page 1986, entry [375]Open original source
أمر حجر بن عدي الكندي ومقتله: حدثني عبّاس بن هشام عن أبيه عن عوانة قال: جمع معاوية لزياد البصرة والكوفة، فأتى الكوفة فبعث إلى حجر فأجلسه معه على السرير، وقال: يا أبا عبد الرحمن إنّ الأمر الذي كنّا فيه مع عليّ كان باطلا، وإنّما الأمر ما نحن فيه الآن، فقال حجر: كلاّ والله يا أبا المغيرة، ولكن الدنيا استمالتك وأفسدتك، فالله المستعان. فقال زياد: يا أبا عبد الرحمن هذا مقعدك، ولك في كلّ يوم عشر حوائج لا تردّ عنها، واضبط لسانك وأمسك يدك، فو الله لئن أقطرت من دمك قطرة لأستفرغنّه كلّه، وأنت تعلم أنّي إذا قلت فعلت، فقال: لست من هذا في شيء. وحدثني عبّاس بن هشام عن أبي مخنف وغيره قالوا: لم يزل حجر بن عدي منكرا على الحسن بن عليّ بن أبي طالب صلحه لمعاوية، فكان يعذله على ذلك ويقول: تركت القتال ومعك أربعون ألفا ذوو نيّات وبصائر في قتال عدوّك. ثمّ كان بعد ذلك يذكر معاوية فيعيبه ويظلّمه، فكان هذا هجّيراه وعادّته.وولّى معاوية المغيرة بن شعبة الكوفة، فأقام بها تسع سنين وهو أحسن رجل سيرة وأشدّه حبّا للعافية، غير أنّه لا يدع ذمّ عليّ والوقيعة فيه، والعيب لقتلة عثمان واللعن لهم، وكان معاوية حين أراد توليته قال له: يا مغيرة: لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا … وما علّم الإنسان إلا ليعلما وقد يجزئ عنك الحلم بغير تعليم، وقد أردت أن أوصيك بأشياء كثيرة، فتركت ذلك اعتمادا على بصرك بما يرضيني ويشدّد سلطاني ويصلح رعيّتي، غير أنّي لا أدع إيصاءك بخصلة: لا تكفكفنّ عن شتم عليّ وذمّه، والترحّم على عثمان والاستغفار له، والعيب لأصحاب عليّ والإقصاء لهم وترك الاستماع منهم، والإطراء لشيعة عثمان والإدناء لهم والاستماع منهم. فقال المغيرة: قد جرّبت وجرّبت، وعملت قبلك لغيرك، فلم يذمم لي رفع ولا وضع، وستبلوا فتحمد أو تذمّ، فقال: نحمد إن شاء الله فسمع حجر المغيرة يقول يوما: لعن الله فلانا - يعني عليّا - فإنّه خالف ما في كتابك، وترك سنّة نبيّك، وفرّق الكلمة وهراق الدماء، وقتل ظالما، اللهم العن أشياعه وأتباعه ومحبّيه والمهتدين بهديه والآخذين بأمره، فوثب حجر رضي الله تعالى عنه، فنعر (¬١) بالمغيرة نعرة سمعت من كلّ جانب من المسجد، وسمعت خارجا منه فقال له: انّك لا تدري بمن تولع، وقد هرمت أيّها الإنسان وحرمت الناس أرزاقهم، وأخّرت عنهم عطاءهم، وإنّما أراد بهذا القول تحريض الناس عليه. وقام مع حجر أكثر من ثلاثين كلّهم يقول مثل قوله ويسمعون المغيرة، فيقولون له: أولعت بذمّ الصالحين وتقريض (¬٢) المجرمين،فنزل المغيرة فدخل داره، فعاتبه أصحابه على احتمال حجر وقالوا: انّ معاوية غير محتملك على هذا، فقال: ويحكم إنّي قد قتلته بحلمي عنه، سيأتي بعدي من لا يحتمله فيقتله في أوّل وهلة، وقد قرب أجلي وضعف عملي، ولا أحب أن