page 569, entry [245]Open original source
غزوة بَنِي قريظة ١٥٤ / أ - فلما كانت الظُّهْر، أتى جبريل رسول الله ﷺ -كما حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدّثني محمَّد بن إسحاق، عن ابن شهاب الزُهريّ - معتجرًا بعمامة من إستبرق، على بغْلةٍ عليها رِحَالة، عليها قطيفة من ديباج، فقال: أقد وضعتَ السِّلاح يا رسول الله؟ قال: نعم، قال جبريل:ما وضعت الملائكةُ السِّلاحَ وما رجعت الآن إلَّا من طلب القوم؛ إن الله يأمرُك يا محمَّد بالسَّير إلى بني قُريظة، وأنا عامد إلى بني قُريظة (١). (٢: ٥٨١). ١٥٤ / ب - فأمر رسول الله ﷺ مناديًا، فأذّن في النَّاس: إنّ مَنْ كان سامعًا مَطيعًا فلا يصلّينّ العصر إلَّا في بني قريظة (٢). (٢: ٥٨١). ١٥٥ - حدثنا ابنُ وكيع، قال: حدَّثنا محمد بن بشر، قال: حدَّثنا محمَّد بن عمرو، قال: حدّثني أبي عن علقمة، عن عائشة، قالت: ضرب رسول الله ﷺ على سعد قُبَّة في المسجد، ووضع السّلاح -يعني عند منصرف رسول الله ﷺ من الخندق- ووضع المسلمون السِّلاح، فجاءه جبريل ﵇، فقال: أوَضعتم السلاح! فوالله ما وضعت الملائكة بَعْدُ السلاح، اخرُجْ إليهم فقاتِلْهم، فدعا رسول الله ﷺ بلأمتِه فلبسها، ثم خرج وخرج المسلمون؛ فمرّ ببني غَنْم، فقال: من مَرَّ بكم؟ قالوا: مرّ علينا دِحْيَة الكلبيّ - وكان يشبَّهُ سُنَّتُه ولِحيته ووجهه بجبريل ﵇ حتى نزل عليهم، وسعدٌ في قُبَّته التي ضرب عليه رسول الله ﷺ في المسجد؟ فحاصرهم شهرًا -أو خمسًا وعشرين ليلة- فلما اشتدّ عليهم الحصار قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله ﷺ، فأشار أبو لُبابة بن عبدالمنذر إنه الذبح، فقالوا: ننزل على حكم سعد بن مُعاذ، فقال رسول الله ﷺ: انزلوا على حكمه، فنزلوا، فبعث إليه رسول الله ﷺ بحمار بإكَاف من لِيف، فحمِل عليه. قالت عائشة: لقد كان بَرَأ كَلْمُه حتى ما يُرى منه إلَّا مثل الْخُرْص (١). (٢: ٥٨٣).١٥٦ - قال ابن إسحاق، فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله ﷺ، فتواثبت الأوس، فقالوا: يا رسول الله ﷺ، إنَّهم مَوَالينا دون الخزْرج، وقد فعلت في موالِي الخزرج بالأمس ما قد علمت - وقد كان رسول الله ﷺ قبل بني قُريظة حاصر بني قَينُقاع، وكانوا حلفاء الخزْرج، فنزلوا على حكمه، فسأله إيَّاهم عبد الله بن أبيّ ابن سَلُول، فوهبهم له. فلمّا كلّمه الأوْس قال رسول الله ﷺ: ألا ترضوْن يا معشرَ الأوْس أن يحكم فيهم رجل منكم! قالوا: بلى، قال: فذاك إلى سَعْد بن معاذ - وكان سعد بن معاذ قد جعله رسول الله ﷺ في خَيمة امرأة من أسلم يقال لها رُفَيدة في مسجده، كانت تُدَاوي الجرحى، وتحتسب بنفسها على خدمة مَنْ كانت به ضَيعة من المسلمين، وكان رسول الله ﷺ قد قال لقومه حين أصابه السَّهم بالخندق: اجعلوه في خيمة رُفَيدة، حتى أعودَه من قريب - فلما حكَّمه رسول الله ﷺ في بني قريظة، أتاه قومُه، فاحتملوه على حِمار قد