page 1904, entry [1385]Open original source
ذكر جمل من حكمه وفصول في كلامه في العلم حسان قال أبو القاسم: كان الجبنياني حكيم القول، إذا رؤي ذكر الله من هيبته، قد جف جلده على عظمه، وأسود لونه، كثير الصمت، قليل الكلام، فإذا نطق نطقبالحكمة، قال أبو القاسم: وكان أبو إسحاق: قلما يترك ثلاث كلمات كن الخير كله: اتبع لا تبتدع، اتضع لا ترتفع، من ورع لم يتسع. وكثيرا ما يقول: خمسة تعاونوا على هلاك ابن آدم المسكين: مؤمن يحسده، وكافر يرصده، وشيطان مارد، ودنيا حاضرة، ونفس [¬١] أمارة بالسوء، فكيف [¬٢] بالخلاص؟ وكان يقول: أقرب شيء ما عند الله، وأبعد شيء ما عند الناس. وكان يقول: إذا رأيت الشاب قذرا في شبيبته، فإذا كبر يكون شيخ سوء. ويقول: إذا رأتك زوجتك وولدك وخادمك تعصي الله، كان أول من يذلك هم. وقيل له يوما: ما أقل من يأكل حلالًا [¬٣]؟ فقال: ما أقل من يكسب حلالا والدار يكون فيها من الأهلين العشرة وأكثر [¬٤]. يتقلب لهم [¬٥] المسكين الساعي عليهم، فيأكلونها وهم لا يعلمون من أين هي حلا، ويكسبها المسكين حراما وحلالا. قال أبو الحسن القابسي: لما خرجنا [¬٦] عنه، هربت من يد صبي دابة كان يمسكها لنا، فقلت: أعطوها لصبي لا يقوم بها فضاعت، فقال لي أبو إسحاق قد اغتبته، فقلت له: وصفته بحاله وقلة مقدرته، وفي السنة ما يبيح ذلك؛ فقال: وأين هو؟ قلت: قوله ﵇ للتي شاورته في النكاح، أما أبو جهم، فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له. فقال لي: ليس في هذا حجة، لأن المستشار مؤتمن، وأيضا، فإنما [¬٧] شاورته لتنكح، فرأيه [¬٨] يدخلها في النكاح أويصرفها عنه، وليست مسألتك [¬١] كذلك. بل [¬٢] في السنة ما يمنعك من ذلك، وذلك أن النبي ﷺ دخل عليه [¬٣] في مرضه طبيبان وكانا نصرانيين، فلما خرجا قال: لولا أن تكون غيبة لأخبرتكم أيهما أطب، قال أبو الحسن [¬٤]: ولم أكن أعرف [¬٥] أنهما نصرانيان قبل ذلك، قال: فهذا رسول الله ﷺ كره [¬٦] في نصرانيين أن يخبر أيهما أطب، فكيف بمسلم؟ ثمّ قال لي: أرأيت هذا الصبي لو سمعك؟ أليس كان توجعه نفسه، وأيما كان أحب اليك وتجد ذلك في صحيفتك أو لا تجده؟ فقلت له: صدقت. وسئل يوما عن المزارع [¬٧] التي على الطرقات تمر عليها الدواب، فتغلب على أكل ما دنا منها، فقال: أرأيتم لو قيل لكم انها إن أكلته هلكت ما كنتم تصنعون؟ قلنا: نحتفظ منها ولو لم نجد إلا أرديتنا، لربطناها على أفواهها [¬٨]، قال: فكذلك تصنعون بها إذا مررتم. قال [¬٩] بعض أصحابه: لما حججت أتيت معي بحصيات من حصى [¬١٠] المسجد الحرام، فقلت: لأبي إسحاق: إني أتيت معي [¬١١] بحصيات من حصى [¬١٢] المسجد الحرام، أتحب [¬١٣] أن أعطيك منهن شيئا تسبح بهن [¬١٤]، فقال لي: يا أحمق، ارم بهن، فعلى أقل من هذا عبدت الحجارة. فعرفت القابسي بهذا فأعجبه فقه أبي إسحاق. وقال أبو الحسن: قال مالك فيمن يخرج بشيء من حصى [¬١٥] المسجد في نعليه انهإن كان قريبا من المسجد ردها وإن بعد رمى بها [¬١]. قال محمد بن سهلون: قلت لأبي إسحاق: ما تقول في يزيد بن معاوية؟ فسكت عني ثم قال لي [¬٢]: إن أهل السنة لا يكفرون أحدا من أهل القبلة بذنب دون الشرك، ولكن ليس على المرء أن يحب من يكره [¬٣] كما يحب من يحبه. فذكر قوله للقابسي، فأعجب به وقال: لو سئل [¬٤] عن هذه المسألة أبو الحسن [¬٥] الأشعري، ما أراه كان يجيب [¬٦] فيها بأكثر من هذا، لا والله ما على الإنسان ذلك. وكان ﵀ يمكن أوقات الصلوات [¬٧]، فكلم في ذلك، وقيل له: لعله يجتمع إليك أهل القرى التي حولك ليدركوا صلاة الجماعة، فقال: ليس كذلك، لكن هؤلاء القوم - يعني بني عبيد - كادوا الدين، وتسللوا إلى هدمه. لأنهم لو قالوا للناس: لا تعبدوا الله لم يقبلوا منهم، ولو قالوا لهم: اتركوا الصلاة لم يقبلوا منهم، فتحيلوا كي [¬٨] يبطلوا صلاة العباد، فجعلوا يؤذنون قبل الوقت، وجعلوا صلاة الظهر تقارن الزوال، وربما وقعت قبله، وتقع [¬٩] صلاة العصر وقت صلاة الظهر طمعا [¬١٠] إذا ما انطاع [¬١١] الناس لهم في وضع [¬١٢] الصلاة في غير وقتها ولو بساعة، أن ينطاعوا لهم في الترك، وكانت قبلتهم [¬١٣] بذلك تخفى على عوام الناس، فأردت أن أمكن الظهر والعصر من غير أن أخرج عن الوقت المحمود إلى الوقت المذموم حين تكونصلاتي الظهر [¬١] في وقت [¬٢] صلاتهم العصر، فتعلم [¬٣] العامة أن فعلهم ضلال، وكان أبو الحسن يمكن الأوقات. قال اللبيدي: فكلمته في ذلك، فقال لي: كيف رأيت [¬٤] الجبنياني يصنع؟ قلت: كفعلك، وحكيت له الحكاية، فقال لي: حسبك بهذا الجبنياني إمام يقتدى به، وما يروى من كلام أبي إسحاق ومقاماته أكثر مما ذكرناه، وأوسع مما أوردناه، وفي هذا كفاية لمن نور الله قلبه، وهداه لمن أراد رشده.