Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

Passage 253660

البلاذري - أنساب الأشراف - ط الفكر · page 2068, entry [382]

أنساب الأشراف - ط الفكر — البلاذري

page 2068, entry [382]Open original source
خبر يوم الحرة: قال الواقدي وغيره في روايتهم: لما قتل عبد الله بن الزبير أخاه عمرو بن الزبير خطب الناس فذكر يزيد بن معاوية فقال: يزيد الخمور، ويزيد الفجور، ويزيد الفهود، ويزيد القرود، ويزيد الكلاب، ويزيد النشوات، ويزيد الفلوات، ثم دعا الناس إلى إظهار خلعه وجهاده، وكتب على أهل المدينة بذلك، فاجتمع أهل الحجاز على أمر ابن الزبير وطاعته، وأخذ البيعة له على أهل المدينة عبد الله بن مطيع العدوي، وقد كان ابن عضاه وأصحابه الوافدون معه عرّفوا يزيد ميل أهل المدينة على يزيد مع ابن الزبير، وأتاه خبر عمرو بن الزبير وما أعلن عبد الله من الأمر بعد ذلك، وأنّ أهل المدينة قد كاشفوا بعداوته، فكتب يزيد إلى عثمان بن محمد بن أبي سفيان عامله أن يّوجّه إليه وفدا ليستمع مقالتهم ويستميل قلوبهم، فأوفد إليه المنذر بن الزبير بن العوام، وعبد الله بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي، وعبد الله بن حنظلة الغسيل ابن أبي عامر الأنصاري في آخرين من الأشراف، فلما قدموا عليه أكرمهم ووصل كلّواحد منهم بخمسين الف درهم، ووصل المنذر بمائة ألف درهم، ثم انصرفوا من عنده، فلما وردوا المدينة قالوا: قدمنا من عند رجل فاسق يشرب الخمور ويضرب الطنابير، ويعزف عنده القيان ويلعب بالكلاب، فعاقدهم الناس على خلعه، وولّوا أمرهم عبد الله بن حنظلة الغسيل، وقدم المنذر بن الزبير البصرة من بين الوفد، فأكرمه ابن زياد وبرّه وأمر له بمائة ألف درهم. وقال عوانة: كان مسور بن مخرمة وفد إلى يزيد قبل ولاية عثمان بن محمد، فلما قدم شهد عليه بالفسق وشرب الخمر، فكتب إلى يزيد بذلك، فكتب إلى عامله يأمره أن يضرب مسورا الحدّ، فقال أبو حزّة: أيشربها صهباء كالمسك ريحها … أبو خالد ويضرب الحدّ مسور وقال هشام ابن الكلبي: أخبرني أبو مخنف قال: لما بلغ يزيد خلع أهل المدينة وتوليتهم ابن الغسيل أمرهم، كتب إلى ابن زياد في حمل المنذر بن الزبير إليه، فكره ابن زياد ذلك إذ كان ضيفه وصديق أبيه زياد، فكتب إليه: إنّه انّما صار إليّ متبرّئا من أصحابه مخالفا لقولهم وفعلهم، ثم أمر منذرا أن يستأذنه على رؤوس الناس في إتيان الحجاز، وقد كتم ابن زياد أمر الكتاب، فلما فعل أذن له في اللحاق بأهله، فلما صار إلى الحجاز قال في يزيد مثل قول الوفد وقال: إنّ يزيد أجازني بمائة الف درهم، وما يمنعني ذلك من أن أخبركم خبره، والله إنّه ليسكر من الخمر حتى يدع الصلاة، فيقال إنّ المنذر أقام فشهد الحرة، ثم صار إلى مكة، ويقال إنّه قدم مكة قبل الحرة.