page 840, entry [316]Open original source
ذكر فصول من كلامه وحكمه وأخبار من تنزهه وعقله وزيه كتب إلى يحيى رجل من قريش يسأله عن حنث شك فيه، وأنه لم يرض مسألة غيره. فكتب إليه: أرى لك أن تتورع منها، ولا تهونن الناس عليك، فتكون عليهم أهون، والسلام وقال لآخر سأله عن مسألة حنث وقعت في مجلسه: لا ينبغي لك أنتسأل العلماء عن كل ما يحضر مجلسك مما لا ينبغي أن يحرج دينك، فإنه أزين لك والسلام. وجمع بعض أصحاب يحيى وفوده على ابن القاسم، فأراد أن يقرأها عليه، فتعاظم ذلك وأبى منه؛ فقيل له: أو ليست حسنة؟ فقال: أنا لا أحب كل حسن أكون فيه مخالفا لمالك وابن القاسم، ثم لم يمكن من عرضها عليه. وكان يحيى يقول: تعاونوا على قطع المعانقة، وأول من أحدثها عندنا النساء والصبيان والخصيان. وقيل ليحيى: قال الحسن: لولا الحمقى ما عمرت الدنيا، فقال يحيى: لكني أقول لولا الحلماء ما عمرت الدنيا. وقيل له: قال سفيان الثوري: ما أخاف على نفسي (¬٤٦٦) إلا القراء والفقهاء، ما أنا قلته، قاله إبراهيم النخعي؛ فجعل يحيى يتعوذ ويقول: اللهم لا تخف (¬٤٦٧) بنا أحدًا من خلقك، مرارا. ثم قال: إن رجلا يخيفه (¬٤٦٨) الله خيار خلقه رجل سوء. وكان يحيى يقول: أدخل الحشمة بينك وبين الناس، فإنه أوقر لحرمتك.وسأله رجل في غير مجلسه عن مسألة، فأنكر ذلك، وقال: إذا جلست مجلس السائل والمجيب أجبناك. وقيل له: لم لا تنبسط في الملأ كانبساطك في الخلاء؟ فقال: لو فعلت ذلك لتلوعب بين يدي، وأنا أحب أن يقتدى بي كما اقتديت أنا بغيري. وأراد أن يجاوب في مسألة، فاستمد، فلم يجد المداد، ثم تكرر فلم يمكنه، فقال له رجل إلى جنبه: هذه الدواة يا أبا محمد! فقال: لو كان لكان؛ فضم الفتى الدفتر إلى وجهه، وتبسم، ولحظه يحيى ثم قال: لو جلست في بيتك كان أستر لك. وقال: من أراد أن يعمل بما يقول، اقتصد (¬٤٦٩) ومن لم يرد ذلك، لم يبال ما يقول. وكان يحيى يعجب بكلمة حكمة قالها له الحاجب عبد الكريم بن مغيث، - وقال له يحيى مرة: إني أريد أن أكلمك بشيء يرق وجهي عنك فيه شديدًا - فقال له: يا أبا محمد: كل شيء تبلغ الحشمة منك فيه هذا، فضعه عن نفسك. وكان يحيى يعجبه ويقول: ما أزين الحلم بالرجال. وسمع يحيى بن يحيى يقول في قول الله ﵎: ﴿يَابَنِيآدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ (¬٤٧٠) قال: (لباس التقوى) السكينة والوقار وحسن السمت. ثم يرجع يحيى فيقول: مع العمل بما يشبه ذلك وسئل عن الزهد في الدنيا فقال: من لم يرض منها إلا بالحلال فهو فيها زاهد، وإن كان عليها مكبا حريصا. وقال: من جاءه الموت وهو يطلب العلم، لم يكن بينه وبين الأنبياء في الجنة إلا درجة. وذكر يحيى أصحاب الأعراف فترجع واسترجع، وقال: قوم أرادوا وجها من الخير فلم يصيبوه؛ فقيل له: أفيرجى مع ذلك لسعيهم ثواب؟ فقال: ليس في خلاف السنة رجاء ثواب. وقال قوم ليحيى: يا أبا محمد لو توكلنا على الله حق توكله، لأتانا بالرزق إلى بيوتنا كما يأتي الطير. قال: والله ما كان يأتي عيسى ابن مريم البقل البري حيث هو جالس، حتى يخرج إليه إلى الصحراء يلتمسه؛ وقيل ليحيى: إن من مضى كان يتمنى الفقر، فأنكر ذلك وقال: لا ينبغي لمن يعقل أن يتمنى ما تعوذ منه نبيه ﷺ. وكان يحيى يلبس الوشى الرفيع، يريد القطني، ثمنه المال العظيم، في الأعياد والدخول على الأمراء.وقال الأمير محمد: ركبت يومًا في حياة أبي، فلقيت يحيى بن يحيى، فراكبني، ثم ضرب على يدي، وقال لي: هذا الأمر صائر إليك، فاتق الله في عباد الله، فكانت في نفسي حتى صرت إليه، ووليت الأمر بعده.