page 2051, entry [380]Open original source
أمر عبد الله بن الزبير بعد مقتل الحسين: قالوا: لما قتل الحسين ﵇ قام عبد الله بن الزبير في أهل مكة خطيبا فعظّم مقتله، وعاب أهل الكوفة خاصّة، وذمّ أهل العراق عامّة، وقال: دعوا حسينا ليولّوه عليهم فلما أتاهم ساروا إليه فقالوا: أمّا أن تضع يدك في أيدينا فنبعث بك إلى ابن زياد بن سميّة فيمضي فيك حكمه، وإمّا أن تحارب، فرأى أنّه وأصحابه قليل في كثير، فاختاروا المنيّة الكريمة على الحياة الذميمة، فرحم الله حسينا ولعن قاتله، لعمري لقد كان في خذلانهم إياه وعصيانهم له واعظ وناه عنهم، ولكن ما حمّ نازل، والله لقد قتلوه طويلا بالليل قيامه، كثيرا في النهار صيامه، أحقّ بما هم فيه منهم، والله ما كان ممّن يتبدّل بالقرآن الغناء، ولا بالبكاء من خشية الله الحداء، ولا بالصيام شرب الحرام، ولا بالذكر كلاب الصيد - يعرّض بيزيد بن معاوية - وقد قتلوه ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (¬١) فثار إليه أصحابه فقالوا: أيّهاالرجل أظهر بيعتك فإنّه لم يبق أحد - إذ هلك الحسين - ينازعك في هذا الأمر، وقد كان ابن الزبير يبايع سرّا على الشورى ويظهر أنّه عائذ بالبيت، فقال لهم: لا تعجلوا، وعمرو بن سعيد الأشدق يومئذ على مكة، وكان شديدا عليه وعلى أصحابه وهو مع ذلك يداري ويرفق، فلما استقرّ عند يزيد بن معاوية ما قد جمع ابن الزبير بمكة وما قيل له في أمر البيعة وإظهارها أعطى الله عهدا ليؤتينّ به في سلسلة، فبعث بسلسلة من فضّة فمرّ بها البريد على الوليد بن عتبة ومروان بالمدينة فأخبرهما الرسول خبر ما قدم له وخبر السلسلة التي معه، فقال مروان: خذها فليست للعزيز مذلّة … وفيها مقال لامرئ متضعّف ويقال أنّ مروان بعث بهذا البيت اليه مع عبد العزيز بن مروان، والثبت: خذها فليست للعزيز مذلّة … وفيها مقال لامرئ متذلّل (¬١) ثم مضى البريد من عندهما حتى قدم على ابن الزبير وقد كان كتب إلى ابن الزبير بتمثلّ مروان بالبيت فقال: والله لا أكون أنا المتضعّف، وردّ ذلك البريد ردّا رفيقا. وعلا أمر ابن الزبير بمكة وكاتبه أهل المدينة. قال هشام ابن الكلبي فحدثني عوانة قال: أرسل يزيد إلى عبد الله بن الزبير إنّي قد جعلت عليّ نذرا أنّ يؤتى بك في سلسلة، قال: فلا أبرّ اللهقسمه ولا وفّق له الوفاء بنذره، فقال له أخوه عروة بن الزبير أو غيره: وما عليك أن تبّر قسم ابن عمّك؟ قال: قلبي إذا مثل قلبك، فقال أبو دهبل الجمحي وهو وهب بن وهب بن زمعة بن أسيد بن أحيحة بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح: لا يجعلنّك في قيد وسلسلة … كيما يقول أتانا وهو مغلول بين الحواريّ والصدّيق ذو نسب … صاف وسيف على الأعداء مسلول وأراد ابن الزبير ابن عبّاس على البيعة وقد بايعه الناس فامتنع عليه نحوا من سنة، ثم بايعه بعد، ويقال إنّه لم يبايعه حتى توفّي. وكان امتناع ابن عبّاس عن البيعة لابن الزبير قد بلغ يزيد فظنّ أنّ ذلك لتمسّكه ببيعته، فكتب يزيد إليه: أمّا بعد فقد بلغني أنّ الملحد ابن الزبير دعاك إلى نفسه وعرض عليك الدخول في طاعته لتكون له على الباطل ظهيرا وفي المأثم شريكا وأنّك امتنعت من طاعته واعتصت عليه في بيعته وفاء منك لنا وطاعة لله بتثبيت ما عرّفك من