وبعث يزيد إلى النعمان بن بشير فقال له: إنّ عدد الناس بالمدينة الأنصار وهم قومك، فأتهم فافثأهم عمّا يريدون، فصار النعمان إلى قومه فاستنهاهم من أنفسهم، وحذّرهم جنود أهل الشام، ورغّبهم في بيعة يزيد فقال له عبد الله بن مطيع العدوي: يا نعمان قد جئتنا بأمر تريد به تفريق جماعتنا وإفساد ما قد أصلح الله من أمرنا، فقال: النعمان: كأنّي بك على بغلتك تضرب جنبيها ثم تلحق بمكة، وتترك هؤلاء المساكين من الأنصار يقتلون في سككهم ومساجدهم، فلم يلتفت إلى قوله؛ وكان مع النعمان كتاب من يزيد نسخته: من عبد الله يزيد أمير المؤمنين إلى أهل المدينة أمّا بعد فقد أنظرتكم حتى لا نظرة، ورفقت بكم حتى عجّزت عندكم، وحملتكم على رأسي ثم على عيني ثم على نحري، وأيم الله لئن وضعتكم تحت قدمي لأطأنكم وطأة أجعلكم بها أحاديث تؤثر مع أحاديث عاد وثمود، وتمثّل بهذين البيتين: أظنّ الحلم دلّ عليّ قومي … وقد يستضعف الرجل الحليم ومارست الرجال ومارسوني … فمعوجّ عليّ ومستقيم ووثب أهل المدينة على عثمان بن محمد ومن بالمدينة من بني أميّة ومواليهم ومن عرف بالميل إليهم من قريش، وكانوا زهاء ألف، فأخرجوهم. فخرجت بنو أميّة حتى نزلوا بجماعتهم دار مروان، فحاصرهم الناس في دار مروان وهو معهم وابنه عبد الملك حصارا ضعيفا، وهتفوا بخلع يزيد، فكتب مروان ومن معه بخبرهم إلى يزيد كتابا مع حبيب بن كرّة، فلما قدم حبيب على يزيد دفع الكتاب إليه ورجلاه في الماء لنقرس عرض له، فقال: يا حبيب ما كان بنو أميّة بالمدينة ألف رجل؟ فقال: بلىيا أمير المؤمنين، قال: فما استطاعوا أن يقاتلوا ساعة من نهار؟ وقرأ يزيد الكتاب على عمرو بن سعيد الأشدق وعرض عليه أن يصير إلى المدينة فقال: قد كنت ضبطت لك البلد وأحكمت الأمور وأردت أن ألطف للرجل فآخذه في رفق أو أقتله وحده بحيلة، فأمّا الآن فإنّي لا أحبّ هراقة دماء قريش، فبعث بالكتاب إلى مسلم بن عقبة المرّي، فجاء حتى دخل على يزيد فقال: يا أمير المؤمنين ما أعجب هذا، أما قدروا وهم ألف رجل أن يقاتلوا عن أنفسهم ساعة واحدة؟ ثم أمره يزيد بالشخوص ونادى مناديه في الناس بالمسير إلى الحجاز على أن يعطوا أعطياتهم كملا ويعان كلّ امرئ منهم بمائة دينار، وانتدب اثنا عشر ألفا وركب يزيد فرسا وتقلّد سيفا وتنكّب قوسا وأقبل يتصفّح الخيل ويقول: أبلغ أبا بكر إذا الجيش انبرى … وأشرف القوم على وادي القرى أجمع سكران من الخمر ترى … أم جمع يقظان إذا حثّ السرى وا عجبا من ملحد وا عجبا … مخادع في الدين يقفو بالفرى ولما بلغ أهل المدينة خبر من أقبل عليهم حصروا بني أميّة في دار مروان حصارا شديدا وضيّقوا عليهم وقالوا: لا نكفّ عنهم حتى يوثقوا لنا بالعهد أنّا إذا جليناهم من المدينة لم يبغونا غائلة ولم يدلّوا لنا على عورة ولم يظاهروا علينا أحدا، ففعلوا ذلك، ثم أخرجوهم بأثقالهم وأموالهم فمضوا إلى الشام. وقال يزيد لمسلم بن عقبة: أنت أمير الجيش وإن حدث بك حدث فأمير الجيش الحصين بن نمير السكوني، فإذا وردت المدينة فادع الناس ثلاثا، فإن أجابوك