page 2059, entry [381]Open original source
أمر عمرو بن الزبير بن العوام ومقتله: قال الواقدي في روايته: لما قدمت رسل يزيد عليه وليس ابن الزبير معهم وأعلموه ما يقول، كتب إلى عمرو بن سعيد الأشدق يأمره أن يوجّه إلى عبد الله بن الزبير جيشا من أهل العطاء والديوان لمحاربته ويولّي أمرهم رجلا حازما مناصحا، وكان عمرو بن الزبير - وأمه أمة بنت خالد بنسعيد بن العاص - على شرطة عمرو بن سعيد الأشدق، فسأله توجيهه على ذلك الجيش، وكان مباينا لأخيه عبد الله بن الزبير يظهر عيبه ويكثر الطعن عليه، وكان عمرو عظيم الكبر شديد العجب ظلوما وقد أساء السيرة وعسف الناس، وأخذ من عرفه بموالاة عبد الله والميل إليه فضربهم بالسياط، وله يقال: عمرو لا يكلّم، من يكلّمه يندم، فكان ممّن ضرب: المنذر بن الزبير، ومحمد بن المنذر، وعثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام، وخبيب بن عبد الله بن الزبير، ومحمد بن عمّار بن ياسر، وطلب قوما من قريش يرون رأي أخيه فاستخفوا ثم لحقوا بمكة فأتى رافع بن خديج الأنصاري عمرا الأشدق فقال له: اتّق الله ولا تغز الجيوش مكة فإنّ الله حرّمها، فلم تحلّ لنبيّه إلاّ ساعة من نهار ثم عادت حرمتها، فقال: وما أنت وهذا؟ لقريش علم لا تبلغه أنت ولا أصحابك، فانصرف رافع. وقال أبو مخنف في روايته: صار عمرو بن سعيد الأشدق إلى المدينة فجهّز جيشا يريد به ابن الزبير بمكة، فقال عمرو بن الزبير لعمرو بن سعيد: أمّرني على هذا الجيش فأنا أكفيك أخي، فقد تعرف الذي بيني وبينه لاستخفافه بحقّي وقطيعته إيّاي، فولاه الجيش، وكان أكثر الجيش بدلاء من العطاء وجلّهم يهوون ابن الزبير عبد الله، فساروا حتى انتهوا الى مكة، فأخرج إليهم عبد الله بن الزبير رجالا من أهل الحجاز ذوي دين وفضل ورأي وثبات وبصائر، فلما التقوا لم ينشب جند عمرو بن الزبير أن تفرّقوا وأخذ عمرو بعد أن أجاره عبيدة (¬١) وآمنه، فلما أتي به عبد الله قال:من كانت له قبل عمرو بن الزبير مظلمة فليأخذها منه، فكان عبد الله يخرجه إلى الناس فيلطم ويوجأ ويضربه ضارب بعصا ويشجّه آخر بحجر اقتصاصا ثم يرد إلى السجن ثم يخرج فيفعل به بمثل ذلك، وضرب بالسياط اقتصاصا للذّين ضربهم إلاّ من عفا عنه، ثم إن رجلا من هذيل بن مدركة يقال له جنادة بن الأسود أتى عبد الله بن الزبير فقال: إنّ عمرا نطحني مرّة في وجهي نطحة لم ازل أصدّع منها حينا، فأذن له في الاقتصاص منه، فنطح جبينه نطحة خرّ منها مغشيا عليه، وكان عبد الله إذا ضربه بالسياط اقتصاصا لرجل، تركه أيّاما حتى يبرأ، ثم يضربه لآخر فيوجد صبورا، فكان ذلك قد نهكه وأضعفه، فلما نطحه الهذلي لم يمكث إلاّ ليلة حتى مات؛ فقال عبد الله بن الزّبير الأسدي في قصيدة قالها بعد حصار ابن الزبير الأوّل: فيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن … كبير بني العوّام إن قيل من تعني لعمري لقد أردى عبيدة جاره … بشنعاء غدر لا توارى على الدفن قتلتم أخاكم بالسياط سفاهة … فيا لك من رأي مضل ومن أفن فلو أنّكم أجهزتم إذ قتلتم … ولكن قتلتم بالسياط وبالسجن