القاضي عياض - ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ت بكير
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 882, entry [609]3,503 chars
أبو الأحوص أحمد بن عبد الله كان رجلًا من أهل الفضل، مكفوف البصر، بعد صحة. وهو من المغرب. وسكناه بسوسة. له صحبة مع سحنون. وسمع كثيرًا منه، ومن ابن زُغبة بمصر، قال أبو العرب: وكان يصلي من الضحى الى صلاة العصر، ثم يجلس، يسمع منه. سمع منه أحمد القصري. قال ابن حارث:وكان الخير والعبادة أغلب عليه من الفقه.…
▸ expand full passage (3,503 chars)أبو الأحوص أحمد بن عبد الله كان رجلًا من أهل الفضل، مكفوف البصر، بعد صحة. وهو من المغرب. وسكناه بسوسة. له صحبة مع سحنون. وسمع كثيرًا منه، ومن ابن زُغبة بمصر، قال أبو العرب: وكان يصلي من الضحى الى صلاة العصر، ثم يجلس، يسمع منه. سمع منه أحمد القصري. قال ابن حارث:وكان الخير والعبادة أغلب عليه من الفقه. وبلغني أنه كتب كتابًا، الى ابراهيم بن أحمد بن الأغلب يعظه فيه، بلفظ غليظ. فأرسل إليهم ابراهيم. وقيل: بل أتاه ابراهيم بباليل، فقال له: أنت وجهت إليّ هذا. قال: نعم. قال فمن كتبه لك. فأبى أن يخبره. فوقاه الله شرّه. وذكر ابن اللباد: أن رجلًا رآه كأنه واقف على باب الجنة. وأبو الأحوص يريد أن يدخل الجنة، ورجل زيات من أهل سوسة، يمنعه الدخول، ويقول: لا أدعك تدخل، حتى تدفع إليّ حقي. قال: هذا قصر أعطيكه. قال: لا. قال: فقصرين. قال: لا. قلت أيا هذا، أيعطيك قصرين في الجنة وتأبى. وإنما لك عليه درهمان فنفضني نفضة، وقال: إن الله تعالى ما كذب ولا يكذب، بل لابد من القصاص يوم القيامة. فانتبهت لنفضته، وأنا أعرف الزيات. فغدوت الى المسجد الجامع، وجلست بين الأبواب حتى دخل الرجل، فأشرت إليه، فأتى. فلما انقضت الصلاة قلت له: يا فلان ما لك على أبي الأحوص؟ فقد أوصاني إليك بشيء نسيته. فقال: درهمان. فدفعتهما إليه. وأخبرته بالرؤيا. وكان أبو الأحوص، متقللًا من الدنيا، زاهدًا فيها. وكان سبب سكناه بسوسة، أنه أقام بها مرابطًا، مدة. حتى فرغت نفقته. فأراد الرجوع الى بلده. فبينما هو يركع بجامعها، إذا بعصفور جاء بشيء الى فراخه، فسقط من فيه ما جاء به، فخرج فأر من خلف الحصير، فأكل ما أسقط. فقال في نفسه: فأر خلف الحصير، قيّض الله له خلف رزقه، فلم يضيعه. فكيف أضيع أنا. لله عليّ ألا أضيّع مدينة الرباط. وكان ابن الأغلب يزوره. فإن وجده يطحن جلس على التراب. وإن وجده يأكل جلس على جلد المطحنة. لأنه لم يكن عنده حصير في البيت، ولا غيرها. وكان إذا عرضت للمسلمين حاجة. كتب إليه بالفحمة على شقفة. وسأله الأمير مرة: هل لكحاجة؟ فامتنع. فعزم عليه. فقال ثلاث حوائج. قال: هي مقضية. قال فما هي: فطلب منه الزيادة في الجامع لضيقه عن الناس، وإجراء سقاية من خارج المدينة الى مواجلها. وإخراج من سجن. فأجابه. قال أبو الأحوص: غاب إما الجامع يومًا عن صلاة العصر، فعزم علي، فتقدمت. فلقد صحّ عندي أني ما سلمت من الصلاة حتى بدأ قوم يفتشون عن عيوبي. وما سمعت من يذكر ذلك قبل، كأنه يقول: إن الخمول من أسباب الستر. قال ابن اللباد: ذكر أبو العدل، قال: كنت بمدينة سوسة مرابطًا. فبلغني أن سعيدًا الضرير قدم، فتوجهت إليه مع أبي الأحوص، أسلّم عليه. فوجدناه عنده ناسًا. وذلك بعد العصر. فدعا وقرأ. ثم افترقنا بعد المغرب. وكان وقت قحط ومصيف، وحاجة الناس الى الماء. وقد فرغت مواجلهم. فوقف أبو الأحوص في بعض الطريق، فوقفنا لوقوفه. فقال: اللهم إن كنت استجبت لنا في مجلسنا هذا، فعرفنا بركة ذلك، بأن تسقينا الغيث. فما دخلنا المسجد إلا ونحن نخوض الماء من المطر. قال أبو الأحوص: أتيت للسماع من سحنون، فبقيت عنده مدة، لا يسأل عني، فلما أردت الرجوع الى بلدي، أتيته لأسلم عليه. وذكرت له أني أريد الرجوع. فسلّم عليّ وقال: يا بني لا تنسنا من دعائك. فقلت في نفسي: يسألني الدعاء - أزري على نفسي - وكنت أظنه لا يعرفني. وقال عبد الوهاب الزاهد: قمت على برج، على شاطئ البحر، فإذا أبو الأحوص رحمه الله تعالى، بين شرافتين في سواد الليل يقول: أبوا أن يرقدوا ليلًا … فهم لله قُوّامُ أبوا أن يفطروا دهرًا … فهم لله صُوّام أبوا أن يخدموا الدنيا … فهم لله خدّام لا إله إلا الله والله أكبر. ولله الحمد. ثم اندفع في السباحة حتى سمعحسي. فقال لي: من أنت؟ فقلت: عبد الوهاب. فقال يا بني: يا أبا القاسم. إنما نقطع الدنيا بالهموم والعلل، والأحزان والأمراض، والأعمال. وإنما نفرح غدًا بالنظر الى الله تعالى. إذا صرنا الى دار السلام. فقال أبو الأحوص: سئل سحنون عما يأتيه به أهل الشام، من الرخص في الفتيا. قال سحنون: يؤخذ هذا العلم من الموثوق بهم في دينهم المحسوس بخيرهم فإن أخذوا بالتشديد، فعن علم، وإن أخذوا بالرّخص فعن علم. وتوفي بسوسة يوم الأحد سنة أربع وثمانين ومائتين. رضي الله تعالى عنه ورحمه.