وإلاّ فقاتلهم، فإن ظهرت عليهم فأبحها ثلاثا، فما كانبها من مال او رثّة او سلاح او طعام فهو للجند، فإذا مضت الثلاث فاكفف عن الناس واستوص بعليّ بن الحسين بن علي خيرا وأدن مجلسه فإنّه لم يدخل في شيء ممّا دخل الناس فيه، واعلم أنّك تقدم على قوم ذوي جهالة واستطالة قد أفسدهم حلم أمير المؤمنين معاوية و ظّنوا أنّ الأيدي لا تنالهم، فلا تردّنّ أهل الشام عمّا أرادوه بهم، وكان عليّ بن الحسين آوى عائشة بنت عثمان بن عفان وهي أمّ أبان بن مروان بن الحكم واعتزل في ضيعة بقرب المدينة كراهة أن يشهد شيئا من أمرهم. ولقيت بنو أميّة مسلم بن عقبة بوادي القرى فسلّموا عليه، فدعا عمرو بن عثمان بن عفّان أوّل الناس فسأله عن الخبر فلم يخبره بشيء ليمينه التي حلفها لأهل المدينة، فقال: لولا أنّك ابن عثمان لضربت عنقك، والله لا أقلتها قرشيا بعدك. وقدّم مروان ابنه عبد الملك ليخبره خوفا من الحنث، فسأل مسلم عبد الملك فأخبره فقال: لله درّك يا بن مروان لقد رأى بك أبوك خلفا منه في حياته. ويقال إنّ يزيد لما عرض جنده كتب إلى ابن الزبير رقعة لطيفة أفرد بها رسولا، ويقال إنّه لم يكتب ولكنّه قال قولا ظاهرا: استعد ربّك في السّماء فإنّني … أدعو إليك رجال عكّ وأشعر ورجال كلب والسكون ولخمها … وجذام تقدمها كتائب حمير كيف النجاء أبا خبيب منهم … فاحتل لنفسك قبل أتي العسكر والشاميّون يقولون إنّما قال: اجمع رجال الأبطحين فإنني … أدعو إليك رجال عكّ وأشعرقالوا: وارتحل مسلم فلما قدم المدينة مضى في الحرّة حتى أتى المدنّيين فقدم من قبل المشرق، وكان عبد الملك بن مروان أشار عليه بذلك، ثم أجّلهم ثلاثا وقال: إن دخلتم فيما دخل الناس فيه انصرفت عنكم وأتيت الملحد الذي بمكة، وإن أبيتم قاتلتكم بعد الإعذار إليكم، وكان أهل المدينة قد اتّخذوا خندقا ونزل بباب من أبوابه جمع عظيم، فكان عليهم عبد الرحمن بن أزهر بن عوف الزهري وكانوا ربعا، وكان عبد الله بن مطيع على ربع آخر ممّا يلي المدينة، وكان معقل بن سنان الأشجعي على ربع مثل ذلك، وكان عبد الله بن حنظلة الغسيل على ربع آخر ممّا يلي الحرّة، وجعلوا إليه رئاستهم وترتيبهم. ويقال إنّ كلّ قوم خندقوا على ربعهم، وكان ابن الغسيل وابن مطيع في الأنصار ومعقل في المهاجرين، وكان على الموالي يزيد بن هرمز، فقال الشاعر وهو شهوات (¬١) مولى بني تيم وذلك الثبت، وقوم يقولون مولى آل الزبير: إنّ في الخندق المكلّل بالمج … د لضربا يسوء ذا النشوات لست منّا وليس خالك منّا … يا مضيع الصلاة للشهوات برقع الدبّ واحمل القرد وانزل … في بلاد الوحوش بالفلوات فإذا ما غلبتنا فتنّصر … واتركنّ الصلاة والجمعات وقال ابن الكلبي: سمّي شهوات لهذا البيت، وقال غيره: سمّي شهوات لأنّه كان يتشهّى على عبد الله بن جعفر الشهوات فيطعمه إيّاها. وقال المدائني: يقال إنّ هذا الشعر لمحمد بن عبد الله بن سعيد بن زيد بنعمرو بن نفيل هجاه به