page 1054, entry [463]Open original source
ذكر بعض ما يحكى من كراماته ذكر أنه لما نزل قصر الرباط بغير شيء (¬٢٥٣) أقام فيه أياما مقبلا على الصلاة والصوم، فتبين فيه أهل الحصن * الضعف، من كثرة مداومته وقلة غذائه، فأتوه ليالى بطعام يفطر عليه من الشعير والبقل، فلما طال عليهم تركوه. فأقام ليلة وثانية لم يطعم فيها شيئًا. فلما كان فى الثالثة، إذا بضارب يضرب عليهم باب القصر، فسألوه فقال: غلام فلان - رجل من مشاهير القيروان مذكور بخير -وجهنى إلى الشيخ واصل بطعام، وقال لى: ان أوصلته إليه هذه الليلة أنت حر. وكانت الحصون لا تفتح بالليل. فشاوروا واصلا، فقال: ما عليكم أن تفتحوا له وتعتقوه. ففتحوا له، فإذا ببغل عليه حمل فيه دجاج، وفراخ، وسنبوسج، وعجج، وحلوى، وجرادق، فمد يده الشيخ إلى شيء منه فأكله، ثم قال لهم: اقسموا: اقسموا جميعه. فقسموه فيما بينهم، وقالوا: أبيتم أن تطعموه الشعير ببقل البرية، حتى أطعمكم هذا الطعام الطيب! وقيل فى مثل هذه الحكاية عنه: ان امرأة رأت فى المنام قائلاً يقول لها: أخوك واصل جائع، فابعثى إليه بطعام. فقالت لعبد لها: ان وصلت إليه فأنت حر. وأتت مرة مراكب الروم عند قصره، فأرادوا أخذ الماء، فمنعهم المسلمون، فلما يئسوا بسطوا الانطاع واستسقوا فسقوا، فبلغ ذلك واصلا فاشتد عليه، وقال: اللهم غرقهم واجعلهم نفلا للمسلمين. فأرسل الله عليهم للوقت ريحا شديدة، فكسرت مراكبهم، ورمت بهم إلى البر، فعنمهم المسلمون. قال سعدون: قال لى واصل: مكثت احدى عشرة سنة أتعرف فيها حالي عند الله كل ساعة، فما علمت أن الشيطان ظفر بي ولا ساعة واحدة إلا فى ثلاث خطوات خطوتها فى طريق، ثم عاد على العلم ببركته فرجعت. وذلك أنى كنت أمشى فى طريق الساحل فلما كان آخر النهار، عارضنى طريقان، أحدهما إلى قرية رجل صالح غنى، والآخر إلى قرية رجل صالح فقير، وهما صديقان لى.فوقفت أنظر من أقصد، فقالت لى نفسى: ان قصدت الفقير عساك لا تجد عنده شيئًا يتعشى عياله وأطفاله، وان كان عنده ضيقت عليهم وعممتهم، وان قصدت الغنى وجدت عنده خبزا طيبا من القمح، من أرضه الموروثة، وزيتا من زيتونه، وتينا فاخرا، وعساه يذبح لك خروفا من غنمه، وهى ترعى فى أرضه، فتسره وتجد بغيتك، وتأكل شهوتك. فخطوت فى طريقه ثلاث خطوات، ثم استيقظت، فقصدت طريق الفقير، فرحب بي وطيب، وأخذ بيدى إلى بيته، فلما جلسنا لنتعشى دق الباب علينا، فخرج فأتاني بصحفة ثريد من القمح، عليها لحم خروف سمين، فقال لي: كل. فأكلنا حتى شبعنا، وحمل البقية إلى عياله. ثم ضرب الباب، فخرج، فأتى بطبق فيه صحفة زيت، وتين فاخر، فأكلنا حتى شبعنا. ثم سألته فقال: أتاني به جار لى. فقلت له: صح لى به. فسألته عن السبب. فقال: نعم، كان عندنا خروف سمناه، وكنا ننتظر به يومًا نفرح الصبيان بذبحه، فحل اليوم ذلك بقلوبنا، فلما ذبحناه وثردنا، ورأيتك نزلت بجارنا، قلت لامرأتى: لا ينزل بصالح إلا صالح مثله، وليس له طاقة، ونحن نجد العوض في غد يومنا، فهل ترين أن نطعمهم اياه، ونسألهم دعوة لنا ولاولادنا؟ فقالت: افعل. فجئتكما به من على المائدة. ثم قالت لى الزوجة: لابد من حلاوة، فأعطتنى هذا التين والزيت.قال أبو الحسن القابسي: ذكر أن ابن سحنون كان يومًا ضحوة يلقى على أصحابه المسائل، وهو يشرح (¬٢٥٤)، اذ وجم ساعة، ثم نهض للقيام، ثم * قال: من حضرته نية لزيارة الشيخ واصل فليقم. وخرج من فوره، فوصل عصر غده، فأتى المسجد، فدخل واصل فصلى بهم، ثم خرج يتنفل إلى جانب ابن سحنون، فلما سلم، وسلم ابن سحنون من ركوعه، قال الشيخ لابن سحنون: أعد الركعتين، فاني رأيتك أمررت يدك على لحيتك، وهو عمل في الصلاة. فقال له محمد: وأنت فأعد، لأنك شغلت سرك بي. فقال له واصل: أظنك محمد بن سحنون! قال: نعم. فمد يده إليه وصافحه، وقال: سألت الله أمس ضحوة من النهار أن يجمع بيني وبينك. وأخبار واصل كثيرة، وكانت وفاته سنة اثنتين وخمسين ومائتين.