Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

وأبان بن الوليد (¬١) بن عبيد الله بن مالك البجلي.

البلاذري - أنساب الأشراف - ط الفكر · page 3514, entry [627]

أنساب الأشراف - ط الفكر — البلاذري

Open narrator profile: وأبان بن الوليد (¬١) بن عبيد الله بن مالك البجلي.
page 3514, entry [627]Open original source
وأبان بن الوليد (¬١) بن عبيد الله بن مالك البجلي. قالوا: وكان أبان بن الوليد يجالس ابراهيم وابن شبرمة، فكان ابراهيم إذا نظر إليه قال: ويحه أي خارجي هو، فلما قدم خالد بن عبد الله الكوفة عرض على ابن شبرمة العمل فقال: لا حاجة لي فيه ولكن اجعلني من أعوانك وارفع عني النوبة والمكروه ففعل فكان في الديوان. وقال المدائني: كان أبان كاتبا لإياس بن معاوية بن قرة المزني، وكان إياس يلي سوق واسط والحسبة، أجبره ابن هبيرة على أن ولاه ذلك وضربه أربعين سوطا حتى تقلده، فكان أبان يحمل الدواة والقرطاس لإياس، فلما قدم خالد ولاه الشرطة فقال ابن نوفل: وهذا أبان بنيّ الوليد … خطيبا إذا قام لم يحصر أبعد الدواة وحمل الطروس … وبعد الكتاب على الدفتر ظللت أميرا بأرض العراق … للهفي على البيدق الأعوروحمل أبان الحربة يوما، فجعل ينتظر خروج خالد ليحملها بين يديه، فقال له رجل: لو وضعت الحربة حتى يخرج الأمير أو دفعتها إلى من يمسكها، فقال: لوددت أن رجلا أعطاني حربة أخرى أسير بها بين يديه. وكتب هشام إلى خالد: إنك وليت شرطتك رجلا حدثا فلو وليتها ذا حنكة، ونقلت صاحبك إلى ما هو أجدى عليه منه، فقال خالد لأبان: قد جعل أمير المؤمنين أصلحه الله السبيل لي إلى ما أحب فيك، فولاه فارس وقال: كلها هنيئا مريئا، وولى شرطته العريان بن الهيثم بن الأسود النخعي، فأتى علي بن زيد بن عبد الله بن أبي مليكة، واسم أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان أبان بن الوليد بفارس فوصله بخمسة عشر ألف درهم، ويقال بثلاثة عشر ألفا فقال له: إن منيت بها على شيخ من قريش كانت إليها حاجة، قال يا أبا الحسين منّتك علينا في زيارتنا أعظم. وقال ابن نوفل يهجو أبان بن الوليد: أخالد وليت امرأ حدّ سارق … حكومة أهل المصر يا ضيعة الحكم أليس أبان أمس بالري أرسلت … عليه سياط الجعفري بلا ظلم فلا تضربنّ الدهر للخمر شاربا … فمن قبلهم أغلى بعاتقة الكرم وقال ابن نوفل أيضا: ما سمعنا لابن الوليد أبان … باب دون عامر بن قداد فكان أبان يقول: قولوا لابن نوفل ينتسب إلى أبوين من حمير، فأما أبواه من موالي ثقيف فمعروفان. وكان ابن نوفل يزعم في أيام الحجاج أنه من ثقيف، فلما كانت أيام خالد قال: أنا من حمير، فقال أبو عطاء السندي.يقول ابن نوفل فيما يقول … أنا ابن الكلاعيّ من حمير ودار الكلاعي علويّة … ودار ابن نوفل في نفر وللكميت في أبان شعر منه قوله: لا واضع عن مطيّ الحمد أرجله … يوما ولا هو للعوراء منتدب أحلامكم لسقام الجهل شافية … كما دماؤكم تشفي من الكلب وأتى أبان بن الوليد جندل بن الراعي عبيد بن حصين النميري فقال له: نفس عصام سوّدت عصاما فأعرض عنه واستلقى فقال ابن نوفل: رأيت أبا الوليد وفيه إحن … إذا ما المرء واجهه الكلاما أقر لجندل والقوم فوضى … علانية وشبّهه عصاما ووقره لها جهلا وأغضى … عليه العين فاستلقى وناما ولما حبس يوسف بن عمر عمال خالد حبس أبان بن الوليد وعذبه فقال: طال في الحبس مجلسي وثوائي … واصطباري للجهد والأواء كل يوم يعدى علي ولا قـ … ـوة لي أو يراح بالعذراء فإلى الله لا إلى الناس أشكو … ما أرى من شماتة الأعداء ربّ إني كلّفت ما ليس عندي … فعويلي إليك رب السماء فلئن مت أو قتلت فمحمـ … ـود كريم الصنع في الأحياء كم وكم منّة ستذكر إن مـ … ـت لديهم ومن يد بيضاء فاندبيني إن مت أم حصين … للندى والتقى وبذل العطاءالمدائني وغيره قالوا: أتي خالد بن عبد الله برجل تنبأ بالكوفة وقال إنه قد أنزل علي قرآن فقال له خالد: ما قرآنك؟. قال: «إنا أعطيناك القاهر، فصل لربك وجاهر، ولا تطع كل فاجر، مغتر بالله كافر». فأمر به خالد فضرب حتى أثخن، ثم أمر به فصلب، فقال له حمزة بن بيض الحنفي وهو يشد على الخشبة: إنا أعطيناك العمود، فأطل عليه الركود، وصلّ لربك على عود، وأنا ضامن ألا تعود». ولم يلبث أن مات. قالوا: وأتى محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان خالدا يستمنحه فلم ير منه ما يحب فقال: أما المنافع فللهاشميين، وأما نحن فما حبوتنا منه إلا شتمه عليا على منبره. فبلغ ذلك خالدا فقال: إن أحبّ تناولنا له عثمان بشيء المدائني قال: كان عامة عمال خالد الدهاقين فقتل دهقان منهم بفارس، فأمر خالد بنفي العرب وعيالاتهم من السواد، فقال ابن نوفل: أيقتل عامل بدرابجرد … فتنفون العباد من السواد لعلك أن ترى عما قليل … عيالك يسلبون بكل واد المدائني قال: خطب أخو خالد اسماعيل بن عبد الله عند أبي العباس، ويقال عند أبي الجهم بن عطية، أحد رجال الدولة، فذم عمال بني أمية والحجاج وابن هبيرة ويوسف بن عمر، ولم يذكر خالدا، فقام بعض من حضر فقال: جزاك الله من خطيب خيرا، ذكرت أهل بيت اللعنة وعمالهم وأحسنت في ذمهم، إلا أنك تركت خالدا، وهو ابن زوينية اجتمع في بطن أمه الخمرولحم الخنزير، وسلّط أهل الذمة على المسلمات فعلقوهنّ بثديهن، وبنى البيع غير متحرج ولا مرتاب. وقال ابن نوفل: عليك أمير المؤمنين بخالد … وعماله إن كنت تطلب خالدا بنى بيعة فيها الصليب لأمه … وخرّب من بعد الصلاة المساجدا وقال حمزة بن بيض بن يمن بن عبد الله بن شمر بن عمرو بن عبيد الله بن عمرو بن عبد العزيز بن سحيم بن مرة بن الدؤل بن حنيفة: ليتني من بجيلة اللؤم حتى … يعزل العامل الذي بالعراق وإذا عامل العراق تولى … عدت من أسرتي الكرام العتاق وقال أبو نعيم الفل بن دكين، ثنا الفضل بن الزبير قال: أمسى خالد بالصلاة يوما فقام إليه شاب من كندة فقال: الصلاة أصلحك الله. فقال: لعنك الله، أو لسنا في الصلاة؟. حدثني داود بن عبد الحميد عن مروان بن معاوية، حدثني عبيد الله بن الوليد قال: قلت لعطاء بن أبي رباح: ما تقول في صاحب صاحب هؤلاء فلم يكتب معهم شيئا مما يدخل ويخرج؟ قال: من الرأس؟ قلت: خالد بن عبد الله. قال: أما تقرأ ما قال العبد الصالح: ﴿رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾ (¬١). ومدح ابن بيض خالدا فقال: وأبوك آدم كان عند وفاته … أوصاك وهو يجود بالحوباء ببنيه أن ترعاهم فرعيتهم … وكفيت آدم عيلة الأبناءأخبرني عبد الله بن صالح عن ابن كناسة أن خالد بن عبد الله كان يقول: أيها الناس عليكم بالمعروف فإن فاعل المعروف لا يعدم جوازيه، فمهما ضعف الناس عن أدائه قدر الله على جزائه. وقال أيضا: أيها الناس تنافسوا في المكارم فإنها أعظم المغانم واشتروا الحمد بالجود، ولا تكسبوا بالمطل ذما. وقال خالد: أيها الناس عليكم بالمعروف فإن المعروف لو كان رجلا لرأيتموه حسنا بسنا (¬١) ذا بشر ومروءة ولا تملوا النعم فتعود نقما. وقال: أيها الناس لو رأيتم البخل لرأيتموه مشوها قبيحا تنفر عنه القلوب وتغضّ دونه الأبصار، ومن لم يطب حرثه لم يزك نبته. حدثني محمد بن أنس الأسدي عن ابن كناسة قال: دخل الطرمّاح على خالد فقال: يا أبا نفر أنشدني، فقال: اجلس ثم أنشدك، فقال: لا إلا قائما وإلا فلا شيء لك عندنا فخرج وقال: حرا أموت ولم يشنّي مطمع … إني نقيّ بطائن الأطمار (¬٢) وقال بعض قريش: إن أبا نفر لعظيم المروءة. المدائني قال: لما أتى ابن الراعي خالدا فمات ابنه وأعطاه خالد ديته، قال أبو الجويرية العبدي. وبدأة مجد لم تكن فاقترحتها … إلى كل أفق فاحتوتها القصائد ضمنت ابن راعي الإبل أن حان يومه … وشقّ له قبر بأرضك لأحدخباء لمثوى زائر فوديته … فدتك الأكفّ طلقها والجوامد وقد كان مات الجود حتى نشرته … وأذكيت نار الجود والجود خامد فأعطاه ثمانية آلاف، وقال: أنت أشعر من ابن الراعي. وقال الفرزدق: وما الشمس ضوء المشرقين إذا بدت … ولكن ضوء المشرقين بخالد (¬١) قالوا: وكان طارق مولى خالد ابن اخت سعيد بن راشد، وسعيد مولى النخع، وكان طارق يأخذ من كل سفينة ذات شراع أربعة دراهم، ومن كل مصعدة ثمانية دراهم، وكان متحاملا على عبد الله بن عبد الرحمن بن سعيد بن عتاب بن أسيد، وابن لعنبسة بن سعيد. فشكواه إلى خالد وقالا: هو يضربنا في أرضين لنا. فقال خالد: أما سمعتما قول القائل: أسجد لقرد السوء في زمانه … وارفق به ما دام في سلطانه وإن تلقّاك بقيروانه قالا: بلى. قال: فأرضياه. فحملا عهدتي أرضيهما وأتيا طارقا. فقال: ما حاجتكما؟ فقالا: كنا ننازعك فيما تأخذه منا، وقد أتيناك بعهدتي أرضينا فاقبضهما هنيئا مريئا. فقال: فعلتما ما أنتما أهله في شرفكما. ودعا بأشربة عنده على ضياع فقال: دونكما هذه العهد وعهدتيكما فدخلا على خالد بعد، فقال: أسجدتما للقرد؟ قالا: نعم وقد أحسن وأجمل. حدثني أبو مسعود الكوفي عن ابن كناسة قال: كان بين عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد بن العاص وبين جعفر بن عمرو بن حريثمماظّة (¬١) ومعاتبة، فدخل جعفر بن عمرو على خالد، وعنده عبد الرحمن بن عنبسة، وعلى صدر خالد صبي يقبله ويلاعبه، فقال لعبد الرحمن وكان جالسا إلى جنبه وخالد لا يسمع: من هذا الصبي؟ قال: ابني. قال: أصلح الله الأمير، نحّ هذا الصبي عن صدرك فما رأيت أقذر منه وأنت تقبله، فقال خالد: أفي نفسك على أبي عبد الله موجدة أو شيء؟ قال: ومن أبو عبد الله؟ قال: أسد أخي. فقال: أصلح الله الأمير، ما عرفته ولكن هذا الفاسق خدعني وغرني وزعم أنه ابنه، فضحك خالد حتى فحص برجليه. قالوا: وأتى خالدا رجل من ولد السليل الشيباني فقال: أصلح الله الأمير إني حملت عشر ديات وأتيتك معتمدا، قال: فاحتكم. قال: نصفها. قال: قد فعلت. فخرج فلامه أصحابه وقالوا: حكّمك الأمير أفلا حكمت بها كلها، وسمع خالد ذروا (¬٢) من قولهم فقال: ما يقولون؟ فأخبر به فقال: ردوه، فلما ردوه قال: قد أقلتك، وأمر له بالعشر كلها. قال: فانصرف بألف بعير. المدائني قال: دخل خالد بن عبد الله على عمر بن عبد العزيز في أيام خلافته فقال له: ما زينتك الخلافة، ولكنك زينتها، ولا شرفتك ولكنك شرفتها وإنك لكما قال الشاعر:وتزيدين طيّب الطّيب طيبا إن تمسّـ … ـيه أين مثلك أينا وإذا الدّر زان حسن وجوه … كان للدر حسن وجهك زينا فقال عمر: أعطي هذا الرجل مقولا ولم يعط عقلا. حدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال: كان فروخ أبو المثنى على ضياع هشام متقبلا بها، وكان قد تقبل بنهر الرمان، فقيل له فروخ الرماني فثقل على خالد فقال لحسان النبطي: ويحك اخرج إلى أمير المؤمنين فزد على فروخ، فزاد عليه ألف ألف، فثقل حسان على خالد فجعل يضرّ به، فقال له: لا تفسدني فإني صنيعتك ولا تضرنّ بي، فأبى، فشخص حسان فقال لخادم من خدم هشام: إن تكلمت بكلمة أقولها لك حتى يسمعها أمير المؤمنين فلك عندي ألف دينار. قال: فعجلها، ففعل. فقال: بكّ صبيا من ولد هشام، فإذا بكى فقل: تبكي كأنك من ولد خالد القسري، غلته ثلاثة عشر ألف ألف لا يؤدي منها شيئا وهو يأكل العراق، فسمعها هشام، ودعا بحسان فسأله عما سمع فقال: لعمري إن غلته هذا المال. فكانت في نفس هشام حتى عزله. وكان خالد يقول لابنه يزيد: ما أنت بدون مسلمة بن هشام، وإنك لتفخر على الناس بثلاث لا يفخر أحد بمثلها: سكرت دجلة ولم يتكلف ذلك أحد، ولي سقاية بمكة، وولاية العراق. المدائني قال: كان خالد كثيرا مما يذكر هشاما فيقول: ابن الحمقاء الورهاء (¬١)، وكانت أم هشام كذلك فكتب مرة إلى هشام كتابا غاظه فيهفكتب إليه هشام: بلغني أنك تقول ما ولاية العراق بشرف لي، فيا بن اللخناء كيف لا تكون إمرة العراق شرفا لك، وأنت من بجيلة، القليلة الذليلة، أما والله إني لأظن أول من يأتيك صقر من قريش يشد يدك إلى عنقك. قالوا: وكتب هشام إلى خالد: بلغني أنك تقول أنا خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد بن كرز، ووالله ما أنا بأشرف الخمسة، أما والله لأردنّك إلى بغلتك وطبلسانك القيروي. وبلغ هشام أن خالدا يقول لابنه: كيف أنت إذا احتاج إليك ولد هشام، فأغضب ذلك هشاما. وأتى رجل هشاما فسأله عن خالد فقال: لقد سمعته يقول فيك قولا عظيما فبحثه عنه فقال: هو أفظع من أن يواجه به أمير المؤمنين فقال: أقال لك الأحول؟ قال: أعظم من ذلك. ولم يزل يبلغ هشاما عنه ما يكره حتى تغير رأيه فيه، وكان أثيرا عنده، والذي كان الرجل سمعه يقول ابن الورهاء. وأتى دهقان خالدا فقال له: إن غلة ابنك اليوم عشرة آلاف ألف ولا آمن من أن يبلغ ذلك أمير المؤمنين فيستكثره، وإن الناس يحبون جسدك، وأنا أحب روحك وجسدك، فقال: ويحك دع ابني فلربما طلب ألف درهم فلم يقدر عليها. قالوا: وأتت امرأة خالدا فقالت: أصلح الله الأمير، إني امرأة مسلمة وإن عاملك فلان وثب علي وهو مجوسيّ فأكرهني على الفجور،وغصبني نفسي، فقال: كيف وجدت قلفته؟ فكتب حسان بذلك إلى هشام، فكان ذلك مما دعاه إلى عزل خالد، وولاية يوسف بن عمر. وقال خالد: أن أكرم الناس عفوا من عفا عن ذنب أخيه بعد قدرة، ومن لم يطب حرثه لم يزك نبته، والفروع على مغارسها تنمى، وعلى أصولها تسمو نشأ الصغير على أخلاق والده … إن العروق عليها ينبت الشجر قالوا: أخفى هشام عزل خالد بن عبد الله، وكان: يوسف بن عمر الثقفي (¬١) عامله على اليمن، فكتب هشام إليه بخطه يأمره أن يقبل في ثلاثين من أصحابه إلى الكوفة، وبعث بالكتاب بعهده على العراق، ووجه بذلك شعوذيا (¬٢). ويقال بل كان عنده رسول ليوسف بعثه في حوائج له فحمله العهد، وكتب الولاية والتسليم، فخرج يوسف حتى صار إلى الكوفة في سبعة عشر يوما فعرس (¬٣) قريبا منها، وقد ختن طارق خليفة خالد على الخراج ولده، فأهدي له ألف عتيق وألف وصيفة سوى المال والثياب وغير ذلك، فجاء رجل إلى طارق فقال له: إني رأيت قوما أنكرتهم وزعموا أنهم سفار.وصار يوسف إلى دور ثقيف فأمر بعض الثقفيين أن يجمع له من قدر عليه من مضر ففعل، فدخل يوسف المسجد مع الفجر فأمر المؤذن بالإقامة، فقال: حتى يأتي الإمام. فانتهره فأقام، وتقدم يوسف فصلى وقرأ: ﴿إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ﴾ (¬١) و ﴿سَأَلَ سائِلٌ﴾ (¬٢)، ثم أرسل إلى خالد وطارق وأصحابهما فأخذوا، وإن القدور لتغلي. وقال أبو عبيدة: حبس يوسف خالدا فصالحه أبان بن الوليد عنه وعن أصحابه على تسعة آلاف ألف درهم، ثم ندم يوسف وقيل له: لو لم تقبل هذا المال لأخذت منه مائة ألف ألف درهم، فقال: ما كنت لأرجع عن شيء رهنت به لساني. وأخبر أصحاب خالد خالدا فقال: أسأتم حين أعطيتموه هذا المال في أول وهلة. ما يؤمنني أن يأخذها ثم يرجع عليكم فارجعوا إليه. فأتوه فقالوا: إنا أخبرنا خالدا بما فارقناك عليه من المال، فذكر أنه ليس عنده، فقال: أنتم أعلم وصاحبكم فأما أنا فلا أرجع عليكم وإن رجعتم لم أمنعكم، قالوا: فإنا قد رجعنا، قال: فوالله لا أرضى بتسعة آلاف ألف ومثلها ومثلها، فذكر ثلاثين ألف ألف ويقال مائة ألف ألف. وقال الكميت يمدح يوسف ويهجو خالدا بقصيدة طويلة منها: لأجري من الآلاء آل أبي عمر … اللائي لها كنت أضرب (¬٣) أناس يبارون الرياح فلا القرى … بكيّ ولا الجاني لديهم مؤنّبيظل اليتامى الشعث حول جفانهم … عيالا عليهم والضريك المعصّب فداهم من الأقوام أولاد خالد … ومعشره أيام يرجّى ويرهب فأنت لدين الله فينا وطيده … وأنت على الأحساب فينا المذبّب خرجت لهم تمشي البراح ولم يكن … ليحصنه منه الرتاج المضبّب (¬١) حدثنا العمري عن ابن عياش قال: أجمع هشام على عزل خالد لأنه اتخذ بالعراق أموالا، وحفر أنهارا حتى بلغت غلته عشرين ألف ألف درهم، منها نهر خالد كان يغل خمسة آلاف ألف درهم، وباجوا، وبارمانا والجامع، والمبارك، ولوبة، وسابور، والصلح، وأمواله بالبصرة والبحرين، وكان يقول كثيرا: ابني هذا مظلوم، ما تحت قدمي من شيء إلاّ وهو له، لأن عمر جعل لبجيلة ربع السواد، ثم صالحهم عنه. قال الهيثم: فحدثني الحسين بن عمارة عن العريان بن الهيثم قال: قلت لخالد يوما: إن الناس قد رمقوك بأبصارهم وحد جوك (¬٢)، وهي قريش وليس بينك وبينهم آل، وهم يجدون منك بدا، وأنت لا تجد منهم بدا، فأنشدك الله لما كتبت إلى هشام تخبره خبر أموالك، وتعرض عليه ما أحب منها، فما أقدرك على اتخاذ مثلها ولا يستفسدك، وإن كان حريصا، وأعطه طائعا خير من أن تعطيه كارها، وله عندك اليد الجليلة التي تحفظ ولا تنسى، وإنما نلت ما نلت في سلطانه، فإنه إن رفع عليك رافع، وسعى بك ساع لم آمن عليك أن يحوزها.قال: ما (أنت بمتهم، ولا يكون ذاك أبدا. فقال: أطعني واجعلني رسولك إليه فوالله لا يحل عقدة إلاّ شددتها، ولا يشد عقدة إلاّ حللتها، قال: إني والله ما أعطي على الذل، فكان العريان يقول: كأنك بها قد أخذت منه على الذل والصغار. حدثنا العمري عن الهيثم عن ابن عياش أن بلال بن أبي بردة كتب إلى خالد، وهو عامله بالبصرة، حين بلغه تعتب هشام على خالد، يستأذنه في القدوم عليه، فأذن له فسار إلى الكوفة في يوم وليلة على الجمّازات (¬١) فقال له خالد: يا أبا عمرو لقد أتعبت نفسك فقال: لأنه بلغني تعتب أمير المؤمنين عليك، وما بغاك به ولده، وأهل بيته، فإن رأيت أن تعرض عليه بعض أموالنا ليأخذ من ذلك ما أحبّ فافعل، فإن أنفسنا طيبة بما نعطيه، فقال: يا بلال إني والله ما أعطي شيئا قسرا، فقال: أتكلم أيها الأمير؟ قال: نعم، قال: يقول لك هشام وليتك ولا شيء لك فلم تر على نفسك من الحق أن تعرض علي بعض ما صار إليك، وأخاف أن يزين له حسان النبطي ما لا تستطيع تلافيه ولا تداركه، فاغتنم هذه الفترة. قال: أنظر في ذلك فانصرف راشدا، فانصرف بلال وهو يقول: كأنكم بهذا الرجل وقد بعث إليه رجل بعيد الرحم، سخيف الدين، بغيض النفس، قليل الحياء، فأخذه بالإحن والترات، فكان كما قال. وقال ابن عياش: كان بلال اتخذ داره بالكوفة، وإنما استأذن لينظر إلى داره، فما نزلها إلا مقيّدا، ثم جعلت سجنا إلى اليوم.قال ابن عياش: كان خالد يخطب فيقول: تزعمون أني أغلي أسعاركم، فعلى من يغليها لعنة الله، وكان هشام بن عبد الملك كتب إلى خالد ألاّ يباعنّ من الغلات شيء حتى تباع غلة ولد أمير المؤمنين، فبلغت الكيلجة (¬١) درهما. قالوا: ولما غلب هشام، وقلّ صبره على ما يبلغه عن خالد، أزمع عزله، وكتم ذلك سالما كاتبه، لصداقة كانت بينه وبين خالد، فكتب إلى يوسف بن عمر بخطّه بولاية العراق، وإلى خالد بالتسليم. المدائني عن بشر بن عيسى عن أبيه عن الربيع بن شابور مولى بني الحريش قال: أتى هشاما كتاب خالد، وقدم عليه في ذلك اليوم رسول ليوسف بن عمر، فقرأ هشام كتاب خالد، فلما صلى المغرب نهض فصلى ركعتين ثم رفع يده يدعو، فقلت في نفسي: إنه ليستخير الله في عزل خالد، فكتب عهد يوسف من ليلته مع الرسول، والرسول لا يدري ما معه. قال الهيثم: فسمعت أشرس مولى بني أسد، وكان تاجرا ليوسف يحدث الحسن بن عمارة قال: أتانا كتاب هشام فقرأه يوسف فكتمنا ما فيه، وقال: أريد العمرة، فخرج وأنا معه ودكين بن شجرة العاملي، وأخوه قرواش، وحجاج النصري، وكانوا أصحاب محمد بن يوسف الذين يؤانسهم، قال: فخرجنا واستخلف ابنه الصلت على اليمن، فما كلم أحدا منا بكلمة حتى انتهى إلى العذيب، فأناخ وقال: يا أشرس، أيندليلك؟ قلت، هوذا، فسأله عن الطريق فقال: هذه طريق المدينة، وهذه طريق العراق. فقلت: والله ما هي بأيام عمرة، فلم يتكلم حتى أناخ بين الحيرة والكوفة في بعض الليل، ثم استلقى على ظهره، ووضع إحدى رجليه على الأخرى وقال: فما لبثنا العيس أن قذفت بنا … نوى غربة والعهد غير قديم يا أشرس ابغني إنسانا أسائله، فأتيته برجل فقال: سله عن ابن النصرانية، فقلت: ما فعل خالد؟. قال: في الحمة، اشتكى فخرج إليها، قال: سله عن طارق، فقال: ختن بنيه وهو يطعم الناس بالحيرة وخليفته عطية بن مقلاص يطعم الناس بالكوفة، قال: خلّ عن الرجل. ثم ركب فأناخ بالرحبة، ودخل المسجد، فصلى يوسف، ثم استلقى على ظهره فمكثنا ليلا طويلا، ثم جاء المؤذنون، وزياد بن عبيد الله الحارثي يومئذ على الكوفة خليفة لخالد، فأذنوا ثم سلموا وخرج زياد وأقيمت الصلاة فذهب زياد ليتقدم فقال يوسف: يا أشرس نحّه. فذهب ليتقدم فقلت: يا زياد تأخر، الأمير. فتأخر زياد، وتقدم يوسف وكان حسن القراءة فصيحا فقرأ: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ و ﴿إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ﴾ فصلى الفجر وتقدم القاضي فحمد الله وأثنى عليه، ودعا للخليفة وقال: ما اسم أميركم؟ فأخبر فدعا له بالصلاح، فما تفرق أهل الصلاة حتى جاء الناس، ولم يبرح يوسف حتى بعث الحكم بن الصلت وعطاء بن مقدم إلى خالد، وبعث محمد بن منظور الأسدي إلى أبان بن الوليد بفارس، وبعث كثير بن عبد الله أبا العاج إلى بلال بن أبي بردة بالبصرة، وبعث ابراهيم بن عاصم العقيلي إلى عبد الله بن أبي بردة بسجستان، وأمر هشام أن يعزل عمال خالدجميعا إلا الحكم بن عوانة، وكان على السند فأقره حتى قتل هو وزيد بن علي في يوم واحد، قتله ناكهر، ولم يعرض يوسف لزياد بن عبيد الله، وبعث إلى محمد بن القاسم بن عبد الرحمن بن عضاه الأشعري، فقال له: من أنت؟. فانتسب له، وقال: إنما كنت على أعواد كرمان، قال: نعم أهل البيت أنتم فأدّ شيئا. قال: قد أخبرتك أني لم أتولّ جباية، فقال: خلّيا سبيله. فلما أتى خالد قيل له: الأمير الأمير. قال: دعوني من أميركم، أحيّ أمير المؤمنين؟ قيل: نعم. قال: لا بأس عليّ. فلما قدم بخالد على يوسف حبسه وضرب يزيد بن خالد ثلاثين سوطا، فكتب هشام إلى يوسف: أعطي الله عهدا لئن شاكت خالد شوكة لأضربنّ عنقك فخلّ سبيله بثقله وعياله. فأتى الشام فلم يزل مقيما بالشام يغزو الصوائف حتى مات هشام. وقال غير الهيثم: كانت ولاية خالد العراق في شوال سنة خمس ومائة، ثم عزل في جمادى الأولى سنة عشرين، وقد قدم عليه يوسف واسطا فحبسه بها ثم شخص إلى الحيرة، فلم يزل خالد محبوسا بالحيرة ثمانية عشر شهرا، وحبس معه أخوه اسماعيل بن عبد الله، وابنه يزيد بن خالد، وابن أخيه المنذر بن أسد بن عبد الله. واستأذن يوسف في البسط على خالد، فلم يأذن له هشام حتى ألحّ عليه بالرسل، واعتلّ بانكسار الخراج لما صار إليه وعماله منه، فأذن له فيه مرة واحدة، وبعث حرسيا يشهد ذلك، وحلف لئن أتى على خالد أجله وهو في يده ليقتلنه، فدعا به يوسف وجلس على دكان بالحيرة، وحضر الناس وبسط عليه فلم يكلمه خالد حتى شتمه يوسف وقال: يا بن الكاهن - يعنيشقّا أحد أجداد خالد وكان كاهنا-. فقال له: إنك لأحمق، تعيّرني بشرفي لكنك ابن السبّاء، إنما كان أبوك يسبي الخمر. ثم رده إلى محبسه، فأقام ثمانية عشر شهرا، ثم كتب إليه هشام يأمره بتخليه سبيله في شوال سنة إحدى وعشرين ومائة. وأخذ يزيد بن خالد وحده على بلاد طيّئ حتى ورد دمشق، وخرج خالد ومعه اسماعيل أخوه وغيره، وقد جهزهم عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد بن العاص، فسار خالد حتى نزل القرّية، وهي من أرض الرصافة، فأقام بها بقية شوال، وذا القعدة، وذا الحجة، وصفر لا يأذن له هشام في القدوم عليه والأبرش يكاتب خالدا. قال الهيثم: وخرج زيد بن علي على يوسف بن عمر، فكتب يوسف، إن أهل البيت من بني هاشم قد كانوا هلكوا جوعا حتى كانت همة أحدهم قوت يومه، فلما ولي خالد العراق قوّاهم بالأموال حتى تاقت أنفسهم إلى طلب الخلافة، وما خرج زيد إلا بإذن خالد، وما مقامه بالقرّية إلاّ لأنها مدرجة الطريق، فهل تسأل عن أخباره؟ فقال هشام للرسول، وهو رجل من بلقين: كذبت وكذب صاحبك ومهما اتهمنا به خالدا فإنا لا نتهمه في طاعته وأمر بالرسول فوجئت عنقه. وبلغ الخبر خالدا فصار إلى دمشق فأقام بها حتى حضرت الصائفة، فخرج فيها ومعه يزيد وهشام ابنا خالد، وعبد الله بن يزيد بن خالد، وكان على دمشق يومئذ كلثوم بن عياض بن جوح بن قيس القشيري، وكان متحاملا على خالد مطابقا ليوسف على أمره، فلما أدرب الناس ظهر في دور دمشق حريق في كل ليلة يلقيه رجل من أهل العراق يقال له أبو المعرّسوأصحاب له، فإذا ارتفعت النار أغاروا يسرقون، وكان اسماعيل بن عبد الله، والمنذر بن أسد، وسعيد ومحمد ابنا خالد بالساحل لحدث كان من الروم، فكتب كلثوم إلى هشام يذكر الحريق، ويذكر أنه لم يكن قط قبل قدوم خالد، وأن موالي خالد يريدون الوثوب على بيت المال ونهب الناس. فكتب هشام إليه يأمره بحبس آل خالد الصغير منهم والكبير، ومواليهم والنساء، وأخذ اسماعيل والمنذر ومحمدا وسعيدا من الساحل، فقدم بهم في الجوامع ومن كان معهم من مواليهم وغلمانهم، وحبس أم جرير بنت خالد والرائقة وجميع النساء والصبيان. ثم ظهر على أبي المعرّس، فأخذ ومن معه، فكتب الوليد بن عبد الرحمن عامل الخراج بدمشق إلى هشام يخبره ببراءة من حبس من أهل خالد، وأخذ أبي المعرّس وأصحابه. فكتب هشام إلى كلثوم يشتمه ويعنّفه ويأمره بتخليه من حبس من آل خالد ومواليه وغيرهم ممن هو منهم بسبب، فخلاهم جميعا. ولما قدم خالد قال: غزوت في سبيل الله سامعا مطيعا، فأخذ حرمي، وحرم أهل بيتي فحبسوا مع أهل الجرائم كما يفعل بأهل الشرك، فما منع عصابة منهم أن تقوم فتقول علام حبس حرم