page 2087, entry [384]Open original source
حصار ابن الزبير بمكة في أيام يزيد بن معاوية وهو الحصار الأول: حدثني عبّاس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف قال: خرج مسلم بن عقبة المرّي بالناس إلى مكة بعد الحرّة وخلّف على المدينة روح بن زنباع الجذامي، فنزل به الموت بقفا المشّلّل، فقال لحصين بن نمير: يا بردعة الحمار أما والله أن لو كان إلي ما ولّيتك هذا الجند، ولكنّ أمير المؤمنين أوصاني أن أوليك إيّاه، فأسرع وعمّ الأخبار وعجّل الوقاع، وكان موت مسلم لسبع بقين من المحرّم، فسار حصين فدخل مكة في آخر المحرّم سنة أربع وستّين. وقال المدائني: نزل الموت بمسلم، فقال حين احتضر: اللهمّ إنّك تعلم أني لم اشاقّ خليفة ولم أفارق جماعة ولم أغشّ إماما سرّا ولا علانية، ولم أعمل بعد الإيمان بالله ورسوله عملا أحبّ إليّ ولا أرجى عندي من قتل أهل الحرّة، فاغفر لي ذنوبي وبارك لي فيما أقدم عليه؛ ثم قال: ما أغلقت عليه فلانة امرأتي بابها فهو لها، وداري بحوران صدقة على مهاجرة بني مرّة، ثم دعا حصين بن نمير، وحبيش بن دلجة القيني، وعبد الله بن مسعدة الفزاري فقال: إنّ أمير المؤمنين عهد إليّ في أن أولّي أمركم حصين بن نمير وأكره خلافه عند الموت، ثم قال لحصين: إنّ حبيش بن دلجة أولى بما ولّيتك منك لكنه أمر أمير المؤمنين، فاحفظ عنّي ما أقول لك: لا تطيلنّ المقام لمكة فإنّها أرضجرديّة لا تحتمل الدوابّ، ولا تمنع أهل الشام من الحملة، ولا تمكّن قريشا من أذنك فإنّهم قوم خدع، وليكن أمرك الوقاف ثم الثقاف ثم الانصراف، أفهمت يا حصين؟ قال: نعم، قال: واعلم أنّك تقدم على قوم لا منعة لهم ولا عدّة ولا سلاح، ولهم جبال مشرفة عليهم، فانصب عليهم المجانيق فإن عاذوا بالبيت فارمه فما أقدرك على بنائه. وأقام حصين بمرّ الظهران ثلاثة أيّام. وقال الواقدي: دخل الحصين مكة لثلاث بقين من المحرّم سنة أربع وستّين. قالوا: وخطب ابن الزبير الناس وحرّضهم على قتال أهل الشام، ودعاهم إلى بيعته فبايعه أهل مكة على القتال، وأتاه فلّ أهل الحرّة فصار في بشر كثير، وقدم عليه نجدة بن عامر الحنفي في ناس من الخوارج وفيهم حسّان بن بحدج الحنفي ليمنعوا البيت من أهل الشام، فقال عبد الله بن الزبير لأخيه المنذر بن الزبير: ما يريد هؤلاء، يعني أهل الشام، إلا أنا وأنت - قال أبو مخنف: وكان المنذر شهد الحرّة ثم لحق بأخيه، وقال غيره: لم يشهدها - فناهضهم المنذر ساعة ثم دعاه رجل من أهل الشام إلى البراز فاختلفا ضربتين فسقط المنذر والشاميّ قتيلين - وقال بعضهم: لم يقتل المنذر في هذا الحصار ولكنّه قتل في الحصار الثاني. وقال لي مصعب بن عبد الله الزبيري: الرواة تدخل من خبر هذا الحصار في هذا وخبر هذا في هذا - قال: ودعا عبد الله لنفسه واجتمع على خلافته بعد موت يزيد وكان قبل ذلك يدعو إلى الشورى.