Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

ولاية خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد

البلاذري - أنساب الأشراف - ط الفكر · page 2986, entry [548]

أنساب الأشراف - ط الفكر — البلاذري

Open narrator profile: ولاية خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد
page 2986, entry [548]Open original source
ولاية خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد قالوا: قدم خالد البصرة واليا من قبل عبد الملك بن مروان، وجهه من الكوفة وقال له: أكرم جفريتك - يعني من نصره يوم الجفرة - فعزل خالد المهلب عن قتال الأزارقة: قطري وأصحابه، وولاه الأهواز وكور دجلة، وولى فارس ابنيه، فجعل أحدهما في بعض كورها، والآخر على باقيها، وبعث أخاه عبد العزيز بن عبد الله على قتال قطري وأصحابه، فسار إلى قطري ومعه فرسان أهل البصرة، ومعه مقاتل بن مسمع، وكان معه ابن قيس الرقيات. وقال أبو الحسن المدائني: لما قدم خالد وذكر عزل المهلب عن قتال الأزارقة قال له ابن النعمان بن صبهان الراسبي: إن أهل البصرة قد كانوا أمنوا العدو والمهلب بالأهواز وابن معمر بفارس، وقد عزلت معمرا عن فارس فإن عزلت المهلب لم تأمن العدو. فقال خالد: ذهب المهلب بحظ هذا المصر فأعزله وأوجه عبد العزيز إلى هذه المارقة، فقال له أمية أخوه: لا تعزل المهلب فإن ظفره لك وهزيمته عليه. فأبى إلا عزله. وكتب إلى المهلب فقدم عليه.وتجهز خالد وشخص إلى الأهواز، وأقبل قطري والخوارج إلى الأهواز فخرج إليهم خالد ومعه المهلب فالتقوا بكريج دينار، فقاتلوا خالدا ومنعوه من حط أثقاله وصبر لهم يومه كلّه فقتل الربيع بن زياد اليشكري، وهو يومئذ على شرطته. وتحاجزوا عند المساء فقال له المهلب: إنك لا تدري أتطول حربك أم تقصر وما ههنا لا يحمل متعلقك وسرحك، فاقطع دجيلا فتصير بين مناذر والسوس وجنديسابور ونهرتيرى. ففعل وارتحل قطري فنزل مدينة نهرتيرى، وكان الخوارج قد بنوها وخندقوا وعقدوا جسرا وجعلوا كرسيه في الخندق. ونزل خالد رستاقا من مناذر يقال له برتا، فقال المهلب: ان قطريا قد تحصن وأنت أولى بهذا منه فخندق وفرغ سفنك وأدخلها الزايذان فإني لا آمن البيات، قال: يا أبا سعيد الأمر أعجل من ذلك، فقال المهلب لبعض أصحابه: أخرجوا ما كان لكم من متاع في هذه السفن فإني أرى أمرا ضائعا، وقال لزياد بن عمرو: خندق فخندق. ودعا المهلب فيروز حصين إلى التحول إليه فقال: يا أبا سعيد الرأي رأيك ولكني أكره مفارقة أصحابي. قال: فكن يا أبا عثمان قريبا منا إذا رأيت مفارقة أصحابك، فقال: أما هذا فنعم. وكان زياد يومئذ على شرطة خالد بن عبد الله، وقاتلهم الخوارج أربعين يوما لا ينفسونهم. وكتب عبد الملك إلى بشر بن مروان أن يمد خالدا بجيش عليه عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي ففعل، وقال بشر لعبد الرحمن: إذا فرغتم من الحرب فسر إلى الري. فقدم عبد الرحمن على خالد، وقالالمهلب لخالد: أصلح الله الأمير إنك قد أبيت أن تخندق وأن تدخل سفنك الزايذان فحول ما في سفنك فأبى. وأقبل الخوارج يريدون أن يبيتوا خالدا، فأخذوا سفنا فيها قصب فألهبوا فيها النيران وحدروها على سفن خالد، وأقبلوا هم على خيولهم، وأحرقت النيران سفن خالد، وأقبل الخوارج حتى خالطوا عسكر خالد لا يلقون أحدا إلاّ قتلوه ولا دابة إلاّ عقروها ولا فسطاطا إلاّ هتكوه وألهبوا فيه النار، فبعث المهلب يزيد ابنه في مائة فارس فخرج من الخندق، وجاء الصلت بن الغضبان الجذعي في مائة، وجاء فيروز حصين في مائة من مواليه، وجاء عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث في مائة، فحمل الخوارج عليهم فصرع يزيد بن المهلب فقاتلوا عنه حتى ركب، وأبلى عبد الرحمن بن الأشعث فصرع، وحامى عليه قوم من همدان، وأبلى الصلت، ورماهم فيروز بالنشاب حتى أخرجوهم من العسكر، فانصرفوا على حاميتهم إلى عسكرهم، ونادى ملاّحو قطري ملاّحي خالد: تعالوا إلى خير الناس وأوفاهم فقال أعشى همدان لعبد الرحمن بن الأشعث في قصيدة. ويوم أهوازك لا تنسه … ليس الثنا والمدح بالبائد وأصبح عسكر خالد كأنه حرة سوداء من الرماد، فنادى الخوارج خالدا: ذهبت سفنك لولا هذا الساحر المزوني لأهلكك الله وأخزاك. وقال خالد للمهلب لما رأى ما بعسكره من القتلى والجرحى: كدنا نفتضح. فقال: إن لم تخندق عادوا إليك. فقال: اكفني أمر الخندق فقام المهلب بالخندق حتى أحكمه فقاتل قطري خالدا بعد أن خندق ثلاثمرات، ثم ارتحل إلى كرمان. ورجع خالد إلى البصرة وخلف أخاه على الأهواز عاملا عليها. وقال قطري لما بلغه انصراف خالد: إن أتاكم عتاب بن ورقاء أتاكم شجاع يلقاكم في سرعان الخيل، وإن أتاكم حجازي فهو ما تريدون، وإن أتاكم ابن معمر فليست ثم مناظرة، هي دفعة إما له وإما عليه وفيها الموت. وإن جاءكم المهلب فإن ناجزتموه ناجزكم وإن طاولتموه طاولكم وهو البلاء. قال أبو الحسن المدائني: أقام قطري وأصحابه بكرمان خمسة أشهر ثم أتوا فارس فقال له مقاتل بن مسمع: ولّ عبد العزيز قتال الأزارقة وانتخب له، ففعل. وشخص عبد العزيز في ثلاثين ألفا ويقال في خمسة وعشرين ألفا وعلى شرطه هراسة بن الحكم، أحد بني ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، وعلى بكر بن وائل مقاتل بن مسمع، وعلى بني تميم عبس بن طلق، وحمل عبد العزيز معه امرأته ابنة المنذر بن الجارود، واستعمل خالد المهلب على الأهواز، فأقام بها في ثلاثمائة. وقال عبد العزيز حين سار للقاء الخوارج: زعم البصريون أن هذا الأمر لا يقوم له إلاّ المهلب، وسيعلمون. وكان الخوارج بأزدشيرخره، فلما قرب عبد العزيز منهم قيل له: إن الخوارج منك قريب فانزل الناس على غير تعبئة، فما حطوا الأثقال حتى طلع عليهم سعد الطلائع في سبعمائة وهم على غير تعبئة فناوشوهم ثم ولى الخوارج منهزمين مكيدة منهم، وقال سعد: استطردوا لهم، واتبعهم عبدالعزيز والناس فقيل له: ارجع واتركهم حتى يحط الناس أثقالهم. فقال: لا حتى أخرجهم من هذا الرستاق فانتهوا إلى عقبة فصعدوا فيها ولهم بها كمين، ثم انحدروا من العقبة واتبعهم عبد العزيز وأصحابه، وخرج الكمين عليهم فحكّموا، وعطف قطري والخوارج فقاتلوهم فقال عبد العزيز لعبس بن طلق: انزل. فنزل وهو أعرج فقتل، وصبر