حقّنا، فجزاك الله من ذي رحم كأفضل جزاء الواصلين لأرحامهم الموفين بعهودهم، فما أنس من الأشياء لا أنس برّك وحسن مكافاتك وتعجيل صلتك، فانظر من قبلك ومن يطرأ إليك من الآفاق ممّن يسحره الملحد وزخرف قوله، فأعلمهم حسن رأيك في طاعتي وتمسّكك ببيعتي، فإنّهم لك أطوع ومنك أسمع منهم للمحلّ الحارب الملحد المارق والسّلام. فأجابه عبد الله بن عباس بجواب طويل يقول فيه: سألتني أن أحثّ الناس عليك وأثبطهم عن نصرة ابن الزبير وأخذّلهم عنه، فلا ولا كرامة ولا مسرة، تسألني نصرك وتحذوني على ودّك وقد قتلت حسينا، بفيكالكثكث (¬١)، وإنّك إذ تمنّيك نفسك لعازب الرأي، وإنّك لأنت المفنّد المثبور، أتحسبني لا أبالك نسيت قتلك حسينا وفتيان بني عبد المطلب مصابيح الدجى الذين غادرهم جنودك مصرّعين في صعيد واحد مرّملين بالدماء مسلوبين بالعراء غير مكفّنين ولا موسّدين تسفي عليهم الرياح وتعروهم الذئاب وتنتابهم عرج الضباع، حتّى أتاح الله لهم قوما لم يشركوك في دمائهم فكفّنوهم وأجنّوهم، ومهما أنس من الأشياء فلن أنسى تسليطك عليهم ابن مرجانة الدعيّ ابن الدعيّ للعاهرة الفاجرة البعيد منهم رحما، اللئيم أما وأبا، الذي اكتسب أبوك في ادّعائه إيّاه لنفسه العار والخزي والمذلّة في الدنيا والآخرة، فلا شيء أعجب من طلبك ودّي ونصري وقد قتلت بني أبي، وسيفك يقطر من دمي، وأنت أحد ثأري. وذكر كلاما بعد ذلك. وكتب يزيد إليه كتابا يأمره بالخروج إلى الوليد بن عتبة ومبايعته له وينسبه إلى قتل عثمان والممالأة عليه، فكتب ابنّ عبّاس إليه أيضا كتابا يقول فيه: إنّي كنت بمعزل عن عثمان، ولكنّ أباك تربّص به وأبطأ عنه بنصره وحبس من قبله عنه حين استصرخه واستغاث به، ثم بعث الرجال إليه معذّرا حين علم أنّهم لا يدركونه حتى يهلك. وقال الواقدي: عزل يزيد الوليد بن عتبة لأنّ مروان كتب يذكر ضعفه ووهنه وإدهانه، وولّى المدينة عمرو بن سعيد الأشدق، وولّى يحيى بن الحكم بن صفوان بن أميّة بن خلف الجمحي مكة - وقال هشام بنالكلبي: هو يحيى بن حكيم بن صفوان - ولاّه عمرو بن سعيد مكة وصار إلى المدينة. قال الواقدي: فأتاه ابن الزبير فبايعه ليزيد وقال: إني سامع مطيع، غير أنّ الوليد رجل أخرق، فكرهت جواره، ولقد خبرنا من معاوية ما لم نخبره من غيره، وإنّما أنا عائذ بالبيت من أمر لا آمنه. قال أبو مخنف وعوانة: عزل يزيد: الوليد بن عتبة، وجمع مكة والمدينة لعمرو بن سعيد، فحجّ بالناس وحجّ ابن الزبير بمن معه فلم يصلّ بصلاة عمرو ولا أفاض بإفاضته، ثم قدم المدينة فأغزى ابن الزبير منها جيشا بكتاب يزيد إليه في ذلك. وقال الواقدي: وجّه يزيد إلى ابن الزبير النعمان بن بشير الأنصاري، وهمّام بن قبيصة النميري، وقال لهما: ادعواه إلى البيعة لي وخذاها عليه وأمراه أن يبّر قسمي، فلما صارا إلى المدينة لقيهما عبد الله بن مطيع بن الأسود بن حارثة بن نضلة بن عبد العزّى بن حرثان بن عوف بن عبيد بن عويج بن عديّ بن كعب،- ويقال حارثة بن نضلة بن عوف بن عبيد، وهو أثبت - فقال: يا بن بشير أتدعو ابن الزبير إلى بيعة يزيد وهو احقّ بالخلافة منه؟ فقال له النعمان: مهلا فإنّ عواقب الفتن وبيلة وخيمة، ولا طاقة لأهل هذا البلد بأهل الشام. ثم أتيا مكة فأبلغا ابن الزبير عن يزيد السّلام، وسألاه أن يبايع له، فوقع في يزيد وذكره بالقبيح، وخلا بالنعمان فقال له: اسألك بالله أأنا أفضل عندك أم يزيد؟ قال: أنت، قال: فأيّنا أفضل أبا وأما، قال: أنت ولكنّي أحذّرك الفتنة إذ بايع الناس واجتمعوا عليه، وانصرف النعمان وهمّام - ويقال إنّ عبد الله بن عضاه كان مع النعمان، وبعثه بهمام أثبت - فأعلما يزيد ما كان من ابن الزبير فغضبواستشاط وأكّد يمينه في ترك قبول بيعته إلاّ وفي عنقه جامعة يقدم به فيها، فقال له عبد الله بن جعفر ومعاوية بن يزيد: يا أمير المؤمنين إنّ ابن الزبير رجل أبيّ لجوج فدعه على أمره ولا تهجه لما لا تحتاج إليه؛ فأوفد اليه الحصين بن نمير السكوني، ومسلم بن عقبة المرّي، وزفر بن الحارث الكلابي، وعبد الله بن عضاه الأشعري، وروح بن زنباع الجذامي، ومالك بن هبيرة السكوني، ومالك بن حمزة الهمداني، وأبا كبشة السكسكي، وزمل بن عمرو العذري، وعبد الله بن مسعدة الفزاري، وناتل بن قيس الجذامي، والضحّاك بن قيس، وأمرهم أن يعلموه أنّه إنّما بعث بهم احتجاجا عليه وإعذارا إليه، وأن يحذّروه الفتنة ويعرفوه ماله عنده من البّر والتكرمة إذا أبّر يمينه وأتاه في الجامعة التي بعث بها إليه معهم، وكان قد دفع إليهم جامعة من فضّة، فقال له ابن عضاه: يا أبا بكر قد كان من أثرك في أمر الخليفة المظلوم ونصرتك إيّاه يوم الدار ما لا يجّهل، وقد غضب أمير المؤمنين بما كان من إبائك ممّا قدم عليك فيه النعمان وهمّام، وحلف أن تأتيه في جامعة خفيفة لتحلّ يمينه، فالبس عليها برنسا فلا ترى، ثم أنت الأثير عند أمير المؤمنين الذي لا يخالف في ولاية ولا مال، وقال له القوم مثل ذلك، فقال: والله ما أنا بحامل نفسي على الذّلة ولا راض بالخسف، وما يحلّ لي أن أفعل ما تدعوني إليه، فليجعل يزيد يمينه هذه في أيمان قد حنث فيها؛ وقال أيّوب بن زهير بن أبي أميّة المخزومي: ليست يمين يزيد في ابن الزبير بأوّل يمين حنث فيها ووجب عليه تكفيرها ولا آخرها، ثم بسط ابن الزبير لسانه في يزيد بن معاوية وتنقّصه وقال: لقد بلغني أنّه يصبح سكران ويمسي كذلك، ثم تمثّل قول الشاعر:ولا ألين لغير الحقّ أسأله … حتى يلين لضرس الماضغ الحجر يا بن عضاه والله ما أصبحت أرهب الناس ولا الباس، وإنّي لعلى بيّنة من ربّي وبصيرة من ديني، فإن أقتل فهو خير لي، وإن مت حتف أنفي فالله يعلم إرادتي وكراهتي لأن يعمل في أرضه بالمعاصي، وأجاب الباقين بنحو من هذا القول. وقال الواقدي والهيثم بن عديّ في روايتهما: قال ابن الزبير لابن عضاه: إنّما أنا حمامة من حمام هذا المسجد، أفكنتم قاتلي حمامة من حمام المسجد؟! فقال ابن عضاه: يا غلام ائتني بقوسي وأسهمي، فأتاه بذلك، فأخذ سهما فوضعه في كبد القوس ثم سدّده لحمامة من حمام المسجد وقال: يا حمامة أيشرب يزيد الخمر؟ قولي نعم، فو الله لئن قلت لأقتلنّك، يا حمامة أتخلعين أمير المؤمنين يزيد وتفارقين الجماعة وتقيمين بالحرم ليستحلّ بك؟ قولي نعم، فو الله لئن قلت لأقتلنّك. فقال ابن الزبير: ويحك يا بن عضاه أو يتكّلم الطير؟ قال: لا ولكنّك أنت تتكّلم، وأنا أقسم بالله لتبايعنّ طائعا أو كارها أو لتقتلن، ولئن أمرنا بقتالك ثم دخلت الكعبة لنهدمنّها أو لنحرقنها عليك، أو كما قال، فقال ابن الزبير: أو تحلّ الحرم والبيت؟ قال: إنّما يحلّه من ألحد فيه. وقال لوط بن يحيى أبو مخنف: قدم الأشدق المدينة واليا عليها وحجّ في تلك السنة في جماعة من مواليه وهو خائف من ابن الزبير، وكان يزيد قد ولاّه الموسم، فأتاه ابن الزبير فسكن لذلك وأتى عمرو ابن عباس فشكا ابن الزبير فقال: عليكم بالرفق فإنّ له قرابة وحقا، ثم انصرف الأشدق إلى المدينة.وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا وهب بن جرير بن حازم عن أبيه عن محمد بن الزبير الحنظلي حدثني زريق مولى معاوية قال: لما هلك معاوية بعثني يزيد إلى الوليد بن عتبة، ولم يكن بسيرته بأس، وكتب إليه بموت معاوية وأن يبعث إلى هؤلاء الرهط فيأخذهم بالبيعة، قال: فقدمت المدينة ليلا فاستأذنت على الوليد، فلما قرأ كتاب يزيد بموت معاوية جزع جزعا شديدا وجعل يقوم ويرمي بنفسه على فراشه ثم بعث إلى مروان فجاءه وعليه قميص أبيض وملاءة مورّدة لبيسة، فنعى إليه معاوية وأعلمه أنّ يزيد بعث إليه بأخذ البيعة على هؤلاء الرهط، فترحّم مروان على معاوية ثم قال: ابعث إلى النفر الساعة فادعهم إلى البيعة، فإن بايعوا وإلا فاضرب أعناقهم، فقال الوليد: يا سبحان الله أقتل الحسين وعبد الله بن الزبير؟! قال: هو ما قلت لك، فبعث إلى الحسين وابن الزبير وابن عمر وابن مطيع، فجاء الحسين أوّلهم وعليه قميص قوهّي وإزار مصبوغ بزعفران، وهو مطلق إزاره، فسلم ثم جلس، ثم جاء عبد الله بن الزبير في ثوبين غليظين مشمّرا إلى نصف ساقه فسلّم وجلس، ثم جاء عبد الله بن مطيع فإذا رجل ثائر الشعر أحمر العينين فسلّم ثم جلس، فحمد الوليد الله وأثنى عليه، ثم نعى معاوية ودعاهم إلى بيعة يزيد، فبدر ابن الزبير بالكلام وكأنّه خاف أن يهنوا، ثم ترحمّ على معاوية ودعا له، ثم ذكر الوليد فجزّاه خيرا فقال: وليتنا فأحسنت ولايتنا ووصلت أرحامنا، وقد علمت الذي كان منّا في بيعة يزيد، وأنّه قد احتمل ذلك علينا، ومتى بايعنا والباب مغلق علينا تخوّفنا أن لا يذهب ذلك ما في قلبه، فإن رأيت أن تصل أرحامنا وتحسن فيما بيننا وبينك فتخلّي سبيلنا ثم تأمر فينادى الصلاة جامعة وتصعد المنبر فنأتي فنبايععلى رؤوس الناس طائعين غير مكرهين، قال: وجعل مروان كلّما نظر إلى الوليد أشار إليه أن اضرب أعناقهم، قال: فخلّى الوليد عنهم، فخرجوا فقال مروان: والله لا يصبح وبها منهم أحد، فلما أتى كلّ واحد منهم منزله دعا براحلته ثم رمى بها الطريق إلى مكة وأصبح الوليد فلم يجد منهم أحدا. وحدثنا أحمد بن إبراهيم، وأبو خيثمة قالا: حدثنا وهب بن جرير عن ابن جعدبة عن صالح بن كيسان قال: مات معاوية والوليد أمير على مكة والمدينة، وكان على مكة من قبله لأمّه عبد الرحمن بن نبيه، فكتب إليه يزيد يأمره أن يأخذ بيعة حسين بن عليّ وعبد الله بن الزبير، فاستضعفه في ذلك فعزله، وامّر عمرو بن سعيد الأشدق على المدينة ومكة، وأمره أن يبعث إليه بابن الزبير في جامعة ولا يؤخّره، وبعث في ذلك النعمان بن بشير، وابن مسعدة الغفاري، وابن عضاه الأشعري، وبعث معهم بجامعة من فضة لتبرّ يمينه، فلما قدموا قال قائل وهو يسمع ابن الزبير ذلك: خذها فليست للعزيز بسبّة … فيها مقال لامرئ متذلّل فأبى أن يخرج معهم وقال: قولوا ليزيد يجعل يمينه هذه من أيمانه التي يجب عليه أن يكّفرها.