page 3084, entry [569]Open original source
أمر جوّاز الضّبي قال الهيثم: أتى جواز الضبي الشام، وكان من رؤساء الخوارج، مع من شهد حصار ابن الزبير، وكان هاربا من الحجاج، فنزل بالشام على عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وكانوا يضيفون من يعرفون ومن لا يعرفون، وكان عبد الله بن يزيد، وروح بن زنباع، أكرم من بالشام إضافة، وكانا يتعديان مع عبد الملك ويتعشيان، فإذا انصرفا دعوا بطرف ما عندهما فأكلاه مع أضيافهما (¬١). وكتب الحجاج إلى عبد الملك يعظّم فيه أمر الخلافة، ويذكر أن الخليفة أعظم منزلة عند الله من الملائكة المقربين لأنه جعل آدم خليفته، ثم أمر الملائكة بالسجود له، وجعلهم رسلا إليه. فحسن موقع ذلك من عبد الملك وأعجبه وازدهاه، فقال: وددت أن عندي بعض الخوارج فأخاصمه بكتاب الحجاج، فلما انصرف عبد الله بنيزيد حدّث أضيافه بما كان، فقال له جوّاز: توثّق لي منه ثم أعلمني. فراح إليه فتوثق له ثم أعلمه ذلك، فلما أصبح جوّاز اغتسل وتحنّط ولبس ثوبين أبيضين، وأدخله إلى عبد الملك فدعا بكتاب الحجاج فقال: اقرأه. فقال جوّاز: جعلك: مرّة ملكا، ومرة نبيا، ومرة خليفة، فإن كنت ملكا فخبّرنا متى نزلت، وإن كنت نبيا فأعلمنا متى نبّئت، وإن كنت خليفة فأعلمنا أعن ملأ من المسلمين استخلفت أم عن ابتزاز لأمورهم؟ وكان أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد حاضرا فقال: هو الله منهم. فقال جواز: يا أمية لو كنت منهم عرفتني يوم أبي فديك حين هزمك. فقال عبد الملك: قد أعطيناك عهدا وموثقا فلا سبيل لنا إلى قتلك، ولكنك والله لا تساكنّي في بلد، إلحق بحيث شئت. قال: فإني أختار مصر، فنزل مصر وأتى المغرب فأفسد أهله، وكان يرى رأي الصّفرية. فلما مات عبد الملك كتب الحجاج إلى الوليد: «إنّ ذمة أمير المؤمنين عبد الملك قد وفت ولا أمان لعدوّ الله جوّاز الضبّي، فإن رأى أمير المؤمنين أن يبعث إليّ به»، وكانت بنو أمية لا تقتل خارجيا بالشام والجزيرة لئلا يتّخذ دار هجرة. فكتب الوليد إلى قرّة بن شريك: أن ابعث إليّ بجواز الضبي فبعث به إليه، فلما دخل عليه قال: انطلقا به إلى الحجاج، فقال: إني في أمان أبيك وذمته. قال: لا بدّ من الحجاج، فقال: مثلك والله أخفر أباه، واستخفّ بذمته وأخفرها.فلما قدم به على الحجاج قال: بلغ من أمرك يا جواز أن تردّ على أمير المؤمنين؟ قال: ﴿اقض ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا)﴾ (¬١). وكان صالح بن عبد الرحمن الكاتب السجستاني عدوا ليزيد بن أبي مسلم (كاتب) (¬٢) الحجاج، وكان جبلة أخو صالح خارجيا، فدعا صالحا فأدخله في رأيه، فأشار على الحجاج أن يأمر صالحا بقتل جواز، فقال له: يا صالح قم فاقتله، قال صالح: فأردت أن أطرح السيف ثم خفت الحجاج أن يسبي بناتي فقتلته، ثم لم يزل خائفا من الخوارج. فلما عذّبه عمر بن هبيرة أيام يزيد بن عبد الملك وطرح على مزبلة على باب دار العذاب وبه رمق، كان وهو على المزبلة يقول: لا حكم إلا الله، استغفر الله من قتل جوّاز، اللهم اغفر لي ولا أراك فاعلا. وقال بعض الخوارج: لا بارك الله في قوم أجاز لهم … حكامهم ان أصابوا المرء جوّازا إن يقتلوه فما فازوا بمقتله … وقد أصاب الذي رجّى وقد فازا (¬٣) وقال ابن الكلبي: خرج سكين أحد بني محلم بن ذهل بن شيبان بدارا، فأصابته خيل محمد بن مروان، وهو يلي الجزيرة، فبعث به إلى الحجاج، فكلمه كلاما شديدا، فضرب الحجاج عنقه. وقال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم الأعرج وهو بالمدينة يريد الحج:ما بالنا نكره الموت؟ قال: لأنكم أخربتم آخرتكم، وعمرتم دنياكم، فكرهتم أن تنقلوا من العمران إلى الخراب. وقال أبو حازم لسليمان - وقال له لم لا تأتينا؟ -: إن الأمراء كانت تأتي العلماء رغبة فيما عندهم، فقد صار العلماء يأتون الأمراء فسقطوا من أعين الناس. فقال الزهري: إيّاي تعني يا أبا حازم - وذلك أنه كان عند سليمان - فقال: ما تعمّدتك ولكنه ما تسمع. وقال سليمان: يا أبا حازم، أيّ الناس أكرم على الله؟ فقال: أهل المروءة والنّهى، قال: فأيّهم أكيس؟ قال: رجل عمل بطاعة الله ودلّ الناس عليها. قال: فكيف نحن يا ليت شعري؟ قال: اعرض عملك على كتاب الله تعلم ذلك. فبعث سليمان إليه بصلة فلم يقبلها (¬١).