page 2513, entry [472]Open original source
أمر المختار بن أبي عبيد الثقفي وقصصه قالوا: ولد المختار بن أبي عبيد بن مسعود بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن قسي - وهو ثقيف - بن منبّه بن بكر بن هوازن في السنة التي هاجر فيها رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، وتزوّج أبوه دومة بنت عمرو بن وهب بن معتّب، وكان قبل تزوّجه إيّاها يختار نساء قومه فرأى في منامه قائلا يقول له: تزوّج دومه. فإنّها عظيمة الحومه. لا يسمع فيها من لائم لومه، فتزوّجها فلما اشتملت على المختار رأت في منامها قائلا يقول لها: أبشري بولد. أشدّ من الأسد. إذا الرجال في كبد. يتغالبون على بلد. له فيه الحظّ الأسدّ، فلما ولد قيل لها إنّ ابنك قبل أن يتسعسع (¬١). وبعد أن يترعرع. كثير التبع. قليل الهلع. خنشليل (¬٢) غير ورع. يدان بما صنع.وكان مع أبيه أبي عبيد بن مسعود حين وجّهه عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه إلى العراق في الثقل، وكان له يوم قتل أبوه ثلاث عشرة سنة، وكان يقول: والله لأعلونّ منبرا بعد منبر. ولأفلّنّ عسكرا بعد عسكر ولأخيفنّ أهل الحرمين. ولأذعرنّ أهل المشرقين والمغربين. وإنّ خبري لفي زبر الأوّلين. وكان المختار مع عمّه بالمدائن حين جرح الحسن بن عليّ في مظلم ساباط أشار على عمّه بدفعه إلى معاوية، والتقرّب إليه به، طلبه قوم من الشيعة منهم الحارث الأعور، وظبيان بن عمارة التميمي ليقتلوه، فكلّم عمّه الحسن فسألهم الإمساك عنه فأمسكوا وكان المختار عند الشيعة عثمانيّا. فلما بعث الحسين بن عليّ مسلم بن عقيل نزل دار المختار، فبايعه المختار فيمن بايعه سرا، وخرج ابن عقيل يوم خرج والمختار في ضيعة له بخطرنيه (¬١)، ولم يكن خروج مسلم عن مواعدة لأصحابه، إنّما خرج بداهة حين كان من أمر هانئ ما كان وقدم المختار الكوفة مسرعا، فوقف على باب المسجد الذي يعرف بباب الفيل في جماعة، فمرّ به هانئ بن أبي حيّة الوادعي فقال له يا بن أبي عبيد لا أنت في منزلك ولا مع القوم - يعني أهل الكوفة من أصحاب ابن زياد - فقال: أمسى رأيي مرتجنا عليّ لعظيم خطبكم، فأتى هانئ عمرو بن حريث، وهو خليفة ابن زياد فأخبره بقول المختار فأرسل إليه عمرو بن حريث رسولا وقال له: استنهه عن نفسه، وحذّره أن يجعل عليها سبيلا، فقام زائدة بن قدامة الثقفي فقال: آتيك به على أنّهآمن وإن رقي إلى الأمير عبيد الله فيه شيء قمت بشأنه عنده؟ فقال عمرو بن حريث: أمّا مني فهو آمن، وأمّا الأمير فإن بلغه عنه شيء ءأقمت له بمحضره الشهادة وشفعت عنده أحسن الشفاعة، فأبلغ المختار رسالة عمرو بن حريث فأتى حتى جلس تحت رايته وبات ليلته، ثم إنّ ابن زياد جلس للناس وفتح بابه فدخل المختار عليه فلما رآه قال له: أنت المقبل في الجموع لنصر ابن عقيل؟ فقال: والله ما بتّ إلاّ تحت راية عمرو، فرفع ابن زياد قضيبا كان في يده فاعترض به وجه المختار فشتر عينه، وشهد له عمرو على ما قال، فقال ابن زياد لولا شهادة عمرو لك لضربت عنقك، وأمر به فحبس فلم يزل محبوسا حتى قتل الحسين. ثم إنّ المختار سأل زائدة بن قدامة الثقفي أن يسير إلى عبد الله بن عمر فيسأله الكتاب إلى يزيد بن معاوية في استيهابه منه، وكانت صفيّة بنت أبي عبيد أخت المختار عند عبد الله بن عمر، فسار ابن قدامة إلى ابن عمر فكتب إلى يزيد بما سأل المختار، فكتب يزيد إلى ابن زياد بتخلية سبيل المختار فخلاّه وأجّله في المقام بالكوفة ثلاثا، فخرج في اليوم الثالث إلى الحجاز، فلقيه ابن الغرق من وراء واقصة، فلما رأى شتر عينه استرجع فقال المختار: شتر عيني ابن الزانية بالقضيب، قتلني الله إن لم أقطع أنامله وأباجله وأعضاءه إربا إربا، فاحفظ هذا الكلام عنّي، ثم ذكر ابن الزبير فقال: إن سمع منّي وقبل عنّي كفيته أمر الناس، وإلاّ فلست بدون رجل من العرب، إنّ الفتنة قد برقت ورعدت، وكأن قد انبعثت فوطئت في خطامها، فروي عن ابن الغرق أنّه قال: حدّثت بهذا الحديث الحجّاج بن يوسف، وضحك وذكر سجع المختار فقال: كان يقول: ورافعة ذيلها. وصائحة ويلها.بدجلة أو حولها. فوالله ما أدري ما كان يقول، إلاّ أنّه كان رجلا ديّنا، ومقارع أعداء، ومسعر حرب. قال: وقدم المختار على عبد الله بن الزبير، فرّحب به وأوسع له ثم قال له: ما حال العراق يا أبا إسحاق؟ قال: هم لسلطانهم في العلانية أولياء، وفي السرّ أعداء، فقال ابن الزبير: هذه صفة عبيد السوء إذا رأوا أربابهم خدموهم وأطاعوهم، وإذا غابوا عنهم شتموهم وعابوهم، وعرض على ابن الزبير أن يقلّده أمره ويستكفيه إيّاه فلم يفعل، فقام عنه ولحق بالطائف فتصرّف في أموره وغاب عن ابن الزبير سنة، وجعل يقول: أنا مبير الجبّارين، فبلغ ذلك ابن الزبير فقال: إن يهلك الله الجبّارين يكن المختار أحدهم، قاتله الله كذّابا متهكّما. وأقبل المختار بعد سنة حتى دخل المسجد وابن الزبير في ذكره فقال ابن الزبير: إذكر غائبا تره، وأقبل المختار فطاف بالبيت وصلّى عند الحجر ركعتين، ثم جلس واجتمع إليه قوم يسلّمون عليه، واستبطأه ابن الزبير فقال له بعضهم: قم إليه فقد استبطأك؟ فقال أتيته عاما أوّل فعرضت عليه نفسي فرأيته منحرفا عنّي، والله إنّه إليّ لأحوج منّي إليه، فقال له عبّاس بن سهل بن سعد الساعدي: إنّك أتيته نهارا، وهذا أمر تضرب عليه الستور، فأته ليلا، فقال: أنا فاعل، فلما كان الليل أتاه عبّاس، فمضيا جميعا حتى دخلا على ابن الزبير فسلّم عليه ابن الزبير وصافحه، فابتدأ المختار القول فقال: إنّه لا خير في الإكثار من المنطق، ولا حظّ في التقصير عن الحاجة، وقد جئتك لأبايعك على أن لا تقضي أمرا دوني، وعلى أن أكون أوّل من تأذن له، وإذا ظهرت استعنت بي على أفضل عملك؟ فقال ابنالزبير: أبايعك على كتاب الله وسنّة نبيّه؟ فقال المختار: لو أتاك شرّ غلماني لبايعته هذه المبايعة العامة، والله لا أبايعك إلاّ على هذه الخصال، فبسط ابن الزبير يده فبايعه. ومكث المختار معه حتى شهد حصار ابن الزبير الأوّل، وهو حصار حصين بن نمير السكوني، وقاتل في جماعة معه أشدّ القتال وأغنى أعظم الغناء، ولما كان آخر يوم قاتل فيه الحصين بن نمير ابن الزبير نادى: يا أهل الشام أنا المختار بن أبي عبيد، أنا الكرّار غير الفرّار، أنا المقدم غير المحجم إليّ يا