page 1243, entry [632]Open original source
أبو الأحوص أحمد بن عبد الله كان رجلا من أهل الفضل، مكفوف البصر بعد صحته، وهو من المغرب، وسكناه بسوسة. له صحبة سحنون، وسماع كثير منه، ومن ابن زعبة بمصر. قال أبو العرب: وكان يصلى من الضحى إلى صلاة العصر، فيجلس، فيسمع منه. سمع منه أحمد القصرى. قال ابن حارث: وكان الخير والعبادة أغلب عليه من الفقه، وبلغنى أنه كتب كتابا إلى إبراهيم بن أحمد بن الأغلب يعظه فيه بلفظ غليظ، فأرسل إليه إبراهيم. وقيل بل أتاه إبراهيم بالليل، فقال له: أنت وجهت إلى بهذا؟ قال: نعم. قال: فمن كتبه لك؟ فأبى أن يخبره، فوقاه الله شره. وذكر ابن اللباد: أن رجلا رأى كأنه * واقف على باب الجنة، وأبو الأحوص يريد أن يدخل ورجل زيات من أهل سوسة يمنعه الدخول، ويقول: لا أدعك تدخل حتى تدفع إلى حقى. فقال: هذا قصر أعطيكه. قال له: لا. قال: فقصرين. قال: لا. قال: قلت: يا هذا! يعطيك قصرين في الجنة، فتأبى، وإنما لك عليه درهمان.فنفضنى نفضة، وقال: إن الله تبارك اسمه لا يكذب، ولا يكذب، لابد من القصاص يوم القيامة. فانتبهت لنفضه، وأنا أعرف الزيات، فغدوت إلى المسجد الجامع، وجلست بين الأبواب للصلاة، حتى دخل الرجل، فأشرت إليه، فأتى، فلما انقضت الصلاة قلت له: يا أبا فلان! ما لك على أبى الأحوص؟ فقد أوصانى لك بشيء أنسيته. فقال: درهمان. فدفعهما إليه، وأعلمه بالرؤيا. وكان أبو الأحوص متقللا من الدنيا، زاهدا فيها، وكان سبب سكناه سوسة أنه أقام بها مرابطا مدة، حتى فرغت نفقته، وأراد الرجوع إلى بلده، فبينا هو يركع في جامعها إذا بعصفور جاء بشيء إلى فراخه، فسقط من فيه ما جاء به، فخرج فأر من تحت الحصير، فأكل ما سقط، فقال لنفسه: فأر خلف الحصير قيض الله له رزقه فلم يضيعه! فكيف أضيع أنا؛ لله على ألا أضيع مدينة الرباط. وكان ابن الأغلب يزوره، فإن وجده يطحن جلس على التراب، وإن وجده قد أكمل جلس على جلد المطحنة؛ لأنَّه لم يكن عنده حصير في بيته، ولا غيرها. وكان إذا عرضت للمسلمين حاجة كتب إليه بالفحمة على شقف. وسأله الأمير مرة: هل لك حاجة؟ فامتنع، فعزم عليه، فقال: ثلاث حوائج. قال: هي مقضية، فما هي؟ فطلب منه الزيادة في الجامع لضيقه على الناس، وإجراء ساقية من خارج المدينة إلى مواجلها، وإخراج من سجن. فأجابه.قال أبو الأحوص: غاب إمام الجامع يومًا عن صلاة العصر، فعزم على، فقدمت، فلقد صح عندي أني ما سلمت من الصلاة حتى بدأ قوم يفتشون عن عيوبي، وما سمعت من يذكر ذلك قبل. كأنه يقول: إن الخمول من أثواب الستر. قال ابن اللباد: ذكر أبو العدل قال: كنت بمدينة سوسة مرابطا، فبلغني أن سعيد الضرير قدم، فتوجهت إليه مع أبى الأحوص لنسلم عليه، فوجدنا عنده ناسا، وذلك بعد العصر، فقرأ ودعا، ثم افترقنا عند المغرب، وكان وقت قحط ومصيف، وحاجة الناس إلى الماء، وقد فرغت مواجيلهم فوقف أبو الأحوص في بعض الطريق، فوقفنا لوقوفه فقال: اللهم إن كنت استجبت لنا في مجلسنا هذا، فعرفنا بركة ذلك، بأن تسقينا الغيث. فما دخلنا المسجد إلا ونحن نخوض الماء من المطر. قال أبو الأحوص: أتيت للسماع من سحنون، فأقمت عنده مدة لا يسأل عنى، فلما أردت الرجوع إلى بلدى أتيته لأسلم عليه، وذكرت له أني أريد الرجوع، فسلم على وقال: يا بني! لا تنسني من دعائك. فقلت في نفسي. يسألنى الدعاء؟ - ازراء على نفسى - وكنت أظنه لا يعرفني. وقال عبد الوهاب الزاهد: قمت إلى برج على شاطيء البحر، فإذا أبو الأحوص بين شرافتين في سواد الليل يقول: أبوا أن يرقدوا ليلا … فهم لله قوام أبوا أن يفطروا دهرا … فهم لله صوام أبوا أن يخدموا الدنيا … فهم لله خدام * ثم يقول: لا إلاه إلا الله، والله أكبر، ولله الحمد. ثم اندفع في النياحة، ثم سمع حسى، فقال لي: من أنت؟قلت: عبد الوهاب. فقال لي: يا بني! يا أبا القاسم! إنما تقطع الدنيا بالهموم والأحزان والعلل والأمراض والأعمال، وإنما نفرح غدا بالنظر إلى الله تعالى، إذا صرنا إلى دار السلام. قال أبو الأحوص: سئل سحنون عما يأتى به أهل الشام من الرخص في الفتيا. فقال سحنون: يؤخذ هذا العلم من الموثوق بهم في دينهم، المحس بخيرهم، فإن أخذوا بالتشديد فعن علم، وإن أخذوا بالرخصة فعن علم. وتوفى بسوسة ليلة الأحد، سنة أربع وثمانين ومائتين.