page 2431, entry [457]Open original source
خبر يوم الربذة قالوا: ووجّه مروان جيشا من فلسطين أو غيرها مع حبيش بن دلجة القيني أحد بني وائل بن جشم إلى ابن الزبير، في ستّة آلاف وأربعمائة فيهم يوسف بن الحكم الثقفي ومعه ابنه الحجّاج بن يوسف، وكانوا يتنزّلون على الناس ولا يعطون أحدا لشيء ثمنا، فلما صاروا إلى وادي القرى هرب عامل عبد الله بن الزبير منها فوضعوا على أهلها ضريبة أدّوها إليهم، ونزلوا بذي المروة فلقي أهلها منهم عنتا. وبلغ أهل المدينة خبر جيش حبيش بن دلجة، فتغيّب بشر من الصالحين، وقيل لسعيد بن المسيّب: لو تغيّبت أو أتيت البادية، فقال: فأين فضل الجماعة، والله لا رآني الله والناس أخوف عندي منه، وهرب عامل ابن الزبير وهو المنذر، ويقال: عبيدة بن الزبير، ويقال: جابر بن الأسود بن عوف، وكان عبد الله بن الزبير لما بلغته حركة هذا الجيش حين أنفذ، كتب إلى الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، والحارث هو القباع، وكان عامله على البصرة، يأمره أن يوجّه إليه جيشا كثيفا، وكتب إلى ابن مطيع وهو عاملهعلى الكوفة بمثل ذلك، فوجّه الحارث الحنتف بن السجف التميمي، ثم أحد بني العجيف بن ربيعة بن مالك بن حنظلة في ثلاثة آلاف، ويقال في ألفين، ووجّه ابن مطيع محمد بن الأشعث بن قيس في ألفين من أهل الكوفة، ووجّه ابن الزبير من مكة مسروقا النصري، وقدم حبيش بن دلجة فعسكر بالجرف، وكان مروان امره أن لا يعرض لأهل المدينة، وأن لا يكون صمده وقصده إلاّ لمن يوجّهه ابن الزبير للمحاربة، فالتقى النصري وحبيش بالمنبجس (¬١)، فاقتتلوا قتالا شديدا، وكان أول الوقعة لابن الزبير ثم صارت الدولة لحبيش وأهل الشام، فقتلوا من أصحاب النصري خلقا، وهزموهم، فأمر ابن دلجة بدفن من قتل من أصحابه وبقي أصحاب النصري بالعراء تأكلهم السباع والطير، وقدم محمد بن الأشعث بن قيس، فلما بلغه خبر الوقعة تداخله وأصحابه رعب وهيبة، فانكفأ منصرفا إلى الكوفة، وكتب ابن الزبير إلى ابن مطيع بتولية محمد بن الأشعث الموصل إذا وافاه، وقد روي: أنّ محمدا كان بالموصل واليها وأنّ القادم بالجيش والمنصرف عن حبيش عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، والله أعلم. قالوا: ودخل حبيش المدينة، فنزل دار مروان وخطب على منبر رسول الله ﷺ، فقال: يا أهل المدينة نفاقكم قديم بقول الله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاّ قَلِيلاً﴾ (¬٢) كيف رأيتم صنع الله بكم، والله لا يتكلّمأحد منكم بكلمة إلا ضربته بسيفي هذا. قال الهيثم بن عديّ: كان حبيش بن دلجة يأكل التمر على منبر رسول الله ﷺ، ويحذف أهل المدينة بالنوى، ويقول إنّي لأعلم أنّه ليس بأكل تمر، ولكنّني أحببت أن أعلمكم هو انكم عليّ، وقيل له: إنّ بها الأنصار ولهم بك قرابة فقال: إنّهم خذلوا أمير المؤمنين