وقال المدائني: أقبل الحصين فنزل معسكره من الحجون إلى بئر ميمون (¬١) فخرج إليه عبد الله بن صفوان فوعظه حصين وخوّفه ثقل وطأة أهل الشام، فأغلظ لحصين فقال: إنّما أباح حرم الله من قاد الخيل إليه قبل. وميمون هو ابن شعبة الحضرمي أبو عمّار. وقال أبو مخنف: جثا ابن لعبد الله بن الزبير (¬٢) وقال لأصحابه: قاتلوا، فقاتلوا إلى المساء فقتل المسور بن مخرمة، ويقال أصابه حجر فمات يوم أتاهم نعيّ يزيد وقاتل أهل الشام إلى أن انسلخ صفر، فلما مضت ثلاثة أيّام من شهر ربيع الأوّل سنة أربع وستّين نصبوا على البيت المجانيق فدقّوه بها، وأخذوا يرتجزون ويقولون: خطّارة مثل الفنيق المزبد … نرمي بها عواذ هذا المسجد وكان صاحب الرمي الزبير بن خزيمة الخثعمي من أهل فلسطين، وهو أوّل من ارتجز بهذين البيتين، قالوا: وجعلوا يقولون: كيف ترى صنيع أمّ فروه … نأخذهم بين الصفا والمروه وحدثني مصعب بن عبد الله الزّبيري قال: كان الشاميّون يرتجزون في الحصار الثاني بمثل ما يرتجزون به في الحصار الأوّل معما زادوا فيه. وقال المدائني: نصب حصين منجنيقا في الجبل الأحمر الذي يلي دار الندوة؛ قال: وكان المسور قد أعان ابن الزبير بمواليه وسلاح كثير فاقتتلوا، وكان أوّل قتالهم يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر، فقتل في أوّل يوم ثلاثة من أصحاب حصين وأربعة من أصحاب ابن الزبير؛ وكانالمختار بن أبي عبيد الثقفي قال لابن الزبير: انهض إلى القوم، وكان قد مكث أيّاما لا يقاتل، وقال له المختار أيضا: إنّ الله يقول ﴿وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ (¬١) فنهض ابن الزبير ومعه عمير بن ضبيعة في سبعين من الخوارج فقيل له أتقاتل بهذه المارقة؟ فقال: لو أعانتني الشياطين على أهل الشام لقاتلتهم بهم؛ وقال: ما أبالي إذا قاتل معي المختار من لقيت فإني لم أر أشجع منه قطّ؛ وأبلى غلام لابن الزبير يقال له سليم أو سليمان فأعتقه؛ وقال بعض الشعراء: وشدّ أبو بكر لدى الباب شدّة … أبت لحصين أن يحيّا ويكرما هنالك لا أخشى حصين بن ناتل … ولا جلد أير العير نعمان خثعما (¬٢) ونعمان قائد من قواد أهل الشام. وحدثني حفص بن عمر عن الهيثم بن عديّ عن ابن عيّاش والمجالد عن الشعبي قال: نصب ابن نمير المنجنيق على الكعبة فارتفعت سحابة فاستدارت على أبي قبيس ثم رعدت وأصعقت فأحرقت المنجنيق ومن تحتها فلم يعيدوا الرمي، فقال أعشى همدان: ورمى البيت بالحجارة حتّى … أحرق الله منجنيق الزبير (¬٣) يعني الزبير بن خزيمة الخثعمي وكان صاحب الرمي مع حصين بن نمير، وكان ابن الزبير يهزمهم فيتبعهم وحده وهو يقول: إنّا إذا عضّ الثقا … ف براس صعدتنا أبينافقيل لابن نمير: ألا ترى أنّ رجلا واحدا يتبعنا على رجليه فلا يعطف عليه أحد، فقال: كلّ امرئ يحاذر البليّه … يخاف أن تدركه المنيّة من يتعرّض لأسد يحامي بجدّ وشجاعة عن ملك يحاوله؟ وأرسل ابن الزبير إلى حصين يدعوه إلى مبارزته، فقال: والله ما بي جبن، ولكنّي أخاف أن أفعل فإن قتلتني كنت قد ضيّعت أصحابي، وإن قتلتك فأنا على خطأ في التدبير وإضاعة للحزم. وقال المختار: يا بني الكرّارين يا حماة الحقائق قاتلوا، فقتل من أهل الشام بشر كثير، فقال بعض الشعراء: لقد ضرب المختار ضربة حازم … أزالت يزيد عن حشاياه ضارطا وقتل مصعب بن عبد الرحمن بن عوف عدّة، وأجهزت عليهم امرأة من الخوارج يقال لها سلمى، فقال رجل من الشاميّين: إنّي لم أنس إلا ريث أذكره … أيّام تطردنا سلمى وتنفينا وحكّم ابن بحدج فقتلوا جماعة من أهل الشام فقال رجل من قضاعة: يا صاحبيّ ارتحلا وامّلسا … لا تحبسا لدى حصّين محبسا إنّ لدى الأركان بأسا أبأسا … وبارقات يختلسن الأنفسا إنّ الفتى حكّم ثمّ كبّسا وجرح عبد الله بن مسعدة الفزاري فلم يقاتل حتى جاءت وفاة يزيد، وكان الذي جرحه مصعب بن عبد الرحمن. المدائني قال، قال عبد الله في بعض أيّامه للمنذر: احمل عليهم، فقال: إنّي عليك لهيّن، تعرضني لأنباط الشام، فحمل وهو على بغلة له ورد فنفرت من قعقعة السلاح وتوقّلت في الجبل، فقال عبد الله: انج أبا عثمان،ولحقه أهل الشام فقتلوه، فقال ابن مفرّغ: لابن الزبير غداة يأمر منذرا … أولى بغاية كلّ يوم دفاع وأحقّ بالصبّر الجميل من امرئ … كز أنامله قصير الباع (¬١) وقال المدائني: قتل المنذر بن الزبير، وأبو بكر بن الزبير، وحذافة بن عبد الرحمن بن العوّام، والمقداد بن الأسود بن العوّام، ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف بعد أن قتل خمسة من أهل الشام وانحنى سيفه فقال: سنورد بيضا ثمّ نعقب حمرة … وفيها انحناء بيّن بعد تقويم وقاتل مصعب بن عبد الرحمن يوما حتى يبست يده، فدعا ابن الزبير بشاة فحلبت على يده حتى لانت. وقال ابن الزبير: ما كنت أبالي إذا كان المختار معي من فارقني، فما رأيت قطّ أشدّ قتالا منه. قالوا: ووضع أهل مكة مجانيق أو خشبا حول الكعبة وجلّلوها بالجلود لتردّ عن الكعبة. وقال المدائني عن ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة: أرسل النجاشي جماعة من الحبش للدّفع عن الكعبة وأعان ابن الزبير بهم، فضمّهم إلى أخيه مصعب بن الزبير فكانوا يقاتلون معه، فانكشفوا ذات يوم فاعتذروا وقالوا: نحن أصحاب مزاريق نرمي بها من انكشف. وقال ابو مخنف في روايته: مكث أهل الشام يقاتلون ابن الزبير حتى إذا مضى من شهر ربيع الأوّل أربعة عشر يوما مات يزيد، فمكثوا أربعين يوما لا يعلمون بموته، وبلغ ابن الزبير موته قبل أن يبلغ الحصين، وقد ضيّقوا على ابن الزبير مكة وحصروه حصارا شديدا، فقال: يا أهل الشام لماذا تقاتلونوقد هلك طاغيتكم؟ فجعلوا لا يصدّقون حتى قدم عليهم ثابت بن المنقع النخعي - واسم المنقع قيس - وهو من أهل الكوفة وكان صديقا للحصين، فأخبره بهلاك يزيد. وقال المدائني: مات يزيد للنصف من شهر ربيع الأوّل سنة أربع وستّين، فبلغ أهل المدينة ذلك ولم يأتهم من يقوم بالأمر، فمنعوا عامل المدينة الصلاة وتراضوا بسعد القرظ فصلّى بالناس، وكان مؤذّنهم؛ وجاء الخبر أهل مكة فخافهم حصين فاستأمنهم وقال: يا معاشر قريش أنتم ولاة الأمر، وإنّما