القاضي عياض - ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ت بكير
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 725, entry [437]10,423 chars
ذكر بقية أخباره وفضائله قال ابن سحنون: دخل علي أبي وأنا أؤلف كتاب تحريم المسكر. فقال: يا بني إنك ترد على أهل العراق، ولهم لطافة أذهان، وألسنة حداد، فإياك أن يسبقك قلمك، لما تعتذر منه. وذكر أبو القاسم البيدي: إن ابن سحنون أتى بعد موت سحنون، هو وأصحابه زائرًا، الى عبد الرحمان بن عبد ربه الزاهد، فسلم ع…
▸ expand full passage (10,423 chars)ذكر بقية أخباره وفضائله قال ابن سحنون: دخل علي أبي وأنا أؤلف كتاب تحريم المسكر. فقال: يا بني إنك ترد على أهل العراق، ولهم لطافة أذهان، وألسنة حداد، فإياك أن يسبقك قلمك، لما تعتذر منه. وذكر أبو القاسم البيدي: إن ابن سحنون أتى بعد موت سحنون، هو وأصحابه زائرًا، الى عبد الرحمان بن عبد ربه الزاهد، فسلم عليه، فرد عليه¬ السلام، وتركه حيث انتهى به المجلس، ولم يقبل عليه حتى انصرف. فلما كانت الجمعة الأخرى، استنهض محمد أصحابه لزيارته ثانية. فقالوا له: رأيناه لم يقبل عليك. فقال: ليس هذه بغيتي. هو رجل صالح نرجو بركة دعائه. وقد كان سحنون يأتيه، ويتبرك بدعائه، ويلجأ إليه عند المهمات. فعاد إليه ابن سحنون وأصحابه، فلما رآه قام على رجليه، ورحب به وأجلسه في موضعه. ولم يزل مقبلًا عليه، حتى انصرف. فقيل له في ذلك، مع فعله الأول. فقال: والله ما أردت بذلك إلا الله. رأيت اجتماع الناس عليه، فخفت فتنة فعملت ما عملت لأجربه، فرأيت في ليلتي، قائلًا يقول لي، في ذلك: لم تقبل على ابن سحنون، وهو ممن يخشى الله. وفي رواية: وهو ممن يحب الله ورسوله. فبلغت ابن سحنون. فبكى بكاءً شديدًا، وقال: لعله يذبّي عن سنة رسول الله ﷺ. ولما خرج الى الحج، نزل على أبي رجاء بن أشهببن عبد العزيز، فقصده علماء مصر، ووجوههم، يسلمون عليه، وابن المزني، فأطال الجلوس معه، ليخلو به. فلما خرج أبو رجاء، سألته عنه فقال: لم أرَ والله أعلم منه، ولا أحدّ ذهنًا، على حداثته. ووجه به الى الخليفة. قال عيسى بن مسكين: وما ألف في هذا الفن مثله. قال سليمان بن سالم: واختلف إذ ذاك وهارون بن سعيد الايلي، في مسألة، فتحاكما الى محمد بن سحنون. قال سليمان بن سالم: قدم رجلان من بني كنانة، ليسمعا العلم. ويقصدا ابن أبي المنهال وابن قادم، فيأتيا على ذلك. فرأى أحدهما في المنام أن سائلًا سأله، فأخبره عن قصدهما، ولمن قصدا. فقال لمن قصدكما، من تطلبان؟ قال الرائي فأخذني على طريق منحرفة، حتى أوقفني على مسجد فيه شيخ، والناس حوله. فقال لي: هنا اطلب من العلم من هذا، ولا تعدل. فلما أصبح الرائي قال لصاحبه: سر بنا الى حيث سير بي البارحة. وأخبره بالرؤيا. فمضى معي. وسرت الى الموضع الذي رأيته في المنام. حتى مسجد ابن سحنون، فعرفه بالرؤيا التي رأى، وعرفه، وسلم عليه، ولزمه. حكى بعض سكان القصر: أنه خرج ليلة في القصر بعد العشاء الآخرة. فإذا بقارئ يقرأ في بعض البيوت، وقاسمَهما إني لكما لمنَ النّاصحين. فدلاهُما بغُرور. ويردد الآية. فرجع الرجل الى صلاة الصبح، وهو على حالته. قال وأسمع وقع الدموع على الحصير، الى أن خرج لصلاة الفجر، مستور الوجه. فلم أزل أرتقبه، إذابه محمد بن سحنون. قال عيسى بن مسكين: قلت لابن سحنون: كيف الرشّ؟ يعني النضح. قال: تبسط الثوب ثم ترش عليه، ثم تقلبه، ثم ترش عليه، ثم تجففه. قيل لعيسى: الطاق الواحد من الناحيتين؟ قال: نعم. قال المؤلف رضي الله تعالى عنه: يحتمل والله أعلم أن يكون هذا فيما يشك في نجاسته من الناحيتين أو من إحداهما. ولم يتعين أو شك أن النجاسة داخلته. قال: وقد رأيت لأبي الحسن القابسي، في صفة النضح قال: يرش الموضع المتهوم بيده، رشة واحدة. وإن لم يعمه، لأنه ليس عليه غسل، فيحتاج أن يعمه. قال وإن رشه بفيه أجزاه. قال المؤلف رضي الله تعالى عنه: بعد غسل فيه من البصاق، وتنظيفه. وإلا فإنه يضيف الماء. ويغلب عليه. قال عيسى: كنت قد أخذت منه كتابين، أمهات. فحضرت الصلاة. فقدمني فأخرجتهما من كمي، ووضعتهما، فأخذهما محمد وأدخلهما في كمه، وصلى فأخجلني بفعله. قال أبو اللباد: حج محمد بن سحنون سنة خمس وثلاثين. فغلطوا في يوم عرفة، فأراهم محمد، أن ذاك يجزئ من حجّهم. واختلف فيها قول أبيه. قال المؤلف ﵀: حكى ذلك الطائي عن ابن أسلم المالكي. أجمع مالك وأبو حنيفة والشافعي، على أجزاء هذه المسألة. قال بعضهم: كنت عند محمد بن سحنون فجاءه يعقوب الجري فأنشده: محمد يا من بالعدل قد نفذت قضاياه … ويا ابن مناصح لله يرجوه ويخشاهأبوك أب أهاب بجنة الفردوس وهي دنياه … فمن والى أبوك بوده فالله مولاه مولاي وقد ينال المرءُ عفوًا ما تمناه … كتاب منك تنجح حاجتي إن كنت أُعطاه فطل وامنن علي به … وحطني حاطك الله فقال له محمد بن سحنون: نعم، وكرامة. وكتب له في حاجته. قال أبو العرب: كان ابن سحنون من أطوع الناس في الناس. سمحًا، كريمًا، نفاعًا للناس، إذا قُصِد. قال ابن حارث: كان كريمًا في نفسه، جوادًا بماله، وجاهه. يصل من قصده بالعشرات من الدنانير. ويكتب لمن يعنى به الى الكور. فيعطى الأموال الجسيمة، مقدمًا عند الملوك، وجيهًا عند العامة، نهاضًا بالأثقال، واسع الحيلة، جيد النظر عند الملمات. وهو كان السبب المقيم لسليمان بن عمران، وعبد الله بن طالب، وذلك أنه عني بسليمان حتى استكتبه أبوه. ثم ولاه قضاء باجة. فلما مات سحنون، وولى سليمان بن عمران قضاء القيروان مكانه، فأساء صحبة محمد بن سحنون، وفسدت الحال بينهما، الى أن وجّه به سليمان، فأتاه محمد في خلق ممن تبعه، فأغلظ له سليمان في القول، فحفظ من كلامه: ما أحوجك الى من يُمضِغْك قطن قلنسوتك هذه. ولم يجسر عليه بمكروه. وكان سليمان يلقبه ويؤذيه بالقول. وجاء رجل الى ابن سحنون وقال له: يا أبا عبد الله، الرسول يبلّغ ولا يلام: ابن العيّاد، يقرأ عليك السلام، ويقول لك:أنبَتّ أقوامًا لو أن السماء أمطرت عليهم أربعين خريفًا ما أنبتوا. يعرض بسليمان بن عمران. فقال ابن سحنون: هذا جزاء من فعل شيئًا لغير الله. ولم تزل الحال تتزايد في فساد ما بينهما، الى أن توارى ابن سحنون خوفًا على نفسه. فكتب في تواريه الى الأمير محمد بن الأغلب، بما كتب به عثمان الى علي ﵄: فإن كنت مأكولًا فكن أنت آكلي … وإلا تداركني ولمّا أمزّق فقال ابن الأغلب: ومن يمزقه، مزق الله جلده. ثم رفع يد سليمان عنه، وأمنه منه. وقيل إن ابن سحنون لما طال ترقيه، لما ينفعه من الأمير، ركب متنكرًا إليه. ولقيه مؤدب أولاد الأمير إذا أذنت لابن سحنون في الخروج، مع من أبقى؟ أخبره: إني قد رفعت يد سليمان بن عمران عنه. فظهر ابن سحنون وشق السماط الأعظم، حتى أتى الجامع، فصلى فيه. فبلغ ذلك سليمان فعلم أنه أمن، ورفعت يده عنه. وظهر محمد بن سحنون، وقامت رئاسته. وشجي به سليمان وجماعة العراقيين، ورد سليمان غضبه على أصحاب ابن سحنون. فأخذ فرات بن محمد فضربه بالسياط. وبينما محمد بن سحنون يمشي يومًا، لقيه صاحب الصلاة بالقيروان، المعروف بابن أبي الحواجب، وكان من أعدائه. فأومأ الى أذنه فأمكنه ابن سحنون منها. فقال له سرًا: يا كذا ابن كذا نسبًا قبيحًا - فأجابه ابن سحنون جهرًا: تُقْضى حاجتك. يغالط من حضره. وسار ابن أبي الحواجب فأخبر سليمان بن عمران بذلك. فقال إن صدقت فتحفظ. وركب ابن سحنون الى أحمد بن محمد الحضرمي، فسأله أن يزين للأميرتولية ابن طالب على الصلاة. فأجابه الأمير إليه. فخرج الحضرمي بذلك الى ابن سحنون فسأله ابن سحنون كتم ذلك الى وقت الخطبة. ووجه ابن سحنون في طلب ابن طالب، فأعلمه بذلك. وقال له: تهيأ. فإذا رأيت ابن أبي الحواجب قد خرج الى المقصورة، فقم بين يديه، وارق المنبر، واخطب. فلما كان يوم الجمعة، هجِر ابن أبي الحواجب الى الجامع، فنزل في المقصورة، وأتى ابن طالب فركع الى جانب ابن سحنون، وسليمان بن عمران عند المنبر. فلما خرج ابن أبي الحواجب الى المقصورة، وهي حجرة قبلي الجامع، ورفع رجله الى درجة المنبر، صعد ابن طالب على المنبر، وقد تقلد السيف، ومد القيّم يده الى ثوب ابن أبي الحواجب، فجبذه، وكان سليمان بن عمران جالسًا، وقد نعس حينئذ، فما راعه إلا صوت ابن طالب، وكان فصيحًا، يقول: الحمد لله الذي يشكر على ما به أنعم، والحمد لله الذي عذب على ما لو شاء منه عصم، والحمد لله الذي على عرشه استوى، وعلى ملكه احتوى، وهو في الآخرة يرى. فعلت سليمان بن عمران كآبة، وتهلل وجه ابن سحنون. واستمر ابن طالب في خطبته، وتمت الصلاة. فلما انصرف سليمان الى منزله، جمع شيوخ القيروان، وأمرهم أن يسيروا الى الأمير، ليزكوا عنده ابن أبي الحواجب، ويسألوه رده على الصلاة. فبلغ الخبر ابن سحنون فوجه الى الحضرمي، فأعلمه بالأمر. فلما أطل القوم على القصر، أرسل إليهم الحضرمي، أما تستحيُون أن تسألوا الأمير، أن يحط ابن عمه، ومن أراد التنويه به، وأن يشرف صاحبكم - وكان ابن طالب من بني عم الأمير - انصرفوا. فإنا لا نسألكم عن تزكية، ولا جرحة. فانصرف القوم، فكانت تلك أول نكبة سليمان. ثم لم تزل أمور ابن طالب تنتمي، الى أن عزل سليمان وولي ابن طالب قضاء إفريقية مكانه. ووجه ابن الأغلب في ابن سحنون،فسأله ما تقول في يزيد؟ فقال أصلح الله الأمير. ما أقول ما قالت الإباضية، ولا ما قالت المرجئة. قال: وما قالت؟ قال: قالت الإباضية: إن من أذنب ذنبًا فهو من أهل النار. وقالت المرجئة: لا تضر الذنوب مع التوحيد. أما يزيد عظيمًا جسيمًا، ويفعل الله في خلقه ما أحب. ثم انصرف. وذكر أن رجلًا من أصحاب محمد، دخل بمصر، حمامًا، عليه رجل يهودي فتناظر معه الرجل فغلبه اليهودي، لقلة معرفة الرجل. فلما حج محمد بن سحنون صحبه الرجل، فلما دخل مصر، قال له: امض بنا، أصلحك الله، الى الحمام الذي عليه اليهودي. فلما دنا خروج محمد، سبقه الرجل. وأنشب المناظرة مع اليهودي، حتى حانت الصلاة. فصلى محمد الظهر، ثم رجع معه الى المناظرة، حتى كانت العصر، فصلاها. ثم كذلك العشاء، ثم الى العشاء الآخرة، ثم الى الفجر، وقد اجتمع الناس