Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

Passage 282406

القاضي عياض - ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية · page 114, entry [28]

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية — القاضي عياض

page 114, entry [28]Open original source
الاعتبار [¬١] الأول: أَنْ نُبَيِّنَ [¬٢] جمعَ مالك لدرجات الاجتهاد في الدين، وحوزَه خصال الكمال في العلم، وبلوغَه في ذلك كله المنزلةَ [¬٣] التي لم يبلغها أحد [¬٤] من هاؤلاء المقلَّدين، قاصدًا بذلك مَقَصدَ الحقّ، غير راكنٍ إلى التعصُّب، بائحًا بالصِّدْق [¬٥]، ومُقتصِدًا [¬٦] فيما أَذكره من ذلك، غيرَ مُستيح عِرَض أحَدٍ مِن الأئمة وقادَة الخلق [¬٧]؛ وههنا معارك النزاع والاعتلاج، ومثار العِناد واللَّجاج. فأقول والله المستعان: لا خَفاء على مُنصِف بمنصب [¬٨] مالك من الإمامة في علوم الشّريعة وعلم الكتاب والسُّنة، وأَنه إمام المسلمين وأعلَمُهم في وقته بسنَّةٍ ماضيةٍ وباقية، وأميرُ المؤمنين في الحديث، ثم العلم بالاختلاف والاتّفاق؛ وهذا كله مما لا [¬٩] يُنكِره مخالفٌ ولا مُؤالف [¬١٠]، إلا من طبع على قلبه التعصب [¬١١]، وأنه القوة في السُّنن، وهو أول [¬١٢] من ألَّف فأجاد [¬١٣] التأليف، ورتَّب الكتبَ [¬١٤] والأبواب، وضَمَّ الأشكال، وصنَع من ذلك ما اتَّخَذَه [¬١٥] المؤلِّفون بعدَهُ قدوة وإمَامًا إلى وقتنَا هذَا في أقطار الأرض؛ هذا مع صُعوبة الابتداء، وخَيرة الاختراع، وهو أولُ من تكلَّم في غريب الحَديث، وشرَح في موطئِهالكثيرَ منه، وقد قال الأَصمعى: (¬١) أخبرني مالك مالك أَن الاستجمار هو [¬١] الاستطابة، ولم أسمعه إلا من مالك. ولَه في تفسير القرآن كَلامٌ كثير وَقَد جُمِع [¬٢]، وتفسير يرويه [¬٣] عنه بعض أصحابه؛ وقد جمع أبو محمد [¬٤] مكّى (¬٢) مصنَّفًا فيما رُوى عنه من التفسير والكلام في معاني القرآن وأحكامه مع تجويده له، وإحسانه ضبطَ حروفه، وقد ذكره أبو عَمرو المقري المقريء [¬٥] (¬٣) في كتابه في طبقات القراء المتصدّرين، وذكر روايتَه [¬٦] عن نافع (¬٤). قال البهلول بن راشد (¬٥) وغيرُه: ما رأيتُ أَنَزع بآية من كتاب الله [¬٧] من مالك بن أنس، مع معرفته بالصحيح والسَّقيم، والمعْمول به من الحديث والمتروك، وميزه للرجال [¬٨]، وصحّة حفظه وكثرة نقده، إلى ما يؤثر عنه من الكلام في غير ذلك من العلوم؛ كرسالته إلى ابن [¬٩] وهْب (¬٦) في الرّد على أهل القدَر، وكقولِهِ: جالَسْتُ ابْنَ هُمْرمُز ثلاثَ عَشرةَ سنة، ويُروَى [¬١٠] ستّ [¬١١] عشرة سنة في علمٍ لَم أبثه لأحَدَ من الناس (¬٧).