Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

Passage 253652

البلاذري - أنساب الأشراف - ط الفكر · page 1940, entry [374]

أنساب الأشراف - ط الفكر — البلاذري

page 1940, entry [374]Open original source
أمر زياد بعد الدعوة: قالوا: وولّى معاوية زيادا البصرة، فلمّا قدمها كان بينه وبين أقوام عداوة صعد المنبر فقال: الحمد لله الذي رفع منّي ما وضع الناس، وعظّم ما صغّروا، ألا وإنّه قد كان بيني وبين أقوام منكم أشياء قد جعلتها دبر أذني وتحت قدمي، ألا إنّ القدرة تذهب الحفيظة، ألا وإني لو اطّلعت على بعضكم وقد ورّاه بغضي لما هتكت له سترا ولا كشفت له قناعا حتّى يبدي صفحته، فإذا فعل لم أناظره، فأعينوني على أنفسكم يرحمكم الله، ألا وربّ مغتبط بقدومنا سييأس ممّا قبلنا، وآيس ممّا قبلنا سيغتبط بنا، ثم نزل، فلمّا كان الغد من يومه دعا رجلا من الشرط فقال له: انطلق إلى سنان بن مشنوء المزني فادعه، فانطلق إليه فوجده متصبّحا (¬١)، فرجع إلى زياد فأعلمه، فقال: انطلق إلى ابن أبي الحرّ فادعه فإنّك ستجده متحزّما، وكان بينهما شيء، فانطلق فوجده في داره متحزّما، بين يديه رواحل تعلف، فقال: أجب الأمير، فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون ما لي وللأمير، ثمّ ذكر قوله على المنبر فانطلق مع الرسول، فاستعمله على دستميسان (¬٢) فمكث عليها حينا. المدائني قال: جاء قوم من أهل ميسان أو دستميسان فقالوا: البصرة من أرضنا، فحطّ عنّا من خراجنا بقدر ما في أيدي العرب، فدعا بني الشعيراء، وكانوا أشعب أهل البصرة فأخبرهم بقولهم، فشتموهم وضربوهم حتّى تركوا خصومتهم وهربوا.قالوا: وسمع زياد حين قدم البصرة تكبيرا في بعض الليالي، فقال: ما هذا؟ قيل هذه دار عبيد بن عمير تحرس لأنّ الناس من البيات والسّرق في أمر عظيم، وإن المرأة لتستغيث فما يغيثها أحد، فقال زياد: ما كلّ الناس يقدر على ما يقدر عليه عبيد، ما قدومي ها هنا إلا باطل، فلمّا أصبح جمع الناس فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها الناس أنّه بلغني ما لا صبر عليه، إني قد أجّلتكم في أن يبلغ شاهدكم غائبكم ثلاثا، إنّا إن وجدنا أحدا بعد صلاة العتمة ضربنا عنقه، ثمّ نزل. وجعلوا يتحدثون بقوله فيهزأوون، فلمّا مضى الأجل دعا عبّاد بن الحصين الحبطي، وكان قد ولاه شرطه، فأمره فطاف فلم يجد أحدا بعد العتمة الا ضرب عنقه، فأصبح في الرحبة خمسمائة رأس، وفعل ذلك ليالي متوالية، فجعل الناس إذا سلّم الإمام في العتمة نهض الرجل من خلفه مبادرا فرّبما ترك نعليه من العجلة، ثمّ نادى مناديه: برئت الذمّة من رجل أغلق بابه، ومن ذهب له شيء فأنا له ضامن، ففتح الناس أبوابهم لا يخافون سرقا. قال هشام بن الكلبي: وبعث زياد بقطيفة ديباج منسوجة بذهب فألقيت بالخريبة (¬١)، فمكثت ليالي وأياما ما يمسّها أحد، فبعث إليها بعد فأتي بها. قال: وقدم أعرابيّ ذات ليلة بغنم له يريد بيعها، فلمّا استوحش من الجبّانة دخل البيوت، فأخذه عبّاد بن الحصين فقال: ويحك أما علمت بنداءالأمير؟ قال: لا والله، فرحمه عبّاد. فلمّا أصبح دفعه إلى زياد فسأله عن قصّته فأخبره، فقال: لا أراك إلا صادقا ولكن أكره أن أكذب نفسي في وعدي ووعيدي، اضربوا عنقه. فقتل. قال هشام بن الكلبي: وأتي زياد بنباشين فأمر بهم فدفنوا أحياء، وأتي برجل غرّق زرعا فغرّقه في الماء، وأمر برجل أحرق دارا فأحرق بالنار. قالوا: ونبش قبر فقال زياد لنافع بن الحارث: اخرج فانظر قبرا دفن صاحبه اليوم فكن قريبا منه، فإنّك ستجد الذي نبش القبر ينبشه، ففعل، وجاء النبّاش على ما ظنّ زياد، فأخذه بعد أن رماه رمية أثخنته، فأمر زياد بدفنه في القبر. وقال ابن الكلبي: قدم زياد وهو يريد البصرة، فلمّا صار ببعض الطريق أتاه موت المغيرة بن شعبة بالكوفة، فخاف أن يستعمل ابن عامر على الكوفة وقال: إن وليها لم آمن أن يضرّنا جواره ويلجأ أهل خراجنا إليه، فكتب إلى معاوية: كتبت إليك وقد مات المغيرة وترك بحمد الله ونعمته من عروة بن المغيرة خلفا صالحا عفيفا أمينا مسلما طيّبا، وأرى أن يولّيه أمير المؤمنين عمل والده فيصطنعه ويرعى حقّ والده فيه، فإنّي أرجو أن يعرف في ذلك الخيرة إن شاء الله، فلمّا قرأ معاوية الكتاب ضحك وعرف ما أراد، فكتب إليه: ليفرخ روعك يا أبا المغيرة، لست بمولّ عبد الله بن عامر؛ وبعث إليه بعهده على الكوفة، فجمع له المصرين وأعمالهما، فكان أوّل من ضمّا إليه. وقال ابن الكلبي: قدم زياد الكوفة حين أتته ولايتها وهو بالبصرة، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: إنّ هذا الأمر أتاني وأنا بالبصرة، فأردت أنآتيكم في ألف من الشرط ثمّ نظرت فوجدتكم أهل حق، ووجدت حقكم طال ما دمغ الباطل، فجئتكم في أهل بيتي، فالحمد لله الذي رفع منّي ما وضع الناس وحفظ ما ضيعوا. المدائني أنّ جماعة قال بعضهم لبعض: أزياد أفضل أم عبيد الله؟ فقال: شيخ منهم: إنّ لم يولّد لعبيد الله ابن مثله فزياد أفضل من عبيد الله. وحدثني الحسين بن عليّ بن الأسود العجلي حدثنا أبو بكر بن عيّاش حدثنا أبو حصين قال: لمّا استعمل معاوية زيادا، حين هلك المغيرة، على الكوفة جاء حتى دخل المسجد فصلّى ركعتين ثمّ خطب فقال: الحمد لله الذي رفع مني ما وضع الناس وحفظ منّي ما ضيّعوا، أيها الناس إنّا قد سسنا وساسنا السائسون، فوجدنا هذا الأمر لا يصلح إلا بالشدة في غير عنف، واللين في غير ضعف، ألا فلا أفتحنّ بابا فتغلقوه، ولا أغلق بابا فتفتحوه، ولا أعقد عقدة فتحلّوها، ولا أحلّها فتعقدوها، ألا وإني لا أعدكم خيرا ولا شرا إلا وفيت به، فمتى وجدتم علي خلفا أو كذبا فلا طاعة لي عليكم، وأيّ رجل مكتبه بعيد فأجله سنتان ثمّ هو أمير نفسه، وأيّ رجل مكتبه قريب فأجله سنة ثمّ هو أمير نفسه، وأيّ عقال ذهب فيما بين مقامي هذا وخراسان فأنا له ضامن؛ إنّا لكم قادة وعنكم ذادة، ومهما قصّرت فيه فلن أقصّر في ثلاث: لن أحبس لكم عطاء، ولا أحرمكم رزقا، ولا أجمّر لكم جيشا، فاستوجبوا عدلنا بطاعتكم إيانا، وسخاءنا بسخاء أنفسكم لنا، وأدعوا الله لأئمّتكم بالعافية فإنّهم حصنكم الذي تستجنّون (¬١) وكهفكم الذي إليه تلجأوون.المدائني قال: استأذن عوف بن القعقاع على زياد، وكانت عنده أخته عمرة بنت القعقاع، فأغلظ له الحاجب فضربه بقضيب كان معه فأدماه، فدخل على زياد فقال: من ضربك؟ فقال: رجل بالباب لا أعرفه، فقال زياد للاحنف: أقدم عوف؟ قال: نعم، فهو صاحبه، أدخله، فلمّا دخل قال له: يا عوف إنّ خدمي لا يستذلّون ولو كنت تقدّمت إليك لقطعت يدك. المدائني عن أبي هلال الراسبي قال: استعمل زياد أمير بن أحمر على سابور، فكتب إليه أن يقتل دهقانا هناك فلم يفعل، فاستعمل غيره فقتل الدهقان. المدائني عن مسلمة قال: استعمل زياد أميّة بن عبد الله بن خالد على الآبلّة، واستعمل مسروق بن الأجدع على السلسلة، فهنأه رجل فقال: وقاك الله خشية الفقر، وطول الأمل. العمري عن الهيثم بن عديّ عن ابن عيّاش قال: قال أميّة بن عبد الله بن خالد بن أسيد لأبيه: قد أردت التزويج وما عندك مال، وما أظنّني إلا سآتي زيادا فأخطب إليه، فقال: يا بني والله ما أحبّ أن تخلط سمنك بإهالته، قال: فرحل إليه فلقيه بالبصرة، فسأله عن سبب قدومه فقال له: قدمت إليك لتزوجني وتصلني، فقال: نعم ونعمة عين، فزوّجه آمنة بنت زياد، ثمّ قال لمهران مولاه وكاتبه على الخراج: اطلب له كورة ترتفع عن عمق السواد وتتنحّى عن حزونة الجبال وبردها، فقال: السوس، فولاه إيّاها، قال أميّة: فو الله ما كنت أفترش إلا الخزّ ولا أشرب إلا السكّر، ولقد عزلت عنها وما أظنّ أحدا من الخلق يلبس إلا الخزّ ولا يشرب إلا السكّر. ولمّا قدم على زياد أمربمحاسبته، فرآه أبوه فقال لزياد: أيّها الأمير أتحاسب أميّة؟ فقال: نعم يا أبا أميّة، إنّا نريد أن نصلح له حسابه خوفا من التبعة عليه، قال: فنعم إذا. وقال المدائني، قال زياد لأميّة: انّك تحب النعمة، وبالسوس خزّ وسكّر، فولاه إيّاها فأصاب خمسمائة ألف درهم، فأخذ منه زياد نصفها وسوّغه النصف. المدائني قال: أرسل زياد إلى قوم كانوا يصيبون الطريق فيهم مالك بن الريب فضمّن كلّ رجل منهم ما يليه، فقال الشاعر يذكر مالكا وأصحابه: الله نجّانا من القصيم … ومن أبي حردبة الأثيم ومن غويث فاتح العكوم … ومالك وسيفه المسموم قالوا: وأراد زياد الحجّ، فأتاه أبو بكرة - وهو لا يكلّمه مذ ترك زياد الشهادة على المغيرة بن شعبة وعرّضه لأن حدّ - فدخل عليه، وأخذ ابنه فأجلسه في حجره ليخاطبه ويسمع أباه زيادا فقال: انّ أباك هذا أحمق قد فجر في الإسلام ثلاث فجرات: أولاهنّ كتمانه الشهادة على المغيرة، والله يعلم أنّه قد رأى ما رأينا، والثانية في انتفائه من عبيد وادعائه إلى أبي سفيان، وأقسم أنّ أبا سفيان لم ير سميّة قطّ، والثالثة أنّه يريد الحجّ وأمّ حبيبة زوج رسول الله ﷺ هناك، وإن اذنت الأخت لأخيها فأعظم بها مصيبة وخيانة لرسول الله ﷺ، وإن هي حجبته فاعظم بها عليه حجّة، فقال زياد: ما تدع النصح لأخيك على حال، وترك الحجّ في تلك السنة، وماتت أمّ حبيبة في سنة أربع وأربعين. حدّثني روح بن عبد المؤمن حدثني عمّي أبو هشام عن المبارك بن فضالة عن الحسن البصري قال: ذكر الحسن زيادا فقال: ما كان أجرأه علىالله، سمعته يقول لآخذنّ الجار بالجار، والله يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ (¬١) وكنت تراه فترى جمالا: يكسر عينيه ويثني عطفه معرضا عمّا خلق له، قتل حجرا وملأ الأرض شرّا. المدائني عن مسلمة بن محارب قال: قال زياد: يعجبني من الرجل إذا سيم خطّة ضيم أن يقول: «لا» بملء فيه، وإذا أتى مجلس قوم أن يعرف قدره فيجلس مجلسه، وإذا ركب دابّة أن يحملها على ما يريد ولا تحمله على ما تريد، وقلّ من رأيته هكذا إلا وجدته مبرّزا. قال: وقال زياد: جنّبوني عدوّين لا يقاتلان الشتاء وبطون الأودية. وكان يقول: لم يعجبني فتح أتى على غير تقدير. وقال زياد لعمّاله: استعملوا عمّال المعذرة ومن يزنّ بصلاح، وإيّاكم ومن يحترس منه. وكان بالبصرة حين قدمها زياد سبعمائة ماخور فهدمها، وركب إلى ماخور كان في بني قيس بن ثعلبة فتولّى هدمه، وكان لا يقبل شهادة بني قيس بن ثعلبة بالعشيّ ولا يعدي عليهم. وقال المدائني: أهدي لزياد حمار وحش فقال له فيل مولاه: قد بعث إلينا بهمار وهش، قال: اسكت قبحك الله فما أدري ما تقول، قال: أهدي إلينا أير - يعني عيرا - فقال: الأوّل أمثل. قال: ووفد زياد إلى معاوية وعنده عبد الله بن عبّاس رضي الله تعالى عنهما فنظر إليه، وسلّم عبد الله عليه فلم يردّ السّلام، فقال له: يا أبا المغيرةما هذه الهجرة؟ فقال: إنّه ليس بيننا بحمد الله هجرة، ولكنّه مجلس لا يقضى فيه إلا حقّ أمير المؤمنين وحده. قال: وكتب كاتب في ديوان زياد: ثلاثة دنان فقال: أخرجوا هذا الكاتب من ديوانكم وأصلحوها ثلاثة أدنّ. وكان زياد يقول: العجب من الخوارج أنّك تجدهم من أهل البيوتات والشرف وذوي الغناء وحملة القرآن وأهل الزهد، وما أشكل عليّ أمر نظرت فيه غير أمرهم، فمن كفّ عنّي يده ولسانه كففت عنه. قالوا: وكان زياد أوّل من أحدث ديوان خاتم وديوان زمام، وأولّ من عرّف العرفاء ونكّب المناكب (¬١) وحبس بالظنّة وأخذ الجار بالجار. وحدثني عمرو بن محمّد عن أبي نعيم عن يونس عن الحسن قال: تتبّع زياد شيعة عليّ بن أبي طالب يقتلهم، فقال الحسن: اللهمّ تفرّد بموته فإنّ القتل كفّارة. حدثني العمري عن الهيثم عن مجالد عن الشعبي أنّه قال: لم أسمع متكلّما قطّ يكثر ويطيل إلا تمنّيت أن يسكت مخافة أن يسيء، إلا زيادا فإنّه كان لا يزداد كلاما إلا ازداد إحسانا. قال: وكان حارثة بن بدر الغداني أليفا لزياد، فأتاه وبوجهه أثر، فقال: ما هذا؟ قال: ركبت برذوني الكميت فاعترم بي فسقطت، فقال: أما والله لو ركبت الأشهب لسلمت.وكان زياد يقول: المروءة اجتناب الريب وإصلاح المال وقيام الرجل بأمر أهله، فإنّه لا يستكمل النّبل من احتاج أهله إلى غيره. المدائني قال: قال زياد لعجلان حاجبه: كيف تأذن للناس؟ قال: أبدأ بأهل السابقة والقدم، ثمّ أدعو أهل الشرف، ثمّ ذوي الأسنان، قال: فقد ولّيتك حجابتي وعزلتك عن أربعة: المنادي بالصلاة، وطارق الليل فأمر جاء به، ورسول صاحب الثغر فإن أبطأ ساعة فسد بإبطائه عمل سنة، وصاحب الطعام إذا أدرك طعامه فإنّه إذا أعيد إسخان الطعام فسد. قالوا: وكان زياد يقول: ما أعلم شيئا بعد الإخلاص وأداء الفرائض أفضل من نصيحة الوالي رعيّته. قالوا: وكان زياد يقول: لأن يجاور أحدكم أسدا في أجمة خير له من أن يجاور تاجرا إذا شاء أن يسلفه أسلفه وكتب عليه صكّا. وقال هشام بن الكلبي عن عوانة: قدم زياد على معاوية في بعض وفاداته فقال له: ما بلغ من سياستك رعيّتك؟ قال: أقمتهم بعد جنف (¬١)، وكففتهم عمّا لا يعرف، فأذعن المعاند رغبة، وخضع الأصيد الغشوم رهبة، قال: لله أبوك، فبأي شيء صيّرتهم إلى ذلك؟ قال: بالمرهفات القواضب يمضيها الحزم يتبعه العزم، فقال معاوية: أنا ابن هند، لكنّي ضبطت رعيتي بالحلم والحجى، وتودّدت ذوي الضغن بالبذل والإعطاء، واستملت العامّة بأداء الحقوق، وعقبت بين أهل الثغور فسلمت لي الصدور عفوا، وانقادت لي الأخشّة (¬٢) طوعا.المدائني عن مسلمة أنّ زيادا قال: اثنان يتعجّلان النصب ولعلّهما لا يظفران ببغية: الحريص في حرصه، ومعلّم البليد ما لا يبلغه فهمه. وقال مسلمة بن محارب، قال زياد: ما كذبت قطّ إلا مرّة واحدة، رأيت رجلا من بني تميم فقلت له اين تريد؟ قال: أريد عبد الرحمن بن زياد، وكان بالطفّ، فقلت: أرجع وإلا قطعت منك طابقا، وكان الرجل يشارب عبد الرحمن النبيذ، ثمّ رأيته بعد فقلت: أين تريد؟ قال: عبد الرحمن، فقلت: ألم أنهك عنه؟ فقال: أيّها الأمير لا صبر عنه، فقلت: إنّ رجلا طابت نفسه بقطع طابق منه بمحبّة عبد الرحمن لأهل لأن لا يؤذى، أمض إليه. وقال أبو اليقظان: كان زياد يكسر عينه فقال الفرزدق. وقبلك ما أعييت كاسر عينه … زيادا فلم تقدر عليّ حبائله المدائني عن مسلمة بن محارب وابن الكلبي عن عوانة قال: أشرف زياد على بلج بن نشبة السعديّ وهو بباب داره، وكان خليفة لصاحب حرسه، وهو صاحب حمّام بلج، فقال: ومحترس من مثله وهو حارس المدائني قال: اختصم بنو راسب والطفاوة في رجل وأقاموا جميعا البيّنة عند زياد، فقال سعد الرابية: أصلح الله الأمير، يؤتى به النهر فيلقى فيه فإن كان من راسب رسب، وإن كان من الطفاوة طفا، فضحك زياد وقال: لا تعد لمزاح في مجلسي. المدائني عن مسلمة وغيره أنّ زيادا قال على المنبر: إنّ الرجل ليتكلّم بالكلمة لا يقطع بها ذنب عنز مصور (¬١) لو بلغت إمامه سفكت دمه.المدائني قال: كان زياد يقول من قدر فلا يمنعنّ حسن الاستماع. حدثني عبد الله بن صالح حدثني بعض أصحابنا أنّ رجلا قدّم إلى زياد صديقا له في منازعة كانت بينهما، فقال: أصلح الله الأمير إنّه يدّعي أنّ بينك وبينه مودّة، فقال: صدق وأنا ناظر فيما بينكما، فإن ثبت لك عليه حقّ أدّيناه عنه، وإن ثبت له عليك شيء أخذناك به له أخذا عنيفا. المدائني عن مسلمة، قال: شخص زياد إلى معاوية ومعه الأحنف وعدّة من وجوه أهل البصرة، فقال زياد: يا أمير المؤمنين أشخص أقواما إليك الرّغبة، وأقعد آخرين العذر، ولكلّ من سعة رأيك وفضلك ما تجبر المتخلّف، ويكافأ به الشاخص، فقال الأحنف: ما نعدم منك يا أمير المؤمنين نائلا جزيلا وبلاء جميلا ووعدا ناجزا، وزياد عاملك المستنّ بسنّتك المحتذي لمثالك، ونستمتع الله بك، فما نقول الا كما قال زهير، فإنّه ألقى عن المادحين فضل الكلام حين قال: وما يك من خير أتوه فإنّما … توارثه آباء آبائهم قبل (¬١) فحباهم معاوية وبعث معهم إلى من تخلّف من الوجوه بصلات. حدثني الحررمازي عن جهم بن حسّان السليطي وغيره قالوا: كتب زياد كتابا قرئ على أهل المصر نسخته: أمّا بعد، فالحمد لله على إفضاله وإحسانه، وإيّاه أسأل المزيد في نعمائه، وإليه أرغب في زيادتنا شكرا كما زادنا إحسانا، ثمّ إنّ الجهالة الجهلاء والضلالة العمياء والغيّ المورد أهله النار ما يأتيه سفهاؤكم ويشتمل عليه حلماؤكم، من الأمور العظام التي ينبت عليهاالصغير ولا ينحاش لها الكبير، كأن لم تسمعوا بنبيّ الله، ولم تقرأوا كتاب الله، ولم تعرفوا ما أعدّ الله من الثواب الكريم لأهل طاعته، والعذاب. الأليم لأهل معصيته، في الدار التي لا تزول شدّتها ورخاؤها، أترضون أن تكونوا كمن طرفت عينه الدنيا وسدّت مسامعه الشهوات، فاختار الفانية على الباقية؟ قد أحدثتم هذه المواخير وسلبتم الضعيف في النهار المبصر والليل المظلم، أما منكم نهاة تمنع الغواة من الغارة في النهار والسرق في الليل؟ تعتذرون بغير عذر، وتسحبون ذيولكم على الغدر، كلّ امرئ منكم يذبّ عن سفيهه، صنيع من لا يخاف عاقبة ولا يرجو معادا، فلم يزل بسفهائكم ما ترون من قيام حلمائكم دونهم، وذبّهم عنهم، وسترهم عليهم، حتّى انتهكوا حرمة الإسلام، وكنسوا في مكانس الريب، حرم عليّ الطعام والشراب حتّى أسوّيها هدما وإحراقا، وتقطيعا ببطون السياط ظهور الغاوين، وإني أقسم بالله لآخذن الوليّ بالولي، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والصحيح في نفسه بالسقيم النطف، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: أنج سعد فقد هلك سعيد، أو لتستقيمنّ قناتكم. إنّ كذبة المنبر مشهورة، فإذا تعلّقتم عليّ بكذبة في وعد أو وعيد حلّت لكم معصيتي؛ من ذهب له منكم شيء فأنا ضامن له، وإيّاي ودلج الليل فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه، وقد أجّلتكم في ذلك قدر ما يأتي الخبر الكوفة ثمّ يرجع إليكم، وإيّاي ودعوى الجاهليّة فإنّي لا أجد أحدا دعا دعوتها واعتزى عزوتها إلا قطعت لسانه، وقد أحدثتم أحداثا لم تكن، وأحدثنا لكلّ ذنب عقوبة، فمن غرّق قوما غرّقناه، ومن حرق على قوم حرقناه ومن نقب على بيت نقبت عن قلبه، ومن نبش قبرا دفنته فيه حيّا، فكفّوا أيديكم أكفّ يدي عنكم، ولا يظهر أحدمنكم خلاف ما عليه عامتكم إلا ضربت عنقه، وقد كانت بيني وبين قوم منكم إحن جعلتها دبر أذني وتحت قدمي، فمن كان منكم محسنا فليزدد إحسانا، ومن كان مسيئا فلينزع عن إساءته، ولو علمت أنّ رجلا قد قتله السلّ من بغضي لم أكشف له قناعا ولم أهتك له سترا حتّى يبدي لي صفحته ويبادي بمعصيته، فإذا فعل ذلك لم أناظره فاستأنفوا أموركم وأعينوا على انفسكم، أيّها الناس إنّا أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بالفيء الذي خوّلنا. قالوا: وكتب زياد إلى معاوية: اني قد ضبطت العراق بشمالي ويميني فارغة، فولّني الحجاز والعروض أكفك هذا الحيّ من قريش، فبلغ ذلك ابن عمر فقال: اللهمّ اشغله، فما مكث إلا أياما حتّى طعن في إصبعه، فلمّا مات وبلغ ابن عمر موته قال: يا بن سميّة لا في الدنيا بقيت ولا الآخرة أدركت. المدائني عن مسلمة أنّ زيادا قال: لو أنّ لي ألف ألف دينار ولي بعير جرب لقمت عليه قياما يقول من رآه إنيّ لا أملك معه غيره، ولو أنّ لي عشرة دراهم لا أملك غيرها ثمّ لزمني حقّ وضعتها فيه. المدائني عن مسلمة قال: شكا الناس إلى زياد نقصان المكاييل التي يرزقون بها، فدسّ من اتّبع خدمهم الذين يتولّون قبض أرزاقهم لهم، فوجدهم يشترون من أرزاقهم الطير وما يلعب به والحلواء، فخطب الناس فقال: انّكم تحملون علينا ذنب أنفسكم في أرزاقكم، يبعث أحدكم خادمه لقبض رزقه، فيشتري من رزقه ما اشتهى فتعهدوا أرزاقكم وتولّوا قبضها بأنفسكم. وكان زياد يقول: ما بال أحدكم يأخذ عطاءه ومؤونته خفيفة ثمّ يدّان؟ تعهدوا معايشكم وأصلحوا ما تحتاجون إليه من أموركم.وكان زياد يقول: إذا لم يجد أحدكم سعة لتزوّج من ترغب فيه لموضعه فليتزوّج سبيّة. المدائني قال: خطب زياد فلمّا فرغ قام عبد الله بن الأهتم فقال: أشهد أيّها الأمير أنّك قد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب، فقال: كذبت، ذاك نبي الله داود؛ فقام الأحنف فقال: إنّ الثناء بعد البلاء والحمد بعد العطاء، فقال زياد: صدقت، وقام أبو بلال الخارجي فجعل يهمس فقال زياد: إنّا لا نبلغ ما تريد وأصحابك حتّى نخوض إليه الدماء. المدائني قال: أمر زياد حاجبه أن يدخل من على بابه في وقت انتصاف النهار فأدخلهم، فتمثّل زياد: وهاجرة تحلب الناعجات … ماء حميما إذا الشاة قالا ثمّ قال لهم: ما الذي تخافون على أهل البصرة؟ فقال بعضهم: الحرق، وقال بعضهم: الغرق، قال زياد: أخوف من ذلك عدوّ يأتيكم لا رهج له، أو رجل يأتيكم فيشتدّ شدّتي ولا يلين ليني، فجاء الحجّاج فاشتدّ شدّته ولم يلن لينه، وكان عدوّا لا رهج له، فكان يسيء بصالحهم، ويحسدهم على نعمهم، فينتزعها منهم. المدائني قال: كان الحسن يقول: أوعد عمر فعوفي، وأوعد زياد فابتلي. المدائني قال: أهدي إلى زياد خوان بايزهر (¬١) قوائمه منه، فاقتلع نافع بن خالد قائمة وجعل مكانها قائمة ذهب فحبسه، فكلّمه فيه سيف بن وهب الأزدي، فقال زياد:أذكرتنا موقف أفراسنا … بالجوّ إذ أنت إلينا فقير ثمّ وهبه له. المدائني عن مسلمة وغيره قالوا: كان زياد يؤخّر العشاء الآخرة حتى يكون آخر من يصلّي، ثمّ يأمر رجلا فيقرأ سورة البقرة أو غيرها من الطوال ويرتّل القرآن، فإذا أمهل بقدر ما يرى أنّ إنسانا يبلغ الخريبة أمر صاحب شرطته بالخروج، فيخرج فلا يرى انسانا إلا قتله. حدثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة وغيره قالوا: لمّا جمع معاوية لزياد الكوفة والبصرة في سنة خمسين كان يخلّف سمرة بن جندب الفزاري حليف الأنصار بالبصرة إذا خرج إلى الكوفة، ويخلفه بالكوفة إذا خرج إلى البصرة عمرو بن حريث، وكان يقيم بالبصرة ستّة أشهر وبالكوفة ستّة أشهر، وكان سمرة يحدث أحداثا عظيمة من قتل الناس وظلمهم، أعطى رجل زكاة ماله ثمّ صلّى ركعتين فأمر به سمرة فقتل، فقال أبو بكرة: ما شأن هذا؟ فأخبروه فقال: لقد قتله سمرة عند أحسن عمله فاشهدوا أنّه منّي وأنا منه، ثمّ قال لسمرة: ويلك لم قتلت رجلا عند أحسن عمله؟ فقال: هذا عمل أخيك زياد هو يأمرني بهذا، فقال: أنت وأخي في النار، أنت وأخي في النار، وتلا أبو بكرة، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ (¬١) ويزعمون أنّ زيادا نهاه بعد ذلك عن القتل. حدثني عبيد الله بن عمر القواريري عن أبي المعلّى الجنّاني عن أبيه قال: كنت واقفا على رأس سمرة بن جندب فقدم إليه بضعة عشر رجلا،يسأل الرجل منهم مادينك؟ فيقول الإسلام ديني ومحمّد نبيّي فيقول: قدّماه فاضربا عنقه، فإن يك صادقا فهو خير له. وروي عن أنس بن سيرين قال: استخلف زياد سمرة على البصرة وخرج إلى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف، فقال له: هل تخاف أن تكون قتلت بريئا؟ فقال: لو قتلت مثلهم لم أخف أن أقتل بريئا. حدثني عمر بن شبّة عن محمّد بن عبد الله بن الزبير عن سفيان عن عاصم الأحول عن ابن سيرين عن ابن سمرة قال: من عرض لنا عرضنا له، ومن مشى على الكلاّء ألقيناه في النهر. حدثنا عفّان حدثنا حمّاد بن سلمة أنبأنا عليّ بن زيد حدثنا أوس بن خالد قال: كنت أقدم على أبي محذورة فيسألني عن سمرة، وأقدم على سمرة فيسألني عن أبي محذورة، فقلت لأبي محذورة: إنّك لتسألني عن سمرة فلم ذاك؟ فقال: كنت أنا وسمرة وأبو هريرة في بيت واحد فأخذ النبيّ ﷺ بعضادتي الباب ثمّ قال: «إنّ آخركم موتا في النار»، قال: فمات أبو هريرة ثمّ مات أبو محذورة ثمّ سمرة. المدائني عن نوح بن قيس عن أشعث الحدّاني عن أبي السوّار العدوي، قال: قتل سمرة بن جندب من قومي في غداة واحدة سبعة وأربعين رجلا كلّهم قد جمع القرآن. المدائني عن جعفر بن سليمان الضبعي، حدثنا عوف قال: أقبل سمرة من المربد فخرج رجل من بعض الأزقّة فتلقّى الخيل، فحمل عليه رجل من القوم فأوجره الحربة، ثم مضت الخيل، ومرّ به سمرة وهو يتشحّط فيدمائه، فقال: ما هذا؟ فقيل: رجل أصابته أوائل خيل الأمير، فقال: إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا أسنّتنا. حدثنا عفّان حدثنا أبو هلال عن ابن سيرين قال: كان سمرة صدوق الحديث عظيم الأمانة يحبّ الإسلام وأهله حتى أحدث ما أحدث. حدثنا عفّان حدثنا حمّاد بن سلمة عن أبي عمران وعليّ بن زيد عن الحسن أنّ سمرة قال لأبي بكرة: رأيت كأنّ الدجّال خرج فجعلت أهرول حذرا، ثم التفت خلفي فأراه قريبا منّي، ثمّ انشقّت لي الأرض فدخلتها، فقال أبو بكرة: ان صدقت رؤياك أصبت قحما (¬١) عظاما في دينك. المدائني، قال: كان زياد يقول: أكره للرجل (¬٢) أن يكون وصّافا لبطنه وفرجه. المدائني عن مسلمة قال: نقب على رجل من بني سعد فذهب ما كان له، فأتى زيادا فأخبره خبره، فقال زياد: لا يبقى محتلم من بني سعد إلا حضر، فحضروا فقال: هل تفقدون أحدا؟ قالوا: لا، قال: تألّفوا عشرة عشرة، ثمّ قال لكلّ عشرة: أخرجوا إليّ خيركم، ثمّ قال لأولئك الصلحاء: أخبروني عن أهل الريبة منكم، فقام رجل لم يكن بخيرهم فقال: الأمان، فأمنه، فأخبره بأهل الريبة، فردّ المال. قال: وأرسل زياد رجلا إلى بني رميلة، وبلغه أنّهم يصيبون الطريق، وكان رئاب بن رميلة يعضد قوما يصيبون الطريق، فلمّا قدموا قال زياد للأشهب بن رميلة: أنت رئاب فقال: لا أنا الأشهب، وهذا أخي رئاب،فقال زياد: قد بلغني عنكم أمر كرهته لكم ولمن كان مثلكم في موضعكم وشرفكم وجلدكم، أتدعان أن يكون حدكم على عدوكم وعدوّ الإسلام وتجعلان ذلك في أهل دعوتكم؟! فانتفوا من ذلك وجحدوه، فقال زياد لا بني رميلة: قد قبلت قولكما وصدقتكما، وعرض عليهما الفريضة وضمّنهما ما يليهما، فقال الأشهب. تداركني أسباب ورد وردّني … زياد كما ردّ الجموح الشكائم ولو أنّني أجمعت إذ أنا محرم … فرارا ونت دوني العتاق الرّوائم إذا لاتّخذت الليل في الأرض جنّة … وبيني وبين الليل أبيض صارم وقال زياد: واحدة من رأيتموها فيه لم يخطئ أن يكون ضعيفا: من إذا مشى حرك رأسه وعنقه وكثر التفاته. وقال: يعجبني من الرجل إذا سمع قولا فيه عليه ضيم أن يقول: لا بملء فيه، وإذا أتى مجلس قوم عرف قدره وعلم أين ينبغي له أن يجلس منه، وإذا ركب دابّة حملها على ما يريد ولم تحمله على ما تريد وقلّ من رأيته كذا إلا كان مبرّزا. وقال زياد لأبي الأسود الدولي: لولا ضعفك وسنّك لولّيتك، فقال: لعمري لئن كنت تريد منّي مصارعة أهل عملي إنّي لضعيف عن ذلك، وإن كنت تريد منّي ما تريد من غيري من عمّالك إنّي لقويّ عليه. المدائني قال: مرّ رجل من الدّهاقين بخمر فأتي به زياد فقال: ينبغي أن يكون أراد التوصّل إليّ فأقدم على حمل الخمر وإدخاله البصرة بعد نهيي عن ذلك، فدعا به، فأخبر أنّ رجلا عقر نخلا له، فوجّه من أغرم الرجل لكلّ نخلة ألف درهم، وقال: ان لم يعطه هذا المال بعد ثلاث ساعاتفاضربوا عنقه، فغرّم له أربعين ألف درهم، وقال لو جئتني برأسه كان أحبّ إليّ من المال. المدائني عن مسلمة وغيره قالوا: بنى زياد دار الرزق ثمّ زاد فيها عبيد الله ابنه بعد، وكان عامل زياد على دار الرزق عبد الله بن الحارث بن نوفل ثم روّاد بن أبي بكرة، وكان الجعد بن قيس النمري على السوق، وكان زياد يجلس في كلّ يوم جمعة، فيسأل رسل عمّاله عن بلادهم وينظر فيما قدموا له وفي أمر الأموال والنفقات، ثمّ يأتيه عمّاله على دار الرزق والكلاء والسوق فيسألهم عمّا ورد دار الرزق، وعن الأسعار والأخبار وما يحتاجون إليه من مصالحهم. حدثني العمر عن الهيثم بن عدي قال: كتب معاوية إلى زياد في أمر من الأمور يكرهه الناس، فقال زياد: إن شاء معاوية أن يعصى عصي، وأغلظ للرسول وردّه أعنف ردّ، فلمّا قدم على معاوية قال له: أنا أخبرك بما كان، دخلت على ألين الناس جانبا وأغلظهم كلاما، قال: والله ما أخطأت. وقال الهيثم: حدثنا المجالد بن سعيد عن الشعبي قال: كتب زياد إلى معاوية: إن رأى أمير المؤمنين أن يكتب إليّ بسيرة أسيرها في العرب، فكتب إليه معاوية: يا أبا المغيرة قد كنت لهذا منك منتظرا، انظر أهل اليمن فأكرمهم في العلانية وأهنهم في السرّ، وانظر هذا الحيّ من ربيعة فأكرم أشرافهم وأهن سفلتهم، فإنّ السفلة تبع للأشراف، فأمّا هذا الحيّ من مضر فإنّ فيهم فظاظة وغلظة، فاحمل بعضهم على رقاب بعض، ولا ترض بالظنّ دون اليقين، وبالقول دون الفعل، واترك الأمور بينك وبين الناس على أشدّها، والسّلام.المدائني قال: نهى زياد عن النوح، فبكت امرأة على بعض أهلها فأتوا زيادا بها فقالت: ما عندي نساء، وإنّما بكيت إخوتي فجهرت بالبكاء، فقال: وما قلت؟ قالت قلت: ألا زعموا أنّي جزعت عليهما … وهل جزع أن قلت وابائي هما إذ افتقرا لم يجشعا خشية الرّدى … ولم يخش رزءا منهما مولياهما وإن غنيا حبّ الصديق إليهما … ولم يزو عن رفد الصديق غناهما المدائني عن الهذلي ومسلمة أنّ بني عجل تحوّلوا إلى الكوفة أيام الجمل، فنزلت الأزد دورهم، فقال رجل من بني عجل: لعمري لقد بدّلتم من فوارس … سراع إلى الهيجا بطاء عن الجهل وكان رجل من بني عجل باع دارا لبني أخيه، وكانوا أيتاما، فلمّا غلت الدور بالبصرة خاصم العجليّ بنو أخيه إلى شريح، فردّ البيع، فأتى الرجل زيادا فأخبره بقصّته وقال: خاصموني حين كثرت أثمان الدور وغلت، فقال زياد لبني أخي الرجل: أتحلفون أنّ الدور لو كانت على حالها في الرخص لم تخاصموا عمّكم، ولم تحاولوا نقض بيعه فلم يحلفوا، فقال: إنّ عمّكم لم يبع إلا نظرا لكم، فأنا أجيز بيعه. المدائني عن إسماعيل الباهلي عن ابن عون عن إبراهيم قال: أمر رجل بالكوفة عبدا لرجل أن يشجّه حتّى يستحقّه، فشجّه فتعلّق به وخاصم مولاه إلى زياد، فأخبره مولى العبد بالقصّة، وأعطى زياد مولى العبد قيمته، وقطع العبد ودفعه إلى المشجوج.المدائني عن جرير بن حازم قال: كان زياد بن سميّة أول من أخذ بالظنّة وعاقب على الشبهة وأخاف الناس في سلطانه، فلمّا قدم الحجّاج سأل عن سيرته فأخذ بشدّته وترك لينه. قال: وكان زياد قد آمن الناس حتّى إنّ الشيء ليسقط من الرجل فلا يعرض له أحد حتّى يأتي صاحبه فيأخذه، وتبيت المرأة لا تغلق عليها بابها، وأدرّ العطاء، فقال حارثة بن بدر الغداني: ألا من مبلغ عنّي زيادا … فنعم أخو الخليفة والأمير وأنت إمام معدلة وقصد … وحزم حين تحضرك الأمور أخوك خليفة الله ابن حرب … وأنت وزيره نعم الوزير بإذن الله منصور معان … إذا جار الرعيّة لا تجور يدرّ على يديك لما أرادوا … من الدنيا لهم حلب غزير وتقسم بالسواء فلا غنيّ … بظلم يشتكيك ولا فقير ولمّا قام سيف الله فينا … زياد قام أبلج مستنير قويّ لا من الأحداث غرّ … ولا ضرع ولا فان كبير قالوا: واستعمل زياد على شرطته بالبصرة عبد الله بن حصن صاحب مقبرة ابن حصن، وهو أحد بني ثعلبة بن يربوع، والجعد بن قيس صاحب طاق الجعد السّلمي، وكانا جميعا يسيران بين يديه بالحربة، ثمّ اقتصر على عبد الله بن حصن فحمل الحربة بين يديه، وولّى الجعد أمر الفسّاق فكان يتبعهم، وفيه يقول جرير: إليك إليك يا جعد بن قيس … فإنّك لست من حيّي نزار (¬١)وولّى زياد قضاء البصرة عمران بن الحصين الخزاعي من أصحاب النبيّ ﷺ. المدائني قال: أبطأ زياد يوما بالغداء لأمر كان ناظر فيه الدهاقين، فقال سعد بن المخشّ الضبّي: الغداء أصلح الله الأمير، فقال رجل من الدهاقين: بأيّ ذنوبنا ابتلينا بهؤلاء الكلاب؟! فسمعها زياد فقال: بجرأتك على الله وكفرك به وكذبك عليه، وقال لابن مخشّ: لا تعودنّ لمثل هذا، ثمّ دعا بالغداء فأكل وأكل معه ابن المخشّ، وكان أكولا، فقال له زياد: مالك من الولد؟ قال: تسع بنات، أنا أجمل منهنّ وهنّ آكل منّي، فقال: لقد لطفت في المسألة ففرض لهنّ فقال ابن المخشّ: إذا كنت مرتاد السماحة والندى … فناد زيادا أو أخا لزياد يجبك امرؤ يعطي على الحمد ماله … إذا ضنّ بالمعروف كلّ جواد وما لي لا أثني عليك وإنّما … طريفي منكم كلّه وتلادي المدائني، قال: لقي زيادا رجل نشأ بالأهواز فقال: أصلح الله الأمير إنّ أبينا مات، وإنّ أخونا شدّ على ميراثنا فأخذه، فقال: لا رحم الله أباك ولا حفظ أخاك، ولا أحسن الخلافة عليك، فما ضيّعت من نفسك أكثر ممّا ضاع من مالك. المدائني عن مسلمة قال: قال زياد: جمال السلطان لين في غير إهمال، وشدّة في غير افراط. المدائني عن مسلمة قال: قال عجلان حاجب زياد: أصبت في غداة واحدة ألفي ألف درهم وألفي سيف، أعطى زياد العطاء فأعطاني كلّ رجل نصف عطائه وسيفه.المدائني عن مسلمة بن محارب أنّ زيادا كان يجبي من كور البصرة ستّين ألف ألف، فيعطي المقاتلة من ذلك ستّة وثلاثين ألف ألف، ويعطي الذرّية ستّة عشر ألف ألف درهم، وينفق في نفقات السلطان ألفي ألف، ويجعل في بيت المال للبوائق والنوائب ألفي ألف درهم، ويحمل إلى معاوية أربعة آلاف ألف درهم. وكان يجبي من الكوفة أربعين ألف ألف، ويحمل إلى معاوية ثلثي الأربعة الآلاف ألف لأن جباية الكوفة ثلثا جباية البصرة. وحمل عبيد الله بن زياد إلى معاوية ستّة آلاف ألف درهم فقال: اللهمّ ارض عن ابن أخي. حدثنا خلف بن سالم عن وهب بن جرير عن محمّد بن أبي عيينة عن سبرة بن نخف قال: ما بلغ الناس عاشوراء قطّ في أيّام زياد إلاّ وطائفة يأخذون العطاء، ولا رأينا الهلال إلاّ مضينا إلى دار الرزق فأخذنا الأرزاق لعيالاتنا، وكان يأخذ الجزية ممّن عجز عن الدراهم عروضا، فكانت خزائننا مملوءة من ذلك. وحدثنا عبد الله بن صالح عن الحسين الجعفيّ عن شيبان النحوي عن قتادة قال: كان زياد إذا أهلّ هلال المحرّم أخرج للمقاتلة أعطياتهم، وإذا رأى هلال شهر رمضان أخرج للذريّة أرزاقهم. المدائني قال: قال الحسن: أيّ سائس كان زياد لولا إسرافه على نفسه في العقوبات وسفك الدماء، كان إذا جاء شعبان أخرج أعطية المقاتلة فملأوا بيوتهم من كلّ حلو وحامض واستقبلوا رمضان بذلك، وإذا كان ذو الحجّة أخرج أعطية الذرّية.حدثني بعض أصحابنا عن عفّان حدثنا حمّاد عن الحسن أنّ زيادا قال لمعقل بن يسار: أبا زياد ألست تعلم أنّ الأسواق قائمة، وأنّ السبل آمنة، وأنّ الأعطيات والأرزاق تخرج إلى شهر معلوم، ويبيع البائع إلى شهر معلوم؟ قال: بلى، قال: فلّله الحمد لا يزال الناس بخير ما كان أمرهم هكذا. وقال المدائني: كان المقاتلة بالبصرة حين قدم زياد أربعين ألفا فبلغ بهم ثمانين ألفا، وكانت الذرّيّة ثمانين ألفا فبلغ بهم عشرين ومائة ألف، ويقال انّ ابنه فعل ذلك. قال: وجعل زياد الناس بالبصرة أخماسا، وجعل على كلّ خمس رجلا، وعرّف العرفاء، ونكّب المناكب، وجعل خروج القبائل على الرايات، وكان أوّل من بنى المقصورة بالبصرة، وأوّل من جعل الأذانين يوم الجمعة، وأوّل من جلس بين يديه على الكراسي، وأولّ من لبس الخفاف الساذجة بالبصرة، وأوّل من سقف حوانيت السوق، وأوّل من دعا النّقرى وكانوا يدعون الجفلى (¬١). حدثني عبد الله بن صالح قال: قال زياد لعجلان حاجبه: كيف تدعو الناس؟ قال: على الشرف ثمّ على الأسنان ثمّ أترك الذين لا يعبأ الله بهم، قال: ويحك ومن هم؟ قال: الذين يلبسون في الصيف ثياب الشتاء وفي الشتاء ثياب الصيف، قال: يا بن اللخناء هذا هزل، ولو كنت تقدّمت إليك فيه لأحسنت أدبك.قالوا: وكان رجل من بني مخزوم أعمى يكنى أبا العريان، فمرّ به زياد في موكبه، فقال من هذا؟ قالوا: زياد بن أبي سفيان، قال: ما ولد أبو سفيان إلا فلانا وفلانا، فمن هذا فو الله لربّ أمر قد نقضه الله، وبيت قد هدمه الله، وعبد قد ردّه الله إلى مواليه، فبلغ معاوية قوله، فأرسل إلى زياد: ثكلتك أمّك اقطع لسان أعمى بني مخزوم، فبعث إليه بألف دينار وقال لرسوله: أقرئه السّلام وقل له: يقول لك ابن أخيك أنفق هذه حتّى يأتيك مثلها، ومرّ به زياد من الغد فسلّم فقال قائل: من هذا؟ فقال أبو العريان: هذا زياد بن أبي سفيان، وجعل يبكي ويقول: والله إنّي لأعرف منه حزم أبي سفيان ونبله وأشبّه جرمه بجرمه، وبلغ معاوية خبره فكتب إليه: ما لبّثتك الدنانير الّتي رشيت … أن لوّنتك أبا العريان ألوانا لله درّ زياد لو يعجّلها … كانت له دون ما يخشاه قربانا فكتب إلى معاوية: أحدث لنا صلة تحيا النفوس بها … قد كدت يا بن أبي سفيان تنسانا من يسد خيرا يجده حين يطلبه … أو يسد شرّا يجده حيثما كانا قالوا: وكان زياد أوّل من اتّخذ الحرس واتّخذ الثياب الزياديّة، وأوّل من مشي بين يديه بالحراب والأعمدة، واتّخذ زياد رابطة عدّتهم خمسمائة وولّى أمرهم شيبان صاحب مقبرة شيبان من بني سعد، فكانوا لا يبرحون المسجد. وحدثني محمّد بن خالد الواسطي حدثنا يزيد بن هارون عن هشام بن حسّان عن الحسن أنّ زيادا ولّى الحكم بن عمرو الغفاري خراسان فغزا فغنمفكتب إليه زياد أن اصطف كلّ صفراء وبيضاء لأمير المؤمنين، ولا تقسم ذلك واقسم ما سواه، فكتب الحكم إليه: إنّي وجدت كتاب الله قبل كتابك، فلو أنّ السّموات والأرض كانتا رتقا على عبد فاتّقى الله لجعل له منهما مخرجا، والسّلام؛ وقسم الغنائم بين الناس. المدائني عن يزيد بمثله وزاد فيه: فكتب إليه زياد: والله لئن بقيت لك لأقطعنّ منك طابقا، فقال الحكم: اللهمّ إن كان ما عندك خيرا لي فاقبضني إليك، فمات بعد أيّام بخراسان. وقال المدائني: صلّى أنس بن أبي أناس على الحكم وذلك في سنة خمسين، ويقال بعد ذلك، وكتب الحكم إلى زياد: إنّي قد استخلفت أنسا وإنّي أرضاه لك وللمسلمين، فقال زياد: اللهم إنّي لا أرضى أنسا لك ولا لي ولا للمسلمين، وولّى خراسان خليد بن عبد الله، فقال أنس: ألا من مبلغ عنّي زيادا … مغلغلة يخبّ بها البريد أيعزلني ويطعمها خليدا … لقد لاقت حنيفة ما تريد عليكم باليمامة فاحرثوها … فأوّلكم وآخركم عبيد فولّى خليدا أشهرا ثمّ عزله وولّى الربيع بن زياد خراسان فغزا فغنم، وأعتق الربيع فروّخا - وكان كاتبه على مائة ألف - فقال: ما أقبح أن آخذ لك ثمنا يا فروخ، وما أقبح أن تكون مكاتبا، أنت حرّ ومالك لك. وحمل الربيع مرزبان مرو إلى زياد، فأمر الناس فصفّوا من المربد إلى دار الإمارة وعليهم السلاح، فقال: كيف رأيت عدّتنا مع قرب عهدنا بالسلطان؟ فقال: ما أحسن ما رأيت، قد ملك السلاح قبلكم أقوام فلم أره أغنى عنهم شيئا حين انقطعت آثارهم وانقضت مدّتهم.قال الهيثم: كان لزياد صديق من بني شيبان يقال له عمير، فقال له زياد يوما: كيف ترى عملي؟ قال: أراك أصلحت الناس بفساد نفسك، فقال له زياد: ما فسد من صلحت عليه العامّة. قالوا: وأقبل رجل ومعه سكّين، فظنّ صاحب شرط زياد أنّه يريده، فطعنه فقتله، فقيل له: إنّ قوما نحروا جزورا، فعبث بعضهم بهذا الرجل فهرب من بين يديه، فوداه زياد. وكان زياد يمنع الحمّامات إلاّ في المواضع التي لا تضرّ بأحد. وتعرّض رجل من أصحابه لرجل في سفينة فأخذ منه درهما وقال: أمرت أن أجبي من كلّ سفينة درهما، فأخذ الرجل فقطع يده. وجبى عامل له خراج السنة في ثلث السنة فقال له زياد: لو أردنا هذا لقدرنا عليه، فاردد عليهم ثلثي ما جبيت. وكان يقول: أحسنوا إلى الدهاقين فإنّكم لن تزالوا سمانا ما سمنوا. حدثني عمر بن شبّه حدثنا أبو عاصم النبيل قال: كان زياد يبعث إلى سكّة المربد فيمسحها، فإن زيد فيها بناء أمر به فهدم. قالوا: وكتب معاوية إلى زياد أن أوفد إليّ بنيك من معاذة العقيليّة، وهم: عبد الرحمن، ومغيرة، ومحمّد، وكن معهم ففعل، فزوّج عبد الرحمن فاختة بنت عتبة بن أبي سفيان، وزوّج المغيرة ابنة المهاجر بن طليق بن سفيان بن أميّة، وزوّج محمّدا ابنته صفيّة بنت معاوية، وقال: أما إنّها أحسن بناتي، فقال زياد: وهو أحسن بنيّ. المدائني قال: كان مع زياد رجل من عبد القيس فاستأذن زيادا في إتيان عبد الله بن عامر بن كريز وقال: إنّ له عندي أيادي، فأتاه فقال: هيهوابن سميّة يقبّح آثاري ويعرّض بعمّالي؟ لقد هممت أن آتي بقسامة من قريش يحلفون أنّ أبا سفيان لم ير سميّة قطّ، فقال زياد للرجل: ما قال لك؟ فأبي أن يخبره، فأحلفه فأخبره، فشكا ذلك زياد إلى معاوية، فأمر حاجبه بضرب وجه دابّة ابن عامر إذا حضر بابه، ففعل، فقال ابن عامر: ليس الرأي إلاّ إتيان يزيد، فأتاه فشكا ما فعل به، فقال يزيد: لعلّك ذكرت زيادا، فقال: نعم، فركب معه يزيد حتّى أدخله على معاوية، فلمّا رآه معاوية قام فدخل، فانتظراه فأبطأ ثم خرج وفي يده قضيب يضرب به الأبواب ويتمثّل: لنا سياق ولكم سياق … قد علمت ذلكم الرفاق ثمّ قعد فقال لابن عامر: أنت القائل في زياد ما قلت؟ والله لقد علمت العرب أنّي كنت من أعزّها في الجاهليّة وما زادني الإسلام إلاّ عزّا، وأنّي لم أتكثّر بزياد من قلّة، ولم أتعزّز به من ذلّة، ولكنّي عرفت حقّا فوضعته موضعه، فقال: يا أمير المؤمنين نرجع إلى ما يحبّه زياد، فقال: إذن نرجع لك إلى ما تحبّه، فخرج ابن عامر إلى زياد فترضّاه. حدثني بسّام الحمّال حدثنا حمّاد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: وفد أبو بكرة مع زياد إلى معاوية، فقال: يا أبا بكرة، حدّثني بشيء سمعته عن النبي ﷺ، فقال: كانت الرؤيا الحسنة تعجب رسول الله ﷺ، فقال ذات يوم: «أيّكم رأى رؤيا؟ فقال رجل: أنا رأيت كأنّ ميزانا دلّي من السماء فوزنت فيه وأبو بكر فرجحت بأبي بكر، ثمّ وزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر، ثمّ وزن عمر وعثمان فرجح عمر بعثمان، ثمّ رفع الميزان، فقال النبيّ ﷺ: تكون خلافة نبوّة ثمّ يؤتي اللهالملك من يشاء»، فقال: فأمر فزخّ (¬١) في أقفيتنا فأخرجنا، فقال زياد: لا أبالك أما وجدت غير هذا الحديث؟! ثمّ دعا معاوية بأبي بكرة فسأله عن الحديث فحدّثه به، فأمر بإخراجه وقال: أتقول الملك، قد رضينا بالملك. المدائني قال: قال معاوية: ضبط زياد العراق بالسيف، وضبطت العراق والشام والحجاز واليمن بالحلم. وجمع معاوية لزياد البصرة والكوفة في سنة خمسين حين مات المغيرة بن شعبة. المدائني: أنّ زيادا أمر أن لا يباع القتّ (¬٢) إلاّ وزنا، فسأل غلاما له عن قتّ اشتراه فقال: أخذته كذا وكذا حبلا بدرهم، فتنكّر وركب إلى أصحاب القتّ فقال لرجل منهم: كيف تبيع القتّ؟ قال: كذا وكذا حبلا بدرهم، قال: أولم يأمر الأمير ببيع القتّ وزنا؟ فقال: أوكلّ ما يأمر الأمير به أطعناه فيه؟! فقطع يده، فلم يبع إلاّ وزنا (¬٣). المدائني، قال: بعث غالب أبو الفرزدق معه بحلوبة من البادية فباعها وأقبل يصر ثمنها، فقال له رجل: لو كان مكانك رجل أعرفه ما صرّ الدراهم كما تصرّ، قال: ومن هو؟ قال: غالب بن صعصعة، فنثرها الفرزدق فانتهبها الناس، وصاح به صائح: ألق رداءك يا بن غالب فألقاه وصاح صائح آخر: ألق قميصك فألقاه، وبلغ ذلك زيادا فقال: هذا أحمق يضري الناس بالنهب، فطلبه فلم يوجد، فلمّا قال الشعر في معاوية بسببميراث الحتات المجاشعي بلغ زيادا فغضب وازداد عليه حنقا، فطلبه فلم يقدر عليه، ثمّ استعدت نهشل وبنو فقيم عليه زيادا حين هجا بني نهشل وبني فقيم، فلم يعرفه زياد، فقيل هذا الذي نثر الدراهم وقال الشعر، فطلبه فهرب إلى عيسى بن نضلة السلمي فحمله على ناقة وخرج في الليل يريد الشام وقال: حباني بها البهزيّ حملان ناصر … من الناس والجاني تخاف جرائمه إذا أنت جاوزت الغريّين فاسلمي … وأعرض من فلج ورائي مخارمه (¬١) وبلغ زيادا خروجه، فوجّه في طلبه فلم يقدر عليه، وجعل زياد إذا نزل البصرة نزل الفرزدق الكوفة، وإذا نزل الكوفة أتى البصرة، فكتب زياد إلى عامله على الكوفة في طلبه. وكان الفرزدق يقول: طلبت حتّى تفطّن الناس بمذاهبي، فأتيت أخوالي من بني ضبّة فحملوني ووجّهوا معي رجلا من بني تيم اللات بن ثعلبة ليدلّني على الطريق، فعرض لنا الأسد على متن طريقنا فلم نهجه حتّى أصبحنا، فقلت: ما كنت أحسبني جبانا بعد ما … لاقيت ليلة جانب الأنهار ليثا كأنّ على يديه رحالة … شثن البراثن مؤجد الأظفار لمّا سمعت له زماجر أجهشت … نفسي إليّ وقلت أين فراري فربطت جروتها وقلت لها اصبري … وشددت في ضيق المقام إزاري فلأنت ألين من زياد جانبا … فاذهب إليك مخرّم السفّار (¬٢)فأنشد شبث بن ربعي زيادا شعره فرقّ له فقال: لو جاءني لآمنته ووصلته، فبلغ الفرزدق قوله فقال: دعاني زياد للعطاء ولم أكن … لآتيه ما نال ذو حسب وفرا وعند زياد لو يريد عطاءهم … رجال كثير قد أماتهم فقرا قعود لدى الأبواب طلاّب حاجة … عوان من الحاجات أو حاجة بكرا فلمّا خشيت أن يكون عطاؤه … أداهم سودا أو مدحرجة سمرا نميت إلى حرف أضرّ بنيّها … سرى الليل واستعراضها البلد القفرا يؤمّ بها الموماة من لا يرى له … إلى ابن أبي سفيان جاها ولا عذرا (¬١) وقدم الفرزدق المدينة هاربا من زياد، فمدح سعيد بن العاص وهو على المدينة بقصيدة يقول فيها: عليك بني أميّة فاستجرهم … وخذ منهم لما يخشى حبالا إليك فررت منك ومن زياد … ولم أحسب دمي لكما حلالا فإن يك في الهجاء يراد قتلي … فلم أترك لمنتصر مقالا (¬٢) فلم يزل بمكّة والمدينة، وقال: ألا من مبلغ عنّي زيادا … مغلغلة يخبّ بها البريد بأنّي قد هربت إلى سعيد … ولا يسطاع ما يحوي سعيد فررت إليه من ليث هزبر … تفادى منه في الغيل الأسودفإن شئت انتسبت إلى النصارى … وإن شئت انتسبت إلى اليهود وإن شئت انتسبت إلى فقيم … وما نسبي وما نسب القرود (¬١) وقال أيضا في قصيدة: وعيد أتاني من زياد فلم أنم … وإن كنت عند الهضب هضب التّهائم فبتّ كأنّي مشعر خيبريّة … سرت في عظامي أو سمام الأراقم زياد بن صخر لا أظنّك تاركي … وبالظّنّ ما جشّمتني غير ظالم فإنّك من تغضب عليه من امرئ … وإن كان ذا رهط يبت غير نائم نمتك العرانين الطوال ولا أرى … لسعيك إلاّ حامدا غير لائم (¬٢) وكان فتيان المدينة يدعونه، فدعي إلى قينة فقال: إذا شئت غنّتني من البيض قينة … لها معصم ريّان لم يتخدّد لحسناء من أهل المدينة لم تعش … ببؤس ولم تتبع حمولة مجحد وقامت تخشّيني زيادا وأجفلت … حواليّ في برد يمان ومجسد فقلت دعيني من زياد فإنّني … أرى الموت وقّافا على كلّ مرصد (¬٣) ولم يزل الفرزدق هاربا من زياد حتّى مات زياد، ثمّ كان يضرب به المثل بعد موته في كلّ ما خافه فقال: إذا ذكرت نفسي زيادا تكمّشت … من الخوف أحشائي وشابت مفارقي (¬٤)وقال: هم منعوني من زياد وقد رأى … زياد مكاني وهو للناس قاهر وقال الفرزدق لمّا حبسه مالك بن المنذر: ولو كنت أخشى مالكا أن يروعني … لطرت بواف ريشه غير جاذف كما طرت عن مصري زياد وإنّه … لتصرف لي أنيابه بالمتالف (¬١) وقال للقباع المخزومي حين طلبه: وقبلك ما أعييت كاسر عينه … زيادا فلم تقدر عليّ حبائله (¬٢) قالوا: وكان كسر عين زياد خلقة. المدائني، قال: تواقف حييّ بن هزّال التميمي ثمّ السعدي وزينب بنت أوس بن مغراء القريعيّ في المربد، فترافثا فقال حييّ: زينب ذات العنبل (¬٣) … النّواس هل تذكرين ليلة الأواسي وليلة الأزديّ ذي الأفراس … إذ تركبين طرف المنحاس فقالت زينب: ناك حييّ أمّه نيك الفرس … أربعة وخمسة ثمّ جلس منتزع الشهوة محفوز النفس فجاء قوم إلى زياد فسألوه يكفّهما، فأرسل في طلب حييّ فهرب إلى معاوية، فأخاف زياد أهله وأخذ ولده، فكتب معاوية إلى زياد في الكفّعنه، فقدم البصرة وزياد يخطب، فقال: أردت أن أشهر مقدمي وأماني لئلا يقدم عليّ زياد، وقال: أتيت بقرطاس يلوح كتابه … كنار اليفاع شبّها الركب للقفل كتاب أمير المؤمنين وإذنه … فمن شاء فيه الآن أكثر أو أقل ولجّ الأمير قبل عير وما جرى … بإخراجنا فاغفر له ربّ ما فعل لو انّ زيادا قبل ما قادنا له … دعانا عليما بالبراءة أو سأل لجئنا ببرهان من الحقّ واضح … وما شكّ في أنّا ظلمنا وما عدل فلا تعجلوا باللوم حتّى تبيّنوا … ويحصل من هرج الأحاديث ما حصل فلا كوفة أمي ولا بصرة أبي … ولا أنا يثنيني عن الرحلة الكسل وفي العيش لذّات وفي الموت راحة … وفي الأرض منأى عن زياد ومحتمل (¬١) وفي الكره خير للصبور وفي الهوى … إذا ما الفتى لم يوق سيّئه خبل المدائني قال: كان أبو الأسود الدولي يسأل زيادا الحوائج فربّما قضى له الحاجة وربّما