page 950, entry [352]Open original source
ثم دخلت سنة أربع عشرة - ذكر ابتداء أمر القادسية ١١٦ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن خُلَيد بن ذَفْرَة، عن أبيه، قال: كتب المثنَّى إلى عُمر باجتماع فارس على يَزْدَجرد وببعوثهم، وبحالِ أهل الذمَّة، فكتب إليه عمر؛ أن تَنَحَّ إلى البَرّ، وادعُ مَن يليك، وأقم منهم قريبًا على حدود أرضك وأرضهم؛ حتى يأتيَك أمري. وعاجلتهم الأعاجم فزاحفتهم الزُّحوف، وثار بهم أهل الذمَّة؛ فخرج المثنَّى بالناس حتى ينزلَ الطّفّ، ففرّقهم فيه من أوّله إلى آخره، فأقام ما بين غُضَيّ إلى القُطْقُطانة مسالحه، وعادت مسالحُ كسرى وثغورُه، واستقرّ أمرُ فارس وهم فيذلك هائبون مُشْفِقُون، والمسلمون متدفِّقون قد ضَرُوا بهم كالأسد ينازَع فريستَه، ثم يعاود الكرّ، وأمراؤهم يكفكفونهم بِكتاب عمر وأمداد المسلمين (١). (٣: ٤٨٢). ١١٧ - كتب إليّ السريّ بن يحيى عن شعيب بن إبراهيم، عن سيف بن عمر، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: قد كان أبو بكر استعمل سعدًا على صدقات هوازن بنجْد، فأقرّه عمر، وكتب إليه فيمن كتب إليه من العُمَّال حين استنفر الناس أن ينتخب أهلَ الخيل والسّلاح ممَّن له رأي ونجدة، فرجع إليه كتاب سعد بمَن جمع الله له من ذلك الضرب؛ فوافق عمرَ وقد استشارهم في رجل، فأشاروا عليه به عند ذكره (٢). (٣: ٤٨٢). ١١٨ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن محمَّد وطلحة، عن ماهان، وزياد بإسناده، قالوا: وأمدّ عمر سعدًا بعد خروجه بألفَي يمانيّ، وألفي نجديّ مُؤْدٍ من غَطفَان وسائر قَيس، فقدِم سعد زَرُودَ في أوّل الشتاء، فنزلها وتفرّقت الجنود فيما حولَها من أمواه بني تميم وأسد، وانتظر اجتماع الناس، وأمْر عمر، وانتخب من بني تميم والرّباب أربعة آلاف؛ ثلاثة آلاف تميمي، وألف رِبي، وانتخب من بني أسد ثلاثة آلاف، وأمرهم أن ينزلوا على حدّ أرضهم بين الحَزْن والبَسيطة، فأقاموا هنالك بين سَعْد بن أبي وقّاص وبين المثنَّى بن حارثة، وكان المثنَّى في ثمانية آلاف؛ مِنْ ربيعة ستة آلاف من بكر بن وائل، وألفان من سائر ربيعة؛ أربعة آلاف ممَّن كان انتخب بعد فصول خالد، وأربعة آلاف كانوا معه ممَّن بقيَ يوم الجسر، وكان معه من أهل اليمن ألفان من بَجِيلة، وألفان من قُضاعة؛ وطيِّيء ممَّن انتُخبوا إلى ما كان قبل ذلك، على طيّئ عديّ بن حاتم، وعلى قُضاعة عمرو بن وَبَرة، وعلى بَجِيلة جرير بن عبد الله؛ فبينا النَّاس كذلك -سعد يرجو أن يقدَم عليه المثنَّى، والمثنَّى يرجو أن يقدَم عليه سعد- مات المثنّى من جراحته التي كان جُرِحها يوم الجِسْر، انتقضت به؛ فاستخلف المثنَّى على النَّاس بشير بن الخَصاصيَّة، وسعد يومئذ بزَرُود، ومع بشير يومئذ وجوهُ أهلالعراق، ومع سعد وفود أهل العراق الَّذين كانوا قدموا على عمر، منهم فُرات بن حيَّان العجلي وعتيبة، فردّهم مع سعد (١). (٣: ٤٨٦). ١١٩ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي ضَمْرة، عن ابن سيرين، وإسماعيل بن أبي خالد عن قَيس بن أبي