قاتلناكم في طاعة رجل منكم قد هلك، فأذنوا لنا في الطواف، فقال عبد الله بن صفوان: لا يحلّ لنا أن نمنعهم، وبعث إلى المسور يشاوره فوجده ثقيلا، فقال: أرى أن تأذن لهم وإن لم يكونوا لذلك أهلا لقول الله ﷿ ﴿وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (¬١) وأغمي عليه، ووادعهم ابن الزبير ومنعهم من الطواف ثم أذن لهم فيه. وقال عوانة: لما أذن ابن الزبير للحصين وأصحابه في الطواف أراد الخوارج منعهم، ثم قالوا: ندعهم يطوفون ويذهبون إلى لعنة الله فلن يزيدهم الله بطوافهم إلا شرّا. قالوا: وبعث الحصين إلى عبد الله بن الزبير حين مات يزيد وبلغه موت معاوية ابنه فواعده بالأبطح ليلا، فلما اجتمعا قال له الحصين: إنّك أحقّ الناس بهذا الأمر اليوم، فهلمّ فلنبايعك ثم اخرج معنا إلى الشام فإنّي من أهله بمكان قد علمته والجند الذين معي أشراف أهل الشام ووجوههموفرسانهم، فليس يختلف عليك منهم اثنان، والشام معدن الخلافة اليوم إذ نقله الله إليها؛ وجعل الحصين يقول له هذا القول سرّا وابن الزبير يرفع صوته بإبائه، فقال: لله أبوك ما عرف من نسبك إلى الدّهاء، أنا أكلّمك بمثل هذا سرّا وتجيبني عليه علانية. قالوا: وكان ابن الزبير يقول لأصحابه صونوا سيوفكم كما تصونون وجوهكم. قال المدائني: وكان عبيد بن عمير الليثي يقصّ أيّام الموادعة فيقول له أهل الشام: أيّها الرجل الصالح ارجع إلى ما كنت فيه، ولا تنقّص خليفة الله في أرضه فإنّه أعظم حرمة من البيت. قال المدائني: وانصرف نافع بن الأزرق وقوم من الخوارج فالتقطهم عبيد الله بن زياد فحبسهم مع من كان في حبسه من الخوارج. قال المدائني: دعا حصين عبد الله بن عمر إلى مثل ما دعا إليه ابن الزبير فأباه وقال: لست من هذا الأمر في شيء. قالوا: وحمل بعض أصحاب ابن الزبير نارا فأطارتها الريح فاحترق ما جعل حول الكعبة ليقيها، واحترقت استارها وتصدّعت فبناها بعد، وقال الشاعر: أبلغ أمير المؤمنين من كان … ابن الزبير عائذ بالأركان وقال ابن قيس الرقيّات: ليس لله حرمة مثل بيت … نحن جيرانه عليه الملاء خصّه الله بالكرامة فالبا … دون والعاكفون فيه سواء حرّقته رجال كلب وعكّ … حين جاءوا وحمير وصداءفبنيناه بعد ما حرّقوه … فاستوى السّمك واستقلّ البناء (¬١) وقال بعضهم: ابن الزبير بئس ما تولّى … إذ حرّق المقام والمصلّى قبلة من حجّ معا ولبّى وقال رجل من بني تميم: أقول لأهل الله لمّا أتاهم … محرّق بيت الله هيجوا البواكيا جزى الله أهل الشأم فيه ملامة … وأصلاهم جمرا من النار حاميا وقال عمرو بن الوليد بن أبي معيط: جلبنا لكم من غوطة الشأم خيلنا … إلى أرض بيت الله يا بعد مجلب تلوذ قريش كلّها بلوائه … لأمحض منها في قريش وأطيب وقال أبو حرّة مولى خزاعة: يا ربّ إنّ جنود الشام قد كثروا … وهتّكوا من حجاب البيت أستارا يا ربّ إنّي ضعيف الركن مضطهد … فابعث إليّ جنودا منك أنصارا وقال أعشى همدان: ورمى البيت بالحجارة حتّى … أحرق الله منجنيق الزبير يعني الزبير بن خزيمة الخثعمي وكان رمى البيت فأحرقت الصاعقة منجنيقه. وحدثني المدائني عن مسلمة بن علقمة عن خالد عن أبي قلابة أنّ معاوية قال لعبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهم: إنّ الشحّ والحرص لن يدعاك حتى يدخلاك مدخلا ضيّقا، فوددت أنّي حينئذ عندك فأستنقذك،فلما حصر ابن الزبير قال: هذا ما قال لي معاوية، وددت أنّه كان حيّا. وقال الواقدي: كان أصحاب ابن الزبير فيما حول المسجد إلى المروة، وإلى ماوراء ذلك، ونزل الحصين بالحجون إلى بئر ميمون، وصيّر عسكره هناك، ونصب منجنيقا فرمى بها فرميت بصاعقة فأحرقتها ومن كان فيها، فكفّ الحصين عن الرمي. قال: ولما قدم الحصين مكة أمسك عن القتال حتى وقف عند دار عمر بن عبد العزيز فقال لأصحاب ابن الزبير: لو أنّ صاحبكم أبرّ قسم أمير المؤمنين لوجد عنده ما يحب من البّر والصلة ولردّه واليا على الحجاز، فجعلوا يقولون: نحن عواذ بالبيت وابن الزبير أحدنا إلاّ أنّه يصلّي بنا، وكان ابن الزبير قد رتّب أصحابه في مواضع، ومعه قوم من الخوارج أنكروا غزوا البيت وانتدبوا للذبّ عنه، فهم في حيّز ابن الزبير، فكانت كلّ مسلحة تذبّ الحصين عن ناحيتها، ثم إنّهم اقتتلوا يوم أحد وتراموا بالنبل وتشاولوا بالرماح في الليل، ثم رجعوا إلى معسكرهم وقد قتل من الشاميّين ثلاثة نفر وجرح من أصحاب ابن الزبير عدّة وقتل أربعة نفر، فمكثوا على ذلك أيّاما؛ وأخرج المسور بن مخرمة سلاحا فرّقه على مواليه وكان متسلّحا يقف عند الحذّائين، ويخرج ابن الزبير، وجبير بن شيبة، ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف، وعبيد بن عمير فيجتمعون إلى المسور فكانوا يردّون الشاميّين إلى الأبطح، وجاءهم نعيّ يزيد فكان القتال أربعة وستّين يوما، وكانت وفاة يزيد لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل ووصول الخبر إلى مكة في ستّة عشر يوما؛ وكان أهل الشام يشتمون ابن الزبير فيقولون: يا بن ذات النطاقين، فيقول:وعيّرها الواشون أنّي أحبّها … وتلك شكاة ظاهر عنك عارها وشتموه أيضا في الحصار الثاني فتمثّل بهذا البيت. وقال الواقدي: لما جاء نعيّ يزيد أرسل الحصين الى ابن الزبير والمسور وأصحابهما يسألهم فتح أبواب المسجد ليطوفوا بالبيت ثم ينصرفوا إلى الشام، فأبى ذلك ابن الزبير ثم اجابهم فطافوا وانصرفوا. وقال الحصين لابن الزبير: صر معي إلى الشام حتى أدعو لك، فقد مرج أمر الناس وما أجد أحقّ بالأمر منك، فقال ابن الزبير رافعا صوته: أمّا دون أن أقتل بكلّ رجل من أهل الحرّة عشرة من أهل الشام فلا، فقال حصين: يزعم هذا أنّه داهية أكلّمه سرّا ويكلّمني علانية، وأدعوه إلى الخلافة ويتوعدني بالقتل، فسيعلم، ثم انصرف وأصحابه إلى الشام، فلما صار بالمدينة بلغه أنّ أهلها يريدون محاربته، فقام روح بن زنباع على منبرها فقال: يا أهل المدينة ما هذا الذي بلغنا عنكم؛ فاعتذروا وكذّبوا عن أنفسهم، ومضى الحصين ومن معه إلى الشام (¬١).