page 957, entry [353]Open original source
يوم أرماث ١٢٥ - كتبَ إليّ السريُّ بن يحيى عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: قال رستم: إنَّما ضَغَا الثعلب حين مات الأسد - يذكرّهم موتَ كسرى - ثم قال لأصحابه: قد خشيتُ أن تكونَ هذه سنة القرود، ولما عَبرأهل فارس أخذوا مصافَّهم، وجلس رستم على سريره وضُرب عليه طيّارة، وعبَّى في القلب ثمانية عشر فيلًا، عليهَا الصناديق والرّجال، وفي المجنَّبتين ثمانية وسبعة، وعليها الصناديق والرّجال، وأقام الجالِنوس بينه وبين ميمنته والبِيرزان بينه وبين ميسرته، وبقيت القنطرة بين خيلين من خيول المسلمين وخيول المشركين، وكان يزدجرد وضع رجلًا على باب إيوانه؛ إذ سرّح رستم، وأمرَه بلزومه وإخباره وآخر حيث يسمعه من الدار، وآخر خارج الدار، وكذلك على كل دعوة رجلًا؛ فلما نزل رستم، قال الذي بساباط: قد نزل، فقال الآخر ... حتى قاله الذي على باب الإيوان؛ وجعل بين كلّ مرحلتَين على كلّ دعوة رجلًا؛ فكلّما نزل وارتحل أو حدث أمرٌ قاله؛ فقاله الذي يليه، حتى يقوله الذي يلي باب الإيوان؛ فنظّم ما بين العتيق والمدائن رجالًا، وترك البُرُد، وكان ذلك هو الشأن. وأخذ المسلمون مصافَّهم، وجُعِل زُهرة وعاصم بين عبد الله وشُرَحبيل، ووكّل صاحب الطلائع بالطِّراد، وخلَط بين الناس في القلب والمجنَّبات، ونادى مناديه: ألا إنّ الحسد لا يحلّ إلّا على الجهاد في أمر الله يا أيّها الناس؛ فتحاسدوا وتغَايروا على الجِهاد، وكان سعد يومئذ لا يستطيعُ أن يركبَ ولا يجلس، به حُبون، فإنَّما هو على وجهه في صدره وسادة، هو مُكِبّ عليها، مُشرِف على الناس من القَصْر، يرمي بالرّقاع فيها أمرُه ونهيُه، إلى خالد بن عُرْفُطة، وهو أسفل منه؛ وكان الصفّ إلى جنب القَصْر، وكان خالد كالخليفة لسعد لو لم يكن سعد شاهدًا مُشرِفًا (١). (٣: ٥٣٠/ ٥٣١). ١٢٦ - كتب إليّ السريُّ، قال: حدَّثنا شعيب عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: وأرسل سعدٌ الذين انتهى إليهم رأيُ الناس، والذين انتهت إليهم نجدتُهم وأصناف الفَضْل منهم إلى الناس، فكان منهم من ذوي الرأي النَّفرُ الذي أتوا رستم المغيرةُ، وحُذَيفة، وعاصم؛ وأصحابهم؛ ومن أهل النجدة طُلَيْحة، وقَيس الأسديّ، وغالب، وعمرو بن مَعْديكرب وأمثالهم، ومن الشعراء الشَّمَّاخ والحُطَيئَة، وأوس بن مَغْواء، وعبْدة بن الطبيب؛ ومنسائر الأصناف أمثالهم. وقال قبل أن يُرسلهم: انطلقوا فقومُوا في النَّاس بما يحقّ عليكم ويحقّ عليهم عند مواطن البأس؛ فإنَّكم من العرب بالمكان الذي أنتم به، وأنتم شُعراء العرب وخُطباؤهم وذوو رأيهم ونجدتهم وسادتهم، فسيروا في الناس، فذكِّروهم وحَرّضوهم على القتال. فساروا فيهم، فقال قيس بن هُبَيرة الأسَديّ: أيُّها الناس! احمَدوا الله على ما هداكم له وأبلاكم يَزِدْكم، واذكروا آلاءَ الله، وارغَبوا إليه في عاداته؛ فإنّ الجنّة أو الغنيمة أمامكم؛ وإنه ليس وراء هذا القصْر إلا العراء والأرض القَفْر، والطراب الخُشْن، والفلوات