page 121, entry [29]Open original source
الاعتبار الثاني: الالتفات إلى مأخذ الجميع في فقههم، ونظرهم على الجملة في علمهم، إذا هبط [¬٧] في آحاد [¬٨] النوازل وشُعَب الوقائع لا يدرك صوابه إلا المشتغل [¬٩] بالعلم، وتَبيين [¬١٠] ذلك لغيره يطول، ولا يدرك إلا في أمد تنقضى فيه الأعمار وتمر السنون، وحسب المبتدئ أن يُلَوَّح له بتلويح يفهمه اللبيب، ويقضي [¬١١] منه بترجيح مصيب، وهو أنا قد ذكرنا خصال الاجتهاد ثم مآخذه. وترتيُبه على ما يوجبه العقل ويشهد له الشرع: تقديم [¬١٢] كتاب الله تعالى على ترتيب [¬١٣] وضوح أدلته، من نصوصه، ثم ظواهره، ثم مفهوماته. ثم كذلك بسنة [¬١٤] رسول الله ﷺ على ترتيب متواترها، ومشهورها، وآحادها.ثم ترتيب نصوصها، وظواهرها، ومفهومها، على ما تقدم في الكتاب. ثم الإجماع عند عدَم الكِتاب ومتواتِر السُّنة. وبعد ذلك - عند عدم هذه الأصول - القياس [عليهما، والاستنباط منهما] [¬١] كتاب الله مقطوع به (¬١). وكذلك ما تواتر من سنة نبيه ﷺ[¬٢]. وكذلك النص المقطوع به [¬٣]، فوجب تقديم ذلك كله. ثم الظواهر. تم المفهوم منها، لدخول الاحتمال في معناها. ثم أخبار الآحاد يجب العمل بها والرجوع إليها [¬٤] عند عدَم الِكتاب والتواتر، وهى [¬٥] مُقدَّمَة على القياس، لإجماع الصحابة على الفصلين (¬٢)، وتركهم نظر أنفسهم متى بلَغهم [¬٦] خبر ثقةٍ [¬٧] عن النبي، ﵇ [¬٨]، وامتثالِهم مقتضاه [¬٩] دون خلاف منهم في ذلك [¬١٠]. ثم [¬١١] القياس آخرًا، إذ إنما [¬١٢] يُلجَأ إليه عند عدَم هذه الأصول في النازلة، فيستنبط من دليلها، ويعتبر الأشباه منها [¬١٣]، على ما مضَى عليه عمل الصحابة ومن بعدهم من السلف المرضيّين، وعُلِم من مذهبهم أجمعين.وأنت إذا [¬١] نظرت لأول وهلة منازع هاؤلاء الأئمة، وتقرير مآخذهم [¬٢] في الفقه، والاجتهاد في الشرع، وجدت مالكًا - رحمه الله تعالى - ناهجا في هذه الأصول مناهجها [¬٣]، مرتِّبا لها مراتبها ومدارجها [¬٤]، مقدِّمًا كتاب الله، ومرتبا لَه على الآثار [¬٥]، ثم مقدمًا لها [¬٦] على القياس والاعتبار، تاركًا منها لما لم يتحمله عنده الثقات [¬٧] العارفون بما تحملوه، أو ما [¬٨] وجد الجمهور والجم الغقير من أهل المدينة قد عملوا بغيره وخالفوه. ولا يلتفت إلى من تأَوَّل عليه بظنِّه [¬٩] في هذا الوجه سوء [¬١٠] التأويل، وقوَّله ما لا [¬١١] يقوله بل ما يُصرِّح أنه [¬١٢] من الأباطيل؛ ثم كان من وقوفه عن المشكلات [¬١٣] تحريه عن الكلام [¬١٤] في المعوصات ما سلك به سبيل السلف الصالحين. وكان يُرَجِّح الاتّباع، ويكره الابتداع، والخروج عن سنن الماضين. ثم سلك الشافعي سبيله وبسط مآخذه في الفقه وأصوله، لكن خالفه في أشياء أداه إليها [¬١٥] اجتهاده، وثقوب [¬١٦] فطنته، ولم يخلصه من دركها عدم استقلاله بعلم الحديث والأثر، وتزحزحه عن الانتهاء [¬١٧] في معرفته؛ ثم ما جرى بينه وبين بعض المالكية بمصر، وحَملِه عليه، حتى تميَّز عنهم - بعد أن كان معدودًا فيهم، وواحدا من جملتهم [¬١٨]، فبان بأصحابه [¬١٩] وتلاميذه، وصَرّح منحنيئذ بالخلاف والرد على أكبر أساتيذه، كما سنذكره في أخباره بعد هذا - إن شاء الله تعالى [¬١]- في قصته [¬٢] مع فِتيان بن أبي السَّمح، وتعصبه عليه، وامتحان ذلك الآخَر بعدُ به [¬٣]، ودخول التنافَر بينه وبين جماعتهم منذ ذلك [¬٤] بسببه [¬٥].