عثمان. وبلغ حبيشا قرب الحنتف بن السجف، فأشير عليه أن يتلقّاه ولا يمهله حتى يصير إلى المدينة فيعينه أهلها ومن حولها، ويأتيه مدد عبد الله بن الزبير، فجمع حبيش أصحابه وقوّاهم بالسلاح والعدّة، وسار ليلقي الحنتف فيحاربه دون يثرب، فسار في أربعة آلاف من أصحابه، وخلّف بالمدينة سائر من معه وولّى أمرهم رجلا من أهل الشام يقال له ثعلبة، وخرج معه من أهل المدينة يزيد بن يزيد أخو السائب بن يزيد الذي يعرف بابن أخت النمر، وهو كندي حليف في قريش، وذكوان مولى مروان، وكعب مولى سعيد بن العاص، وعبيد الله بن إياس بن أبي فاطمة في آخرين، فلما انتهى إلى الربذة وجد الحنتف قد وردها قبله بيوم، فجعل حبيش يدعو إلى طاعة مروان، والحنتف يدعو إلى طاعة عبد الله بن الزبير، ثم إنّهما التقيا في وقت الظهر، وكان للحنتف ألف فارس قد أكمنهم في غيابة من الأرض، أي هبطة، وعليهم رجل من قومه يقال له رباح، فاقتتل البصريّون والشاميّون ساعة والشاميّون ظاهرون، ثم إنّ كمين الحنتف خرج عليهم، فلم يشعروا إلاّ وهم من ورائهم فانهزم أصحاب حبيش في كلّ وجه وقتل حبيش بن دلجة عند حوافر الخيل وتقطّع أصحابه، ويقال: إنّ أصحاب حبيش كرّوا بعد الهزيمة، وثابوا فنادى رجل من أصحابالحنتف: هل من مبارز فبارزه رجل من الشاميّين، فلم يلبث أن قتله البصري وأخذ هميانا معه وجرّده فأغضب ذلك حبيشا فقال: هل من مبارز، فبارزه الرجل الذي قتل الشامي وأخذ هميانه، فضرب حبيشا ضربة أثخنته، ثم ثنى بأخرى فقتله، وانهزم الشاميّون فقتلوا قتلا ذريعا، وأسر منهم خمسمائة، ويقال أكثر، وهرب منهم ثلاثمائة فأتوا المدينة فاستخفوا بها، ثم قدر عليهم فخلطوا بالأسرى، وهرب يوسف بن الحكم وقد أردف الحجّاج ابنه خلفه، فلم يعرّج دون نخل، فكان الحجّاج يقول: ما أقبح الهزيمة، لقد كنت ورجل آخر - يعني أباه - في جيش حبيش بن دلجة فانهزمنا فركضنا ثلاثين ميلا حتى قام الفرس، وإنّه ليخيّل إلينا أنّ رماح القوم في أكتافنا. قالوا: ولم يقتل رجل من أصحاب ابن دلجة إلاّ كان أقلّ ما وجد معه مائة دينار. وقال توسعة من بني تيم الله بن ثعلبة بن عكابة: ونجّى يوسف الثقفي ركض … دراك بعد ما سقط اللواء ولو أدركنه لقضين نحبا … به ولكلّ مخطأة وقاء يريد لكلّ نفس مخطأة، وكان مع يوسف لواء، ويقال: أراد أنّه حين قتل حبيش سقط لواء القوم عند الهزيمة. قالوا: وقدم الحنتف بن السجف بالأسارى إلى المدينة، فتطلّع أهل المدينة إلى قدومه وتلقّوه واستبشروا به وجعل قوم يقولون: ليس هو الحنتف إنما هو الحتف، وهرب ثعلبة حليفة حبيش، ويقال طرده أهل المدينة، ويقال إنّ قوما من أهل المدينة وثبوا به فقتل والله أعلم، وبعث عبد الله بن الزبير أخاه مصعبا لقتل الأسارى لا غير، وقوم يقولون: ولاّه المدينة، فلما قدمالمدينة قتل أولئك الأسارى، ثم انصرف إلى مكة، وكان جميع