page 1532, entry [984]Open original source
ذكر سيرته في قضائه قال ابن حارث: كان ابن بقى من خير القضاة، له من الأخبار في الوقار والاحتمال واللين ما بذبه أهل وقته، وما قصر فيه أسلم المتقدم قبله، بالعنف وفقا، وبالاستقصاء اغضاء، مع الاستثبات في القضاء، والاحتراس من الخداع. ذكر أنه لم يضرب أحدا بسوط مدة قضائه، وكانت نحوا من عشرة أعوام، الا رجلا واحدا مجمعا على فسقه. وأمر يوما بحبس رجل أتى بما يوجب ذلك، فلما ذهبوا به قال لمن حوله: أرغبوا الى فى اطلاقه، لئلا أبيت بهمه، ففعلوا، فأمر برده وقال له: لولا رغبة من رغب فيك لأطلت سجنك. واستطالت امرأة في مجلسه، وآذته بصلفها (¬٦٦١) في خصامها لزوجها، فنظر اليها القاضى وقال لها: أقصرى والا عاقبتك. فانكسرت شيئا:: ثم عادت لحالها. فعطف عليها وقال لها: أنت ظالمة، قالها ثلاثا، ثم قال لها:: ألم أخوفك؟ فهذه كانت عقوبتها التي هددها بها. وكان من شأنه أن ينفذ من الأمور الظاهرة التي لا ارتياب فيها، ويتمهل فيما التبس عليه منها، ويثاقل بامضائه، حتى تظهر له الحقيقة أو يصير المتخاصمان الى التصالح والتراضى، أو يعذر في الحجة. وكلم فى ذلك فقيل له: انك لتعاب بلين الجانب والتطويل في الخصومة. فقال: أعوذ بالله من لين يؤدى الى ضعف، ومن قوة توقع في عنف. ثم جعل يذكر فساد الزمان واحتيال الفجار.وقال مرة أخرى لمن عاتبه فى تطويله: صاحب الباطل اذا طول عليه بلد (¬٦٦٢) وفشل، وترك طلبه، ورضى باليسير، وقد فسد الزمان وكثر شهود الزور، فرأيت التأنى أخلص، ثم ذكرت حديث النبي ﷺ في حيصة وحويصة، أن النبي ﷺ لما أشكل عليه الأمر، ودى القتيل من عنده. فقال له السائل: فتنشط أنت لهذا، أن تعطى الصلح من عندك؟ قال: لا، انما ذلك على الامام الذي بيده بيت المال. قال ابن عبد البر: ولما ولى القضاء، اتخذ لخدمته شيوخا أولى سداد، وسأل أن يرزقوا من بيت المال، فأجيب الى ذلك. وله في الصفح والاعراض والتغافل عما لا شك كان عارفا به، أخبار مأثورة، ولو أضيفت الى غيره، عدت فى طرف من أخبار البله، ولكن كان له فيها غرض ومذهب، والله أعلم بسريرته فيه. منها: أن أصبغ بن عيسى الشقاق قال: كنت مراكبا (¬٦٦٣) للقاضى أحمد، ببعض طرق البلد، اذ عن لنا رجل سكران، يمشى بين أيدينا مخبولا (¬٦٦٤) فجعل القاضى يمسك عنان دابته، ويترفق في سيره، لعله ينجو بنفسه، فلم يكن عنده شيء من ذلك، ووقف مستقبلا فلما دنونا منه ولصقنا به، مال الى القاضى وقال لى: مسكين هذا الرجل أراه مصابا في عقله. قلت: بليته عظيمة. فجعل يستعيذ بالله من محنته، ويسأله له الأجر على مصابه، ومضى ولم يعرض له. وذكر أيضا أنه لقى آخر، وليس مع القاضي غير عونين، فقبضا على السكران، وجاءا به اليه فقال: احملاه معى.