الناس فقتل مقاتل بن مسمع وهراسة بن الحكم وسليم بن سلمة الليثي وجعفر بن داود بن قحذم أحد بني قيس بن ثعلبة، وانحاز عبد العزيز والناس واتبعوهم فقتلوهم حتى فرسخين وأسروا منهم أسرى فشدوهم وثاقا وألقوهم في غار، وسدوا عليهم بابه فماتوا فيه. وحوى قطري عسكر عبد العزيز وأخذوا امرأته أم حفص بن المنذر بن الجارود. وأخذوا امرأة سليم بن سلمة وغيرها. وساقوا النساء إلى عسكرهم، وضربت امرأة منهن الرجل الذي أخذها بسوارها فشجته فقتلها وكان يقال لها ريمة، ونادوا على أم حفص فتزايد عليها قوم أسلموا من المجوس وصاروا خوارج ففرض لهم الخوارج في خمسمائة خمسمائة فسموا البنجكية حتى بلغوا بها سبعين ألفا، فغم ذلك قطري بن الفجاءة وقال: ما ينبغي لرجل من المسلمين المهاجرين أن يكون له سبعون ألف درهم، وإن هذه لفتنة، فضربها أبو الحديد العبدي فقتلها فأخذوه فقال قطري: مهيم يا أبا الحديد. قال: يا أمير المؤمنين خشيت الفتنة عليهم في هذه المشركة، قال: أحسنت، وقال آل الجارود: ما ندري أنذم أبا الحديد أم نشكره؟ فقال رجل من الخوارج:كفانا فتنة عظمت وجلت … بحمد الله سيف أبي حديد تغالى المسلمون بها وقالوا … على فرط الهوى هل من مزيد فزاد أبو الحديد بنصل سيف … رقيق الحد فعل فتى رشيد وجاء يومئذ العلاء بن مطرّف بن شهاب التميمي من بني عبشمس ومعه امرأتان له إحداهما عبشمية من بني ملادس والأخرى ضبيّة يقال لها أم جميل وهي مطلقة، وقال: ألست كريما إذ أقول لفتيتي … قفوا فاحملوها قبل بنت عقيل بنت عقيل يعني العبشمية المطلقة ولم لم يكن عودي نضارا لغودرت … بخسف غداة الروع أم جميل فقلت لبئس الفحل فحلك إن نجا … وآل ولما يذعروا بقتيل وما سر لي من والد ترك عرسه … فكيف إذا غب الحديث أقول وحممتها عند الفراق ببكرة … حفاظا وإخوان الحفاظ قليل العلاء ابن عم عمرو القنا الخارجي، وكان قطري يقدمه أمامه، وكان العلاء يتمنى أن يلقاه عمرو فلقيه فتمثل عمرو: تمناني ليلقاني لقيط … وذاك عليه لو يدري بلاء ثم قال له: النجاء يا أبا الصدي. وقال الهيثم بن عدي: كان على عبد العزيز سلاح مظاهر، فضرب ثلاثين ضربة فلم تحكم فيه، وفر فقال بعضهم: قبح الله ابن السوداء، فر وإن الدّولة له.قال: وقال ابن قيس الرقيات: عاهد الله إن عدته المنايا … ليعودن بعدها حرميا مرة يسكن الصفاح ونعمان (¬١) … ن ومرا ومرة في حديا حيث لا يشهد الصفوف ولا يسم … ع يوما لركز خيل دويا (¬٢) حدثني خلف بن سالم عن وهب بن جرير عن أبيه عن عمه صعب بن زيد قال: لما توجه عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد إلى قطري أتاني كردوس حاجب المهلب وأنا بالأهواز فقال: أجب. فأتيته فقال: يا صعب كأني انظر إلى هزيمة عبد العزيز ولا أدري من يفجأنا وليس معي جند فأعلم أين مستقر عبد العزيز، فخرجت حتى علمت مكانه وما بينه وبين الخوارج، ثم خلفت عمران بن عزيز البرساني ليكتب بخبرهم، وإذا كردوس قد دعاني بعد مقدمي بثلاث، فأتيت المهلب وأقرأني كتاب عمران بن عزيز بهزيمة عبد العزيز، فقال: اخرج حتى تلقى الفلّ وتعلم العلم، فخرجت على فرسي فسمعت بالليل كلام عبد الله بن قيس الجهضمي فناديته فعرفني فقلت: ما وراءك؟ قال: الشر. قلت: أين عبد العزيز؟ قال: أمامك. فانتهيت إلى ماهزويان (¬٣) فإذا خمسون فارسا معهم لواء فجاءني رجل يركض فقلت: لمن هذا اللواء؟ فقال: لعبد العزيز. فدنوتمنه فسلمت عليه ثم قلت: أيها الأمير لا يعظم عندك ما لقيت فإنك كنت في شر جند كلهم متأمّر مقاتل وهراسة والهذيل بن عمران وأشباههم، ثم تركتهم وأقبلت إلى المهلب فقلت: الخبر ما يسرّك، هزم الرجل وافتضح. فقال: ويحك، وما يسرني في فضيحة رجل من قريش وفل جيش المسلمين، فوجهني إلى خالد فامتنعت وقلت أهديك إذا إلى بيت الله، فوجه عمران بن عزيز وقال: أنا بينه وبين أخيه فلا أجد بدا من أن أبعث إليه بخبره قال: فلما أتى خالدا فأخبره قال: كذبت وكذب من بعث بك والله لهممت أن أضرب عنقك. قال عمران: ورد علي رجل من قريش وقال: كذبت فقلت: أصلح الله الأمير إن كنت كاذبا فاقتلني وإن كنت صادقا فأعطني مطرف هذا المتكلم. قال: لهان ما أخطرت به دمك. قال صعب: وقدم عبد العزيز على المهلب فوصله وكساه وبره وشخص معه إلى البصرة، واستخلف بالأهواز ابنه حبيب بن المهلب وقال: لا تبرح موضعك حتى ترى الخيل فإن رأيتها فصر إلى مناذر ثم اقطع الجسر وخذ على نهر تيرى حتى تقدم إلى البصرة، ففعل حبيب ذلك حين رأى الخوارج وقدم البصرة فغضب خالد فتوارى حبيب حتى كلمه فيه المهلب فرضي. وتزوج حبيب في تواريه أم عباد بن حبيب وهي من بني هلال. قال صعب: وكتب خالد إلى عبد الملك يعتذر لعبد العزيز وقال للمهلب: ما تراه صانعا في؟ قال: يعزلك. قال: تراه قاطعا رحمي؟. قال: نعم قد علم أمر أمية وانهزامه عن أبي فديك، وعلم أمر عبد العزيز وأخذ خالد ما كان في بيت المال.وقال الهيثم: لما أمد المهلب بعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث قال له: يا بن أخي خندق على أصحابك. قال: يا أبا سعيد أنا أعلم بهم منك، والله لهم أهون عليّ من ضرطة جمل. فقتل من أصحابه ولقوا شرا ولقب ضرطة الجمل. فقال الشاعر: تركت فرساننا تدمى نحورهم … وجئت منهزما يا ضرطة الجمل وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: أخذ خالد بن عبد الله ما كان في بيت المال بالبصرة وهو خمسة عشر ألف ألف درهم. وقال أبو الحسن المدائني وغيره: كتب عبد الملك إلى خالد: إني عهدت إليك أن تولي المهلب قتال الخوارج، فلما ملكت أمرك آثرت هواك على طاعتي فعزلت المهلب ووليته الجباية، ووليت أخاك عبد العزيز قتال الأزارقة فقبح الله هذا الرأي، أتبعث أخاك وهو رجل من أهل مكة وتدع المهلب وقد مارسهم وقد قال الأول: يا عجبا من ضأن يطأن الرّحض (¬١) ولعمري لو عاقبتك على قدر جرمك لأتاك مالا بقية بعده، ولكني ذكرت الرحم فحجزني ذلك فجعلت عقوبتك عزلك. وانتشر الخوارج وقال بعض الشعراء: بعثت غلاما من قريش فروقة … وأخرت ذا الرأي الأصيل المهلبا أبى الذم واختار الوفاء وجربت … مكيدته عند الأمور وجرّبا وقال أبو الحديد:عبد العزيز فضحت جيشك كلهم … وتركتهم صرعى بكل سبيل من بين ذي رمق يجود بنفسه … وملحب (¬١) وسط الغبار قتيل هلا صبرت مع الشهيد مقاتل … إذ رحت منتكث القوى بأصيل وتركت جيشك لا أمير عليهم … فارجع بعار في الحياة طويل ونسيت عرسك إذ تقاد سبيّة … تبكي العيون برقة وعويل وقال أيضا: عبد العزيز فضحت جيشك كلهم … وتركتهم صرعى بكل مكان لما رأيت أبا نعامة مقبلا … نجيت نفسك والرماح دوان ورأيت سعدا في الطلائع معلما … ولصالح شغبا على الأقران أسلمت عرسك والبلاء موكل … بالقول عند تشاجر المران (¬٢) وقال آخر: ألا ليت شعري ما يقولن خالد … إذا الخيل جالت والقنا يتشاجر أتصبر إنّ الصبر ليس سجية … لآل أسيد يوم تسبى الحرائر وقال الفرزدق: فرّ اللئيم عن اللقاء مبادرا … وثوى بمنزله الكريم مقاتل (¬٣) وقال عبد الملك: نكس خالد الرماح على عواليها، وترك المهلب المعروف بالنجدة والعلم بمكيدة الخوارج فجعله جابيا، وولى أخاه قتال الخوارج.