هذا الرجل، أخفتم أن تقتلوا جميعا؟. أخافكم الله. ثم قال: ما لي ولهشام يسوق بناتي وحرمي كل يوم إلى السجون، ليكفّنّ عني أو لأدعونّ إلى عراقي الهوى شامي الدار حجازي الأهل لو نخر نخرة، أو نعر نعرة تداعت من أقطارها - يعني محمد بن علي بن عبد الله بنعباس-. فبلغ قوله هشاما فقال: خرف الرجل. وكتب إليه: إنك هذأة، هذرة، أببجيلة القليلة الذليلة تتهددنا؟. وقال رجل من عبس في خالد: ألا إنّ بحر الجود أصبح ساحيا … أسير ثقيف موثقا في السلاسل فإن يسجنوا القسريّ لا يسجنوا اسمه … ولا يسجنوا معروفه في القبائل قال الهيثم: فأقام خالد بدمشق، ويوسف ملحّ على هشام في إشخاص يزيد بن خالد، فكتب إلى كلثوم يأمره بحمل يزيد إلى يوسف، فبعث إليه خيلا وهو في بعض النواحي فقاتلهم ولم يقدروا عليه، فحبس كلثوم خالدا في سجن دمشق، وسار إسماعيل أخوه حتى أتى الرصافة، فدخل على ابن الزبير حاجب هشام فأخبره بحبس كلثوم خالدا، فأنهى ذلك إلى هشام، فكتب إلى كلثوم يعنفه ويقول: عجزت عمّن أمرتك بأخذه، وحبست من لم آمرك بحبسه، وكتب إليه في تخلية سبيل خالد فخلاه. وقال الهيثم: أمر هشام الأبرش فكتب إلى خالد: بلغني أن عبد الرحمن الضبّي قام إليك فقال: يا خالد إني أحبك لعشر خلال: إن الله كريم وأنت كريم، والله جواد وأنت جواد، والله حليم وأنت حليم، والله رحيم وأنت رحيم، وعدّ عشر خلال، وأمير المؤمنين يقسم بالله لئن تحقق ذلك عنده ليسفكنّ دمك، فاكتب بالأمر على وجهه لأخبر به أمير المؤمنين. فكتب إليه خالد: إن ذلك المجلس كان أكثر أهلا من أن يجوز لأحد من أهل البغي والفجور أن يحرّف ما كان فيه، قام إليّ عبد الرحمن بن ثويب الضبي فقال: إني لأحبك لعشر خلال: إن الله يحب كل كريم، وأنت كريم فالله يحبك، وعدّد عشر خلال، ولكن أعظم من ذلك قيام ابن شفيالحميري وقوله: أمير المؤمنين خليفة الله، وهو أكرم على الله من رسوله فأنت خليفة ومحمد ﵇ رسول، ولعمري لضلالة بجيلة بأسرها أهون على الخاصة والعامة من ضلالة أمير المؤمنين. فلما قرأ الأبرش الكتاب على هشام قال: خرف أبو الهيثم، فأقام خالد بدمشق حتى مات هشام، ثم قام الوليد فقدم عليه خالد فيمن قدم من أشراف الأجناد فلم يأذن لأحد منهم، واشتكى خالد فاستأذن فأذن له فرجع إلى دمشق فأقام أشهرا، ثم كتب إليه الوليد: إن أمير المؤمنين قد علم حال الخمسين الألف الألف التي تعلم فاقدم على أمير المؤمنين مع رسوله، فقد أمره يعجلك عن جهازك، فاستشار خالد ثقاته فأشير عليه بالامتناع حتى يعطى أمانا يثق به، فقال: إني لأكره أن تكون الفرقة والاختلاف على يدي، ولمسيري أصلح، وأنا أستعين بالله. وخرج حتى قدم على الوليد، فلم يدع به، ولم يكلمه، وهو في بيته مع مواليه وخدمه حتى قدم برأس يحيى بن زيد بن علي من خراسان، فجمع الناس في رواق وجلس الوليد، وجاء الحاجب فأذن لثلاثة نفر ثم قال: قم يا خالد، فقال: قد تراني لا أقدر على المشي، إنما أحمل حملا لعلّتي، فحمل على كرسيه وأدخل إلى الوليد والموائد موضوعة والناس سماطان، وعقال بن شبة يخطب، ثم انصرف الناس، وحمل خالد إلى رحله، ثم أتاه رسول الوليد فردّ فلما صار إلى باب السرادق وقف به، وخرج إليه رسول الوليد فقال: يقول لك أمير المؤمنين أين يزيد بن خالد؟. فقال: كان أصابه من هشام ظفر ثم طلبه فهرب منه، وكنا نراه عند أمير المؤمنين، ونحن نظن أنه في بلاد قومه بالشراة، فقال: ولكنك خلفته طلبا للفتنة.فقال: قد علم أمير المؤمنين أنا أهل طاعة أنا وأبي وجدي، فقال: والله لتأتين به أو لأزهقن نفسك. فرفع خالد صوته، وكان الوليد بالقرب، فقال: قل له: هذا أردت، وإياه اعتمدت، وعليه درت، والله لو كان تحت قدميّ ما رفعتهما لك عنه فاصنع ما بدا لك. فأمر الوليد غيلان صاحب حرسه بالبسط عليه وقال: أسمعني صوته. فأتى به غيلان رحله فعذبه بالسلاسل فلم يتكلم فأعلم الوليد بذلك وقال: لم أر أصبر منه، ما ينطق بشيء. فقال: احبسه عندك فحبسه حتى قدم يوسف بن عمر بمال العراق، وجلس الوليد وأذن للناس ويوسف عنده فتكلم أبان بن عبد الله النميري في خالد فقال يوسف: إني أشتريه بخمسين ألف ألف درهم، فأرسل الوليد إلى خالد: إن يوسف يشتريك بخمسين ألف ألف درهم فإن ضمنتها وخرجت منها وإلا دفعتك إليه. فقال خالد: ما عهدت العرب تباع، والله لو سألتموني أن أضمن هذا - وأخذ عودا من الأرض - ما ضمنته فلير أمير المؤمنين رأيه، فدفعه إلى يوسف فنزع ثيابه ودرّعه عباءة ولحفه أخرى وحمله في محمل بغير وطاء ولا غطاء، وجعل زميله أبا قحافة المرّي ابن أخي الوليد بن تليد، وكان الوليد عامل هشام على الموصل، فانطلق به حتى نزل على مرحلة من عسكر الوليد ثم دعا به فشتمه وذكر أمه فقال: ما ذكر الأمهات لعنك الله، والله ما أكلمك كلمة أبدا. فبسط عليه وعذبه عذابا شديدا وهو لا يكلمه، ثم ارتحل به حتى إذا كان في بعض الطريق بعث إليه تميم بن زيد القيني بشربة سويق حب الرمان مع مولى له يقال له سالم، فبلغ ذلك يوسف فضرب تميما خمسمائة سوط،وضرب سالما ألف سوط، وكان يوسف يمشي خالدا في طريقه كثيرا إضرارا به. ثم قدم يوسف الحيرة، فدعا بخالد وبابراهيم ومحمد ابني هشام بن اسماعيل المخزوميين، وكانا ممن يشير بخلع الوليد، فبسط يوسف على خالد، فلم يكلمه بكلمة، وصبر ابراهيم بن هشام، وجزع محمد، ومكث خالد يوما في العذاب، ثم وضع على صدره الدهق فقتل من الليل ودفن في ناحية الحيرة في عباءته التي كان فيها، وذلك في المحرم سنة ست وعشرين ومائة، فأقبل عامر بن سهلة الأشعري فعقر على قبره فرسا، فضربه يوسف سبعمائة سوط. حدثني أبو بكر الأعين عن أبي نعيم الفضل بن دكين قال: حدثني رجل كان مع يوسف بن عمر قال: شهدت خالدا حين أتى به يوسف فدعا بعود فوضع على قدميه ثم قامت عليه الرجال حتى كسروا قدميه فوالله ما تكلم ولا عبس. وقال الوليد بن يزيد لأبي الزناد: قد أمرت يوسف بعذاب ابني هشام بن اسماعيل، قال: سرور والله، فأخذ الوليد القرطاس وكتب إلى يوسف: إذا أتاك كتابي هذا فألحّ في العذاب على ابني هشام وخالد بن عبد الله حتى يموتوا، فكان يقال: ما قتلهم إلا أبو الزناد. وقال المدائني: قالها رجل من قيس ونحّلها الوليد وهو الثبت: وهذا خالد أمسى أسيرا … ألا منعوه إن كانوا رجالا عظيمهم وسيّدهم قديما … جعلنا