القاضي عياض - ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ت بكير
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 1129, entry [904]3,593 chars
ذكر جمل من حكمه وفصول من كلامه في العلم، حسان قال أبو القاسم: كان الجبنياني، حكيم القول، وكان إذا رئي ذكر الله تعالى من هيبته. قد جفّ جلده على عظمه. واسودّ لونه، كثير الصمت قليل الكلام. فإذا نطق، نطق بالحكمة. قال أبو القاسم: وكان أبو إسحاق قلما يترك ثلاث كلمات، كن الخير كله: اتّبع لا تبتدع. اتضع لات…
▸ expand full passage (3,593 chars)ذكر جمل من حكمه وفصول من كلامه في العلم، حسان قال أبو القاسم: كان الجبنياني، حكيم القول، وكان إذا رئي ذكر الله تعالى من هيبته. قد جفّ جلده على عظمه. واسودّ لونه، كثير الصمت قليل الكلام. فإذا نطق، نطق بالحكمة. قال أبو القاسم: وكان أبو إسحاق قلما يترك ثلاث كلمات، كن الخير كله: اتّبع لا تبتدع. اتضع لاترتفع، من ورع لم يتسع. وكثيرًا ما يقول: خمسة تعاونوا على هلاك ابن آدم المسكين: مؤمن يحسده، وكافر يرصده، وشيطان مارد، ودنيا حاضرة، ونفس أمارة بالسوء، وكان يقول: إذا رأيت الشاب قذرًا، في شبيبته، فإذا كبر يكون شيخ سوء. ويقول: إذا رأتك زوجتك وولدك وخادمك تعصي الله، كان أول من يذلك: هم. وقيل له يومًا: ما أقل من يأكل الحلال. فقال: ما أقل من يكسب حلالًا. والدار يكون فيها من الأهلين العشرة وأكثر، ينقلب لهم المسكين الساعي عليهم، فيأكلونها وهم لا يعلمون من أين هي، حلالًا. ويكسبها المسكين حرامًا وحلالًا. قال أبو الحسن القابسي: لما خرجنا عنه هربت من يد صبي دابة، كان يمسكها لنا. فقلت: أعطوها لصبي لا يقوم بها فضاعت فقال لي أبو إسحاق: قد اغتبته. فقلت له: وصفته بحاله وقلة مقدرته. وفي السنّة ما يبيح ذلك. فقال: وأين هو؟ قلت قوله ﵇ التي شاورته في النكاح: أما أبو جهم فلا يضع عصاه على عاتقه. وأما معاوية فصعلوك لا مال له. قال، فقال لي: ليس في هذا حجة. لأن المستشار مؤتمن. وأيضًا، فإنما مشاورته لتنكح برأيه، يدخلها في النكاح، أو يصرفها عنه. وليست مسألتنا كذلك. بل في السنّة ما يمنعك من ذلك. وذلك أن النبي ﷺ أتاه طبيبان، وكانا نصرانيين، فلما خرجا، قال: لولا أن تكون غيبة لأخبرتك أيهما أطبّ. قال أبو الحسن: ولم أكن أعرف أنهما نصرانيان قبل ذلك، قال: فهذا رسول الله كره في نصرانيين أن يخبر أيهما أطبّ، فكيف بمسلم؟ ثم قال لي: أرأيت هذا الصبي، لو سمعك أليس كانت توجعه نفسه، وأيهما كان أحب إليك، تجدذلك في صحيفتك، أو لا تجده. فقلت له: صدقت. وسئل يومًا عن الزراعة التي في الطرقات، تمر عليها الدواب. فتغلب على أكل ما دنا منها. فقال: أرأيتم لو قيل لكم، إنها إن أكلته هلكت، ما كنتم تصنعون؟ قلنا نحتفظ منها، ولو لم نجد إلا أرديتنا، ربطناها على أفواهها. قال: فكذلك فاصنعوا بها إذا مررتم. قال بعض أصحابه: لما حججت أتيت معي بحصيات من حصباء المسجد الحرام. فقلت لأبي إسحاق: إني أتيت معي بحصيات من حصباء المسجد الحرام، أتحب أن أعطيك منهن شيئًا تسبح بها؟ فقال لي: يا أحمق، ارم بهن، فعلى أقل من هذا، عبدت الحجارة. فعرّفت القابسي بهذا، فأعجبه فقه أبي إسحاق. وقال أبو الحسن: قال مالك فيمن يخرج بشيء من حصباء المسجد في نعليه، إن كان قريبًا من المسجد، ردها وإن بعد رمى بها. قال محمد بن سهلون: قلت لأبي إسحاق، ما تقول في يزيد بن معاوية؟ فسكت عني. ثم قال لي: إن أهل السنّة لا يكفرون أحدًا من أهل القبلة بذنب دون الشرك. ولكن ليس على المرء أن يحب ما يكره، كما يحب من يحبه. فذكر قوله القابسي، فأعجب به. وقال: لو سألت عن هذه المسألة أبا الحسن الأشعري، فيما أراه، ما كان يجيب فيها بأكثر من هذا. والله ما على الإنسان ذلك. وكان ﵀، يمكن أوقات الصلوات. فكلّم في ذلك. وقيل له: لعله يجتمع إليك أهل القرى، التي حولك، ليدركوا صلاة الجمعة. فقال: ليس كذلك. لكن هؤلاء القوم، يعني بني عبيد، كادوا الدين، وتسللوا الى هدمه. لأنهم لو قالوا للناس: لا تعبدوا الله، لم يقبلوا منهم، ولو قالوا لهم: اتركوا الصلاة، لم يقبلوا منهم. فتحيلوا كيف يبطلون صلاة العباد، فجعلوا يُذنون قبل الوقت، وجعلوا صلاة الظهر، تقارن الزوال. وربما وقعت قبله. وجعلوا صلاة العصر وقت صلاة الظهر، تقارن الزوال.وطبعًا إذا ما انقطع الناس إليهم في وضع الصلاة في غير وقتها، ولو بساعة، أن ينطاعوا لهم في الترك، وكانت فتنتهم بذلك لا تخفى، على عوام الناس. فأردت أن أمكن الظهر والعصر، من غير أن أخرج عن الوقت المحمود، الى الوقت المذموم. حتى تكون صلاتي للظهر، وقت صلاتهم العصر. فيعلم العامة أن فعلهم ضلال. وكان أبو الحسن، يمكن الأوقات. قال اللبيدي: فكلمته في ذلك. فقال لي: كيف الجبنياني يصنع. قلت: كفعلك. وحكيت له الحكاية. فقال لي: حسبك بهذا الجبنياني إمام يقتدى. وما يروى من كلام أبي إسحاق مقاماته، أكثر مما ذكرناه، وأوسع مما أردناه. وفي هذا كفاية، لمن نوّر الله قلبه، وهُدىً لمن أراد رشده.