قال: وكان من أَعلَم [¬١] الناس بالرّد على أَهل الأهواء، وبما اختلَف [¬٢] فيه الناس. وقال المهدي: (¬١) أخبَرني بعض نُقّاد المعَتزِلة من القَرَويين قال: أتيتُ مالك بنَ أنس، فسألته عن مسألةٍ من [¬٣] القَدَر بحضرة النّاس، فأومأ إليّ أن اسكُت، فلَمّا خَلا المجلِس قال لي: سل الآن، وكَسِره أن يُجيبنى بحَضرة النّاس، قال: فزَعم المعتزلى أنه لم تبق له مسألةٌ من مسائلهم إلا سأله عنها، وأجابَه فيها، وأقام الحجّة على بطالة مَذهبهم، حتى نفَذ ما عند المعَتِزليّ وقام عَنه [¬٤]. وتأليفُه في الأوقات والنُّجوم [¬٥]، وإشَاراتُه إلى مآخِذ الفِقه وأُصولِه التي اتَّخَذها أهلُ الأُصول من أَصحابِه معالم اهتدَوا بها، وقواعدَ بنَوا عليها. وغيره ممّن ذكَرنا لمَ يَجْمَع هذا الجمْع، ولَا وصل هذا الحدَّ مع استقْلَالهم [¬٦] بالفقه*، ووَصفِهم بالعِلْم، ولكن فوقَ كُلِّ ذِي عِلْم عليم، مع الثّقة التامّة، والتقوَى، وشِدة التَّحَرِّى في الحديث والفتيا [¬٧]. وبهذا الوجه احتَجّ الشافعيُّ على محمد بن الحسن (¬٢) في ترجيح عِلم مالك على عِلم أبي حَنيفة، حين تَناظرا في ذلك، فقال له الشافعي: (¬٣) الإنصاف تَريدُ أم المكابرة؟ قال: الإنصاف.قال الشّافعيّ: ناشدتُك [¬١] الله [مَن أعلم بكتاب الله وناسخه ومَنسُوخِه؟ قال محمد بن الحسن: اللهم صاحبكم. قال الشّافِعي] [¬٢]: ناشدتُك الله [¬٣]! فمَن أعلم بُسنّة رسول الله ﷺ؟ [¬٤] قال له: اللّهم صاحبكم. قال الشافعي: [فَمَن أعلم بأقوال أصْحَاب رسول الله ﷺ؟ قال: اللّهُمّ صاحِبكم. قال الشافعي] [¬٥]: فلم يبقَ إلا القياس. قال محمد: صاحِبنا أَقْيَس. قال الشافعي: القياس لا يكون إلا بهذه الأشياء، فعلى أَيّ شيء تَقيس؟ ثم قال الشافعيّ [¬٦]: ونحنُ ندّعى لصاحبنا ما لَا تدَّعونه لِصاحِبكم. وفي رواية: وصاحِبُنا لَمْ يَذهَب عليه القِياس، ولكن كان يتَوَقَّى ويَتحَرَّى، ويريد [¬٧] التأسيّ بمن تقَدَّمه. فرحِم الله الشافعيّ ومحمدَ بنَ الحسن، فلقد أنصَفا، والذي قالَه الشافِعيّ هو حَقُّ اليقين؛ فإن الاجتهادَ والقياس [¬٨] والاستنباطَ إنما يكُون علَى الأصول؛ فمَن كان أعلَم بالأصول [¬٩] كان استنباطُه أَصَحّ، وقياسُه أحَقّ، وإلّا فمَتَىاختَلّت معرفتُه بالأصُول [¬١]، قاسَ على اغْتِرار، وبنَى على شَفَا جُرُفٍ هَار. وقد احتجّ بهذه الحكاية الإمام أبو إسحاق [¬٢] الشيرازي على الخُراسانيّين في اقتصارهِم في النّظَر على المسائل القياسيات [¬٣] المسماة عِندهم بالطُّبولِيات [¬٤]، لتنتيج الكلام فيها، ومَدّ أَنفاس الجِدال بينَ أهلِها. وإذا كان باتّفاق ما قاله الشافعي، وهو قول جماهير العلماء: إن الاجتهاد [¬٥] لا يصح، ولا القياس [¬٦]، إلا لمن جمَع آلاتِه [¬٧]، من علم الكتاب والسنة، وأحكم [¬٨] ذلك على ما يجب، ثم جمَع إلى ذلك من آلآت الاجتهاد، وفهم الألفاظ والمعاني وتصريفها ما لا غِنَى له [¬٩] عنه، ثم عرف مواضَع الإجماع والاتفاق، ومسائل الخلاف والنِّزَاع؛ فمتى اختَلَّ على العالمِ شيءٌ من ذلك. كان حَطًّا من [¬١٠] إمامته، ونقصًا من كماله، ولم يَصحَّ [¬١١] له الاجتهاد، ولا ساغ [¬١٢] له النّظَر في الدّين [¬١٣]، إلا باجتماع ذَلك، ومتَى أَخلّ بهذه [¬١٤] القواعِد فلا يحِلّ له الاجتهاد في الدّين ولا الفتوى بين المسلمين، ولا القياس على ما لم يَبلَغه. وقد تقرر استقلال مالك بهذه الأصول، على ألسنة [¬١٥] المؤالف والمخالف [¬١٦]، ولا يُلتَفَت إلى متعصب نعق آخر الزمان بما أراد به الغض منه