رده، فقال: رأيت زيادا صدّ عنّي وردّني … ولم يك محروما من القوم سائله ينفّذ حاجات الرجال وحاجتي … مؤخّرة عن إحنة ما تزايله (¬٢) المدائني قال: خطب زياد فقال: إنّه حضرتني ثلاثة أشياء وجدت صلاحكم فيها فمنعتني من غمضي، فاسمعوها، والله لا أجد ساقطا ردّ على شريف قوله ليهجّنه إلاّ أوجعت بطنه وظهره وأطلت حبسه، ولا أوتىبحدث ردّ على ذي شيبة رأيه إلاّ فعلت ذلك به، ولا أجد جاهلا ردّ على ذي علم رأيه تهجينا له إلاّ فعلت ذلك به، ثمّ نزل. قالوا: وبنى زياد مساجد لشيعة بني أميّة ومن يبغض عليّا، فمنها مسجد بني عديّ، ومسجد بني مجاشع، ومسجد الأساورة، ومسجد الحدّان، وكان لا يدع أحدا يبني بقرب مسجد الجماعة مسجدا، فكان مسجد بني عديّ أقربها منه. قالوا: وكان زياد عاتبا على المهلّب، فشخص زياد من البصرة يريد الكوفة، فشيّعه المهلّب مع من شيّعه، وزياد على بغلة ورد عليها رحالة وتحته قطيفة حمراء، وعليه قباء، فسار والناس معه، فدنا المهلّب منه فاعتذر إليه، فقبل عذره وقال: إذا عدت ولّيتك خراسان، فمات في وجهه ذلك. قال المدائني قال مسلمة بن محارب: كانت لزياد بغلة تدعى أطلال فقال يوما: كأنّما أطلال تحتي حممه … نعامة في زعلة (¬١) ململمه تحمل وضّاحا رفيع الحكمه قال مسلمة: ونظرت ابنة لزياد إلى المقاتلة، وهم يومئذ ثمانون ألفا، يعرضون فبكت، فقال لها أبوها: ما يبكيك؟ قالت: أبكي لزوال هذا، قال: لا تبكي من ذلك، ولكن ابكي من دوامة، فلولا زواله عمّن كان قبلنا لم يصل إلينا.قال الحرمازي: أتي زياد بفتية من بني قيس بن ثعلبة قد شربوا خمرا، وعنده عمرو بن معتق اليشكري، فأمر بضربهم فقال عمرو: أروني هذا الشراب، فإنّي قد شربت الخمر في الجاهليّة والطلا في الإسلام، فشرب جرعة منه وقال: طلا جيّد، فخلّى عنهم زياد، فقيل لعمرو: شربت الخمر؟! فقال: أولا أدرأ الحدّ عن فتية من بني بكر بن وائل بجرعة أجرعها. حدثني العمري عن الهيثم بن عدّي عن ابن عيّاش عن الشعبي قال: أتى عامر بن مسعود زيادا بأبي علاقة التميمي فقال: أصلح الله الأمير. إنّه هجاني فقال: وكيف أرجّي بعد يومي نماءها … وقد سار فيها خصية الكلب عامر فقال أبو علاقة: لم أقل هكذا، ولكنّي قلت: وإنّي لأرجو بعد يومي نماءها … وقد سار فيها يأخذ الحقّ عامر فقال زياد: قاتل الله الشعراء يقلّبون ألسنتهم كما يريدون، والله لولا أن تكون سنّة يقتدى بها لقطعت لسانه، فقام قيس بن قهد الأنصاري فقال: أصلح الله الأمير، أحدّثك بما سمعت من عمر بن الخطّاب، شهدته وأتاه الزبرقان بن بدر بالحطيئة العبسي فقال له: هجاني، فقال: وما قال لك؟ قال: دع المكارم لا ترحل لبغيتها … واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي (¬١)فقال عمر: ما أسمع هجاء ولكنّها معاتبة جميلة، فقال الزبرقان: أو ما تبلغ مروءتي إلاّ أن آكل وألبس؟! فقال عمر: عليّ بحسان بن ثابت، فجيء به فسأله عمر عن البيت فقال: لم يهجه ولكنّه خرئ عليه، فأمر به عمر فحبس ببئر وألقيت عليه خصفة، فقال الحطيئة: ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ … حمر الحواصل لا ماء ولا شجر ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة … فاغفر عليك سلام الله يا عمر (¬١) فأخرجه عمر وقال: إيّاك وهجاء الناس، قال: إذا يموت عيالي جوعا، هذا كسبي ومعاشي، قال: فإيّاك والقذع وأن تقول في شعرك فلان خير من فلان وفلان أكرم من فلان، فقال الحطيئة: أنت والله أهجى منّي، فقال عمر: والله لولا أن تكون سنّة لقطعت لسانك، ولكن خذه إليك يا زبرقان، فألقى الزبرقان في عنقه عمامته وجعل يقوده، وعارضته غطفان فقالت: يا أبا شذرة نحن إخوتك وبنو عمّك فهبه لنا فوهبه لهم. فأمر زياد عامر بن مسعود أن يفعل بأبي علاقة مثل ذلك، فألقى في عنقه نسعة واجتّره بها، فعارضته بكر بن وائل فقالوا: جيرانك وإخوانك، هبه لنا، فوهبه لهم، وقوم يقولون إنّ عامرا الشعبي المهجّو، وهذا باطل. حدثني سريج بن يونس حدثنا هشيم بن بشير عن مجالد عن الشعبي، قال: جاء رجل إلى معاوية فقال: عزّ الإسلام ينفعني أو يضرّني؟ قال: بل ينفعك ولا يضرّك، فقال: إنّ أبي كان نصرانيا وله ولد نصرانيّ، وإنّي أسلمت، ومات أبي وترك مالا كثيرا، فذكر إخوتي أنّ المال لهم دوني، فقال معاوية: أنت وهم فيه شرع سواء، وكتب إلى زياد: ورّث المسلم منالكافر ولا تورث الكافر من المسلم، فأرسل زياد إلى شريح (¬١) يأمره بذلك، وكان شريح لا يفعله قبل ذلك، ولا يرى أن يتوارث ملتان، فكان إذا قضى به قال: هذا رأي أمير المؤمنين. قال هشيم أخبرنا إسماعيل عن الشعبي بمثله وقال: لمّا قضى معاوية بذلك قال عبد الله بن معقل: ما حدث في الإسلام حدث بعد قضاء أصحاب رسول الله ﷺ أعجب إليّ منه. المدائني قال: أمر زياد شريحا بأن يورث المسلم من الكافر فقضى بذلك وقال: هذا رأي زياد، فقال قوم من الفقهاء: لقد أحسن، فقال شريح: سنّة رسول الله ﷺ أحسن. وحدثت عن شعبة عن حصين عن إبراهيم قال: أوّل من لم يتمّ التكبير زياد، واستخلف شريحا فكان لا يتمّ التكبير، فمشى إليه علقمة وأصحاب عبد الله بن مسعود فقالوا: ما هذا؟ فقال: استخلفني رجل كرهت مخالفته. المدائني عن القلافلائي عن محمّد بن سيرين قال: قدم شريح مع زياد الكوفة فقضى بالبصرة، فكان زياد يجلسه إلى جنبه، وقال: إن حكمت بشيء ترى غيره أقرب إلى الحقّ فأعلمني، فكان زياد يحكم فلا يردّ عليه شريح شيئا. حدثنا محمّد بن الصبّاح البزّاز حدثنا هشيم أنبأنا مجالد عن الشعبي قال: أثنى شريح بن الحارث على زياد، فقال له شريح بن هانئ الحارثي: أمثلك يثني على زياد؟ فقال: إنّه لو ولاّك ما ولاّني لأثنيت عليه.المدائني قال: قال زياد لشريح: إنّي أريد أن أزيدك في رزقك، فقال: لا حاجة لي في أكثر ممّا فرض لي عمر، قال: فإنّي أولّيك عملا أجري عليك رزقه، قال: أنت وذاك، قال: أولّيك الصلاة قال: إنّي لا آخذ على الصلاة رزقا، فولاّه بيت المال وأجرى عليه ألفا فكان يأخذها. حدثني روح بن عبد المؤمن حدثنا أبو عوانة عن مغيرة عن إبراهيم قال: كان زياد بن سميّة أوّل من جعل الورق في الدية، وكان الورق بالبصرة وزن سبعة فجعلها عشرة آلاف درهم، وكان الورق بالكوفة وزن ستّة فجعلها اثني عشر ألفا، قوّم الجذعة وابنة مخاض وما بينهما عشرين ومائة وزن ستّة. حدثني بكر بن الهيثم أنبأنا أبو نعيم حدثنا سفيان بن مغيرة عن إبراهيم قال: إنّما كان يقضي في الدية بالإبل حتّى قوّمها زياد اثني عشر ألفا، البعير عشرين ومائة. حدثنا خلف بن هشام حدثنا هشم أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد ومجالد بن سعيد عن الشعبي قال: ابتاع رجلا دارا فوجد فيها كنزا، فقال البيّع: ما دفنت فيها شيئا، وقال المشتري: ما الكنز لي، فأتيا شريحا فقصّا عليه قصّتهما، فقال: ما أدري أجادّان أنتما أم لاعبان، ودخل على زياد فأخبره خبرهما فقال: اعرض عليهما المال فأيّهما قبله فهو له، وإن أبيا قبوله فانطلق به إلى بيت المال، فلم يقبلاه، فحمله إلى بيت المال، وكان أربعة آلاف واف.حدثني عمر بن شبّة حدثنا عمرو بن عاصم عن حمّاد بن سلمة عن الحجّاج عن الحكم بن عتيبة أنّ زيادا قطع تميم بن مصاد في سرق ثمّ تاب وأصلح فأجاز شريح شهادته. حدثني عمر بن شبّة عن يزيد بن هشام عن محمّد بن سيرين أنّ ابن أخ لزياد خرج إلى السواد فقتل دهقانا، فدفعه زياد إلى وليّ الدهقان فعفا عنه. حدثني عمر عن عفّان عن عبد الواحد بن زياد عن مجالد عن الشعبي قال: أتى زياد بنبّاش أسود فقطع يده ورجله وقال: هذا ممّن حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا. حدثني خلف بن هشام البزّار حدثنا أبو بكر بن عيّاش أخبرني من صلّى مع زياد فقرأ بالمعوّذتين، قال: وما قرأهما أحد من أمراء الكوفة قبله. حدثنا عمر بن شبّة حدثنا أبو خيثمة بن جرير الضبّي عن ابن شبرمة قال: قال ابن سميّة: من عرّض عرّضنا له السوط، ومن صرّح صرّحنا له بالحدّ، يعني التعريض بالشتيمة. المدائني قال: كان زياد يأخذ صاحب كلّ دار بعد المطر إذا أصحت برفع ما بين يدي فنائه من الطين، فمن لم يفعل أمر بذلك الطين فألقي في حجلته (¬١)، ويأخذ الناس بتنظيف طرقهم من القذر والكناسات ثمّ انّه اشترى عبيدا ووكلّهم به فكانوا ينحّونه.