page 1528, entry [983]Open original source
ذكر فضائله وأخباره قال أبو عبد الملك بن عبد البر: كان أحمد بن بقى حليما عاقلا، وقورا مسمتا (¬٦٥٢) لينا، هينا، يصلب في بعض أحيانه، غير أن اللين أغلب عليه، لم يكن بالأندلس قاض يقارنه فى الوقار والسكينة، يقدر من كظم غيظه وضبط نفسه على ما يقدر عليه غيره، ويدرك بعقله مالا يدرك غيره بحفظه، وكثيرا ما كان يذكر على الشيوخ أشياء بجودة قريحته، فيرجعون فيها الى رأيه، وكان قبل قضائه معظما، يجلس اليه وجوه الناس فيسألونه، وكأن الطير على رؤوسهم، اعظاما له، وكان مع ذلك موطأ الأكناف، معتدل الأمور، من رآه أحبه (¬٦٥٣). وذكر أنه كان شديد الحفظ للقرآن، كثير التلاوة له، يقوم به آناء ليله ونهاره، ويلزم تلاوته فى المصحف، مع قوة حفظه، على طريقة أبيه بقى، وكان ثابت العلم بتفسيره ومعانيه، قوى المعرفة باختلاف العلماء فيه. ذكر أنه قرأ يوما على الخليفة الناصر سورة "يوسف" ففسرها (٧٦) آية آية، وقص ما قاله الناس* فيها الى خاتمة السورة، وكان دمثا صبورا محتملا، يدفع السيئة بالحسنة. وذكره ابن حارث فقال: ولى القضاء فجاء أحوذيا (¬٦٥٤) نسيج وحده، ذا سيرة حسنة، وهدى جميل، ومذاهب محمودة، وله في الوقار والأخبار ما بد به أهل عصره، لب حصيف، ويقظة كاملة، جالسته زمانا، فرأيته جامعا لهذه الخلال الرفيعة. قال: وكان بليغا فى خطابته، مطبوعا فى ايراده، طويل القلم واللسان، باذا لأفاضل زمانه، سمعت ولى العهد الحكم -وذكره- فذكر من وصف رجاحته وتمام أدواته وفرط تواضعه ما لا شيء فوقه، وكانت أخلاقه من أخلاق أبيه، فى المداراة والاعضاء والصفح. قال ابنه: كنت بحضرته، إذ أتاه من حكى له عن رجل، أنه رفع عليه بطاقة الى أمير المؤمنين، فجعل أبى يدعو للرافع بالتوبة، ويتخوف عليه الاثم. ومات بعض كبار قرطبة، فمشى الى داره، وقال لبعض من ماشاه: لقد كان يؤذيني (¬٦٥٥) في حياته، وهو اليوم أحوج الى أن أصبر عليه (¬٦٥٦)، فاشهدك أنه في حل مما فعل.وجاءه صديق له بوثيقة واهية، ليشهد فيها على رجل بحق له قبله، فكره الشهادة فيها لوهيها، وكره اخجال الصديق في ترك الشهادة له، والتقية لله تعالى فى مثلها، وبينة (¬٦٥٧) المشهود عليه، فيبطل الحق، لكون الوثيقة بخطه، فقال للذي عليه الحق: تشهدنى أن لفلان عليك كذا وكذا الى أجل كذا. فقال: نعم. فقيد شهادته على ذلك اللفظ. وقال الحاجب ابن موسى: سألته يوما عن نسبه وولائه فقال: ولاؤنا لامرأة من أهل جيان. فجعل الحكم يتعجب من انصافه وتواضعه. وكان الحاجب هذا يقول: لقد أنعم الله علينا -معاشر أصحاب السلطان أبناء الدنيا- بأحمد بن بقى، يميل بنا الى طلب الآخرة وبيع الدنيا. وذكره ابن قاسم فقال: كان من أعقل أهل زمانه، وأشدهم وقار! وأحسنهم خلقا، وأكثرهم تصاونا وانقباضا، وأضبطهم لنفسه. وذكر عنه ابنه أحمد، أنه كان اذا طرقه ضيف ليلا، لم يذبح له شيئا من الحيوان البتة، ويقول: الليل أمان لهذه الداجنة، ويقتصر في قراه على ما يحضر من عسل وجبن وزيتون وشبهه، وكان يعقد الشروط ويحسن الحذق لها، مشهورا بذلك، ولا يوقع شهادته في وثيقة حتى يقرأها. وكان أحمد بن ابراهيم بن الجباب صاحب الوثائق، فأمر أحمد ابن بقى بالعقد عليه، فكان يتعقب وثائقه، فقال ابن الجباب يوما: من أين يتعاطى ابن بقى أنه أعلم بالوثائق منى؟ "فبلغ ذلك ابن بقى، فأسرها فى نفسه، الى أن كتب ابن الجباب وثائق، وأتى بها الى ابن بقى، فاستفرغ فيها ابن بقى جهده، فأخذ عليه مواضع، وأبانها، ثم قال له: أبدلها.فأبدلها. وأتى بها، فانتقد عليه أيضا فيها، فأرسل اليه ابن الجباب: أنا أقر أنك أعلم بالوثائق منى" (¬٦٥٨) فدعنى من كثرة استقصائك، والا حلفت لا كتبت وثيقة. فتركه ابن بقى بعد ذلك. قال الصدفى: كان أحمد بن بقى من الدهاة. وكان أحمد بن عبد ربه يقول: عجائب الدنيا ثلاثة: البحر. وأحمد بن بقى، وموسى، يعنى ابن حديد الفرضي. وذكر أن ابن أخى موسى هذا، قال له: يا عم! أغاثنا الله (¬٦٥٩) بأحمد بن بقى، اذ مال الى طريق الزهد، وترك لنا الدنيا، فلو مال اليها لشغلنا بأنفسنا. قال ابن حارث: ذكر أنه كان لاحمد بن بقى فتيا نادرة، فى حداثة، سنة، مع الشيوخ، رفعت من قدره، وذلك أن الأمير عبد الله أرسل في فقهاء يستفتيهم، وفيهم أحمد بن بقى، وهو يومئذ حدث، فسألهم فى الأسرى الذين وجه بهم من أصحاب بن حفصون المنتزى (¬٦٦٠) فأفنى الشيوخ عليهم بالقتل وقالوا: أهل فتنة وفساد. وابن بقى ساكت. فقيل * له: تكلم. فقال: قد تكلم الشيوخ. فقيل: لابد أن تقول. فقال: أرى أن يحبسوا ويكشف عنهم، فأن كانوا من أهل الابتداء في الشر والمساعدة فيه، وفى الخروج على المسلمين، وسفك دمائهم، فرأيى رأيهم، وان كانوا ممن ضمهم ملك ابن حفصون وقهره وشرد، من غير أن تعرف لهم مساعدة، فلا قتل عليهم، ويتركون بحالهم التي كانوا عليها قبل ملك ابن حفصون. فقبل رأيه، وصرفوا الى السجن، وكشف عنهم، فوجدوا ممن لا يستحق القتل، فأطلقوا، وارتفع شأن ابن بقى عند الأمير بذلك.