page 2098, entry [385]Open original source
احتراق الكعبة وبناؤها قال الواقدي: وصدع حجر المنجنيق الحجر الأسود فضبّبه ابن الزبير بفضة. قال: واحترقت الكعبة قبل أن يأتي خبر موت يزيد بسبعة وعشرين يوما وكان إحراقها بعد الصاعقة التي أصابت المنجنيق، وكان سبب احتراقها أنّ رجلا من أصحاب ابن الزبير يقال له مسلم أخذ نارا في ليفة على رأس رمح في يوم ريح فطارت شررة فتعلّقت بأستار الكعبة فأحرقتها، وكانت لهم حول الكعبة بيوت من خصف ودفوف. قال: ويقال انّ جرذا جرّ فتيلة فيها نار فسقطت في متاع بعض من حول الكعبة فاحترق، وهاجت ريح حملت الشرر إلى الأستار. قال: فلما ارتحل ابن نمير هدم ابن الزبير ما حول الكعبة حتى بدت وأمر بالمسجد فكنس ممّا فيه من الحجارة، وإذا الكعبة ترتجّ وإذا الركن قد أسودّ من النار، فشاور في هدمها، فأشار عليه جابر بن عبد الله الأنصاري وعبد الله بن عمر بهدمها، وكره ذلك ابن عبّاس وقال: أخاف أن يأتي منبعدك فيهدمها، فجمع ابن الزبير الفعلة فهدمها إلى الأرض ثم بناها، وقال ابن عبّاس: مازلنا نعلم أنّ الحجر من البيت، فبنيت وأدخل الحجر فيها، وجعل لها بابين بالأرض، بابا يدخل منه وبابا يخرج منه، وجعل الحجر الأسود في سرقة حرير في تابوت، وجعل ما كان في البيت من شيء في تابوت، وكان الناس يطوفون من وراء أساس البيت ويصلّون إلى اساسه حتى بني، ثم ستر الركن بثوب وردّ الحجر ووضعه هو وولده فغضب الحجبة من ذلك؛ ويقال انّه تولّى وضعه هو وولده حمزة وقوم من الحجبة. وكان ابن الزبير روى عن عائشة عن النبيّ ﷺ أنّه قال: «لولا حداثة عهد قومك بالشرك لأعدت فيها ما ترك منها» (¬١) فعمل ابن الزبير على ذلك، فلما فرغ من بنائها ردّ إليها جميع ما كان فيها وسترها بالديباج، فلما هدمها الحجّاج ردّها إلى ما كانت عليه حين هدمها ابن الزبير وأخرج الحجر منها ورفع بابها. وقال بعضهم: بعث ابن الزبير إلى اليمن في حمل الورس إليه ليجعله كالقصّة (¬٢) يمسك مدرها، فقيل له انّه لا يثبت فبناها بالقصّة. وقال عبد الملك: لو بلغني حديث عائشة قبل بناء الحجّاج إيّاها لأمرته أن يبنيها على بناء ابن الزبير ولولّيته ما تولّى. وقال الواقدي: أصابت المسور شظيّة من حجر في وجنته فتوفّي منها يوم جاء نعيّ يزيد في آخر النهار، ومات مصعب بن عبد الرحمن في حصار ابن نمير، ويقال بل قتل. قال: فلما مضى هذان الرجلان وكان الأمر بينهما وبين ابن الزبير شورى وشخص ابن نمير، بويع ابن الزبير بالخلافة بمكة،وكان عبد الله بن صفوان أسرع الناس إلى بيعته، ثم عبيد بن عمير، وعبد الله بن مطيع العدوي، والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة؛ فولّى المدينة فيما يقول بعضهم المنذر بن الزبير - ويقال ولاّها غير المنذر لأنّ المنذر قتل في هذا الحصار - وولّى الكوفة ابن مطيع وولّى البصرة الحارث بن عبد الله المخزومي وولّى الشام الضحّاك بن قيس الفهري وكان مائلا إليه. حدثني بسّام الحمّال عن حمّاد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن الحسن قال: كتب الضحّاك بن قيس حين مات يزيد بن معاوية إلى قيس بن الهيثم: إنّ يزيد قد مات وأنتم إخواننا وأشقّاؤنا فلا تسبقونا بشيء حتى نختار لأنفسنا، قال حمّاد: فاختار ابن الزبير؛ قال: وولّى مصر ابن جحدم وفرّق عمّاله. وقال الواقدي: وكان ممّن قتل في هذا الحصار - ويقال في الثاني - المنذر بن الزبير، وأبو بكر بن المنذر بن الزبير، والزبير بن المنذر، وحذافة بن عبد الرحمن بن العّوام، والزبير بن المقداد بن الأسود بن العّوام، وعامر بن عروة بن الزبير، ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف - ويقال مات حتف أنفه في أيّام هذا الحصار - وزيد بن عبد الرحمن بن عوف، والمسور، أصابه حجر مات منه، وأبو عمرو بن عبد الله بن أبيّ بن خلف الجمحي. وقال المدائني: أرسل ابن نمير إلى ابن الزبير يستأذنه في الطواف زفر بن الحارث الكلابي وابن مسعدة الفزاري. حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا وهب بن جرير بن حازم عن جويرية بن أسماء قال: حدثني برد مولى آل الزبير أنّ حصينا بعث إلى ابنالزبير إنّي أحبّ لقاءك؟ قال: فموعدك بعد العتمة بأعلى مكة، فخرج ابن الزبير بعد أن صلّى بالناس إلى المكان الذي وعده فيه وليس عليه سلاح، وأقبل ابن نمير وعليه الدرع والسيف وقد لبس ممطرا، فلما أراد الجلوس بدت نعل السيف، فقال له ابن الزبير: أغدرا يا بن نمير؟ قال: لا ولكنّي خفت أصحابك، ثم قال له: أبايعك غدا بين الركن والمقام أنا وجميع أصحابي على أن تنتقل إلى الشام فتسكنها ونقاتل عنك الناس ما بقيت أرواحنا، فقال: إنّ لي أمراء لست أقطع أمرا دونهم، فأناظرهم ثم يأتيك رأيي، فرجع فأخبر ابن صفوان وذويه فقالوا: أتخرج من بلد نصرك الله به وتفارق حرم الله وأمنه وتستعين بقوم رموا بيت الله لا خلاق لهم؟! فأرسل إلى الحصين: إنّ أصحابي قد أبوا أن يتحوّلوا إلى الشام، قال: فهل أنت مؤمّني وأصحابي حتى نطوف بالبيت ثم ننصرف عنك؟ فآمنهم فطافوا ثم انصرفوا. وحدثنا زهير بن حرب أبو خيثمة حدثنا وهب بن جرير حدثنا جويرية عن نافع انّ ابن الزبير لم يدع له بالخلافة حتى مات يزيد، وقال نافع: كنت تحت منبره يوم دعا إلى نفسه، وكان قبل ذلك يدعو إلى الشورى. وقال المدائني: جرح عبد الله بن مسعدة الفزاري فلم يقاتل حتى انفضّ أمرهم، وكان الذي جرحه مصعب بن عبد الرحمن، وقاتل مصعب بن عبد الرحمن يوما حتى يبست يده فدعا ابن الزبير بشاة فحلبها عليها حتى لانت؛ وأرسل النجاشي إلى ابن الزبير مائتي رجل فضمّهم إلى أخيه مصعب، فكانوا يقاتلون معه في ناحية. قال جويرية وحدثني غير نافع أنّ ابا حرّة مولى أسلم، كان شاعراشجاعا فقال: يا بن الزبير ما أرانا سفكنا الدماء وقاتلنا الناس إلاّ لتملك، وأنشأ يقول: إنّ الموالي أمست وهي عاتبة … على الخليفة تشكو الجوع والحربا ماذا علينا وماذا كان يرزؤنا … أيّ الملوك على ما حولنا غلبا وقال أيضا: تخبّر من لاقيت أنك عائذ … وتكثر قتلا بين زمزم والرّكن قال جويرية: كان الخوارج يقاتلون مع ابن الزبير نصرة للبيت وذبا عنه إذ تعوّذ به، فلما رماه أهل الشام ازدادوا عليهم حنقا، قال: وقاتل المختار مع ابن الزبير ثم انصرف عنه فأتى العراق. المدائني عن أشياخه قالوا: لما دعا ابن الزبير إلى نفسه بايعوه على كتاب الله وسنّة نبيه وسيرة الخلفاء الصالحين، فبايعه عبيد الله بن عليّ بن أبي طالب وقبض ابن مطيع يده، وقام مصعب فبايع فقال الناس: بايع مصعب ولم يبايع ابن مطيع، أمر فيه صعوبة والتياث طاعة؛ وبايعه عبد الله بن جعفر، وأراد ابن الحنفّية على البيعة فلم يبايع، وأبى ابن عمر أن يبايع وقال: لا أعطي صفقة يميني في فرقة ولا أمنعها في جماعة وألفة، فقال له: الزم المدينة، قال أبو حرّة مولى خزاعة: ألا صبرت حتى نختارك فنبايعك؟ وقال: أبلغ أميّة عنّي إن عرضت لها … وابن الزّبير وأبلغ ذلك العربا أنّ الموالي أضحت وهي عاتبة … على الخليفة تشكو الجوع والحربا إخوانكم إن بلاء حلّ ساحتكم … ولا ترون لنا في غيره سببا نعاهد الله عهدا لا نخيس به … لن نقبل الدهر شورى بعد من ذهباوأتت ابن الزبير بيعة أهل الآفاق: أتته بيعة أهل الشام ما خلا الأردنّ، ودعا له النعمان بن بشير بحمص، وزفر بن الحارث الكلابي بقنّسرين، والضحّاك بن قيس الفهري بدمشق، ودعا بالكوفة أهلها وتراضوا بعامر بن اسماعيل الجمحي (¬١)، ودعا له بالبصرة سلمة بن ذؤيب الرياحي وأخرجوا عبيد الله بن