page 1232, entry [625]Open original source
حمديس القطان واسمه أحمد بن محمد الأشعرى، يقال انه من ولد أبي موس الأشعرى، من أصحاب سحنون. ورحل فلقى بالمدينة أبا مصعب وغيره، وبمصر أصحاب ابن القاسم وابن وهب وأشهب. قال ابن حارث: كان علما فى الفضل، ومثلا فى الخير، شدة في مع مذاهب أهل السنة، وحنق عظيم فى التجنى على من ينحرف عن طريقة أهلها، لا يسلم على أحد منهم، وكان قد لهج الناس بتفضيله، وأقروا بخيره، وبه وبعبد الجبار يضرب المثل فى العبادة والدين، وكان صاحبا له. قال ابن عياش. كان ورعا كاملا ثقة مأمونا. قال أبو العرب: كان كثير الكتب، شأنه العبادة، مجانبا لأهل الأهواء وللسلطان، هجر عبد الجبار بسبب قراءة كتب ابن مهدى البكرى، وكان لا يسلم عليه، ولا يرد عليه إذا سلم. وهجر حماسا بسبب مخالفته في الاستثناء في الايمان، ولم يصل خلفه، ولا يرد عليه اذا سلم (¬٤٠١). وسئل في القعود للناس، فامتنع، ورأى أن في عصره من يقوم مقامه، ويقول: ثم من يقوم بهذا، ولم يلزمنى. قال أبو سعيد بن محمد بن سحنون: لما اعتل حمديس أحضرنا له طبيبا، فتبسم وقال: ما أقبح المخالفة بعد الموافقة، من أراد الله به حالا، وأراد هو غيره، أليس قد خالف؟ ثم قال:بيد الله دواءي … الذى يعلم داءي انما أظلم نفسي … باتباعى لهواءي كلما داويت نفسي … غلب الداء دواءى وكان لا يسلك على القناطر التي بناها أصحاب السلطان. وحضر مرة مع ابن عبدون القاضى، فأتى بجنازة فصلى عليها حمديس، فصلى وراءه القاضى، ثم أتى بأخرى فصلى عليها القاضى، فلم يصل وراءه حمديس، فمضى القاضى ابن عبدون إلى ابن الأغلب، فذكر له القصة، وقال له: أكثرت على من ذكره! ما صح عندك من أمره فأنفذه. فشاور فى ذلك بطانته، فقالوا له: ليس لك شيء تصل به اليه، إلا أن تنهاه بألا يجتمع إليه أحد. فأوصى بذلك اليه، فقال حمديس: المساجد لله، ولا أمنع أحدا من دخولها، وأنت أقدر، فاجعل على باب المسجد من يمنع من أراد منعه. فقيل لابن عبدون: لا يمكنك هذا. فوجه إليه: يدخل اليك من شاء. فقال حمديس: لا أمنعهم، ولا أتركهم بتركك. ثم عزل ابن عبدون، فاجتمع الناس لطلبه والشهادة عليه عند الأمير، ما خلا حمديس، فانه قال للأمير لما سأله: بلغني ما بلغ الأمير. ثم تنحى عنهم * الأمير بمكان يسمع كلامهم، فقالوا لحمديس: ما منعك من الشهادة؟ فقال: انما كنتم تطلبون عزله، وقد عزل. ثم عاد الأمير فسأله، وقد ظن أن أصحابه يردونه، فقال: أكذب نفسي على لساني؟ يرى الصلاة مع ابن عبدون، ولا أداء الشهادة عنده، وقد كان لا وينهى الناس عن ذلك.وحضر مع أحمد الصواف جنازة دعى لها الصواف، فقدم لها حمديس، فقال: لا أفعل. فقال أحمد: ذلك لى جائز اذ قدمونى أن أقدمك، فاني لأستحيى من الله ان أقدم بين يديك. وكان ينكر فعل هؤلاء الذين يجتمعون للتغيير، ويدقون صدورهم، ويقول: لو كان لى من الأمر شيء لنفيتهم من المنستير. وكان لا يصلى خلف أهل البدع ومن يخالفه، وفعل ذلك هو وابن سحنون ويحيى بن عمر، حين ولى الصلاة ابن أبي الحواجب، وكان يتهم بالرفض. وفعل ذلك سحنون بغيره. وترك الصلاة خلف القاضى سليمان بن عمران في جنازة، فجاء انسان فأخبر بذلك سليمان، فقال له