page 645, entry [211]Open original source
ذكر محنته ووفاته رحمه الله تعالى قال الفضل بن الربيع: بعث إلى الرشيد في وقت لم يكن يبعث إلى فيه، فدخلت عليه في مجلس خاصته، وبين يديه سيف، وقد أريد وجهه، فقال لي: يا فضل اذهب إلى هذا الحجازى محمد بن إدريس: فأتنى به، فإن لم تأتنى به، أنزلت بك ما أريد به؛ فأتيته، فألفيته في مسجد بيته يصلى، فانفتل من صلاته. فقلت له: أحب أمير المؤمنين؛ فقال: بسم الله، وحرك شفتيه؛ ثم نهضت أمامه وهو يقفونى، حتى أتيت القصر، وأنا أرجو أنه نام، فإذا هو هو جالس، فقال: ما فعل الرجل؟ قلت: بالباب؛ قال: لعلك روعته. قلت: لا. قال: أدخله. فلما دخل تزحزح له عن مجلسه، وتهلل وجهه، وضحك إليه وصافحه وعانقه، وقال له، يا أبا عبد الله! لم يكن لنا عليك من الحق، ألا تأتينا* إلا برسول؟فاعتذر بعذر لطيف؛ فقال: أنا أمرنا لك بأربعة آلاف دينار، وفي رواية بعشرة آلاف درهم (¬٢٨٤). فقال: لا أقبلها. فقال: عزمت عليك لتأخذنها، يا فضل! احملها معه؛ قال الفضل: فلما انصرفت قلت له: بالذى أنجاك منه، وأبدلك رضاه من سخطه ما قلت في اقبالك إليه، ودخولك عليه؛ قال: نعم، قلت شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم، رب العرش العظيم، اللهم إني أعوذ بنور قدسك، وعظمة طهارتك، وبركة جلالك، من كل آفة وعاهة، أو طارق يطرق إلا طارقا يطرق بخير، يا أرحم الراحمين، اللهم أنت عياذي، فبك أعوذ، وأنت ملاذي فبك ألوذ، يا من ذلت له رقاب الجبابرة، وخضعت له مقاليد الفراعنة، أعوذ بكرمك من غضبك، ومن نسيان ذكرك، ومن أن تخزينى أو تكشف سترى، أنا في كنفك في ليلي ونهاري وظعني وأسفارى، ونومى وقرارى، فاجعل ثناءك دثارى، وذكرك شعاري، لا إله غيرك، تنزيهًا لوجهك، وتعظيمًا لسبحات قدسك، أجرني من عقوبتك وسخطك، واضرب على سرادقات حفظك، وأعطنى خير ما أحاط به علمك، واصرف عنى سوء ما أحاط به علمك، وأمن على روعاتي يوم القيامة يا أرحم الراحمين؛ قال الفضل: فما دخلت على سلطان فدعوت بهذا الدعاء إلا ضحك في وجهي وضمني وأكرمني؛وفى رواية أخرى أن الفضل سأله بما دعا به؛ فقال: نعم، هو ما حدثني به مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ دعا به يوم الأحزاب: اللهم إني أعوذ بنور قدسك، وعظمة طهارتك، وبركة جلالك من كل آفة وعاهة، وذكر نحو ما تقدم. *** وتوفى الشافعي بمصر عند عبد الله بن عبد الحكم، واليه أوصى؛ قال الربيع: كنا جلوسًا في حلقة الشافعي بعد موته بيسير، فوقف علينا أعرابي فسلم ثم قال: أين قمر هذه الحلقة وشمسها؟ فقلنا: توفي رحمه الله تعالى. فبكى بكاء شديدًا، وقال: ﵀ وغفر له ما أكثر ما كان يفتح ببيانه منغلق الحجة، ويهدى خصمه واضح المحجة، ويغسل من العار وجوها مسودة، ويوسع بالرأى أبواباً منسدة، ثم انصرف. وكانت وفاته بمصر يوم الخميس، وقيل ليلة الجمعة، منسلخ رجب سنة أربع ومائتين/ [ودفنه بنو عبد الحكم في قبورهم، وصلى عليه أمير مصر، وكان رحمه الله تعالى خفيف العارضين يخضب] / (¬٢٨٥).