أهل الحفاظ وحماة الأدبار، وكان آخر أيّامهم في القتال اليوم الذي علم أهل الشام فيه بموت يزيد، وكان عبد الرحمن بن بحدج بن ربيعة أحد بني عامر بن حنيفة في عصابة من الخوارج من أهل اليمامة يقاتل مدافعة عن البيت، لا غضبا لابن الزبير. وأقام المختار مع ابن الزبير حتى انصرف عنه الحصين بن نمير وأهل الشام إلى الشام، فلما رأى أنّ ابن الزبير لا يولّيه شيئا أقبل يسأل الناس عن خبر الكوفة وأهلها، فيقال له إنّهم أخرجوا عمرو بن حريث عامل ابن زياد واصطلحوا على عامر بن مسعود بن أمية بن خلف، فيقول: أنا أبو إسحاق، أنا لها إذ ليس لها أحد غيري، أنا راعيها إذا أظلّ راعيها، ثم ركب رواحله وأتى الكوفة، فلما صار بنهر الحيرة اغتسل وادّهن، ولبس ثيابه، واعتمّ وتقلّد بسيفه وركب راحلته فمرّ بمسجد السكون، وجبّانة كندة، وجعل لا يمرّ بمسجد إلاّ سلّم على أهله حتى مرّ ببني بداء من كندة، فسلّم على عبيدة بن عمرو البدّي، وقال: يا أبا عمرو أبشر بالنصر واليسر والفرج إنّك على رأي تستر معه العيوب، وتغفر الذنوب، وكان عبيدة منأشدّ الناس تشيّعا وحبا لعليّ، وكان شجاعا، فقال للمختار: بشّرك الله بخير، قال: القني رحمك الله وأهل مسجدك، ودار على الشيعة من همدان وغيرها يبشرهم ويبلّغهم السلام عن ابن الحنفيّة. فيقال: إنه لما أراد الشخوص إلى الكوفة أتى ابن الحنفيّة فقال له إنّي على الشخوص للطلب بدمائكم، والإنتصار لكم، فسكت ابن الحنفيّة فلم يأمره ولم ينهه فقال إنّ سكوته عنّي إذن لي وودّعه، فقال له ابن الحنفيّة: عليك بتقوى الله ما استطعت، ويقال: إنّه لما قال له: إنّي على الشخوص للطلب بدمائكم والإنتصار لكم قال: إنّي لأحبّ أن ينصرنا ربّنا ويهلك من سفك دماءنا ولست آمر بحرب ولا إراقة دم، فإنّه كفى بالله لنا ناصرا، ولحقّنا آخذا وبدمائنا طالبا. وحدثني عبيد الله بن صالح بن مسلم العجلي، حدثنا اسماعيل بن مجالد عن أبيه عن الشعبي أنّه قال - وسئل هل كان أمر المختار عن رأي محمد ابن الحنفيّة - فقال: كان لذلك سبب، إلاّ أنّه أمره بما لم يعمل به. وقال أبو مخنف في روايته: لما اجتمعت الشيعة إلى المختار حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعد فإنّ المهديّ ابن الوصيّ محمد بن عليّ بعثني إليكم أمينا ووزيرا ومنتجبا وأميرا، وأمرني بقتال المحلّين والطلب بدماء أهل بيته الطيّبين، فكان أوّل من بايعه عبيدة بن عمرو، وقد كانت الشيعة مجتمعة لسليمان بن صرد الخزاعي، فجعل يثبطها عنه ويقول هذا رجل عشمة هامة اليوم أو غد، وإنما يريد أن يقتلكم ونفسه، فإنّه لا علم له بالحروب وسياسة الأمور حتى مال إليه كثير منهم، وكان ابن الزبير قد جعل مكان عامر بن مسعود على صلاة الكوفة وحربها عبد الله بن يزيد الأنصاري،ثم أحد بني خطمه، وعلى الخراج إبراهيم الأعرج بن محمد بن طلحة بن عبيد الله فأتاهما عمر بن سعد بن أبي وقّاص ويزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم الشيباني، وشبث بن ربعيّ الرياحي فقالوا لهما: إن سليمان بن صرد يريد قتال أعدائكما، وإنّ المختار يريد الوثوب بكما في مصركما والإفساد