التي لا تقطعها الأدِلّة. وقال غالب: أيُّها الناس! احمَدوا الله على ما أبلاكم، وسلوه يزدْكم، وادعوه يُجبْكم؛ يا معاشر مَعَدّ! ما علَّتُكم اليوم وأنتم في حصونكم -يعني: الخيل- ومعكم من لا يعصيكم -يعني: السيوف- اذكروا حديث الناس في غدٍ؛ فإنه بكم غدًا يُبْدَأ عنده، وبمن بعدكم يُثنَّى. وقال ابن الهُذيل الأسديّ: يا معاشر معدّ! اجعلوا حصونكم السيوف، وكونوا عليهم كأسود الأجَم، وترَبَّدوا لهم تربُّد النُّمور، وادَّرِعوا العَجاج، وثقوا بالله، وغُضّوا الأبصار، فإذا كلَّت السيوف فإنها مأمورة، فأرسلوا عليهم الجنادل، فإنها يؤذن فيما لا يؤذن للحديد فيه. وقال بُسْر بن أبي رُهْم الجُهَنيّ: احمَدوا الله، وصدّقوا قولكم بفعل، فقد حمِدتم الله على ما هداكم له ووحّدتموه ولا إله غيره، وكبّرِتموه، وآمنتم بنبيّه ورُسُله فلا تَموتُنّ إلا وأنْتم مُسْلِمُون؛ ولا يكوننّ شيء بأهون عليكم من الدُّنيا، فإنها تأتي مَن تهاون بها، ولا تميلوا إليها فتهرُب منكم لتميلَ بكم. انصُرُوا الله ينصُركم. وقال عاصم بن عمرو: يا معاشرَ العرب! إنَّكم أعيانُ العرب، وقد صمدتم الأعيان من العجم؛ وإنما تخاطرون بالجنَّة، ويخاطرون بالدنيا، فلا يكونُنّ على دنياهم أحوطَ منكم على آخرتكم. لا تحدِثوا اليوم أمرًا تكونون به شَيئًا على العَرَب غدًا. وقال ربيع بن البلاد السعديّ: يا معاشرَ العرب! قاتلوا للدّين والدُّنيا؛ ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْلِلْمُتَّقِينَ﴾، وإن عظَّم الشيطان عليكم الأمْرَ، فاذكروا الأخبار عنكم بالمواسم ما دام للأخبار أهل. وقال رِبْعيّ بن عامر: إنّ الله قد هداكم للإسلام، وجمعكم به، وأراكم الزّيادة، وفي الصبر الرّاحة، فعَؤدوا أنفسَكم الصبر تعتادوه، ولا تعوّدوها الجَزَع فتعتادوه. وقام كلّهم بنحو من هذا الكلام، وتواثَق الناس، وتعاهدوا، واهتاجوا لكلّ ما كان ينبغي لهم، وفعل أهلُ فارس فيما بينهم مثلَ ذلك، وتعاهدوا وتواصوْا؛ واقترنوا بالسلاسل؛ وكان المقترنون ثلاثين ألفًا (١). (٣: ٥٣٣/ ٥٣٤ / ٥٣٥). ١٢٧ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: مرّ بنا عمرو بن معديكرب وهو يحضّض الناس س بين الصّفين، وهو يقول: إنَّ الرجل مِن هذه الأعاجم إذا ألقى مِزراقه؛ فإنَّما هو تيس. فبينا هو كذلك يحرّضنا إذ خرفي إليه رجلٌ من الأعاجم، فوقف بين الصّفَّين فرمى بنُشَّابة، فما أخطأت سِيَةَ قوسِه وهو متنكِّبها، فالتفت إليه فحمل عليه، فاعتنقه، ثم أخذ بِمنْطَقتهِ، فاحتمله فوضعه بين يديه، فجاء به حتى إذا دنا؛ منَّا كسر عنقَه، ثم وضع سيفه على حَلْقه فذبحه؛ ثم ألقاه، ثم قال: هكذا فاصنعوا بهم! فقلنا: يا أبا ثَور! مَن يستطيع أن يصنع كما تصنع (٢)؟ ! ١٢٨ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: كانت -يعني: وقعة القادسيَّة- في المحرّم سنة أربع عشرة في أوله. وكان قد خرج من الناس إليهم، فقال له أهل فارس: أحِلْنا، فأحالهم على بَجِيلة، فصرفوا إليها ستَّة عشر فيلًا (٣). (٣: ٥٣٨).