page 844, entry [317]Open original source
محنة يحيى بن يحيى رحمة الله عليه كان يحيى ممن اتهم بالاجلاب في الهيج بقرطبة على الأمير الحكم بن هشام، فلما أظفره الله بالقائمين عليه واستباحهم، ثم أجلى بقيتهم، كان ممن فر عنه عيسى بن دينار، ويحيى بن يحيى. فذكر أن يحيى خرج مع أخيه فتح - وكان رأسا في أصل الخلاف - متنكرين على باب اليهود بقرطبة، يريدان الفرار، وقد أنذر الأمير أهل الأبواب أن يقتلوا كل من اجتاز بهم ممن ينكرونه، فعدل أخو يحيى إلى كبير أولئك البوابين لصداقة كانت بينه وبينه، وثق بها منه، ليودعه ويوصيه بمن يخلفه، وقد نهاه أخوه يحيى عن ذلك؛ فلما دنا منه كشف له عن وجهه، وطلب خلوته، فساعة وقعت عينه عليه قبض عليه وأمر بضرب عنقه، ويحيى ينظر بناحية، فتزايد ذعره وبالغ في تنكر نفسه؛ ونزل بقوم من مصمودة، قومه (¬٤٧١)، في طريقه، فراموا الفتك به، لأخذ ما كان على بطنه من المال، فأنذرته ابنة أحدهم بذلك فلما اجتمعوا معه للعشاء، قام كأنه يريد حاجة، وركب رمكة (¬٤٧٢) وجدها في الدار سائبة عريا، فنجا عليها.ولما أبطأ عليهم خرجوا فوجدوه قد فات، وسار إلى أن نجا، فلحق بطليطلة، ورد رمكتهم، فتقبله أهلها وأجاروه. وكان مجيره المعروف بأبزى (¬٤٧٣)، وطالبهم الأمير الحكم بإسلامه إليه، فلم يفعلوا، ومنعوه بعزة أنفسهم، فأتاه كتاب الأمير أخيرا في الرجوع إلى وطنه، وبذل له الأمان، ويرد إليه متاعه وماله، وكان يحيى قد كتب إليه في ذلك، فاستجاب له، وعاد إلى قرطبة، أخريات أيام الحكم، فلم يزل تحت كرامة بقية أيامه وأيام ولده، وعرض جاهه، وشهر فضله وعلمه؛ ولما انصرف إلى قرطبة باع جميع عبيده، واستبدل بهم، فقيل له في ذلك، فقال؟ نكره أن يصحبنا من عرف ما دار علينا من الهرب والذل، وامتدت أيامه إلى أن توفى لثمان بقين من رجب سنة أربع وثلاثين ومائتين، فيما قاله ابن الفرضي. وقال الرازي: عشية يوم الأربعاء لثمان بقين من ذي الحجة. وقيل إنما توفى سنة ثلاث وثلاثين، حكاه أبو عمر الحافظ. وكان سنه يوم توفى ثنتين وثمانين سنة، وترك ابنين يأتي ذكرهما. ولما مات يحيى أسند وصيته إلى القاضي محمد بن زياد بن ربيع، أحد خاصته، وهو الذي صلى عليه بعد موته. فذكر أن ابنه الأصغر عبيد الله كان قدمه، وأن ابنه الأكبر إسحاق تقدم بتقدمه للصلاة عليه، يكبر بتكبير ابن زياد ويسلم بتسليمه؛فلما ووري يحيى، أنكر ابن زياد على إسحاق ما فعله، ووبخه، وقال له: ما أقدمك على هذا؟ فقال له إسحاق: ومن قدمك أنت على أبي؟ فقال له ابن زياد: أمر الصلاة إلي، ومع هذا فإن أخاك عبيد الله قدمني وهو أرشد منك على شبابه - وكان سن عبيد الله إذ ذاك سبعة عشر سنة - والله لولا حفظي لصاحب الحفرة لأدبتك. فكان ثناء ابن زياد يومئذ على عبيد الله أول أسباب سؤدده. قال يحيى بن إسحاق بن يحيى بن يحيى، في كتاب المبسوطة (¬٤٧٤) قال لي أبي. دخلت أنا وعبد الملك زونان على أبي، يحيى، وهو مريض، فسأله عن علته. فقال له: يا أبا الحسن! إنه ليخفف عني ما أنا فيه، تفكري في عظيم ما له خلقت. فكان زونان يردد هذا من كلامه ويعجب به. وقال له مرة أخرى: يا أبا الحسن! ليتني أزحزح عن النار، على أن لا أسمع بذكر الجنة. وليحيى بن يحيى وصية لطلبة العلم مشهورة.﷽ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما قال القاضي الإمام أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض، رضي الله تعالى عنه: قد انتهى بنا القول في الطبقات الثلاث من أصحاب مالك، الذين أخذوا عنه وسمعوا منه، منتهاه، وبلغ بنا الذكر بعون الله تعالى لتعيين من نصصنا عليه مداه، واستوفينا من أنبائهم ومختلف أحوالهم ما شرطناه. فلنعرج على من بعدهم من أتباعهم ورواتهم، الملتزمين مذهبهم، الناهجين في التفقه على مذهب مالك نهجهم، وإن كان منهم من قارن الطبقة الوسطى والصغرى من أصحاب مالك، ومن تقدم بعضهم في الزمان والظهور، ولكن قدمنا أولئك لمراتبهم، لصحبة إمامهم، وجئنا بهؤلاء، ثم بمن جاء بعدهم إلى زمننا، مرتبا لهم على طبقاتهم من تقدم الزمان وتأخره، ذاكرا لكل واحد ما بلغني عنه من مفيد شمائله وخبره. والله المعين لا رب غيره.