حازم، قالا: لمَّا بلغ سعدًا فصولُ رستم إلى ساباط؛ أقام في عسكره لاجتماع الناس؛ فأمّا إسماعيل فإنه قال: كتب إليه سعد أنّ رستم قد ضرب عسكره بساباط دون المدائن وزحف إلينا؛ وأمَّا أبو ضَمْرة فإنه قال: كتب إليه أنّ رستم قد عسكر بسَاباط، وزحف إلينا بالخيول والفيول وزُهاء فارس، وليس شيء أهمَّ إليَّ ولا أنا له أكثر ذكرًا منّي لما أحببت أن أكون عليه؛ ونستعين بالله، ونتوكَّل عليه، وقد بعث فلانًا وفلانًا وهم ما وصفت (٢). (٣: ٤٩٥). ١٢٠ - حدثني محمد بن عبد الله بن صَفْوان الثّقفيّ، قال: حدَّثنا أمَيَّة بن خالد، قال: حدَّثنا أبو عوانة، عن حُصَين بن عبد الرحمن، قال: قال أبو وائل: جاء سعد حتى نزل القادسيَّة، ومعه النَّاس، قال: لا أدري لعلَّنا لا نزيد على سبعة آلاف أو نحو من ذلك، والمشركون ثلاثون ألفًا أو نحو ذلك. فقالوا لنا: لا يدي لكم ولا قوّة ولا سلاح، ما جاء بكم؟ ارجعوا، قال: قلنا: لا نرجع؛ وما نحن براجعين، دنكانوا يضحكون من نَبْلنا، ويقولون: "دُوك دوك"، ويشبّهونها بالمغازل. قال: فلما أبينا عليهم أن نرجع، قالوا: ابعثوا إلينا رجلًا منكم، عاقلًا يبيِّن لنا ما جاء بكم؛ فقال المغيرة بن شعبة: أنا، فَعَبَر إليهم فقعد مع رستم على السرير، فنخَروا وصاحوا، فقال: إنَّ هذا لم يزدني رفعة، ولم ينقص صاحبكم، قال رستم: صدقت، ما جاء بكم؟ قال: إنَّا كنا قومًا في شرٍّ وضلالة؛ فبعث الله فينا نبيًّا، فهدانا الله به ورزقنا على يديه؛ فكان ممَّا رزقنا حَبّة زُعمت تنبُتُ بهذا البلد؛ فلما أكلناها وأطعمناها أهلينا قالوا: لا صبر لنا عن هذه، أنزلونا هذه الأرضَ حتى نأكل من هذه الحبَّة، فقال رستم: إذًا نقتلُكم، فقال: إن قتلتمونا دَخلْنا الجنَّة، وإن قتلناكم دخلتم النار؛ أو أدّيتم الجِزْية،قال: فلمّا قال: أدّيتم الجزية، نخروا وصاحوا، وقالوا: لا صلحَ بيننا وبينكم، فقال المغيرة: تعبرون إلينا أو نعبر إليكم؟ فقال رستم: بل نعمر إليكم، فاستأخَر المسلمون حتى عَبَر منهم مَن عبر، فحملوا عليهم فهزموهم. قال حصين: فحدّثني رجل منَّا يقال له عُبيد بن جَحْش السُّلميّ، قال: لقد رأيتُنا وإنّا لنَطَأ على ظهور الرجال، ما مسَّهم سلاح، قتل بعضهم بعضًا، ولقد رأيتُنا أصبْنا جِرابًا من كافور، فحسبْناه ملحًا لا نشكّ أنه مِلْح؛ فطبخنا لحمًا، فجعلنا نُلقيه في القِدْر فلا نجد له طعمًا، فمرّ بنا عِباديّ معه قميص فقال: يا معشرَ المُعرِبين! لا تفسدُوا طعامَكم، فإنَّ ملح هذه الأرض لا خيرَ فيه، هل لكم أن تأخذوا هذا القميصَ به؟ فأخذناه منه، وأعطيناه منَّا رجلًا يلبسه، فجعلنا نُطيف به ونعجب منه، فلمَّا عرفنا الثياب؛ إذا ثمن ذلك القميص درهمان. قال: ولقد رأيتُني أقربُ إلى رجل عليه سِواران من ذهب، وسلاحُه، فجاء فما كلّمته حتى ضربتُ عنقه. قال: فانهزموا حتى انتهوا إلى الصَّراة؛ فطلبناهم فانهزموا حتى انتهوا إلى المدائن؛ فكان المسلمون بكُوثَى وكان مسلحة المشركين بدَير المسلاخ، فأتاهم المسلمون فالتقوْا، فهُزم المشركون حتى نزلوا بشاطئ دِجلة، فمنهم مَن عبر من كَلْواذَى، ومنهم مَن عبَر من أسفل المدائن، فحصروهم حتى ما يجدون طعامًا يأكلونه، إلّا كلابَهم وسنانيرهم، فخرجوا ليلًا، فلحقوا بجَلولاء، فأتاهم المسلمون؛ وعلى مقدّمة سعد هاشم بن عُتْبة، وموضع الوقعة التي ألحقهم منها فريد. قال أبو وائل: فبعث عمر بن الخطاب حذيفةَ بن اليمان على أهل الكوفة، ومُجاشع بن مسعود على أهل البصرة (١). (٣: ٤٩٦/ ٤٩٧). ١٢١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وعمرو بإسنادهم، قالوا: وعجَّ أهلُ السَّواد إلى يَزْدَجرد بن شهريار، وأرسلوا إليه: أن العرب قد نزلوا القادسيَّة بأمر ليس يُشبه إلّا الحرب، وإن فعل العرب مذ نزلوا القادسيَّة لا يبقى عليه شيء؛ وقد أخربوا ما بينهم وبين الفرات؛ وليس فيماهنالك أنيس إلّا في الحصون، وقد ذهب الدوابّ وكلّ شيء لم تحتمله الحصون من الأطعمة، ولم يبق إلّا أن يستنزِلونا، فإن أبطأ عنّا الغياث أعطيناهم بأيدينا، وكتب إليه بذلك المُلُوك الَّذين لهم الضّياع بالطفّ، وأعانوهم عليه، وهيَّجوه على بعثه رستم. ولما بدا ليزدَجِرْد أن يرسلَ رستَم أرسلَ إليه، فدخل عليه، فقال له: إنِّي أريد أن أوَجهك في هذا الوجه؛ وإنما يُعَدّ للأمور على قدرها، وأنت رجل أهل فارس اليوم، وقد ترى ما جاء أهلَ فارس مِن أمر لم يأتِهم مثلُه منذ وليَ آلُ أردشير، فأراه أن قد قبِل منه، وأثنى عليه. فقال له الملك: قد أحبُّ أن انظر فيما لديك لأعرفَ ما عندك، فصفْ لِي العرب وفعلَهم منذ نزلوا القادِسيَّة، وصف لي العَجَم وما يلقوْن منهم. فقال رستم: صفَهَ ذئابٍ صادفت غِرَّةً من رِعاء فأفسدت. فقال: ليس كذلك؛ إني إنما سألتك رجاء أن تُعرِب صفتهم فأقوّيك لتعمل على قَدْر ذلك فلم تُصِبْ، فافهم عنِّي؛ إنَّما مَثَلُهم ومثَلُ أهل فارس كَمَثل عُقَاب أوفَى على جبل يأوي إليه الطير بالليل، فتبيت في سَفْحه في أوكارها، فلمّا أصبحت تجلَّت الطير، فأبصرته يرقبها، فإن شذّ منها شيء اختطفه، فلمّا أبصرته الطير لم تنهض من مخافته؛ وجعلت كلَّما شذ منها طائر اختطَفه، فلو نهضت نهضةً واحدة ردَّته؛ وأشدُّ شيء يكون في ذلك أن تنجُوَ كلُّها إلا واحدًا؛ وإن اختلفت؛ لم تنهض فرقة إلَّا هلكت؛ فهذا مثلُهم ومثل الأعاجم؛ فاعمل على قَدْرِ ذلك. فقال له رستُم: أيّها الملك، دَعْني؛ فإنَّ العرب لا تزالُ تهاب العجم ما لم تُضَرِّهم بي؛ ولعلّ الدولة أن تثبت بي فيكون الله قد كَفَى، وتكون قد أصبْنَا المكيدة ورأيَ الحرب؛ فإنّ الرّأي فيها والمكيدة أنفع من بعض الظَّفر. فأبَى عليه، وقال: أيّ شيء بقي! فقال رستم: إنَّ الأناة في الحرْب خيرٌ من العجلة، وللأناة اليومَ موضع، وقتال جيش بعد جيش أمثلُ من هزيمة بمرّة وأشدّ على عدوِّنا، فلجَّ وأبَى، فخرج حتى ضرب عسكره بساباط، وجعلت تختلف إلى الملك الرُّسل ليرى موضعًا لإعفائه وبعثةِ غيره، ويجتمع إليه النَّاس. وجاء العيون إلى سعد بذلك من قبَل الحيرة وبني صلوبا، وكتب إلى عمر بذلك. ولما كثرت الاستغاثة على يَزْدَجرد من أهل السَّواد على يدي الآزاذمرد بن الآزاذبه جشعت نفسه، واتّقى الحرب برستم،وترك الرّأي - وكان ضيّقًا لجوجًا - فاستحثّ رستم، فأعاد عليه رستم القول، وقال: أيَّها الملك! لقد اضطرني تضييع الرأي إلى إعظام نفسي وتزكيتها؛ ولو أجدُ من ذلك بدًّا لم أتكلَّمْ به، فأنشدك الله في نفسِك وأهلك ومُلْكك؛ دعني أقم بعسكري وأسرّح الجالنوس؛ فإن تكن لنا فذلك؛ وإلّا فأنا على رِجْل، وأبعث غيره، حتى إذا لم نجد بدًّا ولا حيلة؛ صَبَرْنا لهم؛ وقد وهَّنَّاهم وحسَّرناهم ونحن جامُّون. فأبى إلّا أن يسير (١). (٣: ٥٠٣/ ٥٠٤). ١٢٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن النّضْر بن السريّ الضبيّ، عن ابن الرُّفيل، عن أبيه، قال: لمَّا نزل رستم بساباط، وجمع آلة الحرب وأدَاتها بعثَ على مقدّمته الجالنوس في أربعين ألفًا، وقال: ازحف زحفًا، ولا تنْجذب إلَّا بأمري؛ واستعملَ على ميمنته الهُرْمزان، وعلى ميسرته مِهْران بن بَهْرام الرازيّ، وعلى ساقته البيرزان، وقال رستم ليشجّع الملك: إن فتح الله علينا القوم، فهو وجْهنا إلى ملكهم في دارهم حتى نشغلهم في أصلهم وبلادهم، إلى أن يقبلوا المسالمة أو يرضوْا بما كانوا يرضوْن به. فلمّا قدمت وفود سعد على الملك، ورجعوا من عنده؛ رأى رستم فيما يرى النائم رؤيا فكرهها، وأحسّ بالشرّ، وكره لها الخروج ولقاء القوم، واختلف عليه رأيه واضطرب، وسأل الملك أن يُمضيَ الجالنوس، ويُقيم حتَّى ينظر ما يصنعون، وقال: إن غَناء الجالنوس كغَنائي، وإن كان اسمي أشدّ عليهم من اسمه، فإن ظفِر فهو الذي نريد، وإن تكن الأخرى وجهْتُ مثله، ودفعنا هؤلاء القوم إلى يوم ما؛ فإني لا أزال مرجوًّا في أهل فارس، ما لم أهزَم ينشَطون، ولا أزال مهيبًا في صدور العرب، ولا يزالون يهابون الإقدام ما لم أباشرهم؛ فإن باشرتهم اجترؤوا آخرَ دهرهم، وانكسر أهلُ فارس آخرَ دهرهم، فبعث مقدّمته أربعين ألفًا؛ وخرج في ستين ألفًا، وساقته في عشرين ألفًا (٢). (٣: ٥٠٤/ ٥٠٥). ١٢٣ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن النَّضْر بن السّريّ، عن ابن الرُّفيل، عن أبيه، قال: كان الذي جرّأ يزدجِرد على إرسال رستم غلام جابان منجِّم كسرى، وكان من أهل فُرات بادَقلَى، فأرسل إليه فقال: ما ترى في مسيررستم وحرب العرب اليوم؟ فخافه على الصّدق فكذبه، وكان رستم يعلَم نحوًا من علمه، فثقُل عليه مسيرُه لعلمه، وخفَّ على الملكِ لما غرّه منه، وقال: إنِّي أحبّ أن تخبرَنِي بشيء أراه أطمئنّ به إلى قولك، فقال الغلام لزُرنا الهنديّ: أخبِره، فقال: سَلْنِي، فسأله فقال: أيها الملك! يُقبل طائر فيقع على إيوانِك فيقع منه شيء في فيه هاهنا - وخطّ دارةً - فقال العبد: صدَق، والطائر غراب، والذي في فيه درهم، وبلغ جابان: أنّ الملك طلبه، فأقبل حتَّى دخل عليه، فسأله عمَّا قال غلامُه، فحسِب فقال: صدق ولم يُصب؛ هو عقعق، والذي في فيه درهم، فيقع منه على هذا المكان، وكذب زرنا، ينزو الدرهم فيستقرّ هاهنا - ودوّر دارة أخرى - فما قاموا حتَّى وقع على الشُّرفات عَقعق، فسقط منهُ الدرهم في الخط الأول، فنزا فاستقرّ في الخطّ الآخر، ونافر الهنديُّ جابان حيث خَطَّأه؛ فأتيا