جعلتم لضرب الظهر منه عصيّكم … تراوحه والأصبحّية (¬١) للبطن وتخبر من لاقيت أنّك عائذ … وتكثر قتلى بين زمزم والركن وقال الواقدي في روايته: إنّ مروان بن الحكم أشار على عمرو بن سعيد ألاّ يغزي مكة جيشا وقال: إنّكم إن تركتم ابن الزبير كفيتم مؤنته بالموت فأبى، قال: وسار عمرو بن الزبير على جيش الأشدق وبين يديه لواءعقده له عمرو الأشدق، وخرج في أربعمائة من الجند وقوم من موالي بني اميّة وقوم من غير أهل الديوان، وتحلّب الناس على ابن الزبير من نواحي الطائف يعاونونه ويدفعون عن الحرم، وشخص المسور بن مخرمة من المدينة إلى مكة فسأل عنه عمرو بن سعيد فأخبر بشخوصه فقال: لا يزال حبّ الفتنة بالمسور حتى يرديه، فكان ابن الزبير يشاوره في أموره. وقدم أيضا على ابن الزبير مصعب بن عبد الرحمن بن عوف، وعبيد بن عمير، وعبد الله بن صفوان بن أميّة بن خلف الجمحي، وهو عبد الله الطويل، فأوصى الأشدق عمرو بن الزبير بالصبر على القتال وأن يتبع الهارب ويجهز على الجريح، ولا يرضى إلاّ بأسر عبد الله بن الزبير أو بنزوله على حكم يزيد ولبس الجامعة، فلما فصل عمرو من المدينة ندم وقال: قد فعلت بعبد الله وأصحابه ما لا يخرج من قلبه، ووافى مكة ومع ابن الزبير بشر كثير في عدّة وسلاح، فقدّم عبّاد بن عبد الله ابنه ثم تلاحق الناس وراسل عمرو أخاه في بيعة يزيد وقال له: وما عليك في قبول ما دعاك أمير المؤمنين إليه من لبس الجامعة والمصير إليه فيها ثم يصير إلى محبّتك؟ فقال: إنّي على طاعة يزيد وقد بايعت عامل مكة حين دخلها؛ وكان عسكر عمرو بن الزبير بذي طوى، وعليه أنيس بن عمرو الأسلمي - ويقال كان بالحجون إلاّ أنّهم انكشفوا فقتل من قتل بذي طوى - فقال عبد الله بن صفوان بن أميّة لعبد الله بن الزبير: إنّ هذا أعدى عدوّ لك فناجزه، قال: نعم، فنهد إليه في جماعة من موالي ابن الزبير وهو وأصحابه غارّون، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل أنيس بن عمرو الأسلميّ وأسر عمرو، وقد قال له أخوه عبيدة بن الزبير أنا أجيرك، فعندها وضع يدهفي أيديهم، فأتي به عبد الله بن الزبير وقد شجّ في وجهه والدم يقطر على قدميه، فقال عمرو متمّثلا: لسنا على الأعقاب تدمى كلومنا … ولكن على أقدامنا تقطر الدّما فوبّخه فقال: أي عدوّ الله استخففت بحرم الله، وأمر به إلى الحبس، فقال عبيدة بن الزبير: إنّي قد أجرته، فقال عبد الله: إنّ للناس عليه حقوقا ولا بدّ من أن أقصّهم، فضربه عبد الله بكلّ سوط ضربه أحدا بالمدينة سوطا وأقصّ منه كلّ من لطمه وتناوله حتى سقط ميّتا؛ وقيل انّ عمرو بن الزبير لم يزل محبوسا حتى بويع ابن الزبير وأقاد منه حتى مات؛ وإنّ فلّ عمرو قدموا المدينة فضربهم الأشدق فلامه يزيد على ذلك. وقال الواقدي في رواية أخرى: لما قتل أنيس في المعركة وانفضّ عن عمرو جلّ من معه وجّه إليه عبد الله بن الزبير مصعب بن عبد الرحمن بن عوف فأسره، فجاءه عبيدة فقال: أنا أجيرك يا عمرو، فلما أخبر أخاه بإجارته إياه قال: لا بدّ من أن يقتصّ الناس منه، وأمر به فحبس ومعه غلام لمحمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي - ويقال إنّه مولى لبني زهرة واسمه زيد ولقبه عارم، ويقال هو غلام مصعب بن عبد الرحمن بن عوف. وقال أبو الحسن المدائني: أسر زيد - عارم - غلام مصعب بن عبد الرحمن بن عوف فبني له بناء في ذراعين وأقيم فيه، وكان ذلك البناء في السجن فقيل سجن عارم، وصيّر عارم وعدّة معه في بناء بني لهم ضيق وأطبق عليهم حتى ماتوا؛ قال كثيّر يذكر ابن الحنفيّة ويهجو عبد الله.