page 792, entry [279]Open original source
طالوت بن عبد الجبار المعافرى من أهل قرطبة، قال أبو بكر بن القوطية: كان آخر (¬٤٠٧) من أخذ عن مالك بن أنس ونظرائه من أهل العلم، وشهر بالصلاح والفضل، وإليه ينسب المسجد والحفرة بداخل مدينة قرطبة، وهناك كان مسكنه، وكان ممن استخفى من أعلام فقهاء قرطبة في ثورة أهل قرطبة على أميرهم الحكم بن هشام، وظفر بهم، وهو صاحب القصة المشهورة المضروب بها المثل في الوفاء للذمة؛ وكان طالوت قد استخفى خوفًا على نفسه عند رجل من اليهود من جيرانه ووثق به، فتقبله أحسن قبول، ومكث عنده بأفضل حال حولا، حتى طفئت النائرة، وظن الفقيه أنه أمل اليهودى؛ وكانت بينه وبين أبي البسام الوزير وصلة حن بها إليه، رجاء أن يأخذ له الأمان؛ فساء اليهودى تحوله عنه، ونصحه فلج، وقصد الوزير خفية بين العشائين، فأظهر القبول له، وسأله أين كان قبل، فأخبره، فصوب رأيه في انتقاله إليه، ووعده الشفاعة له، وبادر بالركوب إلى الأمير من وقته، وقد وكل به من يحرسه، فقال للأمير: ما رأيك في عجل سمين عاكف على مذوده منذ سنة، يلذ مطعمه، هذا طالوت رأس المنافقين عندى، قد أظفرك الله به. قال: قم فعجل به؛ووثب فجلس على كرسى بباب مجلسه يتوقد غيظًا عليه، فلم يلبث أن أدخل طالوت عليه، فجعل يتقرعه بذنوبه، ويقول: طالوت! طالوت! الحمد لله الذي أظفرني بك، ويحك، أخبرني لو أن أباك أو ابنك قعد مقعدى بهذا القصر، أكانا يزيدانك من البر والإكرام على ما فعلته أنابك، هل رددتك قط في حاجة لك أو لغيرك، ألم أشاركك في حلوك ومرك؟ ألم أعدك مرات في علاتك؟ ألم أشاركك في حزنك على زوجتك، فمشيت في جنازتها راجلا إلى مقبرة الريض وانصرفت معك كذلك إلى منزلك؟ وغير شيء من التوقير فعلته بك. ما حملك على ما قابلت به إجمالي، ولم ترض مني إلا بخلع سلطاني، والسعى لسفك دمى، واستباحة حرمى؟ فقال له طالوت: ما أجد لي في هذا الوقت مقالا أنجى من صدقك، أبغضتك لله وحده، فلم ينفعك عندى كل ما صنعته، هي حظوظ دنياك (¬٤٠٨)؛ فسرى عن الأمير، وسكن غيظه، وملئ عليه رقة وقال: والله لقد أحضرتك وما في الدنيا عذاب إلا وقد عرضته اختار أفظعه لك، فقد حيل بينى وبينك، فأنا أعلمك أن الذي أبغضتنى له قد صرفني عنك، فانصرف في أمان الله تعالى، وتصرف حيث شئت، وارفع إلى حاجاتك، فلن تعدم منى برا ما بقيت، فيا ليت الذي كان لم يكن. فقال له طالوت: صدقت، فلو لم يكن كان خيرًا لك، ولا مرد لأمر الله. فلم يزل طالوت بعد لديه مبرورًا إلى أن توفى عن قريب، فأسى له الحكم، وحضر جنازته، وأثنى عليه بصدقه؛وسأل الحكم طالوت، بعد أن أمنه في ذلك المجلس، كيف ظفر بك صاحبك الوزير؟ قال أنا أظفرته بنفسى عن ثقة، لوصلة بيني وبينه، ليشفع لي عندك، فكان منه ما رأيت؛ فقال له: فأين كان مثواك قبل؟ فأخبره بخير اليهودي؛ فقال الحكم للوزير: سوءة لك، رجل من أعداء الملة حفظ لهذا الشيخ محله من الدين والعلم، فأخطر بنفسه فيه، وناقضت أنت ذلك وهو من خيار أهل ملتك، وأردت أن تزيدنا فيما نحن نادمون عليه من سوء الانتقام، اخرج عنى قبحك الله ولا ترنى وجهك، ووفر أرزاقه وطوى من بيت الوزارة فراشه، فسقط آخر الدهر، وذهب عقبه، وما زالوا في ارتكاس وخمول: وقد قيل: إن اعلامه إياه بهذه القضية وتباين ما بين الرجلين كان سبب عفو الأمير عن طالوت وانقلاب حقده على الوزير الواشي به والله أعلم.