فلما قرب من شجر زيتون في طريقه وجه أحدهما في امتلاخ (٧٨) قضيب من * الزيتون، لدن معتدل، ليحده به، فلما ذهب، وجه العون الآخر يستحثه ويعينه، فلما بعد، جعل القاضي ينشد: خلا لك الجو فبيضى واصفري … ونقري ما شئت أن تنقرى ففهمها السكران وأسرع هاربا، وأقبل الغلامان بالقضيب، فتضاجر القاضى من احتباسهما (¬٦٦٥)، وقال: قد تخلص السكران منا، ما بمثلكم تقام الحدود. وأتى برجل عليه رائحة المسكر، فأمر باستنكاهه. فشهد عليه كاتبه برائحة المسكر، فظهر فى وجه القاضى الكراهة، وقال لآخر: استنكهه. فقال: لا أدرى ما هذه الرائحة. فتهلل وجهه ثم قال: انطلق لم يثبت عليك شيء. قال ابن حارث: وتسامح من تسامح من القضاة في حد السكر واغضاؤهم عليه، لا أعلم له وجها، الا أن حده ليس بنص كتاب ولا سنة، وانما أمر النبي ﷺ أن يضرب بالنعال وأطراف الثياب، ثم اجتهدت فيه الصحابة ﵃ بعد ذلك، زمن أبي بكر وقد روى عن أبي بكر عند موته أنه قال: ما بقى في نفسي شيء غير حد الخمر، فانه شيء لم يفعله رسول الله ﷺ، وانما هو شيء رأيناه بعده. وذكر بعض أصحابه قال: بينا هو يسير بشرقى قرطبة، ومعه جماعة من أصحابه الفقهاء وغيرهم، اذ أفضى الى مجمعة عرس بفناء بعض الدور، وقد اجتمعوا الى زمارين يلهونهم، في خلق عظيم، وقد قام وسطهم ماجن، قد أخرج لهم لعبتهم المسماة بعبد الخالق، قد اعتم على قلنسوته، وشبه بلحية زور بيضاء وافرة، وارتدى، وتوكأ على عصا، وهو يكلمهم بمضاحكه، اذ فجأهم موكب القاضى من حيثلا يشعرون، فقطعوا الزمر، وغطوا الآلة، وأبلسوا بأجمعهم، لا ينطقون، وملهيهم قائم وسطهم لا يتنفس بكلمة، من خوف القاضي فلم يستنكر القاضى هيئته ومقامه وسطهم، أنه قاص يعظهم، أو تداهى فى أمرهم (¬٦٦٦)، فسلم عليهم وعلى جماعتهم، وقال: أحسنت أيها الشيخ بوعظك هذه الجماعة، أجرك الله وشكر فعلك، فاستبصر في ارشادهم، واحتسب أجرك على الله، وفقنا الله واياكم لما يرضيه. وسلم عليهم ومضى لسبيله، فلما أبعد، عادوا لشأنهم، وجعلوا يدعون له ويثنون عليه. فقال له بعض أصحابه: يبلغ بك حسن الظن بالناس، أن تقف على عصابة باطل فأحمدت مقام مغويهم، وأمرته بما يزداد به في تخليلهم، وكنت بغير ذلك أولى فيه وفيهم. فقال: معاذ الله أن آتى ما تقولون، بل أنتم عندى آثمون، فانى لم أنكر حالا، ولا رأيت ولا سمعت بأسا، شيخ مسن، حسن السمت، توسمت فيه الخير، لم أشك أن الجماعة أحدقت به لابتغاء البر، وأنه يدعوهم الى الخير، ولو علمت الذي تقولون لكان منى غير ذلك. وذكر أنه بينا هو يسير يوما اذ عشر أعوانه على صبية تحمل عودا الغناء معشي، فانتزعوه منها، فصاحت الصبية، فقال القاضي: ما لكم ولهذا؟ فقالوا: فى هذا الغشاء عود يجب أن يكسر. فقال: وما عليكم من عود، أو كلما وجدتم عودا مغطى كسرتموه؟ قالوا: أنه عود الطرب، وآلة الباطل. وأخرجوه من غشائه. فلما نظر اليه قال: ما أرى الا جميل الصورة لطيف الصناعة، أخرس، ما أسمع منه قولا يلهى. فقالوا: انما يظهر ذلك عند جس أوتاره. وأقبلوا يحركونها بأصابعهم حتى طنت.