وشاع الخبر بمصر، الفقيه المغربي يناظر اليهودي، فلما كانت صلاة الفجر انقطع اليهودي، وتبين له الحق وأسلم. فكبّر الناس وعلت أصواتهم. فخرج محمد وهو يمسح العرق عن وجهه، وقال لصاحبه: لا جزاك الله خيرًا. كاد أن يجري على يديك فتنة عظيمة. تناظر يهوديًا، وأنت بضعف، فإن ظهر عليك اليهودي، لضعفك، افتتن من قدر الله فتنته، أو كما قال. وذكر أن رجلًا عراقيًا كان يؤذي محمد بن سحنون، وينال منه. فاشتد عليه مرة الفقر، فقام بباله قصده. فنهته امرأته لما عرفت منه، فلم يقبل منها. ووصل إليه. فقال: جئت أستعينك وأستعفيك. فقال: اذكر حاجتك. فقال: ما جئت الى هذا. قال: لابد أن تذكر حاجتك. فشكا إليه حاله. فاسترجع محمد، وقال: يا أخي بلغ منك هذاوأنا في الدنيا. وكتب له رقعة الى صيرفي بعشرين دينارًا. وقال اشتر بها لأهلك ما يحتاجون. ففعل الرجل، وأخبر الرجل بذلك ابن سحنون، فسر، ثم قال له: تقدر على السفر؟ قال: نعم. فكتب له كتبًا، وقال له: تمضي بها الى قسطنطينه. فمضى الرجل بها وأوصلها الى أصحابها. فأكرم وأضيف، وأعطي ثلاثمائة دينار. فظن الرجل أنها لمحمد بن سحنون وأنه وجهه وراءها. فلما وصل الى القيروان دفعها لمحمد بن سحنون مع أجوبة القوم. فقال محمد: إنا لله وإنا إليه راجعون. قال القاسم: قال الرجل: يا سيدي، إن كان بقي شيء رجعت إليه، أقتضيه لك. فقال: ليست لي، إنما هي لك. وما عهدناهم كذلك. وجعل يستقلها. وفي حكاية أخرى، أن رجلًا من العراقيين كان يغري به، حتى قيل إن صاحبه يشتمه علانية وسرًا، إذا وجده مع الناس، فشتمه يومًا في أذنه، وهو في أصحابه. فقال: نعم وكرامة. إذا تفرّغت تقضي حاجتك. وبلغ ذلك العراقيين. فتهموا صاحبهم وأضاعوه. فشكا حاله الى بعض الصالحين. فدله على محمد بن سحنون. فسار إليه، فأصغى إليه محمد أذنه، وهو يظن أنه يجري على عادته. فقال هو: والله ما جئتك إلا نائبًا منيبًا. فأجلسه. فلما قضى مجلسه أخذ بيده، وحمله الى منزله، ودفع إليه عشرين دينارًا. ثم كتب له ثلاثين كتابًا الى ثلاثين رجلًا من أصحابه بالساحل، يسأل كل رجل أن يشتري له جارية. فوصلت إليه ثلاثون جارية. فأمر ببيع خمسة منهن. وأصلح بها حال خمس وعشرين، ودفعهن الى الرجل. وحكى المالكي قال: كانت لمحمد بن سحنون، تسعة أسرة. يريد لكل سرير سرية. وكانت له سرية يقال لها أم قدام. فكان عندهايومًا، وقد شغل في تأليف كتاب الى الليل، فحضر الطعام، فاستأذنته، فقال لها: أنا مشغول الساعة. فلما طال عليها، جعلت تلقمه الطعام، حتى أتت عليه. وتمادى هو على ما هو فيه الى أن أذن لصلاة الصبح. فقال: شغلنا عنك الليلة يا أم قدام. هات ما عندك. فقالت قد والله يا سيدي ألقمته لك. فقال لها: ما شعرت بذلك. قال سليمان بن سالم: قال لي محمد بن سحنون: دخلت مسجد مدينة النبي ﷺ، فإذا بحلقة عظيمة، فيها شيخ متكئ، فجلست كما نزلت، بثياب السفر. فوجدتهم يتنازعون في مسألة من أمهات الأولاد. فأدخلت عليهم فيها حرفًا، فنبههم الشيخ عليه، فاسترد جالسًا. ثم زدت حرفًا آخر. فقال لي أين بلدك؟ فقلت: أصلحك الله، رجل حاج. فقال أين بلدك؟ قلت إفريقية. فقال ينبغي أن تكون ابن سحنون، أو ابن أخي سحنون. فقام إلي الشيخ في جميعهم فسلموا عليّ، وعتبوني إذ لم أعلمهم بنفسي. فوَالله ما خرجت من المسجد إلا والشيخ يكتب المسألة، وأنا أمليها عليه.