قالوا: ولما عزل عبد الملك خالدا جمع لبشر بن مروان الكوفة والبصرة وكتب إلى بشر: إنك أخو أمير المؤمنين يجمعك وإياه مروان، وإن خالدا يجمعني وإياه أمية فانظر لنفسك وانظر المهلب فإنه حازم صارم فوجهه إلى هذه المارقة، وأمدّه من أهل الكوفة بثمانية آلاف. فغم بشرا كتابه في المهلب وقال: والله لأقتلنه فإنه زبيري. فقال له موسى بن نصير: أصلح الله الأمير. إن للمهلب بلاء وطاعة ووفاء. فسار بشر من الكوفة إلى البصرة في آخر سنة أربع وسبعين وأول سنة خمس وسبعين، فكتب موسى بن نصير وعكرمة بن ربعي، وكان عكرمة وادا للمهلب، إلى المهلب: أن الق الأمير متذللا. فلقيه على بغل أو حمار وسلم مع العامة ثم انصرف. ودخل بشر البصرة وعن يمينه الهذيل بن عمران البرجمي وعن يساره الحكم بن المنذر بن الجارود. فقال المهلب: أميركم يشرب. قد كنا نكتفي بشاهد واحد وهذان شاهدان، وكانا يشربان. ولما نزل بشر دار الإمارة سأل عن المهلب وقال: لم أره. فقيل: بلى، قد أتاك وهو شاك. فأراد أن يوجه إلى قطري وأصحابه عمر بن عبيد الله بن معمر أو غيره فشاور، فقال له أسماء بن خارجة: ما ولاك أمير المؤمنين إلا لتعمل بما ترى. فقال له عكرمة: لا تفعل ولكن راجع أمير المؤمنين وأعلمه شكاة المهلب. فأوفد بشر إلى عبد الملك وفدا يخبرونه بوجع المهلب وأن قوما من أهل البصرة يغنون أكثر من غنائه. فخلا بعبد الله بن حكيم المجاشعي فقال له: إن لك عقلا ورأيا فمن ترى لمحاربة هذه المارقة؟قال: المهلب. قال: إنه وجع. قال: ليس وجعه مما يمنعه النهوض. فقال عبد الملك: أرى بشرا يريد أن يعمل بما عمل به خالد. فكتب إليه يعزم عليه أن يوجه المهلب، فأرسل بشرا إلى المهلب أن انتخب من أحببت. فقال: أنا عليل لا أقدر على الاختلاف، فأمر فحمل إليه الديوان فانتخب فلم يجز له بشر عامة من انتخب، وكلمه في قوم فخلفهم. واستقرض المهلب مالا من التجار وغيرهم وبلغت الجعالة بين الناس أربعة آلاف، وسار إليهم المهلب فلقوه فأبلى يزيد بن المهلب وهو ابن احدى وعشرين سنة فنفاهم عن الأهواز، فأتوا فارس، فوجه إليهم المهلب ابنه المغيرة فقيل له: طاول هؤلاء الكلاب وإلا فإنك ستلزم بيتك إن فرغت من أمرهم. فقال: ليس هذا من الوفاء. ثم رجع الخوارج إلى رامهرمز فكتب بشر بن مروان إلى خليفته بالكوفة أن اعقد لعبد الرحمن بن مخنف على ثمانية آلاف، فلما قدم عليه قال له: قد علمت حالك عندي فكن عند ظني بك، انظر هذا المزوني فخالفه وأوعده، فخرج ابن مخنف وهو يقول: سبحان الله، ما طمع فيه هذا الغلام مني؟ يأمرني بتصغير شيخ من شيوخ قومي وساداتهم. ونزل ابن مخنف رامهرمز، ومات بشر واستخلف خالد بن عبد الله بن أسيد فرفض أهل الكوفة وقدموا إلى بلدهم، وأراد أهل البصرة أن يفعلوا مثل ذلك فقال لهم المهلب: لستم تقاتلون لبشر ولا لخالد إنما تقاتلون عن بلادكم فلا تصنعوا كما صنع أهل الكوفة فتحربوا عدوكم عليكم. فأقام بعضهم ورجع بعض عصاة إلى البصرة، وأقام المهلب في البصريين وأقام عبد الرحمن في ناس من أهل بيته لم يكن بقي معه أحد غيرهم.فلما قدم الحجاج العراق واليا في سنة خمس وسبعين بدأ بأهل الكوفة فخطبهم وتهددهم وتوعد العصاة بالقتل وقتل بعضهم، وخطب أيضا بالبصرة وألحق الناس بالمهلب. وكتب الحجاج إلى المهلب: «إنّ بشرا ﵀ بعثك مستكرها لنفسه عليك وأراك غناءه عنك، وإنى أعرفك حاجتي إليك فناهض عدوك ودع العلل، فوالله لأحشرن الناس إليك حشرا، فإني آخذ السميّ بالسّمي، والوليّ بالولي، حتى يكون قليل من يأتيك ككثير من فارقك، واقتل من خفته على المعصية فإني قاتل من قبلي من أهل الطبقة، فإن العاصي يجمع خلتين: إنه أخل بمركزه ووعر المسلمين من نفسه، وهو أجير لهم ليس له أن يأخذ إلا بقدر ما عمل». فكتب إليه المهلب: «ليس معي إلا مطيع، وإن الناس إذا أمنوا العقوبة صغروا الذنوب، وإذا يئسوا من العفو كفرهم ذلك، فهب لي الذين سميتهم عصاة، وإنهم فرسان أرجو أن يقتل الله بهم هذا العدو، إن شاء الله». وقال المهلب لجنده: «لقد جاءكم وال ذكر، ولولا هو كنا بمضيعة، فعليكم بالجد والحزم فإني رأيت البقاء مع الحزم، واستشعروا الصبر واعلموا أنه ليس كلّ غاز يؤوب إلى أهله، ولا كلّ سلامة تدوم لأهلها، وهؤلاء القوم يقاتلونكم عن دينكم ودنياكم، فأكرموا الخيل تنفعكم عند اللقاء، وأطيلوا الرماح فإنها قرون الخيل، وعيّروا الجبان يأنف، فلقد رأيتني مع الحكم بن عمرو بخراسان وإنّا لنعدّ في سرعان الناس رجالا ما يعابون إلا بالجبن وإنخلفهم لرجالا ما يحتملون إلا على الناس، فما رجع مستقدم، ولا تقدم مستأخر، والرجال يحمل غثها سمينها، والشجاعة ضراوة». فلما كثر الناس قال قطري وهو برامهرمز: من يأتي سردن (¬١) فإنها حصينة. قال عبيدة: بل نأتي سابور، ونخرج إلى كرمان، فنمضي منها إلى حيث نشاء. فأتى قطري سابور، ونزل المهلب أرجان، وبعث خيلا إلى سردن، وخاف أن يأتيها الخوارج فيتحصنون بها، وليست بمدينة، ولكنها جبال وعقاب منيعة. وأتى المهلب كازرون فخندق، وأقبل عبد الرحمن بن مخنف في جند أهل الكوفة فنزل ناحية، وذلك أن الكوفيين أبوا أن يخالطوا البصريين، فأرسل إليه المهلب: إما أن تنزل معنا وإما أن تخندق على نفسك، فأرسل إليه: خنادقنا سيوفنا. وكتب الحجاج إلى المهلب وهو بكازرون: إنك أقبلت على جباة الخراج وأبطأت عن قتال العدو، وقد هممت أن أولي عباد بن حصين أو عبيد الله بن حكيم المجاشعي ما وليتك قبل خروج الناس عليك. وقال الهيثم بن عدي: استبطأ الحجاج المهلب فكتب إليه: «إنك مزوني وابن مزوني (¬٢)، وللعجب منك حين تهاب قتال الأزارقة، كأنك ترىأنك ترث الأرض، وايم الله لئن لم تناجزهم لأبعثن إليك من يحملك على مكروه أمرك والسلام». فكتب إليه: «أما بعد فقد جاءني كتابك وإني لمزوني وابن مزوني ما أنكر ذلك، وإنما مزون عمان سمعتها العجم بذلك ولكن الأمير أصلحه الله من قبيلة قد ادعت إلى حمير وعدة قبائل وما استقر قرارها بعد، كانوا بقية ثمود ثم انتموا إلى وحاظة من حمير، ثم إلى أياد، ثم إلى عدوان، ثم إلى قسي بن منبه». فلما قرأ الحجاج الكتاب تبسم ثم قال: أفحشنا للرجل فأفحش. وقال المدائني: كتب إليه الحجاج: «إنك تشاغلت بالجباية عن الحرب». فكتب إليه: «إن من ضعف عن الجباية فهو عن القتال أضعف، ولو وليت غيري ممن سميت لرجوت أن يكونا للولاية أهلا في فضلهما وجرأتهما، وذكرت أني رجل في الأزد من أهل عمان وإن شرا من الأزد قبيلة تنازعتها ثلاث قبائل، ثم لم يستقر لها بيت في واحدة منهن». وناهض المهلب قطريا وأصحابه بكازرون في شهر رمضان سنة خمس وسبعين، وقاتل معه جعفر بن عبد الرحمن بن مخنف في رجال من أهل الكوفة، وجعل عبيدة يقاتل وهو يرتجز. إني لمذك للشراة نارها … ومانع مما أتاها دارها وغاسل بالطعن عنها عارها ثم تراجعوا، وأبلى يومئذ عياش الكندي، وكان من الفرسان، فلما هلك قال المهلب: لا وألت أنفس الجبناء بعد عياش، وكان من رجال المهلب.وقتل مرّة الكنان فبكى قطري حين أتي برأسه. فقيل له: أتبكي على رجل من أهل النار؟ فقال: إنما يبكى على أهل النار. وكان من قومه. وأبلى أهل الكوفة يوم كازرون حتى عرف مكانهم، وحذر المهلب الحريش ومن معه من بني تميم البيات فقال الحريش للمغيرة بن المهلب: يا أبا خداش، لا تخافنّ البيات من قبلنا. وأراد الخوارج أن يبيّتوهم فلم يقدروا. وقال الحريش: وجدتمونا وقّرا أنجادا … لا كشفا ميلا ولا أوغادا وترّجل أبو الأحوص صاحب مسعود وخزيمة بن نصر العبسي وغيره، وقاتلوا فقتل ابن مخنف وارتثّ جعفر ابنه. وكان عبد الرحمن بن مخنف يلقب في قول بعضهم ضرطة الجمل، ويقولون إنه القائل ما حكي عن ابن الأشعث من قوله: هم علي أهون من ضرطة جمل. وقال حميد بن مسلم يرثي ابن مخنف: إن يقتلوك أبا حكيم غرة … فيما يشد ويقتل الأبطالا ولمثل قتلك هد قومك كلهم … من كان يحمل عنهم الأثقالا في أبيات. وقال سراقة بن مرداس البارقي: أعيني جودا بالدموع السواكب … وكيفا كراس شنة (¬١) مع راكبوكونا بخير قبل قتل ابن مخنف … وكل فتى يوما لبعض المذاهب أمات دموع الشيب من أهل مصره … وعجل في الشبان شيب الرواسب وقال أيضا: ثوى سيد الأزدين أزد شنوءة … وأزد عمان وهو رمس بكازر وصابر حتى مات أكرم ميتة … بأبيض من بيض الحديد البواتر في أبيات. وواقع المهلب الخوارج مرات صابرهم فيها وصابروه، وكان الحجاج يوجه إليه من يأخذه بالقتال والمناجزة، ووجه إليه أمينا فكتب بخبره، فقال الشاعر في أبيات له: فمن مبلغ الحجاج أن أمينه … زيادا أصابته رماح الأزارق وكتب الحجاج إلى عتاب بن ورقاء، فصار إلى المهلب، فكان على جيش عبد الرحمن بن مخنف. وقال المدائني: بعث الحجاج الجراح بن عبد الله إلى المهلب مستحثا بالمناجزة، فقال المهلب: يا أبا عقبة ما تركت حيلة أبلغ بها مكيدة إلا وقد أعملتها، وقد انتهيت في قتال هذا العدو إلى العذر، ولكن البلاء أن يكون الرأي لمن يملكه دون من يعمله. وكتب الحجاج إلى المهلب: «إنك أقمت في خندق احتجارا من قتال هؤلاء المارقة»، فكتب إليه المهلب: «أتاني كتابك تعتب فيه علي على الخندقة، والخندقة حرز وحصن، وقد خندق رسول الله ﷺ بأمر الله، وذكرت أنك لا تظن في جبنا وعاتبني معاتبة الجبناء، وأوعدتني كما يوعد العاصي، فسل الجراح عما رأى». فلما سأل الجراح قال: لم أر كما رأيت،اقتتلوا ثلاثة أيام ضربا بالسيوف وطعنا بالرماح وخبطا بالعمد، فقال: لشد ما مدحته أبا عقبة، فقال: كلا ولكنه يحتمل المصيبة ويلقى كثيرا بقليل. ولم يزل عتاب بن ورقاء مع المهلب حتى بعث إليه الحجاج في القدوم للقاء شبيب، فأعطي المهلب أهل البصرة ولم يعط أهل الكوفة، فسأله عتاب إعطاءهم فلم يفعل فقال له: حدثت إنك شجاع فرأيتك جبانا، وحدثت أنك جواد فرأيتك بخيلا. فقال المهلب: يا بن اللخناء. فقال: إنها لمعمّة مخولة، فغضبت بكر بن وائل للمهلب فشتم بسطام بن نعيم بن هبيرة أخو مصقلة عتابا للحلف، وكان المهلب كارها لحلف بكر والأزد، فلما رأى أن بكرا قد نصرته سره ذلك الحلف، فلم يزل بعد ذلك يشدده ويقويه. وغضبت تميم البصرة لعتاب، وأزد الكوفة للمهلب. فمشى المغيرة فيما بين أبيه وعتاب حتى أصلحه وكلم أباه فأعطى الكوفيين، فقال رجل من أهل هجر: ألا أبلغ أبا ورقاء عنا … فلولا أننا كنا غضابا على الشيخ المهلب إذ جفانا … للاقت خيله منا ضرابا وكان عتاب وبنو تميم يحمدون المغيرة، وقال عتاب: إني لأعرف فضله على أبيه. وكان مقام عتاب مع المهلب ثمانية أشهر يقاتل معه الخوارج بفارس وكرمان، واتخذ المهلب ركب الحديد، وكانت ركب الناس الخشب. فكان الفارس يضرب ركابه فيقطع الركاب وقدمه، فقال عمران بن عصام العنزي من عنزة:ضربوا الدراهم في إمارتهم … وضربت للحدثان والحرب حلقا ترى منه مراكلها … كمناكب الحمالة الحرب وقالوا: كان قتال المهلب قطريا وأصحابه بسابور وما حولها ثمانية عشر شهرا. ووجه المهلب بشر بن مالك إلى الحجاج وأمر له بجائزة فردها وقال: إنما الثواب بعد الإستحقاق، فلما ورد على الحجاج قال له: كيف تركت المهلب؟ قال: أدرك ما أمل وأمن ما خاف. فقال: كيف هو لجنده؟ قال: والد رؤوف. قال: كيف جنده له: قال: ولد بررة. قال: هذه السياسة. وكان مع قطري رجل حداد يقال له أبزي يتخذ نصالا مسمومة. فذكر ذلك للمهلب فقال: أكفيكموه. فكتب المهلب إلى أبزي: «إنه قد أتتنا نصالك، وقد بعثت إليك بألف درهم فزدنا نصالا». وبعث بالكتاب فألقي في عسكر قطري فأخذ الكتاب فدفع إلى قطري، فسأل أبزي عن الخبر فقال: لا أدري ولا أعلم ما هذا الكتاب. فأمر به فقتل. فقال له عبد ربه: قتلت رجلا بغير ثقة ولا بيان يحل به دمه؟ فقال: يمكن هذا أن يكون حقا، ويمكن أن يكون باطلا. فرأيت في قتله صلاح الدين أمثل، وللإمام أن يحكم بما يرى فيه الصلاح، وليس للرعية أن ترد عليه. فتنكر له عبد ربه وجماعة وخالفوه في القول ولم يفارقوه. وأرسل المهلب رجلا نصرانيا وقال له: إذا رأيت قطريا فاسجد له فإن نهاك فقل إنما سجدت لك، ففعل النصراني ذلك فقال له قطري: مه. إنما السجود لله. قال: ما سجدت إلاّ لك، فقال رجل من أصحابه: قد عبدك من دون الله، وقرأ: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُجَهَنَّمَ﴾ (¬١). فقال قطري: قد عبد النصارى المسيح ابن مريم، وإنما عنى الله الأصنام، فقام رجل فقتل النصراني فقالوا: قتلت ذميا، فاختلفوا. ودس المهلب أيضا إلى عسكر قطري رجلا فقال: أرأيتم إن خرج إليكم رجلان مهاجران فمات أحدهما قبل أن يصل إليكم، وأتاكم الآخر فامتحنتموه فلم يجز المحنة فما تقولون في الميت؟ فقال بعضهم: الذي مات مؤمن وهذا كافر حتى يجيز المحنة. وقال آخر: هما كافران. واختلفوا فارتحل قطري إلى اصطخر في سنة سبع وسبعين في صفر. وقال المهلب: الاختلاف أشد عليهم وأسرع في هلاكهم فلا تشغلوهم بالقتال عن الجدال، فتركهم شهرين، ثم أتاهم بإصطخر، فتركهم شهرا وهم يخوضون في اختلافهم. فقال لهم صالح بن محزاق مولى قريش، ويقال مولى آل مصقلة الشيباني: إن المسلم يغضي عينه على ما يقذيها، ويدع حسنا لقبيح، وصغيرا لمخافة كبير، والله إن الأمر الذي أتيتموه لقبيح، وفي الفتنة الحق، فاتقوا الله وراجعوا سلامة صدوركم فقد أطمع اختلافكم عدوكم فيكم. وخرج عمرو القنا فنادى: يا معشر المحلّين، هل لكم في الطراد فلا عهد لنا به منذ حين. وقال: ألم تر أنا مذ ثلاثون ليلة … قريب وإعلاء الكتاب على خفضفتصايحوا، وأبلى المغيرة بن المهلب وصرع فاستنقذه فرسان من الأزد، واستاق الخوارج سرح المهلب فقال الرجل الذي كان يسوق السرح: نحن خدعناكم بسوق السرح … وقد نكأنا القرح بعد القرح فلحق ذلك الرجل بنو المهلب فردوا السرح. وأراد الخوارج هدم فسا، فاشتراها أزادمرد بن الهربذ منه بمائة ألف درهم، وارتحل الخوارج يريدون كرمان فنزلوا صاهك (¬١) الصغرى وهي من اصطخر، فاتبعهم المهلب فقاتلهم، فقال غلام لأكتل بن منجب السدوسي: اليوم آتيك بجارية من جواريهم. فقال أكتل: أخلاج إنك لن تعانق طفلة … سرحا بها الحادي كالتمثال حتى تلاقي في الكتيبة مقدما … عمرو القنا وعبيدة بن هلال وترى المقعطر في الكتيبة معلما … في عصبة قسطوا مع الضلال والمقعطر عبدي. قالوا: ومضى قطري إلى السيرجان، ورجع المهلب إلى فارس، وبعث الحجاج كردما على فارس فسأل المهلب الحجاج أن يجعل له كورا سماها ففعل، فكان المغيرة والرقاد يجبيان ولا يعطيان الجند فقال رجل من بني ضبة: ولو علم ابن يوسف ما نلاقي … من البلوى بمنزلة الطراد بكت عيناه من شفق علينا … وأصلح ما استطاع من الفساد قرونا أرض فارس في جمادى … إلى شعبان نقطع كل وادترى الشيخ البجال على حمار … يسوق به فتى رخو النجاد ألا قل للأمير جزيت خيرا … أرحنا من مغيرة والرقاد وفي كردم يقال: لو رآها كردم لكردما … كردمة العير أحسّ الضيغما قال ابن الكلبي: وهو كردم بن مرثد الفزاري: وأتى المهلب السيرجان فقاتل قطريا بها فصعد قطري المنبر (¬١) فخطب فقال: «أما بعد فإني أحذركم الدنيا فإنها حلوة نضرة، حفت بالشهوات ورامت بالقليل، وتحببت بالعاجلة، وتحلت بالآمال، وتزينت بالغرور، لا يدوم خيرها، ولا تؤمن فجيعتها، غرارة ضرارة، وحائلة زائلة، ونافذة بائدة، أكالة غوالة، لا تعدو إذا هي تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها، والرضى عنها أن تكون كما قال الله ﵎: ﴿كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾ (¬٢). مع أنّ امرأ لم يكن منها في حيرة إلا أعقبته بعدها عبرة، ولم يلق من سرائها بطنا إلا منحته من ضرائها ظهرا، ولم يطله فيها رخاء إلا هطلت عليه مزنة بلاء، وحريّ إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له خاذلة متنكرة. وإن جانب منها اعذوذب وحلا، أمرّ منها جانب وأوبأ، وإن أتت امرأ من غضارتها ورقا أردفته من نوائبها تعبا، ولم يمس امرؤ منها في جناح أمنإلا أصبح منها في قوادم خوف. غرارة غرورها فيها، فانية فان من عليها، لا خير في شيء من زادها إلا التقوى. من أقل منهما استكثر مما يؤمّنه، ومن استكثر منها استكثر مما يوبقه ويطيل حزنه ويبكي عينه، كم من واثق بها قد فجعته، وذي طمأنينة قد صرعته، وذي احتيال قد خدعته، وكم ذي أبهة فيها قد صيرته حقيرا، وذي نخوة قد ردته ذليلا، ومن ذي تاج قد أكبته لليدين والفم. سلطانها ذلّ وعيشها رنق، وعذبها أجاج، وحلوها صبر، وغذاؤها سمام، وأسبابها رمام، حيها بعرض موت، وصحيحها بعرض سقم، ومنيعها بعرض اهتضام، ملكها مسلوب وعزيزها مغلوب، وسليمها منكوب وجارها مخروب، مع أن وراء ذلك سكرات الموت وهول المطلع، والوقوف بين يدي الحكم العدل ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ (¬١) ألستم في مساكن من كان أطول منكم أعمارا وأوضح منكم آثارا وأعد عديدا وأكثف جنودا، وأشد عنودا، تعبدوا للدنيا أيّ تعبد، وآثروها أي إيثار، فظعنوا عنها بالكره والصغار، فهل يعلم أن الدنيا سمحت لهم نفسا بفدية، أو أغنت عنهم فيما أهلكتهم بخطب، بل قد أرهقتهم وضعضعتهم بالنوائب، وقد رأيتم شكرها لمن دان لها وآثرها وأخلد إليها حين ظعنوا عنها لفراق الأبد إلى آخر المسند، هل زودتهم إلا الشغب أو احلتهم إلا الضنك أو توردت بهم إلا الظلمة أو أعقبتهم إلا الندامة؟. فهذه تؤثرون؟ أم على هذه تحرصون أم إليها تطمئنون؟