فقال: أمسكوا، فانه ملآن شياطين. ثم نظر الى مزبلة بقربه، فقال: ضعوه على تلك المزبلة، فان المزبلة مأوى الشياطين، فهم أولى به. ففعلوا، ومضى لسبيله، فأخذت الصبية عودها ومضت. ومن أخباره في قضائه، أنه اختصم اليه رجلان توسم (¬٦٦٧) في أحدهما السلامة ولزوم الطريقة، وكان الآخر ممن يدلى * بحجته، فقال القاضى لذى السلامة: لو وكلت من يتكلم عنك، فانك لا تدرى ما تقول، وأرى صاحبك غواصا على الحجة. فقال له: هل هو الا الحق أقوله كائنا ما كان فيه. فقال: اللهم غفرا، ما أكثر من قتله الحق، وقد قال الأحنف: الصدق في بعض المواطن معجزة. وأتاه رسول الحاجب موسى بن حديد يوما، فأقرأء سلامه وقال: يقول لك: قد عرفت محبتى لك، واعتنائى بأسبابك، وقد جرى على فلان ما علمت، وشهدت البينة العدلة، وتأنيت عن الحكم عليه. فقال للرسول: تبلغ الحاجب سلامى، وتقول له محبتك كانت لوجه الله، وفلان وغيره فى الحق سواء، والله ما أحكم عليه حتى يتضح عندى أمره كاتضاح الشمس، فقد دخل على في أمره ارتياب، فانه لا يجيرنى منه أحد أن جاذبنى فى الخصومة بين يدى الله تعالى. فنقل الرسول قوله للحاجب، فقال: لا نزال بخير ما كان هذا وشبهه بين أظهرنا. وذكر أنه كان فى مجلس نظره، وقد غص بالفقهاء والعدول والخصوم، حتى دخل عليه المعتوه المعروف بابن شمس الضحى، وكان من ذوى البيوتات والثروة، فقال: يا قاضى المسلمين! أريد أن تأمر وكيلى فلانا يزرع لى بقريتي بنانيس (¬٦٦٨)، فتنبت لي خوابي، فأحصل على ربح.فما بقى أحد في المجلس الا ضحك، سوى القاضي، فانه وجم واستعبر وقال: يا بني! لقد ظلمك من ألقى هذا على لسانك. ثم قال لأهل مجلسه: وا أسفا على ضحككم وسخريتكم منه، انا لله وانا اليه راجعون على قلة التحصيل وعزوب العقول، فان البكاء على هذا أولى وأليق، فما بيننا وبين زوال العافية الا الذهول عن شكرها اللهم أسدل علينا سترها، واحفظ عقولنا بمعرفتك، وارزقنا ذرية طيبة صالحة زكية، تقر أعيننا بها. فاستحى كل من حضر. ومن فصول كلامه المستحسن في خطبه، أنه استبحر يوما في الدعاء، فلما وصل الى قوله "وأخلصوا لله دعاءكم" سكت على أثره مليا، الى أن قدر أن الناس دعوا بدعائه، ثم قال: اللهم وقد دعاك هذا النفر من عبادك، الساعون لثوابك، المجتمعون بفنائك، فزعا من عقابك، وطمعا فى ثوابك، ورجاء فى ثنائك، وقبلهم من الذنوب ما قد أحاط به علمك، وأحصاه حفظك، فعد عليهم فى موقفهم هذا برحمة توجب لهم بها جنتك، وتجيرهم بها من عذابك، آمين، يا أرحم الراحمين، انك على كل شيء قدير. وامتثل كثير من الخطباء سيرته في هذه السكتة في آخر الخطبة الثانية أثناء الدعاء الى يومنا هذا، في بلاد الأندلس. ولم يزل الناصر عارفا بحق أحمد بن بقى، معظما له، الى أن هلك أحمد، وهو يتولى القضاء والصلاة، ليلة الاثنين، ثالثة جمادى الأولى، سنة أربع وعشرين وثلاثمائة. وسنه أربع وستون سنة. مولده مفتتح يوم النحر سنة ستين ومائتين. وكانت ولايته القضاء نحوا من عشرة أعوام. * * *