زياد، ودعا له بخراسان عبد الله بن خازم السلمي، وباليمن بحير بن ريسان وكان قبل عاملا ليزيد بن معاوية، وولّى ابن الزبير المدينة جابر بن الأسود بن عوف الزهري. المدائني قال: ولّى ابن الزبير المدينة رجلا يكنى أبا قيس أو ولاّه بعض أعمالها فأساء السيرة فقال الناس: قد كان ليزيد بن معاوية أبو قيس لا يضرّ ولا ينفع، ولابن الزبير أبو قيس يضرّ و [لا] ينفع. وقال ابن الكلبي: ولّى ابن الزبير المدينة جابر بن الأسود بن عوف فقدم حبيش بن دلجة من الشام فخرج جابر عنها إلى مكة، فبعث ابن الزبير مكانه عبيدة بن الزبير حين خرج حبيش عن المدينة يريد الربذة، فلقيه الحنتف بن السجف فقتله، ثم وجّه مصعب بن الزبير فقتل أسراء أسرهم الحنتف من أصحاب حبيش، ثم رجع إلى مكة، وعزل ابن الزبير عبيدة وولّى ابن أبي ثور حليف بني عبد مناف، فأصابت الناس في ولايته مجاعة وغلت أسعارهم، فكان يخطب فيقول: اتّقوا الله وتأسّوا بنبيّكم وانزعوا عن المعاصي فإنّه أهلك قوم صالح في ناقة قيمتها خمسمائة درهم، فسمّي مقوّم الناقة، وكان الناس يأكلون من ليل إلى ليل ما ينالون إلاّ حسى من حنطةوعدس؛ ثم عزله وولّى الحارث بن حاطب الجمحي ثم عزله وولّى جابر بن الأسود ثم عزله وولّى جعفر بن الزبير ثم وهب بن أبي معتّب مولى الزبير ثم أبا قيس، وولّى صدقة المدينة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وولّى الكوفة عبد الله بن يزيد الخطمي، وولّى إبراهيم بن طلحة الخراج بها ثم عزلهما وولّى عملهما عبد الله بن مطيع العدوي فأخذ بيعتهم. وقال الراعي عبيد بن حصين يمدح يزيد في شعر يقول فيه: راحت كما راح أو تغدو كغدوته … عنس وخود عليها راكب يفد تنتاب آل أبي سفيان واثقة … بسيب أبلج منجاز لما يعد (¬١) وقال المدائني: كان على شرط يزيد حميد بن حريث بن بحدل وصاحب أمره سرجون بن منصور، وقاضيه أبو إدريس الخولاني، ومات يزيد بحّوارين وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، ويقال: ابن تسع وثلاثين وأشهر وكانت ولايته ثلاث سنين، ويقال وتسعة أشهر، ويقال وسبعة أشهر واثنين وعشرين يوما، وكان موته يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل سنة أربع وستّين، وصلّى عليه معاوية ابنه. وقال ابن الكلبي: ولي يزيد لهلال رجب سنة ستّين، فولي ثلاث سنين وثمانية أشهر، ومات لتسع عشرة ليلة خلت من صفر سنة أربع وستّين وهو ابن ستّ وثلاثين سنة. وقال الواقدي: دفن يزيد بدمشق في مقبرة (¬٢) الباب الصغير ومات بحوّارين فحمل على أيدي الرجال إليها، وفيها دفن أبوه معاوية.وقال الواقدي: قيل لأبي مسلم الخولاني يوم مات يزيد: ألا تصلّي على يزيد؟ فقال: يصلي عليه ظباء حوّارين؛ وقال غيره: دفن بحوّارين. المدائني عن أبي أيّوب القرشي عن خالد بن يزيد، بن جابر قال: مات يزيد ابن تسع وثلاثين سنة، وكان عامله على مكة الحارث بن خالد بن العاص بن هشام، ويقال خالد بن العاص بن هشام. وقال الأخطل يرثي يزيد: لعمري لقد دلّى إلى القبر خالد … جنازة لا كابي الزناد ولا غمر مقيم بحوّارين ليس ببارح … سقته الغوداي من ثويّ ومن قبر يضجّ الموالي أن رأوا أمّ خالد … مشنّعة بالريط والسرق الحمر إذا حلّ سرب من نساء يعدنها … تعرّين إلاّ من جلابيب أو خمر (¬١) وقال ابن عرادة السعدي: أبني أميّة إنّ آخر ملككم … جسد بحوّارين ثمّ مقيم طرقت منيّته وعند وساده … كوب وزق راعف مرثوم ومرنّة تبكي على نشواته … بالصّنج تقعد ساعة وتقوم وقال رجل من عنزة يقال له أبو بكر بن حنظلة: يا أيّها الميت بحوّارينا … أصبحت خير الناس أجمعينا ويروى: يا أيّها القبر بحوّارينا … ضممت خير الناس أجمعينا وقال أبو اليقظان: ولي يزيد سنة ستّين وهلك بحوّارين بعد ثلاث سنين وأشهر.