يقول الله ﵎: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ (¬١). فبئست الدار لمن أقام فيها، فاعملوا وأنتم تعلمون أنكم تاركوها لأبد، فإنما هي كما وصفها الله عزّ اسمه باللعب واللهو، وقد قال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ. وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ. وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ (¬٢). وقد ﴿قالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ (¬٣) ثم حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا، وأنزلوا فلا يتركون ضيفانا. وجعل لهم من الضريح أجنانا ومن التراب أكفانا. ومن الرفات جيرانا. وهم جيرة لا يجيبون داعيا ولا يمنعون ضيما. إن أخصبوا لم يفرحوا وإن قحطوا لم يقنطوا جميع وهم آحاد، جيرة وهم أبعاد متناؤون لا يتزاورون. حلماء قد ذهبت أضغانهم. وجهلاء قد ماتت أحقادهم. لا يخشى فجعهم ولا يرجى دفعهم. وكما قال الله عزّ اسمه: ﴿فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاّ قَلِيلاً وَكُنّا نَحْنُ الْوارِثِينَ﴾ (¬٤) استبدلوا بظهر الأرض بطنا، وبالسعة ضيقا، وبالأهل غربة، وبالنور ظلمة، فجاؤوها كما فارقوها حفاة عراة فرادى غير أن ظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدائمة وإلى خلود الأبد. يقول الله ﷿: ﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ (¬٥)فاحذروا ما حذركم الله، واشفعوا بمواعظه، واعتصموا بحبله، عصمنا الله وإياكم بطاعته، ورزقنا وإياكم أداء حقه». ثم ارتحل قطري إلى جيرفت واتبعه المهلب فنزل على ليلتين منه، واختلفوا فقال المهلب: الاختلاف خير لنا وشر لهم، وإنما اختلفوا لأنهم اتهموا عبيدة بن هلال بامرأة رجل قصّار رأوه يدخل إليها بغير إذن متفضلا فأخبروا قطريا فقال لهم: إنه عبيدة وموضعه من الدين والعسكر ما علمتم، فقالوا: لا نصالح على الفاحشة. فقال قطري لعبيدة: إني على أن أجمع بينك وبينهم فلا تكاشف مكاشفة البذيء ولا تخضع خضوع المريب. ثم جمع قطري بينهم وبينه فقرأ عبيدة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ (¬١) الآية. فبكوا وقاموا إليه فعانقوه وقالوا: استغفر لنا. فقال عبد ربه الصغير مولى بني قيس بن ثعلبة: والله لقد خدعكم، وإنه لكما ظننتم. فبايع عبد ربه منهم قوم وتنكروا لقطري وخالفوه في أمور فعلها نقموها عليه، فصار مع عبد ربه نصف عسكر قطري، فحارب عبد ربه قطريا فقتل من أصحابه قوم، وقتل صالح بن مخراق مع عبد ربه، فكره قطري أن يقيم بين عسكرين يقاتلانه، فخرج يلتمس منزلا، فجاء المهلب حتى نزل في معسكره، وقاتل عبد ربه وكتب إلى الحجاج بالخبر وأشار عليه أن يوجه إلى قطري من يتبعه ويحاربه.وألصق المهلب بعبد ربه، وقال عبد ربه: يا معشر المهاجرين إن قطريا وعبيدة هربا رجاء البقاء ولا سبيل إليه فألقوا عدوكم غدا فإن غلبكم على الحياة فلا يغلبنكم على الموت. فقاتلوا المهلب فقتل عبد ربه، وطلب بعض أصحابه الأمان، ومضى عمرو القنا إلى خراسان فمات بها، ومضى بعضهم إلى سجستان. وحوى المهلب عسكر الخوارج وأصاب به جرحى فدفع كل جريح إلى قومه، ورجع المهلب إلى جيرفت فقال: الحمد لله الذي ردنا إلى الخفض والدعة فما كان عيشنا بعيش. قالوا: ونظر المهلب في مجلسه إلى قوم لا يعرفهم فقال: ما أشدّ عادة السلاح. قالوا: فقام في الحين فلبس سلاحه وقال: خذوا هؤلاء فأخذوا فقال: من أنتم؟ قالوا: أردنا غرتك لنقتلك. فقتلهم. وقال الهيثم بن عدي: اعتزل عبد ربه الصغير في أربعة آلاف، والصغير مولى بني قيس، واعتزل عبد ربه الكبير في سبعة آلاف، والكبير مولى بني يشكر. فقاتل المهلب الصغير فقتله وأصحابه، ومضى قطري وبقي الكبير فقاتله المهلب فقتله أيضا. قالوا: وكتب المهلب إلى الحجاج: «أما بعد فالحمد لله الكافي بالإسلام فقد ما سواه، الذي أوجب المزيد بالشكر، وقد كان من أمرنا وأمر عدونا ما قد انتهى إليك خبره بعد مطاولة نلنا فيها منهم ما لم ينالوه منا، وأدنيت السواد من السواد حتى تعارفوا بالوجوه وقاتلت الأغمار، وكانما يسوءهم منا دون ما يسرهم (¬١)، وما يسرنا منهم فوق الذي يسوءنا حتى وقع بينهم الاختلاف ففرق الله أهواءهم وألقى بأسهم بينهم، ولم يزل الله يمحصنا (¬٢) ويمحقهم، وينصرنا ويخذلهم حتى بلغ بنا وبهم الكتاب أجله، فقطع دابر الكافرين والحمد لله رب العالمين (¬٣)». فكتب إليه الحجاج: «إن الله صنع بالمسلمين خيرا، وقد فرغتم من عدوكم وأراحكم من كثير مما كنتم فيه، فاقسم ما أفاء الله عليك فيمن معك. فأما قطري وعبيدة فنحن كافوك إياهم بعون الله وتوفيقه، فأقبل وليكن معك بنوك وفرسانك ولا تطمعن أحدا في اللحاق بأهله دون قدومك علي، واستخلف على كرمان». فاستخلف ابنه يزيد وأوصاه بالقصد والمبالغة في الأمور، وكان قد بعث بكتاب الفتح مع كعب الأشقري، ومرّة بن تليد الأزدي، أزد شنوءة، فأنشد كعب الحجاج قوله: يا حفص إني عداني منكم السفر .. فقال الحجاج: أخطيب أنت أم شاعر؟ فقال: خطيب شاعر. قال: فأخبرني عن بني المهلب. قال: المغيرة سيدهم وأشجعهم وحسبك بيزيد فارسا وما يستحي شجاع أن يصد عن مدرك، وما لقي الأبطال مثل حبيب، وعبد الملك موت ناقع، وكفاك ببأس مفضل ونجدته، وأسخاهم قبيصة، ومحمد ليث عاد. ثم قال لابن تليد: أخبرنيكيف كانت حالكم. قال: كنا إذا لقيناهم بعفونا وعفوهم يئسنا منهم وإذا لقيناهم بجدّنا طمعنا فيهم، قال: فكيف كان بنو المهلب؟ قال: حماة السرح نهارا وفرسان البيات. قال: فأين السماع من العيان؟ قال: السماع دون العيان. قال: فأيهم أفضل؟ قال: هم الحلقة المفرغة لا يعرف طرفاها. فوصل بني المهلب وأهل البلاء والغناء ممن كان معه وزادهم في الأعطية. وولى الحجاج المهلب خراسان، وكان المهلب يقول: ما أحب أن لي مكان بيهس بن صهيب ألف فارس. فقيل إنه ليس بشجاع؟ قال: لكنه سديد الرأي عاقل حذر فهو لا يدع الاحتراس والسؤال، ولو وجد مكانه ألف فارس شجاع لناموا حتى يحتاج إليهم. قالوا: وعقد الحجاج لسفيان بن الأبرد الكلبي على خمسة آلاف، وضرب على أهل الكوفة بعثا فخرجوا في عشرة آلاف عليهم الصباح بن محمد بن الأشعث، ويقال إسحاق بن عبد الله بن الأشعث. وجعل على جماعة الناس سفيان بن الأبرد وقال له الحجاج: أتدري إلى أين تسير؟ قال: نعم إلى كلاب النار. قال: اعلم أنك تسير إلى أسد الشرى وسباع العرب، يرون الموت قربة إلى الله ويعدون الفرار كفرا فعليك بالصبر والعزم، والقوم أصحاب مناجزة فإياك والعجلة. فصار سفيان وجعل على ساقته البختري بن عامر العاملي، فمر بالأخضر بن ورقاء الكلبي ومصاد بن زياد القيني والوازع بن دوالة الكلبي وهم سكارى فشتموا البختري، فقال له سفيان: هلا ضربت أعناقهم. وبلغ الحجاج أمرهم فحلق على أسمائهم فكتب فيهم فردها.