page 1360, entry [822]Open original source
ذكر فضائله وكراماته وعلمه وعجائب أحواله وعبادته وخوفه وإشاراته قال السلمي عن أبي عبد الله الرازي: لم أر في الصوفية أعلم من الشبلي. قال الجنيد: لا تنظروا إلى الشبلى بالعين التي ينظر بها بعضكم إلى بعض، فإنه عين من عيون الله تعالى. قال: ولكل قوم تاج، وتاج هؤلاء القوم الشبلى. ومن كلامه في التوحيد: جل الواحد المعروف قبل الحدود، وقبل الحروف. وسئل عن معنى قوله ﷿: "الرحمن على العرش استوى" (¬٧٨). فقال: الرحمان لم يزل، والعرش محدث، والعرش بالرحمن استوى. وكان إذا دخل شهر رمضان جد في الطاعات ويقول: شهر عظمه ربى، فأنا أولى بتعظيمه. قال القشيرى: كانت مجاهدته في بدايته فوق الحدود.ودخل الشبلي يوما على على بن موسى بن الجراح الوزير، وعنده ابن مجاهد المقرئ، فقال ابن مجاهد للوزير: سأكشفه الساعة، وكان من شأن الشبلى إذا لبس شيئا خرق فيه موضعا، فلما جلس قال له ابن مجاهد: يا أبا بكر! أين في العلم افساد ما ينتفع به؟ فقال له الشبلي: أين في العلم "فطفق مسحا بالسوق والأعناق" (¬٧٩). فسكت ابن مجاهد فقال له ابن الجراح: أردت أن تسكته فأسكتك. ثم قال الشبلي: قد أجمع الناس أنك مقرئ الوقت، فأين في القرآن، الحبيب لا يعذب أحبابه؟ فسكت ابن مجاهد، وقال له: قل يا أبا بكر. قال: قوله تعالى: "وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه، قل فلم يعذبكم بذنوبكم" (¬٨٠) الآية. قال ابن مجاهد، كأني ما سمعتها قط. ودخل ابن مجاهد عليه، يوما فسأله الشبلى عن نرجو الخير، يختم بين يدى كل يوم ختمتان وثلاثة. "فقال له الشبلى: أيها الشيخ! قد ختمت في تلك الزاوية ثلاثة عشر ألف ختمة، إن كان فيها شيء قبل، وهبته" (¬٨١) لك، وإنى لقى ختمة منذ ثلاثين أو أربعين سنة، ما انتهيت إلى ربع القرآن. وقيل: أن جارية للشبلى قالت له: عددت عليك ستة أشهر لم تتم فيها. وكان الشبلى يقول: إنما يحفظ هذا الجانب بي - يعني من الديلم - فمات هو يوم الجمعة وغدت الديلم إلى الجانب الغربي يوم السبت.قال أبو سهل الصعلوكي: سمعتبر الشبلى يقول: أحبك الخلق المنعمائك، وأنا أحبك لبلائك. وقال الشبلى: ما قلت: الله قط، إلا واستغفرت الله من قولى الله. وقال ابنه يونس: نام أبى ليلة فترك فرد رجليه على السطح، والأخرى على الدار، فسمعته يقول: لئن طرقت لأرمين بك إلى الدار، فما زال ليلته كلها كذلك، فلما أصبح قال: يا بني! ما سمعت الليلة ذاكرا إلا ديكا يساوى دانقين. وكان يكتحل بالملح لئلا يأخذه النوم. قال أحمد بن عطاء: كان للشبلي يوم الجمعة نظرة بعدها صيحة، فصاح يوما صيحة تشوش ما حوله من الخلق، فسئل عن ذلك فقيل له: من صيحك؟ وكان إلى جانبه حلقة أبي عمران الأشيب، فقام إليه الشبلي، فلما رآه أبو عمران، قام إليه وأجلسه إلى جانبه، فأراد بعض أصحاب أبي عمران أن يرى الناس أن الشبلى جاهل، فقال له: يا أبا بكر! إذا اشتبه على المرأة دم الحيض من دم الاستحاضة ما تصنع؟ فأجابه بثمانية عشر جوابا، فقام إليه أبو عمران وقبل رأسه، وقال يا أبا بكر أعرف اثنتى عشرة، وستة ما سمعت بها قط. وفى حكاية أبي القاسم القشيرى أنه قال للشبلي: استفدت في هذه المسألة عشر مقالات لم أسمعها، وكان عندى من جملة ما قلت ثلاثة أقاويل. ووقف الشبلى يوما بباب الطاق، مع أبي الطيب الجلا، وكان من أهل العلم، فأطال الحديث معه،، فاجتمع قوم إلى أبي الطيب يسألونه أن يسأل الشبلى أن يدعو لهم ويريهم آية. فالح أبو الطيب عليه في ذلك، واجتمع الناس، ورفع يديه ودعا بدعاء لم يفهم، ثم شخص إلى السماء، فلم يطبق عينيه من الضحى إلى الزوال، فكبر الناس ودعوا، وضجوا.ثم إذا بحلاوى بين يديه طنجير يغلى، فاشترى منه لصاحب له: وغرف بيديه من الطنجير وهو يعلى فجعله في رقاقة، وسار حتى دخل على ابن مجاهد. فقام إليه، فقال أصحابه: تقوم للشبلى. ولم تقم لابن عيسى الوزير؟ فقال: ألا أقوم لمن يعظمه رسول الله ﷺ؟ رأيت رسول الله ﷺ في النوم: فقال لي: يا أبا بكر! غدا يدخل عليك رجل من أهل الجنة فأكرمه. قال فلما كان بعد ليلتين رأى ابن مجاهد النبي ﷺ، قال - فقال لي يا أبا بكر: أكرمك الله كما أكرمت رجلا من أهل الجنة. فقلت يا رسول الله: بم استحق هذا منك، قال: أنه يصلى كل يوم خمس صلوات يذكرنى أثر كل صلاة ويقرأ: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم" (¬٨٢) الآية. قال أحمد عطاء: سمعت الشبلى يقول: كتبت الحديث عشرين سنة، وجالست الفقهاء عشرين سنة، وكان يتفقه بمالك. قال غيره: سمعت الشبلى يقول: أعرف من لم يدخل في هذا الشأن حتى أنفق جميع ما ملكه، وغرق في الدجلة سبعين قمطرا بخطه، وحفظ الموطأ، وقرأ بكذا وكذا قراءة. يعني نفسه. * قال: وخلف أبى ستين ألف دينار، سوى الضياع والعقار، وأنفقتها كلها ثم قعدت دت مع الفقراء، لا أرجع إلى مأوى، ولا أستظهر بمعلوم. قال بعضهم: دخلت على الشبلى، فقال: يا أحمد! ضيعنا. قلت: ايش الخبر؟ قال: وقع في خاطري أني بخيل، فقلت - ورفعت رأسي - وعزتك ما أنا ببخيل. فجاوبني خاطري أنى بخيل، فقلت: وعزتك، لافتحت على يومى هذا بشيء من أمر الدنيا إلا دفعته إلى أول من يلقاني، فلم أتمم العقيدة حتى دخل حاجب مؤنس الخادم، ومعه خمسون دينارا، فقال: تنفقها في مصالحك. فخرجت من البيت، فإذا فقير بين يدى مزين، فلما فرغ من حلق رأسه ناولته الصرة، فقال: ادفعها للمزين، فقد حلق رأسى. فقلت: إنها دنانير! فقال: أوليس قد قلنا: إنك بخيل. فدفعتها للمزين، فقال: اعتقدنا لما جلس الفقير بين أيدينا، ألا نأخذ منه شيئا. فرميت بها في الدجلة. وحكى عنه أنه قال: اعتقدت وقتا ألا أكل إلا من الحلال، فكنت أدور في البرارى، فرأيت شجرتين، فمددت يدى إليهما لأكل، غنادتني إحداهما: احفظ عليك عقدك، لا تأكل منى، إني ليهودى. قال أبو القاسم الأندلسى العابد: خرجت أريد الشبلي ببغداد، فنزلت بها، فقلت أستريح بدخول الحمام، فأتيته، فقال لي صاحبه: يا هذا فيه رجل من أهل الله متق، فدخلت، فإذا شيخ بين يديه صبى، فلما جلست قال: أنت أبو القاسم؟ قلت: نعم. قال: الأندلسي الجائى إلينا؟ قلت: نعم قلت: أنت أبو بكر الشبلي؟ فقال لي: نعم. قال: خذ هذا السطل، فإذا صب الماء الحار فاملأه. ففعلت، ثم استلقى على ظهره، وقال لي: صبه على جسمي ففعلت.ثم قام يمسح وجهه، وقال: الحمد لله الذي لم يجعل لك علينا سلطانا. ثم خرجوا من الحمام، فإذا ناس ينتظرونه عند منزله، فجلس، ودعا بنار، فجيئ بها تتوقد، فقال: اجعله في كفى، فجعلته في كفه، "ولم يزل يلقى من البخور فيه مرة بعد أخرى" ويبخرنا به واحدا بعد واحد حتى بخر به عشرين رجلا، ثم ألقاه ومسح من كفه" (¬٨٣) وقال الحمد لله الذي لم يجعل لها علينا سلطانا. وحكى أبو القاسم القشيرى في كتاب التحبير له: قال رجل للشبلى: يا أبا بكر! لم تقول "الله" ولا تقول "لا إله إلا الله". فقال: لا أنفى به ضدا (¬٨٤). فقالوا له. نريد أعلى من ذلك. فقال: أخشى أن أوخذ في وحشة الجحد. فقالوا له: نريد أعلى من ذلك. فقال: قال الله تعالى: "قل الله، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون" (¬٨٥). فصعق السائل فخرجت نفسه، فتعلق أولياؤه بالشبلي في ديته، وحملوه إلى الخليفة، فخرج إليه الآذن يسأله عن القصة، فقال الشبلي: روح حنت فرقت فدعيت فأجابت، فما ذنبي؟ فصاح الخليفة من وراء الحجاب: خلوه لا ذنب له. وأذن الشبلى مرة فلما بلغ إلى الشهادتين، قال: لولا أنك أمرتني ما ذكرت معك غيرك.قال: وكان في دار الشبلى ديك يصيح بالليل، فأخذه ليلة فشده وطرحه في بيت فلم يصح، فلما أصبح قال له: يا مدع! انما كنت تذكره مع الرخاء فلما أصابتك الشدة لم تذكره، وسكت. وكان لكثرة ما يعتريه ويظهر في الأحيان منه، يقول كثير من الناس: أنه مجنون، فرمى مرة في المارستان، فدخل عليه جماعة، فقال: من أنتم؟ قالوا محبوك. فأقبل يرميهم بالحجارة، ففروا، فقال، ادعيتم محبتي، فاصبروا على بلائي. وحكى القشيرى عن بعضهم قال: كنت مع الشبلى، ففتح عليه بمنديل حسن، فمر بكلب ميت ملقى على الطريق، فقال لي: احمل ذلك الميت، وكفنه في هذا المنديل، وادفنه. وسرت فحملت الكلب في * المنديل، وطرحته في موضع، ثم غسلت المنديل وعدت إليه، فقال: فعلت ما أمرتك؟ قلت: لا. فسكت. فقلت: أيها الشيخ! أي شيء كان السبب فيما أمرتني به. قال: لما رأيته استقذرته، فنوديت في سرى: أليس نحن خلقناه؟ فقلت ما قلت. قال: ويحكى أن الشبلى أرسل إلى رجل من أصحابه ابعث إلينا بشيء من دنياك. فكتب إليه: سل دنياك من مولاك. فكتب إليه الشبلي: دنياى حقيرة، وأنت حقير، وإنما يطلب الحقير من الحقير، ولا أطلب من مولاي غير مولاي. وذكر أن ابنا له مات يسمى أبا الحسن، فجزعت أمه عليه، وقطعت شعرها، فدخل الشبلى الحمام، وحلق لحيته بالنورة، فكل من أتاه معزيا قال: ايش هذا يا أبا بكر؟ لم فعلت هذا؟فيقول: علمت أنكم تعزوننى على الغفلة، وتقولون: أجبره الله، يعني تعزيته على العادة، فقدمت ذكر الله تعالى بالغفلة بلحيتى. ***