من قتل ثمانمائة أسير، وكان قتله إيّاهم بالحرّة في مصارع ابن الغسيل وأصحابه، وجعل مصعب لمن جاء بيوسف بن الحكم وابنه أو أحدهما جعلا فلم يقدر عليهما، وكان يزيد بن يزيد أخو السائب بن يزيد في الأسارى، فدعا به مصعب أوّل الأسارى فقال: أي عدوّ الله ألست الذي صنعت بالحرّة ما صنعت، فلم ترض بذلك حتى عدت الثانية مع ابن دلجة، ألدين طلبت ذلك أم لدنيا، إنّك لصفر منهما، وأمر به فقتل في الموضع الذي قتل فيه مسلم بن عقبة أسراء الحرّة، فكان السائب أخوه يقول: لقد مرّ بنا من صياح من صاح بنا من النساء والصبيان بالشماتة والفرح بمقتل يزيد ما كان أشد علينا من قتله، وقيل لسعيد بن المسيّب ألا تعزي السائب عن أخيه؟ فقال: لا ﵀، والله إنّي لأحسب السائب قد سرّ بقتله، وأخذ في المعركة يوم الربذة ذكوان مولى مروان، وكعب مولى سعيد بن العاص وابن أبي فاطمة، فقال مصعب: السيف أروح لهم، فضربهم بالسياط ضربا شديدا. وقال الواقدي: جعلت المرأة من أهل المدينة تأتي الحنتف فتقبّل رأسه وتقول شفيت النفوس وثأرت لنا بقتلى أهل الحرّة، وكان انصراف الحنتف إلى البصرة مع مصعب حين ولاّه إيّاها أخوه عبد الله بعد. يّام الربذة، ويقال: إنّ ابن الزبير أمره أن ينفذ إلى الشام فيغير على أطرافه، فمات بوادي القرى وأهل المدينة يقولون: أمر ابن الزبير حنتفا أن يقيم بالمدينة ليعاضد عامله فلم يزل مقيما حتى وجّه عبد الملك طارقا مولى عثمان إلى وادي القرى فلقيهالحنتف بموضع يقال له شبكة الدوم فقتله طارق، وقال بعضهم: واقعة بوادي القرى والله أعلم. قالوا: وخطب المصعب بالمدينة فقال: يا أهل المدينة احمدوا الله على ما ابلاكم وأولاكم من نفي عدوّكم عن ساحة بلادكم واتقوا الله واسمعوا وأطيعوا فقد غضبنا لما انتهك من حرمتكم حتى أقادكم الله من عدوّكم، فأعينوا رحمكم الله ولاتكم، وليبلغ أمير المؤمنين أصلحه الله ما يحبّ عنكم، وأقام بالمدينة خمسة أيام ثم رجع إلى مكة، وشخص معه الحنتف ثم ولاّه أخوه العراق، فشخص إلى البصرة، وولّى عبد الله بن الزبير المدينة عبد الله بن عبيد الله بن أبي ثور حليف بني عبد مناف، وهو الذي خطب ذات يوم فقال: اتّقوا الله وخافوه فإنّ عقابه شديد، وقد علمتم ما صنع بالقوم الذين عقروا ناقته، وإنما قيمتها خمسمائة درهم فسمّي مقوّم الناقة. وقال الهيثم بن عديّ وغيره: وجّه مروان عبيد الله بن الحكم أخاه مع حبيش، وقال: إنّ حدث بحبيش حدث فأنت على الجيش، فقتله الحنتف يوم الربذة في المعركة. حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، وأبو خيثمة زهير بن حرب قالا: حدثنا وهب بن جرير بن حازم عن ابن جعدبة عن صالح بن كيسان قال: بعث ابن الزبير جيشا فلقي ابن دلجة بوادي القرى فهزمه ابن دلجة، وقدم الحنتف بن السجف في ثمانمائة، وابن دلجة في أربعة آلاف، فاقتتلوا بالربذة فقتل حبيش