أبتدئ أهل المصر بقتل خيارهم ووجوههم، فيسعدوا وأشقى، ويعزّ معاوية في الدنيا ويذلّ المغيرة في الآخرة، ولكنّي قابل من محسنهم وعاف عن مسيئهم، وحامد حليمهم وواعظ سفيههم، حتّى يفرق الموت بيني وبينهم. وكانت ولاية المغيرة في سنة إحدى وأربعين ووفاته في سنة خمسين، فجمعت البصرة والكوفة لزياد، فخطب خطبة قال فيها: إنّا وجدنا هذا الأمر لا يصلح آخره إلا بما صلح به أوّله، من الطاعة الليّنة الشبيهة سريرتها بعلانيتها، وغيبها بشهادتها، وقلوب أهلها بألسنتهم، وقد بلغني أنّ قوما يعيبون الخليفة إرصادا للفتنة، فمهلا مهلا، فإنّ لكم صرعى فليخش كل امرئ منكم أن يكون من صرعاي، فإنّي آخذ الكبير بالصغير، والقريب بالبعيد، والبريء بالسقيم، والشاهد بالغائب، والمقبل بالمدبر، حتّى تستقيم لي قناتكم، وحتّى يلقى الرجل صاحبه فيقول: يا سعد أنج فقد قتل سعيد. وخطب أيضا ذات يوم وعليه عمامة حمراء وقد أرسلها فقال: أيّها الناس، أنّ هذه السبئيّة الحائنة - يعني الشيعة - المتحيّرة قد ركبت أعجاز أمور هلك من ركب صدورها، ف ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَ إِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ (¬١) ونزل، فبعث إلى حجر، وقد كان له قبل ذلك ودّا وصديقا فقال له: قد بلغني ما كنت تصنع بالمغيرة وما كان يحتمل منك، وإني والله غير محتملك، والرائد لا يكذب أهله، وأنت الأثير عندي ما لمتبسط لسانا ولا يدا بشيء ممّا أكرهه، وإن فعلت فأقطرت من دمك قطرة استفرغته أجمع، فأرع على نفسك، فخرج حجر من عنده وهو هائب له، وكان زياد يدينه ويكرمه، والشيعة في ذلك تختلف إليه وتسمع منه. وكان زياد يقيم بالبصرة ستّة أشهر وبالكوفة ستّة أشهر، يصيف بهذه (¬١) ويشتو بهذه (¬٢)، ويستخلف على البصرة سمرة بن جندب الفزاري، وعلى الكوفة عمرو بن حريث المخزومي. فلمّا أراد زياد أن يشخص من الكوفة إلى البصرة دعا حجرا فقال له: إنّ غبّ البغي والغيّ وخيم، وقد بلغني أنّك تلقح الفتن، ولو صحّ ذلك عندي لم أبرح حتّى أقتلك، فاتق الله في نفسك وأربع على ظلعك، فو الله لئن أفرغت من دمك قطرة لآتينّ على آخره، وقد أعذر من أنذر، وقد ناديتك وناجيتك، فقال حجر: أبلغت، دون هذا يكفيني أيّها الأمير. وكان حجر وطائفة من أصحابه يجتمعون في المسجد بعد شخوص زياد، ويجتمع الناس إليهم، فيذمّون معاوية ويشتمونه، ويذكرون زيادا فيتنقصونه ويجدبونه (¬٣) حتّى تعلو أصواتهم بذلك، فأتى عمرو بن حريث المسجد فصعد المنبر وقد اجتمع إليه رؤوس أهل المصر فقال: ما هذه الأصوات العالية والرعة السّيئة؟ فوثب إليه عنق من أصحاب حجر، فضجّوا وشتموا، ودنوا منه فحصبوه حتّى دخل القصر، وكتب إلى زياد مع سنان بن حريث الضبّي بخبر حجر وأصحابه، وأنّه لا يملك من الكوفة معهم إلا دار الإمارة، فلمّا قرأ زياد كتاب عمرو قال: بئس الرجل حجر، ونعم الرجلعمرو، أركبوا بنا، فركب مغذّا للسير، وتمثّل قول كعب بن مالك الأنصاري: فأمّا استووا بالعرض قال سراتنا … علام إذا لم يمنع العرض يزرع (¬١) ثم قال: ويل أمّك حجر: سقط العشاء بك على سرحان (¬٢)؛ فلما أتى الكوفة صعد المنبر فقال: يا أهل الكوفة جممتم فأشرتم، وأمنتم فاجترأتم، وإنّ عواقب البغي شرّ العواقب، والله يا أهل الكوفة لئن لم تستقيموا لأداوينّكم بدوائكم، فإنّه عندي عتيد، ثمّ بعث الهيثم بن شدّاد الهلالي صاحب شرطته إلى حجر بن عديّ ليأتيه به - ويقال: بل أمر الهيثم أن يوجّه إلى حجر من يأتيه به، فوجّه حسين بن عبد الله البرسمي - فأبى أصحاب حجر أن يخلّوا بينه وبين إتيان زياد، فغضب زياد وقال لوجوه أهل المصر: يا أشراف أهل الكوفة، أتشجّون بيد وتأسون بأخرى؟! أبدانكم معي وقلوبكم مع الهجهاجة المذبوب؟! قوموا إليه، فقالوا: معاذ الله أن نكون إلا على طاعتك وخلاف حجر والزري عليه، وخرجوا فنحّى كلّ امرئ عن حجر من أطاعه من أصحابه. وقال الهيثم بن عديّ عن أبيه وعن مجالد عن الشعبي وعن أبي جناب الكلبي قالوا: لمّا قدم زياد الكوفة بعث إلى حجر فقال: يا هذا كنّا على ما علمت، وقد جاء أمر غير ذلك، أمسك عليك لسانك، وليسعك منزلك، وهذا سريري فهو مجلسك، فإيّاك أن تستزلّك هذه السفلة أو تستفزّك، إنّي لو استخففت بحقّك هانّ عليّ أمرك، ولم أكلّمك من كلاميهذا بحرف. فلمّا صار إلى منزله اجتمعت إليه الشيعة فقالوا: أنت شيخنا وأحقّ الناس بإنكار هذا الأمر. فلمّا شخص زياد إلى البصرة استخلف عمرو بن حريث على الصلاة والحرب، ومهران مولاه على الخراج، وأمر العمّال بمكاتبة عمرو، وكان الطريق يومئذ على الظهر، وربّما ركبت الرسل الفرات حتّى ترد آجام البصرة ثمّ تدخل البصرة، فأرسل عمرو إلى حجر: ما هذه الجماعات التي تجتمع إليك؟ فقال: جماعة ينكرون ما أنتم فيه، فأرسل إليه قوما فقاتلهم أصحابه وألجأ وهم إلى قصر الإمارة، فكتب عمرو إلى زياد: إن كانت لك بالكوفة حاجة فالعجل، فإنّي كتبت إليك وليس في يدي منها مع حجر بن عديّ إلا القصر، فأغذّ السير حتّى قدم الكوفة، فبعث إلى عديّ بن حاتم الطائي وجرير بن عبد الله البجلي وخليفة بن عبد الله الجعفري وعمرو بن الحجّاج الزّبيدي وهانئ بن عروة المرادي وثابت بن قيس النّخعي وخالد بن عرفطة العذري فقال: ائتوا هذا الشيخ المفتون فإنّي خائف أن يحملنا من أمره على ما ليس من شأننا، فأتوه، فقال له عديّ بن حاتم: قد علمت يا أبا عبد الرحمن ما كان من كلام الأمير لك ومن ردّك عليه ما رددت، وهذه عشيرتك، نسألك بالله والقرابة أن لا تفجعنا بنفسك، فهب لنا هذا الأمر، واكظم غيظك حتّى يرى غيرك ما أنت عليه، فقال حجر: يا غلام اعلف البكر - لبكر كان في جانب داره - فقال عديّ: أمجنون أنت؟ نكلّمك وتقول هذا القول غير مكترث لكلامنا؟! فقال: أما والله انّي لأرجو أن أوقره من الغنائم غدا، قال عدي: فنحن نوقره لك الآن فضّة وذهبا، وتكفّ عن هذا الأمر، فقال حجر: لك أوّل ما سمعت، فقال عدّي: ما ظننت أن الضعف بلغ بحجر ما أرى؛ وكلّمه القوم فلم يكلّم منهم أحدا،فأتوا زيادا فقال: مهيم؟ قال عديّ: أيّها الأمير استذمّه فإنّ له سنّا، فقال: لست لأبي سفيان إذا، ثم أرسل إليه الشّرّط فقوتلوا. قال أبو مخنف: لمّا حال أصحاب حجر بينه وبين رسل زياد، أمر الهيثم بن شدّاد أن يأتيه به، فلمّا صار إليه قال أصحابه: لا ولا نعمة عين، لانجيبه، فشدّ الهيثم ومن معه عليهم بعمد السوق، فضرب رجل من حمراء الديلم يقال له بكر بن عبيد رأس عمرو بن الحمق الخزاعي - ويقال: بل ضربه رجل من الأزد يقال له عبد الله بن مرغد - فحمل إلى أهله، وشدّ عبد الله بن خليفة الطائي وهو يقول: قد علمت يوم الهياج طلّتي (¬١) … أنّي إذا ما فئتي تولّت أو كثرت أعداؤها وقلّت … أنّي قتّال لكلّ ثلّة وضرب رجلا من جذام كان في الشّرط، وضربت يد عائذ بن حملة وكسر نابه فقال: إن يكسروا نابي ويحطم ساعدي … فإنّي امرؤ في سورة المجد صاعد وحمى حجرا أصحابه حتّى خرج، وبغلته موقوفة، فحمله أبو العمرّطة عمير بن يزيد الكندي عليها فركبها، وشدّ يزيد بن طريف المسلي على أبي العمرّطة فضربه، واختلج (¬٢) أبو العمرّطة سيفه فضربه به على رأسه، فخرّ لوجهه ثمّ برئ بعد، وله يقول عبد الله بن همّام السلولي:ألوم ابن لؤم ما عدا بك حاسرا … إلى بطل ذي جرأة وشكيم معاود ضرب الدّارعين بسيفه … على الهام عند الروع غير لئيم حسبت ابن برصاء العجان قتاله … قتالك زيدا عند دار حكيم وكان قتل رجلا بالكوفة عند دار حكيم، وكان ذلك أوّل سيف ضرب به بالكوفة في الاختلاف بين الناس. وخرج قيس بن قهدان الكندي ثم البديّ على حمار له وهو يقول: يا قوم حجر دافعوا وصاولوا … وعن أخيكم ساعة فقاتلوا لا يلفين منكم لحجر خاذل … أليس فيكم رامح ونابل وفارس مستلئم أو راجل … وضارب بالسيف لا يواكل فلم يجبه من كندة أحد، ثمّ عطف عدّة من كندة منهم عمير بن يزيد أبو العمرّطة وقيس بن يزيد أخوه، وهو الذي يقول فيه ابن همّام السلولي: وقيس كندة قد طالت إمارته … في سرّة الأرض بين السهل والجبل وعبد الرحمن بن محرز بن مرّة الكندي ثم الطمحي وقيس بن سميّ الكندي ثم البديّ وعبيدة بن عمرو البدّيّ الشاعر، فقاتلوا ساعة. قالوا: ووجّه زياد أشراف أهل الكوفة من مضر ومذحج وهمدان إلى حجر ليأتوا به، وفرق بين مضر واليمن لئلا يختلفوا. وقال الهيثم بن عديّ: أرسل زياد حين قوتل أصحابه إلى عديّ بن حاتم وخريم بن أوس بن حارثة بن لام، وسعيد بن قيس الهمداني، وهانئ بن عروة المرادي وزياد بن النضر الحارثي، وشريح بن هانئ، وكثير بن شهاب الحارثي، ووائل بن حجر الحضرمي، وثابت بن قيس النخعي، وجماعة غيرهم من وجوه اليمانية فقال: هذا عن ملأ منكم؟