سليمان: لعله كان على غير وضوء! قال: لا والله، فانه صلى بعدك على جنازة. فقال سليمان: خل الناس على ما هم عليه. واستحضره ابراهيم فسأله عن مسألة، فلم يجبه، فكرر عليه فلم يجبه، فقال له: ما لى أسألك ولا تجيبنى، والله لئن ضربت بمخالبي فيك، لأفعلن بك كذا، وكذا. فقال حمديس: والله لهو أهون على من أن تمسح يديك على ذنبي، انما سؤالك فى تفكه، ليس لتعمل به. وكان كثير التواضع والاشفاق. لا يرى لنفسه قدرا. ذكر ابن خيران أن رجلا ذكر له، أنه رأى في المنام امرأة، كانت مسرفة على نفسها، في منظر حسن، وحال حسن، فسألها عن سبب ذلك، لما يعرف من كثرة اسرافها، فقالت له: ان حمديس سئل أن يصلى على فصى، وشفع لى فشفع فى.فنظر له حمديس نظرة منكرة، وقال: ما يحسن أن أقول يا هذا الا كما قال محمد بن كعب القرظي لعمر بن الخطاب: لا يغرنك حسن ثناء المادحين، فلن ينفعك ما قالوا فيك ان لم يكن ذلك فيك، فأنت أعلم بنفسك من مقال القائلين، فان يكن فيك ما قالوا، فلا يضرك لو سكتوا وان لم يكن فيك فلن ينفعك ما قالوا. ثم قال للرائى: نامت عينك، انصرف اذا شئت. قال حمديس: أحضرني الأمير ابراهيم بن أحمد، مع يحيى بن عمر، فأقمنا عنده إلى الليل، وأصابنا مطر، ثم أمرنا بالانصراف، فخرجنا في ظلمة ومطر، لا نهتدى أين نمضى، اذ سمعت صوتا بحمديس ويحيى بن عمر، فعدل بنا الى دار دقت دقا عنيفا، ففتح لنا، فإذا هي دار ولده أبي العباس الأمير، فقال له: يأمرك الأمير أن يبيت عندك الشيخان الليلة. فدخل بنا الى بيت من الدار، وأتى الينا بشمعة، فقلت للخادم: ان رأيت أن تنحى عنا هذه الشمعة فافعل. فقال: انما فعلته اكراما لكما. فنحاها، فأما يحيى بن عمر فنام على بعض فراش البيت. فلما كان بالغداة، أرسل إلينا أبو العباس: لا تصلوا حتى أصلى معكما. فخرجت الى الطريق، فتوضأت من الماء المستنقع فيه، ثم خرج، وجعل يسألني عن أشياء، فقلت: ما شئت أن تسأل عنه من شيء فعليك بالشيخ -يعنى ابن عمر- فانك تجد عنده ما تريد. فسأل عن أشياء، ثم صلى بنا يحيى بن عمر. وجاء رسول الأمير ابراهيم يستدعينا، فدخلنا عليه، وطال المجلس في المذاكرة والحديث* فقال لى: من أين عيشك؟ وفى كم أنت العيال؟قلت: في ستة، ونحن من الله فى ستر جميل، ثم قلت له: لى الى الأمير حاجة. فنشط لها، وقال اذكر. قلت: تعافينى من المجيء اليك فى هذا المجلس، فانك لا تجد عندى ما تريد، مما يكون عونا لك. فسكت ساعة، ثم قال: قد فعلت. فقال يحيى بن عمر: وأنا أيها الأمير. فقال له: لا، لست أفعل. قال: ثم وجه الى حين ولى ابن مسكين القضاء، فقلت للرسول: قد سألته فعافاني. فقال لى: لا تفعل، يأتيك صاحب المدينة فيمضى بك. فقلت: مشافهته أكثر من ارساله. فانصرف الرسول، وجاءني أحمد الصواف، وقد بلغه الأمر، وكان لى أخ صدق، فقال لى: لا تفعل، أخشى أن يكون هذا منه مكرا ليجد اليك السبيل. فتوجهت، فلما دخلت غضب على ابنه وقال له: والله ما وجهت اليه. كالمعتذر. فقلت: والله ما أتيتك الا اتقاء. فقال لى: اجلس، فلعل الله أن يجعل فى مجيئك بركة، وذكر قصة ولاية ابن مسكين. توفى سنة تسع وثمانين ومائتين، وصلى عليه محمد بن محمد بن سحنون. مولده فى رجب سنة ثنتين ومائتين.