حين عزل عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب عن مكة، وسمعت من يذكر أن أهل المدينة كتبوا بهذا الشعر إلى يزيد، فقال رجل من كلب: أنت منّا وليس خالك منّا … يا مجيب الصلاة للدعوات قالوا: ولما انقضت الأيّام الثلاثة التي ضربها مسلم بن عقبة لهم أجلا قال لهم: يا قوم إنّ أمير المؤمنين يكره إراقة دمائكم، ولقد استدامكم منذ زمان لأنّكم أصله، فاتّقوا الله في أنفسكم، فشتموه وشتموا يزيد وفجّروه، وقالوا: بل نحارب ثم نحارب، فأمر مسلم بفسطاط عظيم فضرب له ثم زحف إلى أهل المدينة وصمد بمن معه صمد ابن الغسيل، فحمل ابن الغسيل بالرجال حتى كشف الخيل، فانتهت الخيل إلى فسطاط مسلم، فصاح مسلم بالخيل فكرّها فقاتل طويلا، ثم إنّ الفضل بن العبّاس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب قال لابن الغسيل: مر فرسانك أن يصيروا إليّ، فأمرهم بالمصير اليه فقاتل بهم فكشف أصحاب مسلم حتى لم يبق إلاّ في خمسين قد أشرعوا أسنّتهم وجثوا على ركبهم فشدّوا عليه فقتلوه وقتل معه زيد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري وابراهيم بن نعيم بن عبد الله النحّام في رجال من أهل المدينة. ويقال إنّ مسلما كان مريضا يوم القتال، فأمر بسرير أو كرسيّ فوضع له بين الصفّين، ثم حضّ أهل الشام وحرّضهم على القتال فقاتلوا، فقتل الفضل بن العبّاس ومن كان معه بعد قتال شديد انثنت فيه السيوف وانقصفت الرماح، فحمل الفضل في جماعة من وجوه الناس وفرسانهم يريد مسلما وهو على سريره أو كرسيّه فقال: احملوني فحمل فجعل أمامفسطاطه، وكان الفضل رجلا أحمر، فصاح بهم: إنّ العبد الأحمر قاتلي فأين انتم يا بني الحرائر، اشجروه برماحكم، فطعنوه حتى سقط. قالوا: ثم إنّ خيل ابن الغسيل و رّجالته رجعوا إلى مسلم يريدونه، فركب فرسا وجعل يقول: يا أهل الشام إنّكم لستم بخير العرب وإنّما رزقتم النصر بطاعتكم لأمرائكم وصبركم في لقاء عدوكم. ثم انتهى إلى مصافّه وأمر أن يحملوا على ابن الغسيل وأصحابه، فقاتلوهم أشدّ قتال، ونزل حصين بن نمير في أهل حمص ثم مشى إليهم فقال ابن الغسيل حين رآهم يمشون تحت راياتهم: إنّ عدوّكم قد أصاب جهة قتالكم، ولن يلبثوا إلاّ ساعة من نهار حتى يحكم الله بينكم وبينهم، ثم قدّم أمامه ولده حتى قتلوا واحدا بعد واحد، ودنا عبد الله بن عضاه بن الكركر الأشعري وأصحابه فمشى في خمسمائة رام فنضحوهم بالنبل، فقال ابن الغسيل: علام تستهدفون للنبل؟ من أراد التعجّل الى الجنّة فليلزم رايتي، فتقدم إليه كلّ مستميت، فنهض القوم واقتتلوا أبرح قتال وأشدّه، وجعل ابن الغسيل يقول: بؤسا لمن شدّ فسادا وطغى … وجانب القصد وأسباب الهدى لا يبعد الرحمن إلاّ من عصى ثم استقدم فجالد حتى قتل وقتل أخوه لأمّه محمد بن ثابت بن قيس بن شمّاس الأنصاري، ومحمد بن عمرو بن حزم النجّاري. ومن رواية الواقدي: إنّ مروان والأمّويين رجعوا إلى المدينة مرّتهم الأولى، فلم يعيبوا على أهل المدينة، فكانوا بها حتى أمر ابن الزبير بإشخاصهم بعد موت يزيد.