عليكما، فأخذاه فحبساه وقيّداه. فكان يقول في السجن: أما وربّ البحار. والنخل والأشجار. والمهامه والقفار. والملائكة الأبرار. والمصطفين الأخيار. لأقتلنّ كلّ جبّار. بكلّ لدن خطّار. ومهنّد بتّار. في جموع من الأنصار. ليسوا بميل أغمار. ولا عزل أشرار. حتى إذا أقمت عمود الدين. ورأبت صدع المسلمين. وشفيت غليل صدور المؤمنين. وأدركت ثأر أبناء النبيّين. لم يكبر عليّ فراق الدنيا ولم أحفل بالموت إذا أتى. وكان يسجّع بعد خروج ابن صرد إلى الجزيرة فيقول: عدوا لغزيكم أكثر من عشر. وأقلّ من شهر. فليأتينّكم نبأ هتر. وطعن نتر. وضرب هبر. وقتل جمّ. وأمر قد حمّ. فمن لها يومئذ، أنا لها. وكتب من الحبس إلى عبد الله بن عمر: «أمّا بعد فقد حبست مظلوما، وظنّ بي ولاة المصر ظنونا، وحملت عني أكاذيب، فاكتب رحمك الله إلى هذين الواليين الظالمين في أمري لعلّ الله يتخلّصني ببركتك»، فكتب ابن عمر إليهما: «أمّا بعد فقد علمتما الذي بيني وبين المختار بن أبي عبيد من الصهر، وما أنا عليه لكما من الودّ فأقسمت عليكما بما بيني وبينكما لمّا خلّيتما سبيله»، فلما أتى الكتاب عبد الله بن يزيد، وإبراهيم بن محمد دعوا المختار وقالوا: هات بكفلاء يضمنونك فضمنه زائدة بن قدامة الثقفي، وعبدالرحمن بن أبي عمير الثقفي، والسائب بن مالك الأشعري وقيس بن طهفة النهدي، وعبد الله بن كامل الشاكري من همدان، ويزيد بن أنس الأسدي، وأحمر بن شميط البجلي ثم الأحمسي، وعبد الله بن شدّاد الجشمي ورفاعة بن شدّاد البجلي، وسليم بن يزيد الكندي ثم الجوني، وسعيد بن منقذ الهمداني ثم الثوري أخو حبيب بن منقذ، ومسافر بن سعيد بن عمران الناعطي وسعر بن أبي سعر الحنفي، فلما ضمنوه دعا به عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد فأحلفاه ألا يبغيهما غائلة ولا يخرج عليهما ما كان لهما سلطان، فلما خرج من عندهما قال: أما حلفي لهما بالله فإنّه ينبغي لي أن اكفّر يميني فإنّ خروجي عليهما خير، ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها أتى الذي هو خير وكفّر عن يمينه، وأمّا حلفي بعتق مماليكي فوددت أنّي نلت الذي أريد وأنّي لا أملك مملوكا أبدا وأمّا هدي ألف بدنة فذلك أهون عليّ من بصقة. ثم إنّه صار إلى داره فتداكّت عليه الشيع يبايعونه، فلم يزل أصحابه يكثرون وأمره يقوى حتى عزل ابن الزبير عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد وولّى عبد الله بن مطيع بن الأسود الكوفة، فقدمها في شهر رمضان سنة خمس وستّين وبعث ابن الزبير الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وهو القباع، على البصرة، وخرج إبراهيم بن محمد إلى المدينة وكسر الخراج على ابن الزبير، وقال: إنّها كانت فتنة، وقبل خروجه حبسه ابن مطيع، فكتب إليه اسماعيل بن طلحة: «والله لتطلقنّه أو لتعلمنّ أنّي لك بئس الشعار وأنّها لك بئس الدار»، فأطلقه.