page 770, entry [268]Open original source
ذكر عجائب أخباره وبراهينه ووفاته * ذكر بعضهم أنه نزل في طريق سوسة فاستلقى، ثم قال لأصحابه: يأتيكم الساعة رجلان يسألان عن شيء، فتسمعون ما تكرهون، ومعهما طعام تأكلونه أنتم ولا أكله أنا؛وإذا برجلين على بغلة، فسألا عن الشيخ، وقالا له: رجل له عجل رأى في المنام أنه يخالفه إلى خمير عنده يأكله؛ قال: فقال أبو خارجة له: عبد خلاسي (¬٣٩٢) يخالفه إلى أهله؛ فقال أحد الرجلين الآخر: قد نهيناه عن دخوله إليه فلم ينته؛ ثم قالا: معنا شيء من زادنا فأخرجا خبز شعير ودجاجة وزيتونا، فأكل من حضر، ولم يأكل هو منه، إذ كانت به أرواح يضرها هذا الطعام. وسأله رجل أنه يرى كأنه يحرث في صفا؛ ففسر أبو خارجة وقال: هذا رجل يطلب الصبيان. وكان أبو خارجة يقول: اللهم أمتني قبل أن يخرج من ها هنا قوم ينبحون نباح الكلاب، يشير نحو أرض المغرب. وكان بنى مسجدًا عظيمًا فيه نحو عشرين سارية عظاما، فقالوا له: من يرفع هذه السواري؟ قال: الذي خلقها. فأصبحت السواري مرفوعة ورؤوسها عليها. قال ابن مسكين: كان عندنا رجل له تابع، فقال له يوما: لأخوفن أبا خارجة؛ فنهاه صاحبه، فقال: لأفعلن، فلما كان في الليل ركب أبو خارجة إلى منزله، فلقيه خيال، ثم عرض له شخص، فقصده أبو خارجة وجعل يضربه وهو يفر منه ويصيح، حتى غاب في الزيتون، فذهب أبو خارجة، فأتى التابع صاحبه وهو لما به (¬٣٩٣)، فأخبره، فقال قد نهيتك.قال: وكان أبو خارجة يصلي من الليل في مسجد استضافه أهله، فبينا هو يصلي نظر في ركن المسجد - وأراه بعد غلقه - إلى شيخ قائم يصلي، فلما سلم أبو خارجة استل سيفه فهزه وقصده، وهو يقول: أعلى تجسر؟ فالتمع منه (¬٣٩٤) وذهب. وكان يقول: لا تذهب الليالي والأيام حتى تمحى كتب أبي حنيفة، فكان كذلك أيام سحنون. ومن حكمه قوله: ثلاثة من أعلام الإحسان، كظم الغيظ، وحفظ الغيب، وستر العيب، وثلاثة من أعلام المعرفة، الإقبال على الله، والانقطاع إلى الله، والافتخار بالله، وثلاثة من أعلام الفكرة، سرعة الإدكار، وإدمان الاعتبار، وكثرة الاستغفار. وكان يقول عند إفطاره: الحمد لله الذي هداني فصمت، والحمد لله الذي رزقني فأفطرت، إن تعذبني فأنا أهل لذلك، وإن تغفر لي فأنت أهل لذلك. وكان يقول ثلاث من أعطيهن فقد اغتبط؛ علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا، وعملا متقبلا. وذكروا أنه أصاب الناس سبع سنين قحط، فأتوا أبا خارجة يستسقي لهم، فقال لهم: تأتون غدًا بنسائكم وصبيانكم وبهائمكم، وتبيتون الصيام الليلة، فإذا كان غدًا قفوا بين يديه، وتضرعوا إليه، فإنه يرق لحالكم، ففعلوا ذلك، وخرج أبو خارجة فصلى بهم وخطب، ودعا، ثم جلس إلى صلاة الظهر، وقد اشتد الحر، وبكى الأطفال، وصاحت البهائم من الحر، فصلىبهم الظهر ثم بسط يديه وقال: أنت مولانا، ما لنا غيرك ولا سواك، بك نالوا الدرجة الرفيعة والمواهب العالية، ولولاك ما نالوها، وأنت ذو رحمة واسعة، وأنت العالم بأحوالنا وقبيح أعمالنا، وما لنا غيرك ولا سواك، وقد قامت آمالنا بك وقد جثونا بين يديك، بهائمنا جائعة، وأرضنا سوداء يابسة، وقلوبنا خائفة، وبيوتنا فارغة *، وسماؤك عامرة، وخزائنك واسعة، فاسقنا سقية نافعة، تجدد الإيمان في قلوبنا، ولا نبرح بين يدي كريم حتى تسقينا، وسيلتنا إليك نبينا الذي جعلته رحمة لنا ﷺ. قال: فإذا بريح بيضاء بدت لهم، ثم اندفعت السماء بالغيث، فمضى أبو خارجة يرفع يديه ويقول: بهذا يعرف الكريم، هذا فعلك فيمن قصدك، وبهذا تعرف وتوصف. وتوفي أبو خارجة في ربيع الآخر سنة عشر ومائتين، وسنه ست وثمانون سنة. * * *