قالوا: فقال مروان حين رأى ابن الغسيل: رحمك الله فلربّ سارية رأيتك تطيل الصلاة إلى جانبها. قالوا: وخرج محمد بن سعد بن أبي وقّاص يردّ الناس بسيفه حتى غلبته الهزيمة، فذهب فيمن ذهب من الناس، وأباح مسلم المدينة ثلاثة أيّام يقتلون ويأخذون المتاع ويعبثون بالإماء ويفعلون ما لا يحبه الله، وخرج أبو سعيد الخدري فاقتحم مغارة فدخل عليه رجل بسيفه فانتضاه ليرعبه، فلما أقبل عليه قال أبو سعيد ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ (¬١) فقال له الشاميّ: من أنت لله أبوك؟ قال: أبو سعيد الخدري، قال: صاحب رسول الله ﷺ؟ قال: نعم، فتركه وقال: استغفر لي. وقال عوانة بن الحكم: دخلوا من قبل بني حارثة إلى المدينة فلم يبق دار إلاّ انتهبت، إلاّ دار أسامة بن زيد بن حارثة مولى ﷺ فإنّ كلبا حمتها، ودار امرأة من حمير فإنّ حمير حمتها، وكان أهل الشام يقاتلون أهل المدينة ويقولون يا يهود. وقال الواقدي في بعض رواياته: ولّى الأنصار أمرهم ابن الغسيل وتساند القوم، فلما قرب مسلم من المدينة عسكروا بحرّة واقم وخندقوا، وكان ابن الزبير أمر بإخراج بني أميّة ومواليهم من مكة والمدينة إلى الشام، وفي ذلك يقول ابن قيس الرقيّات:ليبك البقيع ودور البلاط … رهط ابن عفّان والمسجد فمروة فالسنح يبكيهم … فعسفان فالحجر الأسود (¬١) فخرج منهم أربعة آلاف فيما يزعمون، فلما صاروا بوادي القرى أمرهم مسلم بالرجوع معه، فنفذت من وجوههم إلى يزيد جماعة ورجع سائرهم، فلما قدم مسلم المدينة أكمن كمينا ممّا يلي منازل بني حارثة، فتناهض الجمعان، وكان بمسلم النقرس فحمل في ترس ووضع أمام الصف ثم جلس عليه وقال: يا أهل الشام قاتلوا عن إمامكم أو دعوا، فنشبت الحرب فصبر أهل المدينة وقاتلوا أشدّ قتال، فلم يشعروا إلاّ بالكمين يضربهم في أدبارهم فانهزموا، وقتل عبد الله بن الغسيل وابن عمرو بن حزم الأنصاري - وكان قاضيهم - وفرّ ابن مطيع فلحق بابن الزبير. ثم أنهب الناس المدينة ثلاثة أيّام. فلما انقضت الثلاثة الأيام جلس للبيعة ودعاهم إليها، فكان أوّل من اتاه يزيد بن عبد الله بن زمعة بن الأسود، وأمّه بنت أبي سلمة، وجدّته أمّ سلمة زوج رسول الله ﷺ، فقال: بايع لأمير المؤمنين على أنّك عبد قنّ يحكم في مالك ودمك، قال: أبايعك له على كتاب الله وسنّة نبيّه، وعلى أنّي ابن عمّه فقدّمه فضرب عنقه وقال: والله لا تشهد على أمير المؤمنين بشهادة بعدها، وكان وفد إليه فأعطاه فقدم يفجّره ويشهد عليه بشرب الخمر، ثم أتي بمعقل بن سنان الأشجعي فقال له: مرحبا بأبي محمد، فأخذ بيده فأقعده معه على طنفسته، ودعا معقل بماء فقال مسلم: ائتوه بشربة عسل وخضوها له بثلج ممّا حمل معنا ففعلوا، فلما شربها قال: سقىالله الأمير من شراب الجنّة فقال: والله لا شربت بعدها شرابا إلاّ من جهنّم حين تسقى من حميمها، فقال معقل: نشدتك الله والإسلام، قال: أتذكر حين مررت بطبريّة فقلت لك: من أين اقبلت؟ فقلت: سرنا شهرا وأحرثنا ظهرا ورجعنا صفرا ووجدناه يشرب خمرا، نأتي والله المدينة فنخلع الفاسق بن الفاسق ونبايع رجلا من أبناء المهاجرين، فإنّي آليت تلك الليلة ألا أقدر عليك في موطن يمكنني فيه قتلك إلاّ قتلتك، وما أشجع والخلافة والخلع؟! قدماه فاضربا عنقه، فضربت عنقه، فقال الشاعر: ألا تلكم الأنصار تبكي سراتها … وأشجع تبكي معقل بن سنان الهيثم بن عديّ عن عوانة قال: أتى محمد بن أبي الجهم فقال له: أبايعك على كتاب الله وسنّة نبيّه، فأمر فضربت عنقه وقال: حباك أمير المؤمنين وأعطاك ثم تشهد عليه بشرب الخمر؟! والله لا تشهد بعدها بشهادة زور أبدا؛ ودعا بعمرو بن عثمان بن عفّان وكان ممّن رجع وقد كان سأله عن خبر أهل المدينة فلم يخبره به فأغلظ له وقال: لولا أنّك ابن أمير المؤمنين لقتلتك فإنّك الخبيث ابن الطيّب، إذا ظهر أهل المدينة قلت: أنا رجل منكم وإذا ظهر أهل الشام قلت: أنا ابن أمير المؤمنين عثمان، يا غلام انتف لحيته، فنتفت حتى ما تركت فيها طاقة، ثم قال: إنّ أمّ هذا كانت ورهاء تحمل في شدقها الشيء ثم تقول لعثمان: حاجيتك ما في شدقي، وفيه ما يسوءها، ويقال حملت مرّة خنفساء، ويقال انّه ضربه بالسياط وقال: نحن نقاتل عن دولتكم وأنت تكيدها. وتكلّم فيه مروان وقال: ابن عمّي فقال: ومعقل ابن عمّي أيضا. ويقال أنّه وهب له ضربه وخلّى سبيله؛ وكانت أمّه من دوس يقال لها أمّ عمرو بنت جنيدبة، وأتاه مروان وعبد الملكبعليّ بن الحسين بن عليّ ليطلبا له الأمان وذلك أنّه استجار بهما، فلما رآه أدناه وقرّبه وقال: لولا أنّ أمير المؤمنين أمرني ببرّه وإكرامه وعرفت براءته وسلامته ما شفّعتكما فيه، ثم أمره بالانصراف على بغله وجزاه الخير، وبعث إلى عليّ بن عبد الله بن عبّاس ليدخل فيما دخلوا فيه من البيعة ليزيد على حكمه، فرأى فسطاطا فسأل عن صاحبه فقيل فسطاط حصين بن نمير بن ناتل السكوني، فأتاه فاستجار به فأجاره بالخؤولة لأنّ أمّ عليّ بن عبد الله كنديّة، وحال بينه وبين رسل مسلم ومنعهم أهل حمص منه تعصّبا لحصين بن نمير وأحالوا عليهم بالسياط حتى تركوه، ثم أتى به الحصين مسلما فبايعه ليزيد على السمع والطاعة. وقال الهيثم بن عديّ: أتي مسلم بعليّ بن عبد الله فأراد تناوله فكلّمه فيه حصين وكان حاضرا. وقال عليّ بن عبد الله: أبي العبّاس قرم بني لؤيّ … وأخوالي الملوك بنو وليعه هم منعوا ذماري يوم جاءت … كتائب مسرف وبني اللكيعه أراد بي التي لا عزّ فيها … فحالت دونه أيد رفيعه هم ملكوا بني أسد وأدّا … وقيسا والعمائر من ربيعه وكندة معدن للملك قدما … يزين فعالهم عظم الدسيعه وقال الهيثم بن عديّ: وجّه رسول الله ﷺ أسامة بن زيد إلى بني غطفان فسبى مسلم بن عقبة المرّي فيمن سبى، فاشترت مسلما امرأة من الأنصار وأعتقته، فلما كان يوم