page 1057, entry [464]Open original source
محمد بن سحنون مر نسبه في ذكر أبيه. تفقه بأبيه، وسمع من ابن أبى حسان، وموسى بن معاوية، وعبد العزيز بن يحيى المدنى، وغيرهم. ورحل إلى المشرق، فلقى بالمدينة أبا مصعب الزهري، وابن كاسب، وسمع من سلمة بن شبيب. قال أبو العرب: وكان إماما فى الفقه، ثقة، وكان عالمًا بالذب عن مذاهب أهل المدينة، عالمًا بالآثار، صحيح الكتاب، لم يكن في عصره أحذق بفنون العلم منه فيما علمت.قال ابن أبى دليم: وكان الغالب عليه الفقه والمناظرة، وكان يحسن الحجة والذب عن السنة والمذهب. قال ابن حارث: كان عالمًا فقيها مبرزًا، متصرفًا في الفقه والنظر، ومعرفة اختلاف الناس، والرد على أهل الأهواء، والذب عن مذهب مالك، وكان قد فتح له باب التأليف، وجلس مجلس أبيه بعد موته. قال يحيى بن عمر: كان ابن سحنون من أكثر الناس حجة، وألقنهم بها، وكان يناظر أباه، وكان يسمع بعض كتب أبيه في حياته، يأخذها الناس عنه قبل خروج أبيه، فإذا خرج أبوه قعد مع الناس يسمع معهم من أبيه. وقال سحنون: ما أشبهه إلا بأشهب. وقال: ما غبنت فى ابنى محمد (¬٢٥٥) إلا أنى أخاف أن يكون قصير العمر. وكان يقول لمؤدبه: لا تؤدبه إلا بالكلام الطيب والمدح، فليس هو ممن يؤدب بالتعنيف والضرب، واتركه على بختى (¬٢٥٦) فانى أرجو أن يكون نسيج وحده، وفريد أهل زمانه. قيل لعيسى بن مسكين: من خير من رأيت في العلم! فقال: محمد بن سحنون. وقال أيضًا: ما رأيت بعد سحنون مثل ابنه، وكان رأى جماعة بالمشرق وغيره. قال حمديس القطان: رأيت العلماء بمكة والمدينة ومصر، فما رأيت فيهم مثل سحنون، ولا مثل ابنه بعده.وذكر ابن مغيث (¬٢٥٧) أن القاضى اسماعيل بن اسحاق ذكره له، فقال له فيه: الإمام ابن الإمام. وذكر مرة ما ألفه العراقيون من الكتب، فقال له اسماعيل: عندنا من ألف فى مسائل الجهاد عشرين جزءًا، وهو محمد بن سحنون، يفخر بذلك على أهل العراق. قال ابن حارث: كان من الحفاظ المتقدمين المناظرين المتصرفين، وكان كثير الكتب، غزير التأليف، له نحو من مائتى كتاب في فنون العلم. ولما تصفح محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، كتابه وكتاب ابن عبدوس، قال في كتاب ابن عبدوس: هذا كتاب رجل أتى بعلم مالك على وجهه، وفى كتاب ابن سحنون: هذا كتاب رجل يسبح في العلم سبحا. قال ابن الجزار: كان ابن سحنون امام عصره في مذهب أهل المدينة بالمغرب، جامعا لخلال تلما اجتمعت في غيره، من الفقه البارع، والعلم بالأثر والجدل والحديث، والذب عن مذهب أهل الحجاز *، سمحا بماله، كريمًا فى معاشرته، نفاعا للناس، مطاعا، جوادا بماله وجاهه، وجيها عند الملوك والعامة، جيد النظر في الملمات. قال حمديس: جئت يومًا إلى محمد بن سحنون، فأخرج إلى كتاب الرجوع عن الشهادة، فقال لى: خط من هذا؟ قلت: خط سحنون. وكان ابنا عبدوس أنكرا أن يكون لسحنون. فقال الرجل: امض بالكتاب اليهما، ولا يمساه، وأرهما اياه ورقة ورقة، وقل لهما: خط ـ من هو؟ ففعل الرجل ذلك، فقالا: خط سحنون، وما ظننا ذلك.فقال: قل لهما: يا مساكين! يكون مقامى مقامكما! أنا معه في الدار وأنتما برا (¬٢٥٨).