ببقرة نَتُوج؛ فقال الهنديُّ: سَخْلتها غرّاء سَوداء، فقال جابان: كذبْتَ، بل سوداء صبغاء، فنُحرت البقرة فاستُخرجت سخلتها، فإذا هي ذنَبها بين عينيها، فقال جابان: من هاهنا أتِيَ زرنا، وشجّعاه على إخراج رستم، فأمضاه، وكتب جابان إلى جُشْنَسْماه: إنّ أهل فارس قد زال أمرهم، وأدِيلَ عدوُّهم عليهم، وذهب مُلك المجوسيَّة، وأقبل مُلك العرب، وأديل دينهم؛ فاعتقد منهم الذمَّة، ولا تخلُبنَّك الأمور، والعجل العجل قبل أن تُؤخذ! فلمّا وقع الكتاب إليه خرج جشنسماه إليهم حتى أتى المعنَّى؛ وهو في خيل بالعَتيِق، وأرسله إلى سعد، فاعتقد منه على نفسه وأهل بيته ومَن استجاب له وردّه، وكان صاحبَ أخبارهم، وأهدى للمعنّى فالوذق، فقال لامرأته: ما هذا؟ فقالت: أظنّ البائسة امرأته أراغت العصيدةَ فأخطأتْها، فقال المعنَّى: بؤسًا لها (١). (٣: ٥٠٦/ ٥٠٧). ١٢٤ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن النَّضْر بن السريّ، عن ابن الرُّفيل، عن أبيه، قال: لمَّا فصَل رستم، وأمر الجالنوس بالتقدّم إلى الحيرة؛ أمره أن يصيبَ له رجلًا من العَرب، فخرج هو والآزاذمرد سريَّةً في مئة؛ حتى انتهيا إلى القادسيَّة، فأصابا رجلًا دون قنطرة القادسيّة فاختطفاه، فنفر النَّاس فأعجزوهم إلّا ما أصاب المسلِمون في أخْرَياتهم. فلمَّا انتهيا إلى النَّجَفسرّحا به إلى رستم، وهو بكُوثَى، فقال له رستم: ما جَاء بكم؟ وماذا تطلبون؟ قال: جئنا نطلب موعود الله، قال: وما هو؟ قال: أرضكم وأبناؤكم ودماؤكم إن أبيتم أن تُسْلموا. قال رستم: فإن قُتلتم قبل ذلك؟ قال: في موعود الله أن من قُتِل منَّا قبل ذلك أدخله الجنة. وأنجز من بقي منّا ما قلت لك، فنحن على يقين. فقال رستم: قد وُضِعْنا إذًا في أيديكم! قال: ويحك يا رستم! إنّ أعمالكم وضعتْكم فأسلمكم الله بها؛ فلا يغرنَّك ما ترى حولَك، فإنك لست تُحإول الإنس؛ إنما تحاول القضاءَ والقدر! فاستشاط غضبًا، فأمر به فضرِبت عنقه، وخرج رستم من كُوثَى؛ حتى ينزل ببُرس، فغصب أصحابُه الناسَ أموالهم ووقعوا على النساء، وشربوا الخمور، فضجّ العلُوج إلى رستم، وشكَوْا إليه ما يلقوْن في أموالهم وأبنائهم، فقام فيهم، فقال: يا معشر أهل فارس! والله لقد صدَق العربيّ؛ والله ما أسلَمنا إلا أعمالنا، والله للعرب في هؤلاء وهم لهم ولنا حربٌ أحسنُ سيرةً منكم، إنّ الله كان ينصركم على العدوّ، ويمكّن لكم في البلاد بحُسن السيرة وكفِّ الظلم والوفاءِ بالعهود والإحسان؛ فأمَّا إذ تحوَّلتم عن ذلك إلى هذه الأعمال، فلا أرى الله إلا مغيّرًا ما بكم، وما أنا بآمنِ أن ينزع الله سلطانه منكم. وبعث الرجال، فلقطوا له بعض من يُشكى فأتِيَ بنفر، فضرب أعناقهم، ثم ركب ونادى في الناس بالرّحيل، فخرج ونزل بحيال دير الأعور، ثم انصبّ إلى الملطاط؛ فعسكر ممّا يلي الفرات بحيال أهلِ النَّجَف بحيال الخَوَرْنق إلى الغَرِيَّيْن، ودعا بأهل الحيرة، فأوعدهم وهمّ بهم، فقال له ابن بُقَيلة: لا تجمع علينا اثنتين: أن تعجز عن نُصرتنا، وتلومنا على الدفع عن أنفسنا وبلادنا. فسكت (١). (٣: ٥٠٧/ ٥٠٨).