الحرّة بعث الأنصار إلى مسلم احفظ بلاءنا عندك فقال: ما أحفظني ولكنّكم قتلتم عثمان. قالوا: ثم شخص مسلم بالجيش بعد أخذه البيعة على ما أراد وبعدإنهابه المدينة وتفتيشه النساء وهو يريد عبد الله بن الزبير بمكة كما أمره يزيد، وخلّف على المدينة روح بن زنباع الجذامي - فلما صار إلى المشلّل - ويقال عقبة هرشى - اعتلّ علّة شديدة وكانت به دبيلة أو علّة غيرها، فلما حضره الموت قال: أسندوني فأسندوه، فرفع يديه ثم قال: اللهمّ إنّك تعلم إنّي لم أغشّ خليفة قطّ في سرّ ولا علانية، وأنّ أزكى عمل عملته قطّ في نفسي بعد شهادة أنّ لا اله الاّ الله قتلي أهل الحرّة، ولئن دخلت النار بعد قتلهم إنّي لشقيّ، ثم قال لحصين بن نمير بن ناتل بن لبيد بن جعثنة السكوني: يا بن بردعة الحمار لولا عهد أمير المؤمنين اليّ في توليتك أمر هذا الجيش إن حدث بي حدث لوليّت حبيش بن دلجة، فإذا قدمت مكة فناجز عدوّك، وإيّاك أن تمكّن قريشا من أذنيك، فإنّهم قوم خدع، وإذا لقيت عدوّك فالوقاف ثم الثقاف ثم الانصراف، ثم أعلم الناس بأنّ واليهم الحصين. وقال المدائني عن عوانة ويزيد بن عياض قالا: قال مسلم لحصين: إنّ أمير المؤمنين أمرني أن أولّيك أمر هذا الجيش وأكره خلافه عند الموت، ولولا ذلك كان الوالي حبيش بن دلجة فإنّه أولى بذلك منك؛ ثم مات فدفن على ظهر المشلّل، وسار حصين بالجيش إلى مكة. المدائني عن ابن جعدبة: أنّ يزيد أصحب مسلم بن عقبة طبيبا فقال للطبيب: إليك عنّي إنّما كنت أحبّ أن أبقى حتى أشتفي من قتلة عثمان، وقد أدركت ما أردت، فما شيء أحبّ إليّ من أن أموت على طهارتي قبل أن أحدث حدثا فإنّ الله قد طهّرني بقتل هؤلاء الأرجاس. قالوا: وأقبلت أمّ ولد ليزيد بن عبد الله بن زمعة وكانت بخاريّة في غلمة لها، فلما انتهت إلى قبر مسلم قالت بالفارسيّة: يا مسرف خرّبتالبيوت وأحرقت القلوب، ثم نبشته وصلبته على نخلة - ويقال على جذع - ثم أحرقته. ويقال: إنّ امرأة من قريش قتل ابنين لها نبشته وأحرقته، والأوّل اثبت. ويقال إنّ مسلم بن عقبة قال للحصين: احفظ عنّي ما أقول لك، لا تطلبنّ المقام بمكة فإنّها أرض محتدمة الحرّ لا تصلح الدواب بها، ولا تمنع أهل الشام الحملة، ولا تمكّن قريشا من أذنيك فإنّهم قوم خدع، وعليك بالوقاف ثم الثقاف ثم الانصراف، ولئن دخلت النار بعد قتلي أهل الحرّة إنّي لشقيّ. وقال الواقدي: كانت وقعة الحرّة يوم الجمعة لثلاث بقين من ذي الحجّة سنة ثلاث وستّين، وكان مسير مسلم من المدينة للنصف من المحرّم سنة أربع وستّين، ومات لسبع بقين من المحرّم سنة أربع وستّين، وقال غيره: كان يوم الحرّة يوم الأربعاء.
Parsing and provenance details
Local passage ID
253660
Book record
shamela-9773
Source record
336484
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
low
Entry type
Uncertain
Passage 253660 — shamela-9773 · Hadith Research Library