قالوا: ومضى قطري وأصحابه نحو مكران وما وراءها، فأوقع ببعض من كان بأطراف بلاد السند، ومضى بعض أصحابه إلى سجستان، وأتى عبيدة بن هلال قومس فصار بها، ومضى قطري في طريق خراسان ثم عدل يريد الإصبهبذ بطبرستان. وبلغ الإصبهبذ ذلك فبعث إلى قطري والخوارج يسألهم عن أمرهم فقال قطري: نحن قوم أنكرنا جور سلطاننا فتنحينا عنه، ونحن قوم لا نظلم أحدا ولا نغصبه ولا ننزل عليه إلا برضاه. فأذن له الإصبهبذ في دخول بلاده، فدخل قطري طبرستان في أصحابه، فلما استقر بعث إلى الإصبهبذ يدعوه إلى الإسلام أو الجزية فقال الإصبهبذ لرسله: قولوا له أنت رجل دخلت بلادنا طريدا فآويناك وأحسنا إليك فتبعث إلي بمثل هذه الرسالة. فأرسل اليه: إنه لا يسعني في ديني غير هذا. فصار الإصبهبذ إليه ليخرجه عن بلده فأوقع به قطري وهزمه وقتل ابنه وأخوه، فخرج حتى أتى الري. وغلب قطري على طبرستان وأتى الطبري سفيان بن الأبرد وقد وافى الري فوضع يده في يده، وحدثه بما صنع قطري وقال له: أنا أدخلك عليه في طريق مختصرة حتى توافيه وهو لا يشعر بك ففعل، فقاتل سفيان ومن معه قطريا وأعانه الإصبهبذ وأساورته، وجعل قطري يقول: أنا أبو نعامة الشيخ الهبل … أنا الذي ولدت في أخرى الإبل. فطعنه رجل من أهل الشام في صدغه وانهزم أصحابه، فاتبعهم أهل الشام فقتلوا منهم خلقا.وعثر بقطري فرسه فاندقت فخذه ووقع بين صخرتين، وانتهى إليه باذام مولى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فقال باذام: الساقط بين الصخرتين والله قطري. فقال قطري: يا فاسق أنا غزيلكم، أو قال: أرينبكم الذي تطلبون، فاختلف وباذام ضربتين فكانت ضربه قطري ضعيفة. وضربه باذام فأبان يده ثم احتز رأسه، وادعى سورة بن الحر التيمي أنه قتله معه. وقال المدائني: انهزم قطري فإذا هو قد دفع إلى غيضة، فنزل عن فرسه فقاده حتى انتهى إلى موضع فيه ماء فأقام عنده وذلك في الصبح. وأقبل سورة بن الحر، وباذام مولى الأشعث بن قيس وشنظيز الثعلبي أحد بني ثعلبة بن يربوع يطلبون قطريا فأخبروا بأن رجلا دخل الغيضة فطلبوه فيها فوجدوه قائما يصلي وقد نزف دمه وضعف. فقال لهم: أنا غزيلكم الذي تطلبون، فقال سورة لباذام إن شئت أتيته أنا من بين يديه وأتيته أنت من خلفه، وإن شئت فأنا آتيه من خلفه وأنت من بين يديه. فتلقاه سورة من بين يديه وأتاه باذام من خلفه فقتلاه واحتزا رأسه فاختصما فيه، ووافاهم أبو الجهم الكلبي فأخذ الرأس وأتى به سفيان فبعث به إلى الحجاج. ويقال إن سورة كان يقول: رأيت قطريا وهو على فرس وخلفه امرأة على بغل فاتبعته أنا وباذام ونحن لا نعرفه فحملت على المرأة فلما غشيتها نادت: يا أمير المؤمنين. فعطف علي وشددت عليه فعانقته فسقطنا إلى الأرض فصار تحتي، وندر سيفه من يده فزحف يريد السيف وصارت إبهامه في يدي فرضضتها حتى فتر، وجاء باذام فضرب بالسيف بطنه واقتتلت أنا وباذام على رأسه.ويقال إن الذي قتل قطريا عثمان بن أبي الصلت. المدائني قال: قال معاوية بن محصن الكندي: رأيت قطريا وقد صرع في الشعب وهو يهوي ولا أعرفه، وحوله نسوة وفيهن عجوز، فحملت عليهن فانتضت العجوز السيف فضربتني فجرحتني في عنقي فضربتها فقتلتها. وأتى علج قطريا وهو لا يعرفه فقال له: اسقني ولك سلاحي، فمضى العلج فحدر عليه صخرة فأوهنت فخذه، وأتاه سورة فقتله، واختصم في رأسه سورة وباذام وشنظيز الثعلبي، وعثمان بن أبي الصلت، وجعفر بن عبد الرحمن بن مخنف، والصباح بن محمد بن الأشعث. وقال جعفر بن عبد الرحمن: إني لما عرفته لم تكن لي همة إلا قتله لأنه قتل أبي. قالوا: ولما قتل قطري وبعث سفيان برأسه، أتى قومس وبها عبيدة بن هلال فحصره ثلاثة أشهر، ويقال خمسة أشهر، ووضع عليه المنجنيق، فضاقوا وضجروا وصاروا إلى ذبح دوابهم وأكل لحومها، وأكلوا الجيف، فذلك حين قال عبيدة: إلى الله أشكو ما نرى بجيادنا … بقومس هزل مخهن قليل فإن يك أفناها الحصار فربما … تشحط فيما بينهن قتيل وأشرف عبيدة عليهم فقال: أقرأ عليكم أو أنشدكم؟ فقالوا: أنشد. فقال: يا فسقة. قد علمت أنكم تؤثرون الشعر على القرآن. ونادى سفيان: من خرج فهو آمن. فهمّ قوم بالخروج كثير. وقال الهيثم: نادى سفيان: يا معشر الأزارقة لا أمان عندي إلا لمنجاء برأس صاحبه فكان الرجل منهم يخاف ابنه وأخاه على قتله لما هم فيه من الجهد. وخرج عبيدة فاقتتلوا في يوم الجمعة إلى المساء، ثم دخل عبيدة القصر، وانهزم قوم من أصحابه فلم يدخلوا فاتبعهم سفيان، فأخذ منهم أسرى فقتلهم. وقال عبيدة: وما زالت الأقدار حتى قذفنني … بقومس بين الفرخان وصول إلى الله أشكو لا إلى الناس أشتكي … بقومس إذ فيها الشراة حلول ووعظ أصحابه فقال: إنما هي ساعة حتى تظفروا أو تستشهدوا، فخرجوا وشدوا على سفيان وأصحابه وقالوا الحصن لمن غلب، فكشف أصحاب سفيان، ثم بقي في جماعة من أهل الشام ليسوا بالكثير فقال سفيان: يا أهل الشام، يا أهل الصبر والحفاظ، يا حماة الأدبار أعن هؤلاء الأكلب تفرون، فتراجع الناس فقال سفيان: الأرض، فنزلوا جميعا وصبروا فقال عبيدة: يا إخوتي روحوا إلى الجنة، وقاتل فقتل عبيدة وعامة أصحابه واستأمن الباقون، فأمنهم سفيان، وكان من المستأمنة حطان الأعسر فقال شعرا: بليت وأبلاني الجهاد وساقني … إلى الموت، إخوان لنا وأقارب شريت فلم أقتل وما زلت لم أصب … كذاك صروف الدهر فينا عجائب واستأمن قيس الأصم وهو قيس بن عسعس ويلقب الخشبي، ثم كفّ بصره فمر بقومس فقال لقائده: أي موضع هذا؟ فأخبره. فقال: قف بي أبكي إخواني. وقال: ذكرت الشراة الصادقين بقومس … وذكري لهم مما يهيج شجونيوكان الحجاج كتب إلى سفيان يستبطئه في أمر عبيدة ويصغر ما عمل فقال: أن أبا محمد لا يرضي حتى جعل المحسن مسيئا والمطيع عاصيا. قالوا: وكانت عند قطري العيوف بنت يزيد بن حبناء التميمي فولدت ابنتين: مزنة والفجاءة فأخذ سفيان الفجاءة فبعث بها إلى عبد الملك، فصارت إلى العباس بن الوليد فولدت له الحارث والمؤمل فلما ولي عمر بن عبد العزيز وأمر برد سبايا الأزارقة قال للعباس: خل سبيلها أو تزوجها إن رضيت، فتزوجها برضى منها، ويقال: إنه كانت عند العباس نعامة بنت قطري. قال المدائني: وفد على عمر بن عبد العزيز قوم من بني مازن في أمر بنت قطري، فقال شاعرهم: أتيناك زوارا ووفدا إلى التي … أضاءت فما يخفى على الناس نورها أبوها عميد الحيّ عمرو وأمها … من الحنفيات الكرام قبورها فإن تك كانت حيث كانت فإنها … لها أسرة منا كرام نفيرها فقال عمر: قد تزوجها برضاها. وقال رجل للحارث بن العباس، أنت ابن الخلائف الأربعة. قال: ويحك من الرابع؟ قال: قطري. وقال الهيثم: بعث سفيان برأس قطري ورؤوس أعلام من معه إلى الحجاج مع الوليد بن بخيت الكلبي.

