page 640, entry [209]Open original source
ذكر جوده وبقية أخباره وفضائله انصرف الشافعى من اليمن الى مكة، ومعه عشرة آلاف دينار، فضرب خباء خارج مكة، وجاءه الناس، فما برح حتى فرقها كلها، فلما دخل مكة استسلف ما أنفق. قال الربيع: ما أرى أتى عليه يوم الا تصدق فيه، وكان في شهر رمضان كثير الصدقة بالثياب والدراهم، ويطعم (¬٢٧٨) الفقراء. وأصلح رجل زره فأعطاه دينارًا، واعتذر اليه، وناوله آخر سوطه، فأعطاه صرة دنانير، وقال: لم يحضرني غيرها. *** قال الربيع: قد سمعنا بالأسخياء، وقد كان قوم عندنا بمصر منهم رأيناهم، فأما مثل الشافعي، فما رأيناه ولا سمعنا أحدًا في زمانه كان مثله، وكان اذا سأله انسان يحمر وجهه حياء من السائل. ودخل مرة الحمام فأعطى * صاحبه مالا كثيرًا. وسقط سوطه فناوله له انسان، فأعطاه خمسين دينارًا. *** وأنشد الشافعي عند خروجه الى مصر: أخي أرى نفسي تتوق الى مصر … ومن دونها أرض المفاوز والقفر فوالله ما أدرى أللخفض والغنا … أساق اليها أم أساق الى القبر قال المؤلف رحمه الله تعالى: سيق اليهما معا ﵀. ***قال سعد بن عبد الله بن عبد الحكم: لما قدم الشافعى مصر، قدم علينا على خلة شديدة، فمضى أخي محمد إلى بعض من بالبلد من المياسير، فقال له: قد قدم علينا رجل من أصحابنا، ومن أهل مذهبنا من قريش، على خلة، فتأمر بما يغير به حاله فأمر له بخمسمائة دينار، فلما كان المساء اجتمعنا عند أبي، فقال: ما كان ينبغى أن يرضى بمثل هذا من فلان. فقال له أخي: فأعنا عليه، ففعل، فأتمها ألفًا. *** قال الشيرازي: ويقال أن ابن عبد الحكم دفع إلى الشافعي من مال نفسه ألف دينار، وأخذ له من بعض أصحابه ألفًا، ومن رجلين آخرين ألفًا ثالثاً. وعند ابن عبد الحكم مات الشافعي. *** قال سعد: وكان الشافعى يلزم محمداً ولا يفارقه. يأتيه كل يوم غدوة، فربما لم يجده في المنزل، فيسأل أين يذهب (¬٢٧٩)، فيمضى إليه. وكان يأخذ من كتبنا كتب مالك، في كل يوم جزءين، فيكونان عنده ذلك اليوم وليلته، ثم يغدو وقد فرغ منهما، فيردهما ويأخذ آخرين. *** وروى من أخباره أنه قال: بينما أنا أدور في طلب الحديث باليمن، قيل لي: هاهنا امرأة وسطها إلى أسفل بدن، والى فوق بدنان مفترقان، بأربع أيد ورأسين، فأحببت رؤيتها ولم أستحل ذلك، فخطبتها ودخلت بها، فوجدتها على ما وصفت، فلعهدى بالبدنين (¬٢٨٠) يتلاطمان ويتقاتلان ويصطلحان ويأكلان ويشربان؛ثم نزلت عنها (¬٢٨١) وغبت، ورجعت بعد مدة فسألت عنها فقيل لي: مات الجسد الواحد، وربط أسفله بحبل وثيق، وترك حتى ذبل، ثم قطع ودفن؛ فرأيت الشخص الآخر بعد ذلك يذهب في الطريق ويجيء. *** قال المؤلف ﵀: في نكاح مثل هذا نظر، وهما أختان لا شك، جمعهما بعض الجسد، وفرج مشترك، وإذا كان على ما وصف من اختلاف أخلاقهما وأغراضهما فهو أبين، والله تعالى أعلم. *** قال ابن عبد الحكم: روى أن أم الشافعى لما حملت به، رأت كأن المشترى خرج من فرجها حتى انقض بمصر، ثم وقع في كل بلد منه شظية (¬٢٨٢)، فتؤول أنه عالم يخص علمه أهل مصر، ويفترق منها في البلاد. قال الربيع: كان الشافعي يختم في كل ليلة ختمة، فإذا كان رمضان ختم في كل ليلة منه ختمة، وفي كل يوم ختمة؛ قال: وأفتى وهو ابن خمس عشرة سنة. وكان يحيى الليل حتى مات؛ *** ولما قدم الشافعى على الزعفراني نزل عليه، فكان الزعفراني يكتب للجارية ما يصلح من الألوان كل يوم لطعامه، فدعا الشافعي يوما الجارية، ونظر في الكتاب، فزاد بخطه لونا اشتهاه، فلما حضر الطعام أنكر الزعفراني ***اللون الذي لم يأمر به، فسأل الجارية فأخبرته، فلما نظر في الرقعة ووجده بخط الشافعي، أعتق الجارية فرحًا بذلك. وألح عليه يوما أصحاب الحديث، فقال لهم: لا تكلفوني أن أقول لكم ما قال ابن سيرين لرجل ألح عليه: انك أن كلفتني ما لم أطق * ساءك ما سرك منى من خلق. *** وروى أن الشافعى كان عطيرًا، وكان غلامه يأتيه كل يوم بغالية يمسح بها الأسطوانة التي كان يجلس إليها، وكان إلى جانبه رجل متزهد، فعمد إلى عذرة فجعلها في شارب نفسه، مضادة لما فعل، وكان يسميه البطال؛ فلما شم الشافعى الرائحة، قال: فتشوا نعالكم، ثم قال: ليشم بعضكم بعضا، فوجدوا ذلك بالرجل، فقال له الشافعي: ما حملك على ما فعلت؟ قال: رأيت تجبرك فأردت أن أتواضع الله؛ قال الشافعى: اذهبوا به إلى صاحب الشرطة يعقله حتى تنصرف؛ فلما خرج الشافعى أمر به فضربه ثلاثين درة، وقال له: هذا أراه لجهلك، ثم أربعين، وقال له: هذا لتخطيك المسجد بالعذرة.