وطَّؤوا له بوسادة من أدَمٍ - وكان رجلًا جسيمًا - ثم أقبلوا معه إلى رسول الله ﷺ، وهم يقولون: يا أبا عمرو، أحْسِنْ في مواليك؛ فإنّ رسول الله ﷺ إنَّما ولّاك ذلك لتُحْسِن فيهم. فلما أكثروا عليه قال: قد أنى لسعد ألا تأخُذَه في الله لومة لائم. فرجع بعضُ مَنْ كان معه من قومه إلى دار بني عبد الأشهل، فنعَى لهم رجال بني قُريظة قبل أن يصل إليهم سعد بن معاذ عن كلمته التي سمع منه (١). (٢: ٥٨٦/ ٥٨٧). ١٥٧ - قال أبو جعفر: فلما انتهى سعْدٌ إلى رسول الله ﷺ والمسلمين، قال رسول الله ﷺ فيما حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: حدَّثنا محمد بن بشر، قال: حدَّثنا محمد بن عمرو، قال: حدّثني أبي، عن علقمة: في حديث ذكره، قال: قال أبو سعيد الخُدرِيّ: فلما طلعَ - يعني سعدًا - قال رسول الله ﷺ قوموا إلى سيدكم -أو قال: إلى خيركم- فأنزلوه، فقال رسول الله ﷺ: احكم فيهم، قال: فإنّي أحكم فيهم أن تقتل مُقاتلتهم، وأن تُسْبَى ذَرَارِيُّهم، وأن تُقْسَم أموالُهم.فقال: لقد حكمْت فيهم بحكم الله وحكم رسوله (١). (٢: ٣٨٧). ١٥٧ / أ - رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: وأمَّا ابن إسحاق فإنَّه قال في حديثه: فلما انتهى سعدٌ إلى رسول الله ﷺ لمجر والمسلمون، قال رسول الله ﷺ: قوموا - إلى سيِّدكم، فقاموا إليه، فقالوا: يا أبا عمرو، إنّ رسول الله ﷺ قد ولّاك [أمر] مواليك لتحكم فيهم، فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أنّ الحكم فيها ما حكمت! قالوا: نعم، قال: وعلى من هاهنا؟ في النَّاحية التي فيها رسول الله ﷺ، وهو معرض عن رسول الله ﷺ إجلالًا له - فقال رسول الله ﷺ: نعم، قال سعد: فإني أحكُم فيهم بأن تُقتَلَ الرّجال، وتُقسمَ الأموال، وتسبَى الذراريُّ والنساء (٢). (٢: ٥٨٧/ ٥٨٨). ١٥٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن علقمة بن وقّاص الليثيّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ لسعد: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرْقِعَة (٣). (٢: ٥٨٨). ١٥٩ - قال ابنُ إسحاق: ثمّ استُنْزلوا، فحبسهم رسول الله ﷺ في دار ابنة الحارث، امرأة من بني النجَّار، ثمّ خرجَ رسول الله ﷺ إلى سوق المدينة التي هي سوقها اليوم، فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم في تلكالخنادق؛ يُخرَج بهم إليه أرْسَالًا؛ وفيهم عدوّ الله حُيَيُّ بن أخطب، وكعب بن أسد؛ رأس القوم، وهم ستمئة أو سبعمئة؛ المكَثِّرُ لهم يقول: كانوا من الثمانمئة إلى التسعمئة. وقد قالوا لكعب بن أسد - وهم يُذهَب بهم إلى رسول الله ﷺ أرسَالًا -: يا كعب، ما ترى ما يصنع بنا! فقال كعب: في كلّ موطن لا تعقلون: ألا تروْن الداعي لا ينزع، وأنَّه من ذهِبَ به منكم لا يرجع، هو والله القتل! فلم يزل ذلك الدّأبُ حتى فرغ منهم رسول الله ﷺ، وَأتِيَ بِحُيَيّ بن أخطب عدوّ الله وعليه حلَّة لَه فقّاحِيّة قد شقَّقها عليه من كلّ ناحية كموضع الأنملة، أنملة أنملة لئلا يُسْلبَها، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، فلمّا نظر إلى رسول الله ﷺ، قال: أما والله ما لمْتُ نفسي في عداوتك؛ ولكنه من يَخْذُلِ الله يُخْذل. ثم أقبل على الناس، فقال: أيها الناس، إنَّه لا بأس بأمر الله، كتاب الله وقَدَرُه، وملحمةٌ قد كتبت علي بني إسرائيل، ثم جلس فضُربت عنقه، فقال جبل بن جَوّال الثعلبي: لعَمْرُك مَا لامَ ابْنُ أَخْطَبَ نَفْسَهُ ... ولكنه مَنْ يَخْذُل اللهَ يُخْذَلِ لَجَاهَدَ حتَّى أَبْلَغَ النَّفْس عُذْرَهَا ... وقَلْقَلَ يَبْغِي العِزَّ كلَّ مُقَلْقَلِ (١) (٢: ٥٨٨/ ٥٨٩). ١٦٠ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: لم يقتل من نسائهم إلَّا امرأة واحدة قالت: والله إنها لعندي تحدَّثُ معي، وتضحك ظهرًا وبطنًا، ورسولُ الله يقتلُ رجالهم بالسوق؛ إذ هتف هاتفٌ باسمها: أين فُلانة؟ قالت: أنا والله. قالت: قلت: ويلك مالك! قالت: أقتَل! قلت: ولمَ؟ قالت: حَدَثٌ أحدثتُه. قالت: فانطُلِقَ بها فضُربت عنقُها. فكانتعائشة تقول: ما أنْسَى عجبنا منها، طيبَ نفس وكثرة ضحك، وقد عرفَتْ أنها تُقْتَل (١). (٢: ٥٨٩). ١٦١ - فلما انقضى شأدن بني قريظة انفجر جُرْحُ سعد بن معاذ، وذلك أنه دعا -كما حدّثني ابن وكيع، قال: حدَّثنا ابن بشر، قال: حدَّثنا محمد بن عمرو؛ قال: حدّثني أبي، عن علقمة، في خبر ذكره عن عائشة: ثم دعا سعد بن معاذ - يعني بعد أن حكم في بني قريظة ما حكم - فقال: اللهمّ إنَّك قد علمت أنه لم يكن قوم أحبَّ إليّ أن أقاتلَ أو أجاهد من قوم كذَّبوا رسولك. اللهمّ إن كنتَ أبقيت من حرب قريش على رسولك شيئًا فأبقني لها، وإن كنتَ قد قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك. فانفجر كَلْمُه، فرَجَعَه رسول الله ﷺ إلى خيمته التي ضربت عليه في المسجد. قالت عائشة: فحضره رسول الله ﷺ، وأبو بكر، وعمر، فوالَّذي نفس محمد بيده؟ إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر وإني لفي حُجرتي. قالت: وكانوا كما قال الله ﷿: ﴿رُحَمَاءُ بَينَهُمْ﴾. قال علقمة: أي أمَّهْ! كيف كان يصنع رسول الله ﷺ؟ قالت: كانت عينهلا تَدْمَعُ على أحدٍ؛ ولكنَّه كان إذا اشتدّ وَجْدُه على أحد، أو إذا وَجَد فإنما هو آخذٌ بلحيته (١). (٢: ٥٩٢/ ٥٩٣). ولمَّا انصرف رسول الله ﷺ عن الخندق، قال: الآن نَغْزوهم -يعني قريشًا - ولا يغزوننا، فكان كذلك حتى فتح الله تعالى على رسوله ﷺ مكَّة (٢). (٢: ٥٩٣). ١٦٢ - واختلف في وقت غزوة النبيّ ﷺ بني المصطلق؛ وهي الغزوة التي يقال لها غزوة المُرَيسيع - والمريسيع: اسم ماء من مياه خُزاعة بناحية قديد إلى الساحل - فقال: ابن إسحاق - فيما حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة، عنه، أنّ رسول الله ﷺ غزا بني المصطلِق من خُزَاعة، في شعبان سنة ست من الهجر (٣). (٢: ٥٩٣/ ٥٩٤).