رآه أهل العسكر والأمير؛ وإن لم يروْه رددتَهم إلى مأمنهم، وكنتَ على رأس أمرك. فقال: نعم، ودعا رجلًا فسارّه، وقال: اذهب إلى فلان فردّه إليّ، فرجع إليه الرّجل وقال لعمرو: انطلق فجئ بأصحابك؛ فخرج عمرو ورأى ألّا يعود لمثلها، وعلم الرّوميّ بأنه قد خدعه، فقال: خدَعني الرّجُل؛ هذا أدهى الخلق. فبلغت عمر، فقال: غلبه عمرو، لله عمرو! وناهده عمرو، وقد عرف مأخذه وعاقبته، والتقوْا ولم يجد من ذلك بدًّا فالتقَوْا بأجناديْن، فاقتتلوا قتالًا شديدًا كقتال اليَرموك؛ حتى كثرت القتلى بينهم. ثم إنّ أرطبون انهزم في الناس فأوى إلى إيلياء، ونزل عمرو أجناديْن. ولمّا أتى أرطبون إيلياء أفرج له المسلمون حتى دخلها، ثم أزالهم إلى أجناديْن، فانضمّ علقمة، ومسروق، ومحمد بن عمرو، وأبو أيّوب إلى عمرو بأجنادين، وكتب أرطبون إلى عمرو بأنك صديقي ونظيري؛ أنت في قومك مثلي في قومي؛ والله لا تفتتح من فلسطين شيئًا بعد أجناديْن، فارجع ولا تَغرّ فتلقَى ما لقي الذين قبلك من الهزيمة. فدعا عمرو رجلًا يتكلم بالروميّة، فأرسله إلى أرطبون، وأمره أن يُغرِب ويتنكّر، وقال: استمع ما يقول حتى تخبرَني به إذا رجعت إن شاء الله.وكتب إليه: جاءني كتابك وأنت نظيري ومثلي في قومك، لو أخطأتْك خَصْلة تجاهلت فضيلتي، وقد علمتَ أنِّي صاحبُ فتح هذه البلاد، وأستعدي عليك فلانًا وفلانًا وفلانًا -لوزرائه- فأقرئهم كتابي، ولينظروا فيما بيني وبينك فخرج الرسول على ما أمره به حتى أتى أرطبون فدفع إليه الكتاب بمشهد من النفر، فاقترأه، فضحكوا، وتعجّبوا، وأقبلوا على أرطبون، فقالوا: من أين علمتَ: أنه ليس بصاحبها؟ قال: صاحبها رجل اسمه "عمر" ثلاثة أحرف؛ فرجع الرّسول إلى عمرو فعرف أنه عمر. وكتب إلى عمر يستمدّه، ويقول: إني أعالج حربًا كؤودًا صدومًا وَبلادًا ادُّخرت لك، فرأيَك. ولما كتب عمرو إلى عمر بذلك، عرف أنّ عمرًا لم يقل إلّا بعلم، فنادى في الناس، ثم خرج فيهم حتى نزل بالجابية. وجميع ما خرج عمر إلى الشام أربعَ مرّات، فأما الأولى فعلى فرَس، وأما الثانية فعلى بعير، وأما الثالثة فقصّر عنها: أن الطاعون مستعر، وأما الرابعة فدخلها على حمار. فاستخلف عليها، وخرج وقد كتب مخرجَه أوّلَ مرة إلى أمراء الأجناد أن يوافوه بالجابية -ليوم سقاه لهم في المجرّدة- وأن يستخلفوا على أعمالهم. فلقوه حيث رفعت لهم الجابية؛ فكان أوّل مَنْ لقيه يزيد، ثم أبو عبيدة، ثم خالد على الخيول، عليهم الدّيباج والحرير، فنزل وأخذ الحجارة، فرماهم بها، وقال: سَرْعَ ما لُفِتّم عن رأيكم! إيّايَ تستقبلون في هذا الزّي، وإنما شبعتم منذ سنتين! سَرْعَ ما ندّت بكم البِطْنة! وتالله لو فعلتموها على رأس المئتين لاستبدلت بكم غيركم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنها يلامقة، وإنّ علينا السلاح، قال: فنعم إذًا. وركب حتى دخل الجابية وعمرو، وشُرحْبِيل بأجْنَاديْن، لم يتحرّكا من مكانهما (١). (٣: ٦٠٥/ ٦٠٦/ ٦٠٧).