المخزيات له ظلالافلو كانت قبائل ذات عزّ … لما ذهبت صنائعه ضلالا (¬١) وقال عمران بن هلباء الكلبي في قصيدة له: متى تلق السّكون وتلق كلبا … بقيس تخش من ملك زوالا لئن عيرتمونا ما فعلنا … لقد قلتم وجدّكم مقالا وقال منصور بن جمهور: يا قوم لا تغلبوا عن رأيكم فلقد … جرّبتم الغدر من أولاد مروانا ما زال من قتلوا عمرا بغدرهم … يدعون غدرا بعهد الله كيسانا حتى استباحوا سنام الأرض مملكة … قسرا فولّوا أمور الناس ولدانا ووحّشوا (¬٢) … بكتاب الله واتخذوا أهواءهم في معاصي الله قربانا ألا ترى مضرا أضحت تثير معا … حربا وضربا شتات الأمر وحدانا يقطعون بنا أعناق سادتنا … ويعلقون بنا أثواب ذبيانا وقال المدائني: أخذ يوسف عمال خالد وهم ثلاثمائة وخمسون، وقال: قد بقي منهم كبش كبير الصوف ولا بد من أن يجزّ - يعني الحكم بن عوانة الكلبي، وكان على السند، وكان هشام تقدم فيه إلى يوسف-. واستخرج منهم تسعين ألف ألف درهم ولولا عنفه لأخذ منهم أكثر من ذلك. وأخذ يوسف مولى لخالد يقال له داود فسأله عن أموال خالد، فلم يقرّ له بشيء فضربه حتى مات، ودعا بسعيدانف وكان على طراز خالد فضربهحتى قتله، وهو من بني تميم، وكان المقفع - واسمه داذ به عذب في استيفاء مال، فتقفّع - على خراج فارس ولاه إياها خالد، فدعا به فدفعه إلى صاحب العذاب فكان يرفق به لأنه تعيّن منه مائة ألف درهم، فدعا به يوسف فعذب بين يديه حتى مات. وعرض على يوسف عماله فقال عامل منهم: جبيت فلم أدع في البلاد درهما. فقال: كذبت وضربه ثلاثمائة سوط. وقال آخر: جبيت فبقّيت بقايا ليقوى أهل البلاد بها، فقال: بل اجتبيتها، فضربه أربعمائة سوط. وقال آخر: جبيت الخراج فازددت مالا، فقال: أخربت البلاد وضربه خمسمائة سوط. المدائني قال: قيل لإسماعيل بن يسار: اطلب العمل ونحن نضمن عنك، قال: دعوني أنظر كيف معاملة يوسف عند رأس السنة وفعله بالعمال، فلما رآه يعذبهم قال: رأيت صبيحة النوروز أمرا … فظيعا عن إمارتكم نهاني برئت من الولاية بعد يحيى … وبعد النهشليّ أبي أبان أحاذر أن أقصّر في خراج … وفي النوروز أو في المهرجان قالوا: وكان العريان بن الهيثم ضرب الجراح بن عبد الله بن عياش الهمداني بالسياط، وهو على شرطة خالد، فشكاه ابن عياش إلى خالد فلم يشكه، فلما عذب يوسف خالدا أتاه ابنا عياش فشتماه وقالا: أهكذا تضرب ابن النصرانية؟ إنما كان ينبغي أن تضرب أمه حتى تسلح على وجهه، فقيل لهما: أتشتما رجلا أسيرا يعذب؟ فقالا: ضربنا أميرا ولا نشتمه أسيرا،فمنى ندرك بثأرنا؟. فقال لهما خالد: يا بني لئيمي قومهما أفلا صبرتما للسياط. وغضب لخالد قوم فضربوهما ومزقوا ثيابهما فبلغ خبر الضاربين يوسف فقال: لم ضربتم هذين؟. قالوا: غضبا لخالد، فضرب كل واحد ألف سوط. وقال المدائني: أمر يوسف ببلال فعذّب فضمن ثلاثمائة ألف وأخذ منه كفلاء، فأخفرهم وهرب إلى الشام، فيقال إن غلامه أراد أن يشتري له دراجة فعرف، ويقال: بل شرى له غلامه دراجة فأحرقها، فضربه فسعى به، فأتي به هشام، فأمر به فأقيم في الشمس فقال: ادنوني من أمير المؤمنين فله عليّ ما طلب فأبى، وردّه إلى يوسف فعذبه حتى قتله. وقال عبد الله بن أبي بردة للسجان: ارفع اسمي في الموتى، فرفعه، فقال يوسف: أرنيه ميتا، فغمّه السجان حتى مات، ويقال بل كان بلال الذي سأل السجان رفع اسمه في الموتى، والمقتول في العذاب عبد الله. وقال يونس النحوي: ما قتل بلالا إلا دهيّه في نفسه، سأل السجان أن يرفع اسمه في الموتى ويعطيه مالا فرفع اسمه في الموتى، فقال يوسف: اعرض الموتى عليّ فغمّه حتى مات وعرضه عليه ميتا. قالوا: وتداعت قيس وتغلب إلى الصلح بعد الذي كان بينهم، فحمل رجل من تغلب في ذلك حمالة، وقدم على خالد، فأمر خالد سليمان بن المهاجر مولى بجيلة أن يقول في ذلك أبياتا فقالها، وأذن خالد إذنا عاما فدخل الناس والتغلبي معهم، فأنشد سليمان بن المهاجر أبياته: أتغلب أم قيس ترى في بلادها … من الحرب إذ عضّتهم الحرب أجزعوإن القبيلين اللذين تداعيا … إلى الصلح والداعي إلى الصلح أضرع أينسى بنو الغلباء بالبشر وقعة … لجحاف قيس (¬١) والقبائل تسمع فقال التغلبي: ألا لا ولا تنسى سليم وعامر … مقام عمير حين ظل يقطع فدع ذا ولكن ما تقولون في الذي … أتيناكم فيه لنا فيه مطمع فلم يصله ولم يعطه خالد شيئا فمضى وتركه. حدثني الأثرم عن أبي عبيدة قال: لما عذب يوسف خالدا ادعى أنه استودع زيد بن علي بن الحسين وداود بن علي بن عبد الله بن عباس مالا عظيما، وكتب يوسف بذلك إلى هشام، فكتب هشام إلى خاله ابراهيم بن هشام وهو عامله على المدينة يأمره بحملهما إليه، فحلفا أنه ما أودعهما خالد شيئا،، فقال: إنكما عندي صادقان ولكن أمير المؤمنين كتب إلي في حملكما إليه فحملا، فلما دخلا على هشام أحلفهما بأغلظ الأيمان ما أودعهما خالد شيئا قط فحلفا، وقال داود: كنت قدمت عليه العراق فأمر لي بمائة ألف، وقال زيد: كيف يودعني رجل كان يلعن جدي على المنابر؟. فقال هشام: أنتما أصدق من ابن النصرانية، فاقدما على يوسف حتى يجمع بينكما وبينه فتكذباه في وجهه، ففعلا. وقال خالد: مسّني العذاب ففزعت إلى هذه العلّة، وقلت يفرج الله قبل قدومكما.المدائني وغيره قالوا: بدأ يوسف بالكوفة، فدخلها ولم يقم بها، وخرج إلى واسط فأقام بها سنة وأقرّ زياد بن عبد الله الحارثي على الكوفة، ثم ولى يوسف بن عمر: محمد بن القاسم. وقال الكميت: ولما رأيت الدهر يقلب ظهره … على بطنه فعل الممعّك في الرمل أخذت بحبل لا أخاف انجذامه … من الحكم بن الصّلت حسبي من حبل في قصيدة له. قالوا، ونظر يوسف يوما إلى أسود مقيد قد جلس على مائدة من الموائد التي يطعمها الناس، وكان يأكل على موائده من أراد، فضرب رجل من الشاميين الأسود بنعل سيفه ليقيمه، فرآه يوسف، فدعا بالشامي فضربه مائة سوط، وقال للأسود: ما أنت؟. قال: عبد. فأمر بابتياعه وأعتقه وقال: احضر طعامنا في كل يوم. وقال المدائني: كان يقال إنه كانت في يوسف خلال حسنة: طول صلاة، وحسن هدى، ووفاء ولزوم للمسجد، وضبط لحشمه وأهل بيته عن الناس وجمال وانبساط لسان، وتواضع في منزله، وحسن ملكة، وكثرة تضرع ودعاء، وكان يصلي الغداة فلا يزال مستقبلا للقبلة يسبّح ويدعو ولا يكلم أحدا حتى يصلي الضحى، ولزوم للسنة، وحفظ للقرآن واقتصاد، وبعد همّة، وبصر بالشعر والأدب. وقال سعيد بن سلم: ذكر قوم يوسف فاغتابوه فقال لهم يوسف بن سليم مولى أبي بكرة: أنصفوا يوسف فإن خالد بن عبد الله اصطنع من اليمنومن العجم قوما نحو أبان بن الوليد فأخملهم يوسف وأفناهم، وأفلت منهم واحد وهو ابن الكرماني، فقد رأيتم ما صنع بكم فكيف لو بقي الآخرون؟ حدثني عمر بن شبه عن حيان بن بشر عن جرير عن المغيرة قال: كان الإسلام ذليلا حتى قدم يوسف، وقال ابن نوفل يمدح يوسف في شعر يقول فيه: أتانا وأهل الشرك أهل زكاتنا … وحكامنا فيما نسرّ ونجهر فلما أتانا يوسف الخير أشرقت … له الأرض حتى كل واد منوّر وحتى رأينا العدل في الناس ظاهرا … وما كان من قبل العقيلي يظهر في أبيات. ثم قال بعد ذلك فيه: أرانا والخليفة إذ رمانا … مع الإخلاص بالرجل الجديد كأهل النار حين دعوا أغيثوا … جميعا بالحميم وبالصديد قالوا: وقال يوسف لكلّوب الصريمي: دلني على رجل أوليه كرمان، فدله على نميلة بن مرّة. فولاه فكسر خمسمائة ألف، فضرب كلّوب خمسمائة سوط وضرب نميلة. وولى يوسف عبد الله بن طارق العنبري أمر أكراد فسا ودر أبجرد فقتله بعض الأكراد، فأخذ ابنه قدامة كتاب يوسف إلى عبد الكريم المازني وهو على فسا ودر أبجرد يأمره بدفعه إليه فقال له عبد الكريم: ثأرك ثأري وعلى الرجل من الخراج شيء كثير فدعني استأديه ثم أدفعه إليك، فعجل قدامة فقتله، فكتب عبد الكريم بذلك إلى يوسف فضرب قدامة ضربا مبرحا، فلما عزل عبد الكريم رفع عليه قدامة وقال ليوسف: هذا الذي يقول له الشاعر:إذا زفنت (¬١) … عليك سما بذخش (¬٢) فقد أزجت خراج درابجرد فقال يوسف لعبد الكريم: يا عدو الله وإذا أنت صاحب مثل هذا، فضربه ضربا مبرحا. قالوا: وكان يوضع على موائد يوسف أنواع الطعام فيأكل كل امرئ ما يشتهي، فوضعت على مائدة منها سمكة، فقال رجل من أهل الكوفة يقال له حماد بن أبي الدرداء، وهو من أهل بيت ينتمون إلى أبي الدرداء وليسوا منهم، وأهل الكوفة يقولون: بنو أبي الضرطاء، فقال حماد: أيها الأمير، هذا النون. فقال يوسف: والله لتضربنّ أو لتتكلمنّ بلسان أبيك. فقال: هذا كوارا وهو السمك بالنبطية، فتركه. قال المدائني: وولى يوسف بن عمر صالح بن كدين ولاية فخرجت عليه ثلاثون ألفا فحبس بها وبلال يومئذ محبوس، فقال له بلال: إن على العذاب سالما ويلقب رتبيل فإياك أن تقول له يا رتبيل، وجعل يردد عليه ذلك فعذبه سالم فنسي اسمه وكنيته وجعل يقول له: يا رتبيل اتق الله، فيقول: اقتل. فلما خلّى عنه قال له بلال: ألم أنهك عن رتبيل؟ فقال: وهل ألقاني في رتبيل غيرك، وأنا لم أكن أعرف رتبيل لولا أنت وما تدع شرك في سراء ولا ضراء. قال: وكان على شرط يوسف العباس بن سعد المريّ من مرّة غطفان وكان كاتبه قحذم بن سليمان بن ذكوان، وزياد بن عبد الرحمن مولى ثقيف، وكان على حرسه، وحجابته جندب وفيه يقول الشاعر:أتانا أمير شديد النكال … لحاجب حاجبه حاجب وولى يوسف محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى القضاء، وكانت به حدّة فقال له: إنما أنت أجير قوم فوفّهم عملك إذا وفّوك أجرك، وإذا أردت الخروج فكل لا أشبع الله بطنك، وانكح لا أعفّك الله، وإذا غضبت فقم. المدائني وغيره: أن يوسف بن عمر قال في خطبته: إن أول من فتح على الناس باب الفتنة وسفك الدماء علي وصاحبه الزنجي - يعني عمار بن ياسر-. قال: وكان في خضراء واسط زوج من البوم فقال: انظروا إليّ رجلا راميا بالبندق، فجيء برجل فرمى وكرهما فخرج أحدهما فرماه فقتله، ثم خرج الآخر فرماه فقتله فأمر بحبسه فحبس نحوا من سنة، فلما تحول عن واسط ذكر له فأمر بتخلية سبيله. المدائني عن الحكم بن النعمان قال: أراد الوليد بن يزيد بن عبد الملك عزل يوسف، واستعمال عبد الملك بن محمد بن الحجاج، فكتب إلى يوسف: إنك كتبت إلى أمير المؤمنين تذكر إخراب ابن النصرانية البلاد، وكنت مع ذلك تحمل إلى هشام ما تحمل، وقد ينبغي أن تكون قد عمرت البلاد حتى رددتها إلى ما كانت عليه فأشخص إلى أمير المؤمنين مصدقا ظنته بك: ليعرف أمير المؤمنين فضلك على غيرك لكفايتك، ولما جعل الله بينك وبينه من القرابة، فإنك خاله، وأحق الناس بالتوفير عليه، ولما قد علمت مما أمر به أمير المؤمنين لأهل الشام وغيرهم من الزيادة في أعطياتهم، وما وصل به أهل بيته لطول جفوة هشام لهم حتى أضر ذلك ببيوت الأموال.فخرج يوسف واستخلف ابن عمه يوسف بن محمد، وحمل معه من الأموال والأمتعة والآنية ما لم يحمل مثله من العراق قط، فقدم على الوليد، وخالد بن عبد الله محبوس، فلقيه حسان النبطي ليلا فأخبره أن الوليد على تولية عبد الملك بن محمد بن الحجاج، وقال له إنه لا بدّ لك من إصلاح أمر وزرائه وأصحابه، فقال: ليس عندي فضل درهم. قال: فعندي خمسمائة ألف فإن شئت فهي لك، وإن شئت فارددها إذا تيسرت فقال: أنت أعرف بالقوم وأقدارهم ومنازلهم ففرقها عليهم، ففعل فكان جميع من على باب الوليد يعظمه ويجله، فقال له حسان: لا تغد على الوليد ولكن رح إليه، واكتب على لسان خليفتك كتابا إليك: «إني كتبت كتابي هذا ولست أملك إلاّ القصر، وأمر أبان بن عبد الله النميري أن يتضمن خالدا بأربعين ألف ألف، ثم زد عليه عشرة آلاف ألف، وتسأل أن يدفع إليك». ففعل يوسف ذلك فقال له الوليد: ارجع إلى عملك، ودفع إليه خالدا فحمله في محمل بغير وطاء، فقال محمد بن القاسم: فرحمته وقد جمعت ألطافا من أخبصة يابسة وغيرها في منديل، ثم دنوت منه فرميت بالمنديل إليه فقال لي: هذا من متاع عمان لأن أخي الفيض كان عامل عمان. فقلت في نفسي: هذا على هذه الحال وهو لا يدع شرارته. فقال يوسف وفطن: ما قلت لابن النصرانية؟ قلت: عرضت عليه الحاجة. فقال: أحسنت وهو أسير، ولو فطن بما صنعت به للقيت منه شرا. وقالوا: أقر يوسف زياد بن عبيد الله الحارثي على الكوفة حتى أخذ له عمال خالد، ثم عزله، وولى العباس الهمداني، ثم الحكم بن الصلت، ثم عزله وولى عدة ثم أعاده، ثم ولى يوسف بن محمد بن القاسم الثقفي،وعلى شرطته ابن أراكة الثقفي، ثم ولى عبيد الله بن العباس الكندي، وعلى شرطه خراش بن حوشب أخي العوام بن حوشب، وهو تولى نبش زيد بن علي من مدفنه. ولم يزل يوسف على العراق حتى قتل الوليد وولي يزيد بن الوليد، فهرب فظفر به فكان محبوسا في أيام يزيد وابراهيم أخيه، ثم قتله ابن خالد القسري في محبسه، وسنذكر خبره إن شاء الله. وقال سلم بن قتيبة: أرسل إلي يوسف بن عمر، فلما دخلت عليه قال: لم أرك. فقلت: كنت عليلا. قال: كذبت، ما عليك أثر العلة، امض إلى منزلك فإذا كان مثل هذا اليوم من قابل فائتني. فانصرفت وأقمت في منزلي إلى ذلك الوقت ثم وافيته فأذن لي فدخلت عليه فسلمت فردّ وقال: اجلس، فجلست فقال: إني قد هيأت لأمير المؤمنين ألطافا وهدايا، وكتبت إليه أصفك له، وأخطب عليك ولاية خراسان، وأمرت الوفد بإطرائك وصيرتك عليهم، وفي الوفد قمير بن مسعود في نفر من بني تميم، فلما قدمت على هشام وصفني الوفد، فقال هشام: له في سائر أعمال العراق مندوحة عن خراسان. حدثني عمر بن شبه عن عبيد بن جناد عن عطاء بن مسلم الخفاف قال: لما قدم زيد بن علي على يوسف قال: يزعم خالد القسري أنه أودعني أموالا وكيف يودعني وهو يشتم آبائي على منبره، فأحضر يوسف خالدا في عباءة فقال له: هذا زيد وهذا داود بن علي وقد حلفا أنك لم تودعهما مالا، فقال: كيف أودع زيدا وأنا أشتمه وأباه، فشتمه يوسف وردّه.وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: قالا لخالد: ما دعاك إلى ما صنعت؟ فقال: غلظ علي في العذاب فادعيت ما ادعيت مستريحا، ورجوت أن يفرج الله قبل قدومكما. المدائني قال: قدم عبد الكريم بن سليط الحنفي على يوسف فأمضاه إلى هشام، فقال له هشام: بلغني أن لك بخراسان علما، قال: أجل، قال: فمن ترى لها؟ قال: رجل أهلها الكرماني، قال: وممن هو؟ قال: من الأزد. فتبينت الكراهة في وجه هشام. قال: ما اسمه؟ قال: جديع بن علي، فتطيّر من اسمه وقال: لا حاجة لي فيه. قال: فأبو الميلاء يحيى بن نعيم بن هبيرة، ابن أخي مصقلة بن هبيرة الشيباني، فقال: إن ربيعة لا تسد بها الثغور. قال: فعقيل بن معقل الليثي. فأعجبه، فقال: إن اغتفرت منه خصلة. قال: وما هي؟ قال: ليس هو بعفيف البطن والفرج، قال هشام: فلا حاجة لي فيه. قال: فالمجرّب الأديب منصور بن عمر بن أبي الخرقاء السلمي، فأعجبه. قال: إن اغتفرت منه واحدة. قال: وما هي؟ قال: أشأم العرب، قال: لا حاجة لي فيه. قال: فالمسنّ العاقل مجشر بن مزاحم السلمي. إن اغتفرت منه واحدة. قال: وما هي؟ قال: أكذب العرب. فقال: أيّ عقل مع الكذب، لا حاجة لي فيه. قال: فابن ذي الطاعة يحيى بن الحضين بن المنذر. قال: ألم أقل أن ربيعة لا تسد بها الثغور. فقال: قطن بن قتيبة بن مسلم على أنه ثائر بأبيه. قال: لا حاجة لي فيه. فقال: نصر بن سيار، فتفاءل باسمه. قال: فإنه لا عشيرة له بخراسان. قال: أنا عشيرته، لا أبا لك، أتريد عشيرة أكرممني، اكتب عهده يا غلام، وأمره في عهده أن يعامل يوسف بن عمر. قال: فخرج بعهده ولم يمر على يوسف وأخذ طريق حلوان. وقالوا: أقر يوسف بلال بن أبي بردة على البصرة ثمانية أشهر، ثم كتب إليه أن احمل إليّ عمالك فحمل إليه سعيد بن راشد فقال له سعيد: والله ما مثلي ومثلك إلا مثل حلاقين قيل لأحدهما: احلق رأس صاحبك حتى يفرغ فيحلق رأسك. فأقر يوسف بلالا أشهرا بعد صرف سعيد. حدثني عبد الله بن صالح عن ابن كناسة والمدائني وغيرهما قالوا: كان يوسف قصيرا عظيم اللحية، يلبس ثيابا طوالا يجرها، وكان شديد العقوبة مسرفا في ضرب الأبشار، وكان يأخذ الثوب اليوسفي فيمر ظفره عليه فإن تعلق به خيط ضرب صاحبه وربما قطع يده. قالوا: وضرب يوما جماعة في درهم زائف اخرج من الدار، وفي درهم نقص حبة خمسة آلاف سوط، وأتي يوسف يوما بثوب فقال للحائك الذي تولى عمله: ما يقال لهذا؟ قال: سهر بسهر فقال: ما تقول ويلك؟ قال قحذم كاتبه: يقول أحمر في أحمر. فقال: لا جرم لأحمرنّ ظهره - فضربه ثلاثمائة سوط. وقال يوما لكاتبه وقد أتى بثوب: ما تقول في هذا الثوب؟ قال: كان ينبغي أن يكون أصغر أبياتا من هذه. فقال للحائك: صدق، يا بن اللخناء، فقال الحائك: نحن أعلم بهذا، فقال لكاتبه: صدق يا بن اللخناء هو أعلم بهذا منك. فقال قحذم: هذا يعمل في السنة ثوبا وأنا يمر على يدي في كل سنة مائة ثوب مثل هذا. فقال للحائك: صدق يا بناللخناء، فلم يزل يكذب هذا مرة وهذا مرة حتى عدّ أبيات الثوب فوجدها تنقص بيتا من أحد جوانب الثوب فضرب الحائك خمسمائة سوط. قالوا: وكان له وصفاء صغار، فكانوا يأتون بالزنابير فيفلتونها في البيت الذي هو فيه فتطنّ فيخرج فيقول: يا خبثاء ما هذا؟ ثم يرجع. قالوا: وأراد الخروج إلى بعض النواحي فدعا جواريه فقال لإحداهن: أتخرجين معي؟ قالت: نعم. قال: يا خبيثة هذا كله من حب النكاح، يا خادم، أو يا جديح إضرب رأسها. ثم قال لأخرى: ما تقولين؟ قالت: أحب أن أقيم فأكون مع ولدك. فقال: يا خبيثة أكل هذا زهادة فيّ؟ اضرب يا جديح رأسها. ثم قال لأخرى: ما تقولين؟ قالت: ما أدري ما أقول، إن قلت ما قالت هذه أو هذه لم آمن عقوبتك. قال: يا لخناء أو تناقضين وتحتجين عليّ فأمر بها فضربت. قال الهيثم عن ابن عياش أن رجلا دخل على يوسف فقال له: لم أرك مذ أيام. قال: كنت خبيث البطن. فقال يوسف: والفرج - وإنما أراد وجع البطن-. قالوا: وكان جالسا في خضراء واسط فنظر إلى عش بومة فيها، فقال لبعض من معه: ارمها فرماها بجلاهق فصرعها فقال: انك لغاو أوجعوا رأسه ولا يحضرني مثله. وقال سعيد بن راشد مولى النخع يوما: لو فعل الأمير كذا. فقال: يا بن اللخناء أتشير عليّ، وكان سعيد ابن اخت طارق مولى خالد القسري وفيه يقول الشاعر:بكى الخزّ من إبطي سعيد بن راشد … ومن دبره تبكي بغال المواكب فواعجبا حتى سعيد بن راشد … له حاجب بالباب من دون حاجب المدائني قال: ولى يوسف الوازع بن عبّاد بن قيس السّلمي (¬١) البصرة فأخذ بلالا فحمله إلى يوسف بالكوفة ولم يدعه يوسف عليها إلا قليلا حتى عزله، ويقال إنه لم يوله وإنما وجهه في عمل بلال.

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Chronology

  • Birth Year Ah

    2

    بعهد الله كيسانا حتى استباحوا سنام الأرض مملكة … قسرا فولّوا أمور الناس ولدانا ووحّشوا (¬٢) … بكتاب الله واتخذوا أهواءهم في معاصي الله قربانا ألا ترى مضرا أضحت تث

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
253858
Book record
shamela-9773
Source record
336682
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate