page 1060, entry [466]Open original source
بقية أخباره وفضائله قال ابن سحنون: دخل على أبي وأنا أؤلف كتاب تحريم النبيذ،فقال: يا بنى: انك ترد على أهل العراق، ولهم لطافة أذهان، وألسنة حداد، فاياك أن يسبقك قلمك لما تعتذر منه. وذكر أبو القاسم اللبيرى (¬٢٦٠) أن ابن سحنون، أتى بعد موت سحنون هو وأصحابه زائرا إلى عبد الرحمان (¬٢٦١) بن عبد ربه الزاهد، فسلم عليه، فرد ﵇ وتركه جلس حيث انتهى به المجلس، ولم يقبل عليه حتى انصرف. فلما كانت الجمعة الأخرى، استنهض محمد (¬٢٦٢) أصحابه لزيارته ثانية، فقالوا له: رأيناه لم يقبل عليك. فقال: ليس هذه بغيتي، هو رجل صالح، ترجى بركة دعائه، وقد كان سحنون يأتيه ويتبرك بدعائه ويلجأ إليه عند المهمات. فعاد إليه ابن سحنون وأصحابه، فلما رآه قام على رجليه، ورحب به، وأجلسه في موضعه، ولم يزل مقبلا عليه حتى انصرف. فقيل له في ذلك، مع فعله الأول. فقال: والله ما أردت بذلك إلا الله، رأيت اجتماع الناس عليه، فخفت فتنته، فعملت ما عملت، لأجربه، فرأيت في ليلتى قائلا يقول لي: مالك لم تقبل على ابن سحنون، وهو ممن يخشى الله؟ وفي رواية: وهو ممن يحب الله ورسوله. فبلغت ابن سحنون، فبكى بكاء * شديدا، وقال: لعله بذبي عن سنة رسول الله ﷺ. ولما خرج إلى الحج، نزل بمصر على أبى رجاء بن أشهب بن عبد العزيز، فقصده علماء مصر ووجوهها، يسلمون عليه، وابن المدني (¬٢٦٣)،فأطال الجلوس معه ليخلو به، فلما خرج، قال أبو رجاء: سألته عنه، فقال: لم أر والله أعلم منه، ولا أحد ذهنا، على حداثته. وكان إذ ذاك ابن خمس وثلاثين سنة، وكتب إذ ذاك كتابى الإمامة بماء الذهب، ووجه بهما إلى الخليفة. قال عيسى بن مسكين: وما ألف في هذا الفن مثهلما. قال سليمان بن سالم: واختلف إذ ذاك المزنى (¬٢٦٤) وهارون بن سعيد الأيلى، في مسألة، فتحاكما إلى محمد بن سحنون. قال سليمان بن سالم: قدم رجلان من كنانة، يسمعان العلم، ويقصدان لابن أبي المنهال، وابن قادم، فباتا على ذلك، فرأى أحدهما في المنام أن سائلا سأله، فأخبره عن قصدهما ولمن قصدا، فقال: إلى حتى أريكما ممن تطلبان (¬٢٦٥). قال الرائى (¬٢٦٦): فأخذ بي على طريق منحرفة، حتى أوقفنى على مسجد فيه شيخ، والناس حوله، فقال لي: هنا، اطلب العلم من هذا ولا تعده. فلما أصبح الرائي قال لصاحبه: سربنا إلى حيث سير بي البارحة، وأخبره بالرؤيا، فمضى معى، وسرت على المواضع التي رأيتها في المنام، حتى أتى مسجد ابن سحنون، فعرفه بالرؤيا التي رأى، وعرفه، وسلم عليه ولزماه. وحدث بعض سكان القصر، أنه خرج ليلة في القصر بعد العشاء الأخيرة، فإذا بقارئ يقرأ في بعض البيوت "وقاسمهما إنى لكما لمن الناصحين فدلاهما بغرور" (¬٢٦٧) ويردد الآية.فرجع الرجل إلى صلاة الصبح، وهو على حالته. قال: وأسمع وقع الدموع على الحصير، إلى أن خرج لصلاة الفجر مستور الوجه، فلم أزل أرتقبه، فإذا به محمد بن سحنون! قال عيسى بن مسكين: قلت لابن سحنون: كيف الرش؟ يعنى النضح. قال: تبسط الثوب، ثم ترش عليه، ثم تقلبه، ثم ترش عليه، ثم تجففه. قيل لعيسى: الطاق الواحد من الناحيتين؟ قال: نعم. قال المؤلف ﵁: يحتمل - والله أعلم - أن يكون هذا فيما يشك في نجاسته من الناحيتين، أو من إحداهما، ولم يتيقن، أو شك أن النجاسة داخلته. قال: وقد رأيت لأبي الحسن القابسي في صفة النضح قال: يرش الموضع المتهوم بيده رشة واحدة، وإن لم يعمه، لأنه ليس عليه غسل فيحتاج أن يعمه. قال: وإن رشه فيه أجزاه. قال المؤلف ﵁: لعله بعد غسل فيه من البصاق (¬٢٦٨) وتنظيفه، وإلا فإنه يضيف الماء ويغلب عليه. قال عيسى: كنت قد أخذت منه كتابين أمهات (¬٢٦٩) فحضرت الصلاة، فقدمنى، فأخرجتهما من كمى ووضعتهما، فأخذهما محمد وأدخلهما في كمه، وصلى، فأخجلني بفعله.قال ابن اللباد: حج محمد بن سحنون سنة خمس وثلاثين، فغلطوا في يوم عرفة، فرأى محمد أن ذلك يجزئ من حجهم (¬٢٧٠). واختلف فيها قول أبيه. قال المؤلف ﵀: حكى الطائي عن أبي أسلم المالكي اجماع مالك وأبي حنيفة والشافعي، على اجزاء هذه المسألة. قال بعضهم: كنت عند محمد بن سحنون، فجاءه يعقوب الجزري (¬٢٧١) فأنشده: محمد يا ابن من بالعدل قد نفذت قضاياه … ويا ابن مناصح لله يرجوه ويخشاه أبوك أب أهان لجنة الفردوس دنياه … فمن والى أبوك بوده فالله مولاه مناى، وقد ينال المرء عفوا ما تمناه … كتاب منك تنجح حاجتي إن كنت أعطاه *فطل وامنن علي به وحطني حاطك الله فقال له محمد بن سحنون: نعم وكرامة. وكتب له في حاجته. * * * قال أبو العرب: كان ابن سحنون من أطوع الناس في الناس، سمحا كريما، نفاعا للناس إذا قصد. قال ابن حارث: كان كريما في نفسه (¬٢٧٢) جوادا بماله وجاهه، ويصل من قصده بالعشرات من الدنانير، ويكتب لمن يعني به إلى الكور،فيعطى الأموال الجسيمة، مقدما عند الملوك، وجيها عند العامة، نهاضا بالأثقال، واسع الحيلة، جيد النظر عند الملمات. وهو كان السبب القيم لسليمان بن عمران وعبد الله بن طالب، وذلك أنه عنى بسليمان حتى استكتبه أبوه، ثم ولاه قضاء باجة. فلما مات سحنون، وولى سليمان بن عمران قضاء القيروان مكانه، فأساء صحبة محمد بن سحنون، وفسدت الحال بينهما، إلى أن وجه فيه سليمان، فأتاه محمد في خلق ممن تبعه، فأغلظ له سليمان في القول، فحفظ من كلامه: ما أحوجك إلى من يمضغك قطن قلنسوتك هذه! ولم يجسر عليه بمكروه. وكان سليمان يلقبه ويؤذيه بالقول. وجاء رجل إلى ابن سحنون، فقال له: يا أبا عبد الله! الرسول يبلغ ولا يلام، ابن القيار يقرأ عليك السلام ويقول: أتيت أقواما لو أن السماء أمطرت عليهم أربعين خريفا ما نبتوا. يعرض بسليمان بن عمر عمران. فقال ابن سحنون: هذا جزاء من فعل شيئا لغير الله. ولم تزل الحال تتزايد في فساد ما بينهما، إلى أن توارى ابن سحنون خوفا على نفسه، فكتب في تواريه إلى الأمير محمد بن الأغلب، بما كتب به عثمان إلى على ﵄: فإن كنت مأكولا فكن أنت آكلى … والا تداركني ولما أمزق فقال ابن الأغلب: ومن يمزقه؟ مزق الله جلده! ثم رفع يد سليمان عنه، وأمنه منه. وقيل ان ابن سحنون، لما طال تواريه، لجأ بنفسه إلى الأمير، فركب متنكرا إليه، ولقيه مؤدب أولاد الأمير، فسأله ابن سحنون أن يستأذن له الأمير في الخروج عن القيروان.ففعل ذلك. فقال الأمير: إذا أذنت لابن سحنون في الخروج، مع من أبقى؟ أخبره أنى قد رفعت يد سليمان بن عمران عنه. فظهر ابن سحنون، وشق السماط الأعظم، حتى أتى الجامع، فصلى فيه، فبلغ ذلك سليمان، فعلم أنه أمن، ورفعت يده عنه. وظهر محمد بن سحنون، وقامت رئاسته، وشجي به سليمان وجماعة العراقيين، ورد سليمان غيظه على أصحاب ابن سحنون، فأخذ فرات بن محمد، فضربه بالسياط. وبينما محمد بن سحنون يمشى يوما، لقيه صاحب الصلاة بالقيروان، المعروف بابن أبي الحواجب، وكان من أعدائه، فأومأ إلى أذنه، فأمكنه ابن سحنون منها، فقال له سر، يا كذا يا ابن كذا! سبا قبيحا. فأجابه ابن سحنون جهرا: تقضى حاجتك. يغالط من حضره. وصار ابن أبي الحواجب، فأخبر سليمان بن عمران بذلك، فقال له. ان صدقت فتحنط! وركب ابن سحنون إلى أحمد بن محمد الحضرمي، فسأله أن يزين للأمير تولية ابن طالب على الصلاة، فأجابه الأمير إليه. فخرج الحضرمي بذاك إلى ابن سحنون، فسأله ابن سحنون كتم ذلك إلى وقت الخطبة. ووجه ابن سحنون في ابن طالب فأعلمه بذلك، وقال له: تهيأ، فإذا رأيت ابن أبي الحواجب قد خرج إلى المقصورة، فقم بين يديه، وارق المنبر واخطب. فلما كان يوم الجمعة، هجر ابن أبي الحواجب إلى الجامع، فنزل في المقصورة.وأتى ابن طالب فركع إلى جانب ابن سحنون وسليمان بن عمران عند المنبر. فلما خرج ابن أبي الحواجب * إلى المقصورة، وهي حجرة بقبلي الجامع، ورفع رجله إلى درجة المنبر، صعد ابن طالب على المنبر وقد تقلد السيف، ومد القيم يده إلى ثوب ابن أبي الحواجب فجبذه. وكان سليمان بن عمران قد نعس حينئذ، فما راعه إلا صوت ابن طالب - وكان فصيحا - يقول: الحمد لله الذي شكر على ما به أنعم، والحمد لله الذي عذب على ما لو شاء منه عصم، والحمد لله الذي على عرشه استوى، وعلى ملكه احتوى وهو في الآخرة يرى. فعلت سليمان بن عمران كآبة، وتهلل وجه ابن سحنون، واستمر ابن طالب في خطبته، وتمت الصلاة. فلما انصرف سليمان إلى منزله، جمع شيوخ القيروان، وأمرهم أن يسيروا إلى الأمير، ليزكوا عنده ابن أبي الحواجب، ويسألوه رده على الصلاة. فبلغ الخبر ابن سحنون، فوجه إلى الحضرمي فأعلمه بالأمر، فلما أطل القوم على القصر، أرسل إليهم الحضرمي: أما تستحيون أن تسألوا الأمير أن يحط ابن عمه وقد أراد التنويه به، ويشرف صاحبكم؟ - وكان ابن طالب من بنى عم الأمير - انصرفوا، فانا لم نسألكم عن تزكية ولا جرحة. فانصرف القوم، فكانت تلك أول نكبة سليمان، ثم لم تزل أمور ابن طالب تنمى، إلى أن عزل سليمان، وولى ابن طالب قضاء أفريقية مكانه. ووجه ابن الأغلب في ابن سحنون، فسأله: ما تقول في يزيد؟ فقال: أصلح الله الأمير، لا أقول ما قالت الأباضية، ولا ما قالت المرجئة. قال: وما قالتا؟قال: قالت الأباضية: إن من أذنب ذنبا فهو من أهل النار، وقالت المرجئة: لا تضر الذنوب مع التوحيد. أتى يزيد عظيما جسيما، ويفعل الله في خلقه ما أحب. ثم انصرف. وذكر أن رجلا من أصحاب محمد، دخل بمصر حماما عليه رجل يهودى، فتناظر معه الرجل، فغلبه اليهودى لقلة معرفة الرجل. فلما حج محمد بن سحنون، صحبه الرجل، فلما دخل مصر، قال له: امض بنا أصلحك الله إلى الحمام الذي عليه اليهودي. فلما دنا خروج محمد، سبقه الرجل، وأنشب المناظرة مع اليهودى حتى حانت الصلاة، فصلى محمد الظهر، ثم رجع معه إلى المناظرة حتى حانت العصر، فصلاها محمد، ثم كذلك إلى العشاء، ثم إلى العشاء الأخيرة، ثم إلى الفجر، وقد اجتمع الناس، وشاع: الفقيه المغربي يناظر اليهودي! فلما حانت صلاة الفجر، انقطع اليهودى وتبين له الحق، وأسلم، فكبر