في الاجتهاد،وما غَضّ إلا من نفسه، مع تصريحه [¬١] عنه بأنه أعلم علماء [¬٢] المدينة، وأَمير المؤمنين في الحديث. هذا وإمامه الشافعي يُكِذّب [¬٣] هجر قولِه، والسَّلَفُ الصّالِحُ [¬٤] وأئمّةُ الهُدَى وأعلامُ العلماء ممّن ذكرنا، ومِمَّن سنذكره - إن شاء الله تعالى [¬٥]- يخالفه، ويشهد بتهافته فيما قال وجهله. ثم نَظَرْنَا إلى الأئمة المقلَّدين في عصره [¬٦]، فلم نَجد واحدًا منهم جمع من ذلك ما جمع، ولا اضْطَلَع بهذه الأصول [¬٧] كما اضْطَلَع. أما أَبو [¬٨] حنيفة والشافعي فيُسلَّم لهما حسن الاعتبار، وتدقيقُ النظر والقياس وجودة الفقه والإمامة فيه، لكن ليس لهما إمامة في الحديث ولا معرفة به ولا استقلال بعلمه، ولَا يدَّعيانه [¬٩] ولا يُدَّعى لهما، وقد ضعفهما فيه أهل الصنعة، وهذا (¬١) أهل الصحيح لم يُخرجا عنهما منه حرفًا، ولا لهما في أكثر المصنَّفات ذكر، وإن كان الشافعي متّبعا للحديث [¬١٠] ومفتشًا عن السنن [¬١١]، لكن بتقليد غيره، والاحتمال على رأَي سواه، والاعتراف بالعجز عن معرفته؛ فقد كان يقول لابن (*) مَهديّ وابن حنبل: أنتما أعلم بالحديث منى [¬١٢]، فما صح عندكما منه تُعّرفاني به لآخذ به؛ وهذه درجةٌ تَقصُر عن [¬١٣] درجة الاجتهاد العلية،وأين يجد [¬١] المجتهد في كل حين إمامًا [¬٢] في الحديث، إذا لم يَتبحَّر فيه، أو في علم [¬٣] القرآن إذا لم يستقل به، يسأل هل لنازلته التي ينظر فيها أصلٌ فيهما [¬٤] أم لا؟ ولا سبيل إلى إنكار إمامتها في الفقه [¬٥] جملة. وللشافعي في تقرير [¬٦] الأصول، وتمهيد القواعد، وترتيب الأدلة والمآخذ، وبسطِه ذلك - ما لم يسبقه إليه مَن قبلَه وكان فيه عليه [¬٧] عيالا [¬٨] (¬١) كلَّ من جاء بعده مع التفنن في علم لسان العرب، والقيام بالخبر والنسب: وكُلُّ مُيَسَّر لما خُلِق له. كما أن أحمد وداود من العارفين بعلم الحديث، ولا تُنكر إمامة أحد منهما فيه، لكن لا تُسلّم لهما [¬٩] الإمامة في الفقه، ولا جودة النظر في مأْخذه [¬١٠]، ولم يتكلّما في نوازل كثيرة كلام غيرهما، وميلُهما مع المفهوم [¬١١] من الحديث، لكن داود نهج اتباع الظاهر، ونفى القياس [¬١٢]، فخالف السلف والخلف، وما مضى عليه عمل الصحابة فمن بعدهم، حتى قال بعض العلماء: إن مذهبه بدعة ظهرت بعد المائتين، وحتي أنكر ذلك عليه [¬١٣] إسماعيل القاضي (¬٢) أشد إنكاروإذا لم يقل [¬١] بالقياس - وهو أحد أركان الاجتهاد فيما يَجتهِد، فعلامَ - فيما [¬٢] لم يُنَصَّ عليه - يعتمد، وليس تقصير من قصّر منهم في فن بالذي يُسقط رتبته [¬٣] عن [¬٤] الآخر، ولكل [¬٥] واحد منهم من الفضائل والمناقب ما حشيت به الصحف، ونقلَه السلف والخلف، لكنّ نقَص ركن من أركان الاجتهاد يُخِلُّ به على كل حال، والله ولى الإرشاد [¬٦].
Parsing and provenance details
Local passage ID
282406
Book record
shamela-31215
Source record
dedupe:28:708914
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
low
Entry type
Uncertain
Passage 282406 — shamela-31215 · Hadith Research Library