وعامة أصحابه، ولحق باقوهم بالشام. وقال أبو مخنف في بعض رواياته: انتهى ابن دلجة إلى المدينة، وعليها جابر بن الأسود بن عوف الزهري، فهرب جابر، ولما سمع ابن دلجة بمسيرالحنتف إليه سار من المدينة نحوه ووجّه عبد الله بن الزبير عبّاس بن سهل بن سعد الساعدي إلى المدينة وأمره أن يسير في طلب ابن دلجة ويحاربه إلى قدوم الحنتف وأهل البصرة، فأسرع في إثره وهو متوجّه نحو الربذة، لأنّه أشير على ابن دلجة بأن يتلقّى الحنتف ولا يواقعه بالمدينة، فلحقه بالربذة وقد وافى الحنتف وأهل البصرة، وكان بعض أصحاب ابن دلجة قال له: لا تعجل إلى قتال أهل البصرة، فقال: لا والله لا أنزل حتى أشرب من مقندهم يعني سويقهم، فاقتتلوا فجاء ابن دلجة سهم غرب فقتله، وقتل المنذر بن قيس الجذامي، وتحرّز من الشاميّين في عمود الربذة نحو من خمسمائة، فحصرهم عبّاس بن سهل والحنتف، فعرض عليهم الحنتف أن ينزلوا على حكمه فلم يفعلوا، فقال لهم عبّاس: انزلوا على حكمي، وكانوا له أرجى منهم للحنتف للأنصاريّة وأنّه يماني الأصل، فنزلوا فضربت أعناقهم ورجع الفلّ إلى الشام. وحدثني زهير بن حرب، وخلف بن سالم، وأحمد بن إبراهيم الدورقي قالوا: حدثنا وهب بن جرير حدثنا جويرية بن أسماء قال: سمعت المدنيّين تحدّثوا قالوا: لما رجع حصين بن نمير واستوسقت البلاد كلّها لابن الزبير والشام أيضا غير طبريّة مدينة الأردن، بلغ عمرو بن سعيد أنّ الضحّاك بن قيس وهو عامل ابن الزبير ليس بمناصح له، فقال لمروان: ما يمنعك من طلب الخلافة وأنت شيخ قريش وكبيرها وسيّدها، وأحقّ بهذا الأمر من غيرك فقال مروان: ليست لي بالضحّاك طاقة، قال: بلى إن شئت نكحت أمّ خالد بن يزيد فيصير موالي معاوية وأتباعهم معك، قال: فدونك فأتاها عمرو بن سعيد، فقال لها: أما تريدين أن يرجع ملك أهل بيتك؟فقالت: بلى، قال: فما الذي يمنعك من شيخ قريش وسيّدها فلم يزل بها حتى فعلت، فقوي أمر مروان، واشتدّ عليه الضحّاك في البيعة لابن الزبير فقال اخرج إلى المرج حتى أشترط عليك على رؤوس الناس أشياء ثم أبايعك، وقد كان مروان أراد أن يبايع لابن الزبير قبل ذلك، فاتّعدوا المرج على أن يغدوا إليه فقال مروان لعمرو: اركب فرسك الفلاني - وكان ذلك الفرس خبيث الخلق لا يمشي إلاّ معترضا ويكدم كلّ دابّة تكون إلى جانبه - ثم سر بيني وبين الضحّاك فإنّي سأتأذى بك وبفرسك فآمرك أن ترجع فتركب غيره، فإذا رجعت فأغلق أبواب المدينة عليك، وخلّ بيني وبين العبد حتى يحكم الله ثم بيني وبينه، وخرج مروان وعمرو والضحّاك فلما جاوز المدينة جعل فرس عمرو يكدم ويعترض ولا يستقيم فقال له مروان: ما هذا الشيطان تحتك؟ ارجع فاركب غيره، فرجع، وكان محبّبا في أهل الشام، فأغلق عليه أبواب دمشق، ومضى مروان وصاحبه وجعل الضحّاك يقول ساعة بعد ساعة: يا مروان أين عمرو؟ فيقول: يلحقنا. حتى نزل المرج، فقال: هلم حتى يلتئم الناس، وينزلوا، فأمر الضحّاك بمنبره فنصب وانخزل مروان فانضمّت إليه كلب وسائر السفيانيّة وقد واطأهم، وبعث إلى الضحّاك: مالك ولهذا الأمر لا أمّ لك، وأنت رجل من محارب بن فهر، وإنّما هذا الأمر في بني عبد مناف، وأنت وإن أظهرت الدعاء لابن الزبير، فإنّه رجل من بني أسد بن عبد العزّى، فتزاحفوا بالمرج، ومع مروان أهل اليمن، ومع الضحّاك قيس، فاقتتلوا فقتل الضحّاك وهزمت قيس، وفي ذلك يقول زفر بن الحارث: لعمري لقد أبقت وقيعة راهط … لدى المرج صدعا بيننا متبايناووجّه مروان حبيش بن دلجة في جيش إلى ابن الزبير، وبلغ ابن الزبير أنّه قد يسّر له جيش، فكتب إلى عامله على البصرة في توجيه جيش إليه، فوجّه الحنتف التميمي، فقيل لحبيش: قاتله قبل دخوله المدينة، فلقيه بالربذة فقتله الحنتف وقتل الشامييّن. وحدثني أبو خيثمة وأحمد بن إبراهيم عن وهب بن جرير عن جويرية قال: بلغني أن زفر بن الحارث قال ذات يوم: أيّ المصائب أشدّ؟ فقال بعض القوم: المصيبة بالولد، وقال بعضهم: المصيبة بالوالد، وقال بعضهم: المصيبة بالأخ، فقال زفر: ما مصيبة أشدّ من مصيبة في مال، لقد رأيتني عشيّة راهط وانهزمنا ومعي بنون لي أربعة، ولي مع الأكبر مائتا دينار وعطفت علينا الخيل، فقلت للأكبر حين غشيتنا الخيل: ادفع النفقة التي معك إلى أخيك فلان وردّ عنّا الخيل، فدفع الدنانير إلى أخيه وقاتل حتى أصيب، ثم لحقتنا الخيل، فقلت: يا فلان ادفع النفقة إلى أخيك فلان وردّ عنا الخيل، فما زلت أقول هذا القول حتى أصيب الثلاثة، ثم قلت للرابع: ادفع النفقة إلى فلان مولانا ورد عنا الخيل، ففعل وقاتل حتى قتل، وقتل مولانا، فما وجدت على أحد من ولدي كما وجدت على مولاي في ذلك لمكان نفقتي. واجتمع أهل الشام لمروان فعاش ثمانية أشهر ثم هلك، فبلغني أنه كان بينه وبين خالد كلام فقال له مروان: يا بن الرطبة فقال خالد: والله لئن كان أؤتمن فما أدّى الأمانة ولا أحسن، ودخل على أمّه فقال لها ما صنعت بي، قال لي مروان على رؤوس الناس كذا، فقالت: أما والله لا تسمع منهشيئا تكرهه أبدا فسقته شرابا فيما يزعمون مسموما فلم يزل يضطرب حتى مات. قال جويرية: وبلغني أنّ مروان قد كان بايع لعبد الملك ولعبد العزيز من بعده، واشترط على عبد الملك أنّ مصر لعبد العزيز حياته ليس لعبد الملك أن يعزله. وحدثني هشام بن عمّار الدمشقي قال: أقصى مروان خالد بن يزيد بن معاوية وجفاه فدخل عليه يوما وهو يتمثّل: وما الناس بالناس الذين عهدتهم … وما الدار بالدار التي كنت تعرف فشتمه مروان وقال: ما الذي تنكر وتعرف يا بن الرطبة؟ وأخبر أمّه بذلك. فقتلته غما. المدائني عن مسلمة بن محارب، وعامر بن حفص عن عبد الحميد، أنّ ناتل بن قيس الجذامي كان من شيعة ابن الزبير فلما مات الحنتف بوادي القرى، أو قتل، وقد وجّهه ابن الزبير إليها وأمره أن يصير منها إلى نواحي الشام، ويقال: بل أمره أن يكون مسلحة بها، بعث ناتلا لما بعث الحنتف له فدخل الشام فلقيه عبد الملك بأجنادين (¬١) فحاربه فقتل ناتلا، وكان مع ناتل قوم من الرماة وكانت سهامهم تكاد تصل إلى عبد الملك بن مروان، ثم إنّ عبد الملك مضى إلى بطنان حبيب (¬٢) وهو يريد الجزيرة والعراق، فلم ينفذفي مرّته ورجع إلى دمشق لمحاربة عمرو بن سعيد حين أغلقها على نفسه، فقال الشاعر وهو من كلب: قتلنا بأجنادين يا قوم ناتلا … قصاصا بما لاقى حبيش بني القين وقال أيضا: بشّر بني القين وخص وائلا … أنّا أبأنا بحبيش ناتلا غداة نقريه القنا الذوابلا … حتى أذقناه حماما عاجلا ويقال: إنّ مروان لما مات أمر ابن الزبير ناتلا أن يأتي فلسطين فيغلب عليها وقد خرج منها، فغلب ناتل على فلسطين، وبلغ ذلك عبد الملك فسار كلّ امرئ إلى صاحبه فالتقوا بأجنادين ومع عبد الملك عمرو الأشدق، فقتل ناتل وصار عبد الملك إلى بطنان حبيب ومضى فانسلّ عمرو من عسكره، وصار إلى دمشق فأغلق أبوابها، فرجع عبد الملك إليه فقتله. وقال هشام بن محمد الكلبي: كانت ولاية مروان بن الحكم سنة وشهرين، وقال غيره: سنة إلاّ شهرين، وقال بعضهم: سنة، وقال الكلبي: كان سبب وفاته أنّه تزوّج أمّ هاشم بنت (أبي) هاشم بن عتبة بن ربيعة، واسمها فاختة ولقبها لقصرها حبّة، وغدر بابنها خالد بن يزيد بن معاوية فيما وعده من ولاية العهد ودخل عليه خالد على مرحلة من دمشق، فقال له: ما أدخلك عليّ في هذا الوقت يا بن الرطبة؟ فقال خالد: أمين مختبر أبعدها الله وأسحقها، وأتى أمّه فأخبرها بما قال له مروان، فقالت له: لن تسمع منه مثلها أبدا، ودخل مروان على أمّ خالد فتركته حتى نام ثم عمدت إلى مرفقة محشوّة ريشا فجعلتها على وجهه وجلست وجواريها عليهاحتى مات غما، ثم صرخت وجواريها وولولن وقلن مات أمير المؤمنين فجاءة. وقال عوانة: كان اللبن يعجبه فجاءته بلبن مسموم فقال: ائتوني به إذا أفطرت، فلما أفطر أتوه به فشربه فاعتقل لسانه فصرخت وجواريها وأقبل يشير إلى من اجتمع إليه من ولده وغيرهم إنّها قتلتني، وجعلت تقول: أما ترونه يوصيكم بي ويشير إليكم بحفظي. وقال الهيثم بن عديّ: أخبرني عبد الله بن عياش الهمداني وغيره قالوا: مات مروان في سنة خمس وستّين في شهر رمضان وله ثلاث وستّون سنة، وصلّى عليه ابنه عبد الملك. وقال المدائني: صلى عليه عبد الرحمن بن أمّ الحكم، وكان خليفته بدمشق. وقال الواقدي: قبض النبي ﷺ ومروان ابن ثماني سنين، ومات بدمشق سنة خمس وستّين، وهو ابن ثلاث وستّين سنة، ودفن بمقبرة الباب الصغير وصلّى عليه عبد الملك ابنه وكان حاضره. وقد روى مروان عن عمر، وعن عثمان بن عفّان رضي الله تعالى عنهما، وفي مروان يقول الراجز: مروان نبع (¬١) … وسعيد خروع مروان يعطي وسعيد يمنع يعني سعيد بن العاص بن سعيد.