ودعا ابن مطيع الناس إلى البيعة لابن الزبير، ولم يسمه، وقال: بايعوا لأمير المؤمنين فكان ممّن بايعه فضالة بن شريك الأسدي، ويقال: ابن همّام السلولي وقال: دعا ابن مطيع للبياع فجئته … إلى بيعة قلبي لها غير عارف فأخرج لي خشناء حيث لمستها … من الخشن ليست من أكفّ الخلائف من الشثنات الكزم أنكرت مسّها … وليست من البيض السباط اللطائف معاودة ضرب الهراوى لقومها … فرورا إذا ما كان يوم التسايف ولم يسم إذ بايعته من خليفتي … ولم يشترط إلاّ اشتراط المجازف قالوا: وخطب ابن مطيع فقال إنّ امير المؤمنين بعثني على مصركم وثغوركم وأمرني بجباية فيئكم ولا أحمل شيئا ممّا يفضل عنكم إلاّ أن ترضوا بحمل ذلك، فاتقوا الله واستقيموا ولا تختلفوا، وخذوا فوق أيدي سفهائكم فوالله لأوقعنّ بالسقيم العاصي، ولأقيمنّ درء (¬١) الأصعر المرتاب، ولأبالغنّ للمحسن في الإحسان، ولأتّبعنّ سيرة عمر وعثمان، فقال له السائب بن مالك: أمّا سيرة عثمان فكانت هوى وأثره فلا حاجة لنا فيها، وأمّا سيرة عمر فأقلّ السيرتين ضررا علينا لكن عليك بسيرة عليّ بن أبي طالب، فإنّا لا نرضى بما دونها، فقال ابن مطيع: نسير فيكم بكلّ ما تهوون وتريدون، وكان على شرط ابن مطيع إياس بن مضارب العجلي، وقال له حين ولاّه: عليك بحسن السيرة والشدّة على أهل الريبة.قالوا: وبعث ابن مطيع إياسا إلى المختار ليأتيه به فتمارض المختار ودعا بقطيفة وقال: إنّي لأجد قفقفة، وجعل المختار يبعث إلى اصحابه فيجمعهم في الدور حوله، وأراد الوثوب بالكوفة في المحرّم، فجاء رجل من شبام يقال له عبد الرحمن بن شريح إلى وجوه الشيعة فقال لهم: إنّ المختار يريد الخروج بنا ولا ندري لعلّ محمد بن عليّ لم يوجّهه إلينا، فانهضوا بنا إليه لنخبره خبره فإن رخّص لنا في اتّباعه اتبعناه، وإن نهانا عنه اجتنبناه فما ينبغي أن يكون شيء آثر عندنا من أدياننا، فخرج عبد الرحمن بن شريح الشبامي، والأسود بن جراد الكندي، وسعر بن أبي سعر الحنفي في عدّة معهم إلى ابن الحنفيّة، فلما لقوه قال عبد الرحمن: إنّكم أهل بيت قد خصّكم الله بالفضيلة، وشرّفكم بالنبوّة، وعظم حقّكم على الأمّة فلا يجهله إلا غبين الرأي مخسوس الحظّ، وقد أصبتم بحسين ﵀، وأتانا المختار بن أبي عبيد يزعم أنه جاء من تلقائك يطلب بدمه، فمرنا بأمرك، فقال ابن الحنفيّة: ﴿إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ،﴾ فالحمد لله على ما آتانا وأعطانا، وأمّا المصيبة بحسين فقد خصت أهله، وعمّت المسلمين، وما دعاكم المختار إليه، فوالله لوددت أنّ الله انتصر لنا بمن شاء من خلقه، فقالوا: هذا إذن منه، ورخصة، ولو شاء لقال: لا تفعلوا حتى يبلغ الله أمره، فلم تكن إلاّ زيادة أيّام على الشهر حتى وافوا الكوفة فبدءوا بالمختار، وكان ظنّه ساء، وخاف أن يأتي القوم بأمر يخذّلون به الشيعة عنه، فقال لهم حين قدموا: ارتبتم وتحيّرتم، فما وراءكم؟ قالوا: أذن لنا في نصرتك، فقال: الله أكبر أنا أبو إسحاق، اجمعوا إليّ الشيعة، فاجتمعوا فقال: إنّ نفرا منكم أحبّوا أن يعلموا مصداق ما جئت به، فرحلوا إلى إمام الهدى.والنجيب المرتضى. وابن خير من جلس ومشى. بعد النبيّ المصطفى. فسألوه عمّا قدمت له. فأنبأهم أني وزيره وظهيره ورسوله، فقام عبد الرحمن بن شريح فقال: إنّا قدمنا على المهدي بن عليّ فأمرنا بمظاهرة المختار ومؤازرته، وإجابة دعوته، فأقبلنا طيّبة أنفسنا منشرحة صدورنا، قد أذهب الله عنّا الشكّ والغلّ والريب، واستقامت لنا بصيرتنا في قتال عدوّنا، فليبلغ ذلك شاهدكم غائبكم، وقام الوفد رجلا رجلا فتكلّموا بنحو ما تكلّم به عبد الرحمن، فاستجمعت له الشيعة، وقالوا: إنّ أشراف أهل الكوفة مجمعون على قتالك مع ابن مطيع فإن جاء معنا إبراهيم بن الأشتر على أمرنا رجونا القوّة بإذن الله على عدوّنا، فإنّه فتى بئيس، وابن رجل شريف وله عشيرة ذات عزّ وعدد. فروي عن الشعبي أنّه قال: فخرج إليه وجوه الشيعة، وأنا فيهم فكلموه ودعوه إلى الطلب بدم الحسين، وأهل البيت، وقالوا: إنّ هذا أمر جسيم إن أجبتنا إليه، عادت لك منزلة أبيك في الناس، وأحييت شرفه وما كان مشهورا به من الفضل، ونصرة الحقّ، والغضب لرسول الله ﷺ، وأهل بيته فقال: قد أجبتكم إلى ما دعوتموني إليه من الطلب بدم الحسين وأهل بيته على أن تولّوني الأمر. فقالوا: أنت لذلك أهل، ولكنّ المهديّ محمد بن عليّ وجّه المختار إلينا فهو الآمر والمأمور بالقتال، وقد شخص إليه نفر منّا اختبارا لما جاء به فأمرنا بطاعته، ثم إنّ المختار أتاه في جماعة من الشيعة بعد أيّام كثيرة، فأقرأه كتابا من محمد بن علي إليه نسخته: «من محمد المهديّ بن عليّ إلى إبراهيم بن مالك.أمّا بعد: فإنّي بعثت إليكم المختار بن أبي عبيد، نصيحي ووزيري، وثقتي وأميني المرضيّ عندي، للطلب بدماء أهل بيتي، فانهض معه بنفسك وعشيرتك وأتباعك ومن أطاعك، فإنك إن نصرتني، وساعدت وزيري، كانت لك عندي بذلك فضيلة، ولك الأعنّة والمنابر، وكل بلد ظهرت عليه فيما بين الكوفة وأقصى بلاد الشام». فقال ابن الأشتر: قد كاتبت محمد بن عليّ، وكاتبني فما رأيته كتب إليّ قط إلا باسمه اسم أبيه، لا يزيد على ذلك، وقد استربت بهذا الكتاب، فقام يزيد بن أنس، وأحمر بن شميط، وعبد الله بن كامل بن عمرو الهمداني ثم الشاكري، وورقاء بن عازب الأسدي، فشهدوا أنّه كتاب ابن الحنفيّة، فتنحى إبراهيم عن صدر المجلس وأجلس المختار فيه وبايعه. فمكثوا يدبّرون أمرهم حتى أجمع رأيهم على أن يخرجوا ليلة النصف من شهر ربيع الأوّل سنة ستّ وستّين، ووطّنوا على ذلك شيعتهم ومن معهم، فلما كان عند غروب الشمس ليلة النصف وهي ليلة الميعاد، قام إبراهيم بن الأشتر فصلّى المغرب حين قال القائل: أخوك أم الذئب؟ ثم أتى المختار، قال الشعبي: فأقبلنا معه وعلينا السلاح فلم يمكن في تلك الليلة الخروج، فاتعدوا لليلة الخميس. المدائني في إسناده، قال: كان للمختار مجلس يجلس فيه بالطائف ليلا فرفع رأسه إلى السماء ثم قال متمثّلا:ذو مناديح (¬١) … وذو ملتبط (¬٢) وركاب حيث وجّهت ذلل لا تذمّن بلدا تكرهه … وإذا زلّت بك النعل فزل قد والله مات يزيد، فما لبثوا أن جاء موته. المدائني في إسناده، قال: ركب المختار يوما مع المغيرة بن شعبة، فمرّ بالسوق فقال المغيرة: أما والله إنّي لأعرف كلمة لو دعا بها أريب لاستمال بها أقواما فصاروا له أنصارا، ثم لا سيّما العجم الذين يقبلون ما يلقى إليهم، قال المختار: وما هي يا عمّ؟ قال: يدعوهم إلى نصرة آل محمد والطلب بدمائهم، فكانت في نفس المختار حتى دعا.