المدائني قال: غلا الطعام على عهد زياد فدفع إلى التجار مالا فابتاعوا به طعاما، وقال: زيدوا ربعا ربعا، فلمّا رخص الطعام وشغر برجله ارتجع ماله. حدثنا العمري عن الهيثم عن ابن عيّاش عن الشعبي قال: كانت حطمة زياد، فقال للعرب: إنّ عشائركم قد وردت علينا، فاختاروا أن نأخذ نصف أعطياتكم وأرزاقكم فنقوتهم بها مع ما لهم عندنا، أو تكفينا كلّ عشيرة من فيها، فمنهم من ضمّ عشيرته، ومنهم من طابت نفسه بنصف عطائه ورزقه وأرزاق عياله؛ وكان لكل عيّل جريبان ومائة درهم، ومعونة الفطر خمسين، ومعونة الأضحى خمسين، وكان يعهدهم كلّ يوم ويقول: لتحسن رعيكم، فإنّ العرب إذا سغبت (¬١) اقتتلت. حدثنا خلف بن هشام حدثنا هشيم عن داود بن أبي هند عن الشعبي أنّ زيادا أرسل إلى مسروق: انّه شغلتنا أمور وأشغال فكيف التكبير في العيدين؟ قال: تسع، خمس في الأولى، وأربع في الآخرة، ووال بين القراءتين. المدائني قال، قال زياد: احفظوا عنّي اثنتين: لا يستحيينّ من لا يعلم من أن يتعلّم، ولا يستحيّين من يعلم إذا سئل عمّا لا يعلم أن يقول: الله اعلم. حدثني إبراهيم بن الحسن العلاّف حدثنا أبو عوانة عن عبد الملك بن عمير قال: أوّل من جلس يوم الجمعة وأذّن له في الجبّانة زياد بن سميّة.المدائني قال: رأى زياد وهو على المنبر امرأة على سرج فقال: أفعلتموها وكتب إلى عمّاله على الأمصار في منع النساء من السروج، وأن لا توجد امرأة على سرج إلاّ اشتدّ عليها. المدائني قال: بينا زياد يسير بظهر الكوفة إذ رأى امرأة تهدج على عير لها فقال لها: من أنت؟ قالت: حرقة بنت النعمان بن المنذر، قال: ما كان أغلب الأشياء على أبيك؟ قالت: محادثة الرجال والإفضال عليهم، وأنشدته: وكنّا ملوك الناس والأمر أمرنا … نحكّم فيهم ثمّ لا نتنصّف فما برح العصران إلاّ وحالنا … تقلّب فيهم تارة وتصرّف فأمر لها بمائة دينار ووسقا من طعام وقال: إذا تقارب فناؤه فاعلمينا فقالت: جزتك يد افتقرت بعد غنى، ولا أعطتك يد استغنت بعد فقر. المدائني قال: سأل مولى لفاختة بنت قرظة أن يكتب له معاوية كتابا منشورا بأن يخلى له سوق الطعام بالبصرة، فلا يبيع فيها أحد غيره حتّي يخرج ما في يده منه، فكتب له بذلك وقال له: ويحك إنّي أحذّرك زيادا، فلمّا منع الناس من بيع الطعام غلا السعر، فركب زياد وهو شارب دواء، فوجده على سطح وهو يناول الدنانير والرقاع بالقصب. فأمر به فأنزل، فقال: إنّ معي كتاب أمير المؤمنين، فقال: اقطعوا يده، فقطعت يده، ثمّ قال: ادفعوا إليه منشوره ويده، فرجع إلى معاوية فقال له: قد نهيتك وحذّرتك فأبيت.حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا أبو الوليد الطيالسي عن زائدة عن سماك بن حرب قال: رأيت زيادا يصلّي يوم الفطر والأضحى بغير أذان ولا إقامة. حدثني عمر بن بكير عن الهيثم بن عدّي عن ابن عيّاش عن عجلان حاجب زياد ومولاه قال: دخل زياد يوما من صلاة الظهر فإذا هرّة في زاوية المجلس، فأردت طردها فنهاني، فلم تزل كذلك حتّى صلّى العصر، ثمّ عاد فجعل يلاحظها، فلمّا كادت الشمس تغرب خرج جرذ فوثبت عليه فأخذته، فقال: من طلب حاجة فليصبر صبر هذه الهرّة فإنّه يظفر بحاجته. قال عجلان: وقال لي زياد يوما: اطلب لي رجلا عاقلا، قلت: لا أعرفه، قال: وهل يخفى العاقل في وجهه وقدّه ولفظه؟ فخرجت فإذا رجل حسن الوجه مديد القامة فصيح اللسان، فأدخلته إليه، فقال: إنّي أريد مشاورتك في أمر، فقال: إنّي حاقن جائع ولا رأي لحاقن ولا جائع، فأمر عجلان فأدخله المتوضّأ فقضى حاجته، ثمّ خرج فأمر فأتي بطعام، فلمّا شبع قال: هات، فما أورد عليه شيئا إلاّ وجد عنده فيه ما يريد، وكتب إلى عمّاله: لا ينظرنّ في أمر الناس حاقن ولا جائع. حدثني الحسين بن عليّ بن الأسود عن يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عيّاش قال: أخبرني من صلّى مع زياد فقرأ بالمعوّذتين. المدائني قال: قال أبو بردة: ولاّني زياد صدقة أسد وغطفان، وأعطاني من بيت المال ثلاثة عشر ألف درهم فقال: انطلق فأعط، وألصق بأهل الفاقة، ومن أعطيته ورقا فلا تعطه غنما، ومن أعطيته غنما فلا تعطه ورقا، وما وجدت من شغار فاردده، وما رأيت من امرأة معضولة فأنخ إبلصاحبها في العطن حتّى ينكحها كفؤا، ولا يكن كالأعور بن بشامة حبس أخته حتّى شمطت أصداغها. حدثني بكر بن الهيثم عن عبد الرزّاق عن معمر عن قتادة قال: كان زياد سيّئة من سيّئات معاوية، وكان سمرة بن جندب سيّئة من سيّئات زياد. قالوا: ومات زياد وعلى الكوفة من قبله عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى البصرة سمرة، فأقّر معاوية سمرة على البصرة ستّة أشهر، ويقال ثمانية عشر شهرا، ثمّ عزله فقال سمرة: لعن الله معاوية لو أطعت الله كما أطعت معاوية ما عذّبني أبدا. حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا أبو داود الطيالسي عن شعبة عن قتادة عن مطرّف قال: قيل لعمران بن الحصين مات سمرة، فقال: ما ذبّ الله به عن الإسلام أعظم. وروى عليّ بن عاصم عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه أنّه قال: جاءت امرأة إلى سمرة فأعلمته أنّ زوجها لا يستطيعها، وذكر زوجها أنّه يأتيها، فأشكل عليه القضاء فكتب إلى معاوية يستطلع رأيه، فكتب إليه معاوية أن زوّجه امرأة جميلة وأصدقها من بيت المال، فزوّجه امرأة وأصدقها أربعة آلاف درهم، ثمّ أدخلها عليه ليلا فلمّا أصبح دعا سمرة بالرجل، فجاء وعليه أثر صفرة، فقال: ما صنعت؟ فقال: كان ذلك منّي إليها حتّى حصحص (¬١) من ورائها في الثوب، فدعا بها سمرة فقال لها: ما صنع؟ قالت:لا شيء عنده، فقال: انتشر؟ قالت: نعم، ولكنّه إذا دنا أكسل، قال سمرة: طلّق يا محصحص. المدائني قال: وقيل لسمرة في رجل أنّه طويل الصلاة، فقال: لو مات ما صلّيت عليه، ذهب إلى أنّه خارجيّ. وولّى معاوية بعد سمرة عبد الله بن عمرو بن غيلان بن المحبّق الهذلي، فحصبه رجل وهو أمير، فأتي بالرجل فقطع يده ورجله. المدائني عن قرّة بن خالد عن عبد الله بن الداناج أنّ رجلا حصب عبد الله بن عمرو بن غيلان على منبر البصرة، وكان يقال للرجل جبير بن الضحّاك أحد بني ضرار من ضبّة، فأخذ وأتي به عبد الله، فأمر به فقطعت يده ورجله وقال: العفو والطاعة والتسليم … خير وأعفى لبني تميم فكتب بذلك إلى معاوية وقالوا: قطع على شبهة، فعزل عبد الله بن عمرو وقال: قد وليت عليكم عبيد الله ابن أخي زياد. قال زياد: ليس يعجبني من الرجل أن يكون وصّافا لبطنه وفرجه، ويعجبني منه إذا سيم خسفا أن يقول: لا، بملء فيه. حدثنا عمرو الناقد عن موسى بن قيس عن سلمة بن كهيل قال: أوّل من وطيء على صماخ الإسلام زياد. قالوا: وكان زياد يغدّي الناس ويعشّيهم وكانت له ألف ناقة يؤتى بلبنها، وقد نثر التمر على الأنطاع، فيتمجّعون اللبن بالتمر، فإذا ارتفع النهار غدّوا، ثمّ يعشّي بعد العصر، ويحضر غداءه وعشاءه الصحابة والشرط والمقاتلةومن حضر، وكان يطعم بالبصرة والكوفة، فإذا غاب عن إحداهما قام عمّاله مقامه. المدائني قال: حمل شريك بن الأعور مالا من اصطخر مع رجل فقال له الخزّان: أحضر وزنه ونقده، فقال: انّما دفع إليّ مالا مختوما، فرفعوا قوله إلى زياد فقال: إن نقص المال فليؤخذ به شريك، فأمّا هذا فلا شيء عليه ثمّ تمثّل بنصف بيت: وأبرز للبراءة للبراز
Parsing and provenance details
Local passage ID
253652
Book record
shamela-9773
Source record
336476
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
low
Entry type
Uncertain
Passage 253652 — shamela-9773 · Hadith Research Library