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Critical assessments

  • Da'IfDa'If

    نا طمعنا فيهم، قال: فكيف كان بنو المهلب؟ قال: حماة السرح نهارا وفرسان البيات. قال: فأين السماع من العيان؟ قال: السماع دون العيان. قال: فأيهم أفضل؟ قال: هم الحلقة المفرغة لا يعرف طرفاها. فوصل بني المهلب وأهل البلاء والغناء ممن كان معه وزادهم في الأعطية. وولى الحجاج المهلب خراسان، وكان المهلب يقول: ما أحب أن لي مكان بيهس بن صهيب ألف فارس. فقيل إنه

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • MajhulMajhul

    سكر الخوارج وأصاب به جرحى فدفع كل جريح إلى قومه، ورجع المهلب إلى جيرفت فقال: الحمد لله الذي ردنا إلى الخفض والدعة فما كان عيشنا بعيش. قالوا: ونظر المهلب في مجلسه إلى قوم لا يعرفهم فقال: ما أشدّ عادة السلاح. قالوا: فقام في الحين فلبس سلاحه وقال: خذوا هؤلاء فأخذوا فقال: من أنتم؟ قالوا: أردنا غرتك لنقتلك. فقتلهم. وقال الهيثم بن عدي: اعتزل عبد ربه ا

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • MajhulMajhul

    لكندي: رأيت قطريا وقد صرع في الشعب وهو يهوي ولا أعرفه، وحوله نسوة وفيهن عجوز، فحملت عليهن فانتضت العجوز السيف فضربتني فجرحتني في عنقي فضربتها فقتلتها. وأتى علج قطريا وهو لا يعرفه فقال له: اسقني ولك سلاحي، فمضى العلج فحدر عليه صخرة فأوهنت فخذه، وأتاه سورة فقتله، واختصم في رأسه سورة وباذام وشنظيز الثعلبي، وعثمان بن أبي الصلت، وجعفر بن عبد الرحمن ب

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • MatrukMatruk

    عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فقال باذام: الساقط بين الصخرتين والله قطري. فقال قطري: يا فاسق أنا غزيلكم، أو قال: أرينبكم الذي تطلبون، فاختلف وباذام ضربتين فكانت ضربه قطري ضعيفة. وضربه باذام فأبان يده ثم احتز رأسه، وادعى سورة بن الحر التيمي أنه قتله معه. وقال المدائني: انهزم قطري فإذا هو قد دفع إلى غيضة، فنزل عن فرسه فقاده حتى انتهى إلى موضع في

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Not ThiqaNot Thiqa

    دنا نصالا». وبعث بالكتاب فألقي في عسكر قطري فأخذ الكتاب فدفع إلى قطري، فسأل أبزي عن الخبر فقال: لا أدري ولا أعلم ما هذا الكتاب. فأمر به فقتل. فقال له عبد ربه: قتلت رجلا بغير ثقة ولا بيان يحل به دمه؟ فقال: يمكن هذا أن يكون حقا، ويمكن أن يكون باطلا. فرأيت في قتله صلاح الدين أمثل، وللإمام أن يحكم بما يرى فيه الصلاح، وليس للرعية أن ترد عليه. فتنكر ل

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
253800
Book record
shamela-9773
Source record
336624
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate