page 2097, entry [1582]Open original source
ذكر مكانه من العلم قال ابن مفرج: وكان أفقه أهل زمانه، وأنفقهم للرأي؛ وكان أحفظ الناس لمذهب مالك واختلاف أصحابه، لا يلحقه أحد من المتقدمين في عصره، ولا يقوم به أحد من طبقته؛ وكان متفننًا [¬١] في علوم الشريعة، وأطلب الناس لنجاة الناس عند مضايق الفتيا؛ وكان في الحفظ آية من آيات الله، أقر له أصحابه كلهم بذلك، وكانوا يقولون: أبو عمر المكوي أحفظ منا للعلم كثيرًا. وسمع أبو محمد الشقاق الفقيه يوم دفنه يقول على قبره: رحمك الله يا أبا عمر، فلقد فضحت الفقهاء بقوة حفظك في حياتك، ولتفضحنهم بعد مماتك [¬٢]: أشهد أني ما رأيت أحدًا أحفظ للسنة [¬٣] كحفظك، ولا أعلم [¬٤] من وجوهها كعلمك. وكان ابن زرب على تقدمه يعترف له بذلك، ولقد قال يومًا [¬٥] لأصحابه - بعد خروجه عنه، وثنائه عليه في وجهه -: يا أصحابنا الحق خير ما قيل، أبو عمر - والله - أحفظ منا كلنا؛ وقد كانتأعيتهم مسألة عويصة، سأله القاضي هل يذكرها؟ قال: نعم، في كتاب كذا من المبسوط، في باب كذا - آخر مسألة منه، أو كما قال؛ فطلب منه الكتاب، فإذا بها كما ذكر! قال غيره: وعلى أبي عمر دارت الفتيا بالأندلس أجمع إلى أن هلك، وكان في ذريته [¬١] فيما جرى على يديه أحد العجائب، وكان ثقابًا [¬٢] في ذهنه وفطنته، لطيف الحيلة في الإصلاح بين الناس. قال أحمد بن ليث: كان أبو عمر [¬٣] من أهل الحفظ والفهم الثاقب، مع الذكاء والفطنة، وحدة الذهن؛ حتى كان يشبه بإلياس بن معاوية ونظرائه، ظهر له من ذلك في فتاويه أمور عجيبة! قال القاضي أبو الفضل ﵁: وعظم قدر أبي عمر بالأندلس كلها، وصار مفتيًا [¬٤] لجميع [¬٥] قضاتها وحكامها فيما اختلفوا فيه؛ ودعاه ابن أبي عامر إلى تقلد قضاء الجماعة مرتين، إحداهما عند وفاة ابن زرب، والأخرى عند عزل ابن برطال بعدها [¬٦]؛ فأبى من ذلك في المرتين أشد إباء، وأغلظ القسم أنلا يلي قضاء، ولا شيئًا من الأحكام أبدًا؛ وهو الذي أسند إليه الحكم تأليف كتاب الاستيعاب الذي قدمنا ذكره - مع أبي بكر المعيطي. قال ابن حيان: وكان في أول حاله لم يأخذ نفسه بتثقيف علم اللسان، فذاعت [¬١] في فتاويه غرائب من لحنه، نفاها [¬٢] عليه أصحابه؛ ثم فطن لنفسه آخرًا، فأشاع ذكر مرض حبس نفسه فيه شهرًا كاملا [¬٣]، عاكفًا على كتاب سيبويه، فخرج مكتفيًا [¬٤] من علم النحو [¬٥] لقوة حفظه، وتقرب فهمه، فصلحت حالاته؛ وكان مما أعانه على سعة [¬٦] المطالعة، أنه تخير هو وقوم من الفقهاء صدر خلافة هشام أيام ابن أبي عامر، لامتحان خزانة العلم، وتفتيش ما يعرض فيها من الآفة، وردها إلى مواضعها - مرتبة إلى أشكالها؛ معهم من الفتيان طائفة يتولون ذلك بين أيديهم، فاستجاب أبو عمر لما كلف من ذلك - على بعده من الالتباس بعمل السلطان، لما رجاه في ذلك من المطالعة للغرائب التي جلبها الحكم؛ واقتدر منها على ما لم يقتدر عليه سواه،مما كان أبو عمر يتشوق إليه؛ فرغب أبو عمر إلى أصحابها أن يعفوه من مباشرة ما اشتغلوا به من التقليب، ويتركوه والمطالعة؛ فاستوسع في ذلك، وطالت مدة عملهم في ذلك، لكثرة هذه الكتب، ووفور خزائنها - حولا كاملا وفوقه؛ فحصل للشيخ من ذلك ما أمله؛ وكان عظيم التذكر، حسن التحفظ، بطيء النسيان؛ وكان يتكلم عنده يوم الاثنين في الموطأ وما شاكله، ويوم الثلاثاء في المدونة، والمستخرجة، وما جانسهما [¬١]؛ فكان النبلاء من أصحابه، كابن الشقاق، وابن دحون، وأمثالهم من الأكياس والحفاظ، يتظاهرون عليه لينشروا حفظه: فإذا جرت المسألة، وأمعن القول فيها أهل المجلس، ونقضوا وجوه الجواب، وانتهى [¬٢] القول فيها إلى أبي عمر وترجيحه؛ بدر كل من أولئك الحفاظ، إلى ما يقرب به من قولة شاذة، فينصت أبو عمر إلى كل ما يقوله كل منهم، حتى يستوفي كلامهم، ثم يرد على كل واحد فيما أغرب به، ويفصل له امكنته وينبه إلى قائله، ويذكر الإختيار من ذلك من قول الأصحاب، كأنما ينظر في صحيفة؛ ثم يحدد إثر ذلك هو اختياره، فيريهم العجب من كل فعله! [¬٣]