تخبّر من لاقيت أنّك عائذ … بل العائذ المحبوس في سجن عارم فما ورق الدنيا بباق لأهلها … ولا شدّة البلوى بضربة لازم (¬١) وكان ابن الزبير يخطب فيقول: والله لا أريد إلاّ الإصلاح وإقامة الحقّ، ولا ألتمس جمع مال ولا ادّخاره، وإنّما بطني شبر أو أقلّ، يكفيني ما ملأه؛ فلما قتل عمرا أخاه قال الضحّاك بن فيروز بن الديلمي من أحرار اليمن: تقول لنا أن سوف تكفيك قبضة … وبطنك شبر أو أقلّ من الشبر وأنت إذا ما نلت شيئا قضمته … كما قضمت نار الغضا حطب السدر لكم سنّة الفاروق لا شيء غيرها … وسنّة صدّيق النّبيّ أبي بكر فلو ما اتّقيت الله لا شيء غيره … إذا عطفتك العاطفات على عمرو ويروى: فلو كنت تجزي أو تثيب بنعمة … قريبا لردّتك العطوف على عمرو وقال أبو حرّة مولى بني مخزوم: ما زال في سورة الأعراف يقرأها … حتّى فؤادي مثل الخزّ في اللين لو كان بطنك شبرا قد شبعت وقد … أفضلت فضلا كثيرا للمساكين فإن تصب من الأيّام جائحة … لا نبك منك على دنيا ولا دين وقال المدائني: لما تفرّق أصحاب عمرو عنه قال بعض الشعراء: كرهت كتيبة الجمحيّ لمّا … رأيت الموت سال به كداء فقلت أبا أميّة سوف تلقى … شهيدا أو يكون لك العناء يعني ابن صفوان.وقال الهيثم بن عديّ: كان عمرو بن الزبير مائلا إلى أخواله من ولد العاصي، فوجّهه الأشدق إلى مكة لقتال أخيه، فوجّه عبد الله عبد الله بن صفوان بن أميّة الجمحي فقاتله فهزمه وأسره. فلما رآه عبد الله قال: ويحك ما صنعت؟ أمّا حقّي فقد تركته للأخوّة ولا بد من الأخذ بمظالم الناس، فحبسه أشهرا يقفه كلّ يوم فيأتي الرجل فيقول: لكزني فيلكزه، ويقول الآخر: لطمني فيلطمه، ويقول الآخر: نتف لحيتي فيقول: انتف لحيته، حتى قدم سهيل بن عبد الرحمن بن عوف فقال: جلدني مائة ولم أجن ذنبا، فأمر به فجّرد وقال: اضربه مائة، فضربه مائة سوط فنغل ظهره حتى مات، فأمر به عبد الله فصلب، فكان ذلك أوّل ما نقمه الناس عليه. وحدثني العمري عن الهيثم بن عديّ عن عبد الله بن عيّاش الهمداني قال، حدثني محمد بن المنتشر قال: حضرت مكة أيّام ابن الزبير فما رأيت أحدا قطّ أبخل منه ولا أشدّ أفنا، أتته الخوارج فضلّلهم وعاب قولهم في عثمان حتى فارقه نافع بن الأزرق الحنفي وبنو ماحوز بن بحدج، فانصرفوا عنه وغلبوا على اليمامة ونواحيها الى حضرموت وعامّة أرض اليمن، وأظهر سوء الرأي في بني هاشم، وترك ذكر النبي ﷺ من أجلهم، وقال: إنّ له أهيل سوء فإن ذكر مدّوا أعناقهم لذكره، وحبس ابن الحنفّية في الشعب حتى شخص من أهل الكوفة من شخص وعليهم أبو عبد الله الجدلي، فلم يقدر له على مضرّة، ففارقته الشيعة بهذا السبب وأكفرته، وكان المختار معه فلما رأى تفّننه وتخليطه تركه وانصرف إلى الكوفة، وقال له الحصين بن نمير: صر معي إلى الشام أبايعك والناس فأبى، وجعل حصين يكلّمه سرا وذلك حين ورد عليهم موت يزيد وهو يرفع صوته فقال له: ما عرفك من زعم أنّكداهية، أكلّمك سرا وترفع صوتك، وزعم أنّه عائذ بالبيت، دعا الناس إلى بيعته فبايعه من بايعه. وقال الهيثم بن عدي: وجاءه قوم من الأعراب لينصروه فقال: إنّ سلاحكم لرثّ وإنّ حديثكم لغثّ، وإنّكم لأعداء في الخصب، عيال في الجدب. وأتاه أعرابيّ فقال له: افرض لي قال: أثبتوه فأثبتوه قال: أعطني، قال: قاتل أوّلا فقال: بأست هذا، دمي نقد ودرهمك نسيئة، هذا والله ما لا يكون. قال: وولّى الحارث بن الحصين بن الحارث بن قيس الجعفي وادي القرى وبها تمر كثير من تمر الصدقة، ففرّقه فيمن معه، وكان كتب إليه أن يحتفظ به، فلما قدم عليه جعل يضربه بالدرّة ويقول: أكلت تمري وعصيت أمري. وقال أبو مخنف في روايته: رفع الوليد بن عتبة وناس معه على عمرو بن سعيد الأشدق وقالوا: لو شاء أن يأخذ ابن الزبير لأخذه، فسرّح يزيد عند ذلك الوليد واليا على الحجاز، وعزل عمرو بن سعيد، فشخص عمرو إلى الشام، فعاتبه يزيد فقال: كنت أرفق به لآخذه ولو كان معي جند لناهضته، على أنّي قد اجتهدت، فقال يزيد: اشدّ ما أنكرت عليك أنّك لم تكتب إليّ تسألني أن أمدك بأهل الشام إذا لم يكن فيمن أنهضت معك إلى ابن الزبير كفاية غير أولي عدد وعدّة. قالوا: ولما قتل الحسين ثار نجدة بن عامر باليمامة فحجّ فيمن حجّ، وكان الوليد بن عتبة يفيض من عرفة ويفيض معه عامّة الناس، وابن الزبير واقف بأصحابه، ونجدة واقف بأصحابه، ثم يفيض كلّ امرئ منهم بأصحابه على حدته.قالوا: وكتب ابن الزبير إلى يزيد عن أهل مكة: إنّك بعثت إلينا رجلا أخرق لا يتّجه لأمر رشد ولا يرعوي لعظة الحليم، فلو بعثت إلينا رجلا سهل الخليفة ليّن الكنف لرجونا أن يسهل من هذه الأمور ما استوعر، وأن يجمع منها ما تفرّق، فانظر في ذلك، فإنّ فيه صلاح خواصّنا و عّوامنا. فلما ورد الكتاب عليه عزل الوليد وولّى عثمان بن محمد بن أبي سفيان، فقدم عليهم فتى حدث لم تحنكه الأمور ولم تحكمه التجارب ولم تجرّسه (¬١) الأيّام. وقال المدائني: قدم عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب على يزيد فقال له: قد لججت في أمر ابن عمّك، فلو أعطيته شيئا يطمئنّ إليه، فقال له: قد ولّيتك مكة فاعمل في أمره بما يطمئنّ به، فمال الى ابن الزبير ميلا شديدا وقال له: أنت أحبّ إليّ من اولاد الطلقاء، فعزله يزيد وولّى عبد الله بن معين (¬٢) بن عبد الأسد المخزومي. قال: وقدم مروان على ابن الزبير فقال له: إنّ القوم لا يدعون سلطانهم حتى يذبّوا عنه، وخوّفه أهل الشام، فلم يجبه إلى شيء ممّا أشار به عليه. وقال الهيثم: تحّصن سعد مولى عتبة بن أبي سفيان بالطائف في خمسين رجلا فاستنزلهم ابن الزبير وضرب أعناقهم في الحرم، فقال ابن عمر: يا سبحان الله ما أحمق هذا الرجل، أما أنّه لم يقتل أحد أحدا بالحرم إلاّ قتل به؛ وقال ابن عبّاس: لو لقيت قاتل أبي بالحرم ما قتلته.