الناس وعلت أصواتهم. فخرج محمد وهو يمسح العرق عن وجهه، وقال لصاحبه: لا جزاك الله خيرا، كاد أن تجرى على يديك فتنة عظيمة، تناظر يهوديا وأنت ضعيف، فإن ظهر عليك اليهودى لضعفك، افتتن من قدر الله بفتنته، أو كما قال. * * * وذكر أن رجلا عراقيا كان يؤذى محمد بن سحنون، وينال منه، فاشتد عليه مرة الفقر، فقام بباله قصده، فنهته امرأته لما عرفته منه، فلم يقبل منها ووصل إليه فقال: جئت أستعينك واستعفيك. فقال: اذكر حاجتك. فقال: ما جئت إلا لهذا.قال: لابد أن تذكر حاجتك. فشكا إليه حاله. فاسترجع محمد وقال: يا أخى! بلغ منك هذا وأنا في الدنيا؟ وكتب له رقعة إلى صيرفى بعشرين دينارا، وقال: اشتر بها لأهلك ما يحتاجون. ففعل الرجل، وأخبر بذلك ابن سحنون، فسر، ثم قال له: تقدر على السفر؟ قال: نعم، فكتب له كتبا، وقال له: تمضى بها إلى قسنطينة. فمضى الرجل بها * وأوصلها إلى أصحابها، فأكرم، وأضيف، وأعطى ثلاثمائة دينار. فظن الرجل أنها لمحمد بن سحنون، وأنه وجهه وراءها، فلما وصل إلى القيروان دفعها لمحمد بن سحنون، وأجوبة القوم، فقال محمد: إنا لله وإنا إليه راجعون، حال الناس! فقال له الرجل: يا سيدى إن كان بقى شيء رجعت إليه أقتضيه لك فقال: ليست لي، انما هي لك، وما عهدناهم كذلك. يستقلها له. وفى حكاية أخرى أن رجلا من العراقيين كان يغرى به حتى قبل أصحابه، يشتمه علانية وسرا إذا وجده مع الناس، فشتمه يوما في أذنه وهو في أصحابه، فقال: نعم وكرامة، إذا تفرغت تقضى حاجتك. وبلغ ذلك العراقيين، فاتهموا صاحبهم وأضاعوه، فشكا حاله إلى بعض الصالحين، فدله على محمد بن سحنون، فسار إليه، فأصغى إليه محمد أذنه، وهو يظن أنه يجرى على عادته. فقال له: والله ما جئتك إلا تائبا منيبا.فأجلسه، فلما قضى مجلسه أخذ بيده، وحمله إلى منزله، ودفع إليه عشرين دينارا، ثم كتب له ثلاثين كتابا إلى ثلاثين رجلا من أصحابه بالساحل، يسأل كل واحد أن يشترى له جارية. فوصلت إليه ثلاثون جارية، فأمر ببيع خمسة منهن، وأصلح بثمنهن حال خمسة وعشرين، ودفعهن إلى الرجل. *** وحكى المالكي قال: كانت لمحمد بن سحنون تسعة أسرة، يريد لكل سرير سرية، وكانت له سرية يقال لها أم مدام (¬٢٧٣)، فكان عندها يوما وقد شغل في تأليف كتاب إلى الليل، فحضر الطعام، فاستأذنته، فقال لها: أنا مشغول الساعة. فلما طال عليها، جعلت تلقمه الطعام، حتى أتى عليه، وتمادى على ما هو فيه إلى أن أذن لصلاة الصبح، فقال: شغلنا عنك الليلة يا أم مدام، هات ما عندك. فقالت: قد والله با سيدى ألقمته لك. فقال لها: ما شعرت بذلك. *** قال سليمان بن سالم: قال لي محمد بن سحنون: دخلت مسجد مدينة النبي ﷺ، فإذا بحلقة عظيمة، فيها شيخ متكئ، فجلست كما نزلت من المحمل بثياب السفر، فوجدتهم يتنازعون في مسألة من أمهات الأولاد، فأدخلت عليهم فيها حرفا، فنبههم الشيخ عليه، واستوى جالسا، ثم زدت حرفا آخر، فقال لي: أين بلدك؟ قلت: أصلحك الله، رجل حاج. فقال: أين بلدك؟قلت: أفريقية. فقال لي: ينبغى أن تكون ابن سحنون، أو ابن أخي سحنون، بالله من أنت؟ قلت: ابن سحنون. فقام إلى الشيخ، مع جميعهم، فسلموا على، وعقبونى إذ لم أعلمهم بنفسي، فوالله ما خرجت من المسجد إلا والشيخ يمشى يكتب المسألة وأنا أمليها عليه.