فقالوا: معاذ الله، قال: فاكفوني بوائقكم، فخرجوا فخّوفوا أصحاب حجر وأعلموهم أنّه لا ينصرهم أحد فتفرّقوا، وأرسل زياد إلى كندة يتهدّدهم إن لم يسلموا حجرا. وقال أبو مخنف وغيره: استخفى حجر في دار بالنخع، ثمّ أتى الأزد فنزل في دار ربيعة (¬١) بن ناجذ بن أنيس الأزدي فمكث بها يوما وليلة. وقال الكلبي: لجأ حجر إلى سليمان بن يزيد بن شراحيل الكندي، من ولد حوت بن الحارث، ودعا زياد محمّد بن الأشعث بن قيس فقال له: يا مؤنّث لتأتينّي بحجر أو لا أدع لك نخلة إلاّ قطعتها ولا دارا إلا هدمتها، ثمّ لا تسلم منّي، أقطعك إربا إربا، وأمر به إلى الحبس، فقيل له: خلّه يطلب صاحبه، ففعل؛ وبعث حجر إلى محمد غلاما له أسود، فقال له: يقول لك مولاي قد بلغني ما استقبلك به هذا الجبّار العنيد، وأنا خارج إليك، فاجمع نفرا من قومك يسألونه أن يؤمنني حتّى يبعث بي إلى معاوية فيرى رأيه فيّ، فأتى محمّد وجرير بن عبد الله البجلي وعبد الله بن الحارث النخعي أخو الأشتر زيادا، فطلبوا إليه أن يؤمن حجرا حتّى يبعث به إلى معاوية ولا يعجل، ففعل، وأرسلوا إلى حجر فأتى زيادا، وهو جريح، وكان يزيد بن طريف المسليّ ضربه على فخذه بعمود، فلما رآه زياد قال: يا أبا عبد الرحمن أحرب في أيّام الحرب، وحرب في أيّام السلم؟! على نفسها تجني براقش، فقال حجر: ما فارقت طاعة ولا جماعة ولا ملت إلى خلاف ومعصية، وإنّي لعلى بيعتي، فقال: تشجّ وتأسو؟! وأمر به إلى الحبس وقال: لولا أنّي آمنته ما برح حتّى يلفظ عصبه.وجدّ زياد في أمر أصحاب حجر وطلبهم أشدّ الطلب، فأخذ من قدر عليه منهم، فأتي بربعيّ بن حراش العبسي بأمان فقال: والله لأجعلنّ لك شغلا بنفسك عن تلقيح الفتن، ودعاه إلى الوقيعة في عليّ فأبى فحبسه، ثمّ كلّم فيه فأخرجه، وأتي بكريم بن عفيف الخثعمي، فقال: ويحك ما أحسن اسمك وأقبح فعلك!! وأمر به إلى الحبس. وجاء رجل من بني شيبان إلى زياد فقال له: انّ امرءا منّا يقال له صيفيّ بن فشيل من رؤساء أصحاب حجر وهو أشدّ الناس عليك، فبعث إليه فأتي به فقال: يا عدوّ الله، ما تقول في أبي تراب؟ قال: ومن أبو تراب؟ قال: ما أعرفك به، أما تعرف عليّ بن أبي طالب؟ قال: الذي كنت عامله؟ ذاك أبو الحسن والحسين، فقال له صاحب شرطه: يقول لك الأمير أبو تراب وتقول: لا؟! قال: أكذب إن كذب الأمير وأشهد بالباطل كما شهد؟ فقال زياد: ما قولك في عليّ؟ فقال: أحسن قول أقوله في أحد من عباد الله، أقول مثل قولك فيه قبل الضلال، قال: اضربوا عاتقه بالعصا حتّى يلصق بالأرض، فضرب حتّى لصق بالأرض، ثمّ قال: أقلعوا عنه، ما قولك في عليّ؟ قال: لو شرّحتني بالمواسي والمدى ما زلت عمّا سمعته منّي، قال: لتلعنّنه أو لأضربنّ عنقك، قال: إذا تضربها قبل ذلك، فألقوه في السجن. وبلغ زيادا أنّ عبد الله بن خليفة الطائي بالكوفة، وكان قد قاتل مع حجر رضي الله تعالى عنه، فحبس عدّي بن حاتم ليأتي به، فلم يبق أحد من نزار واليمن بالكوفة إلاّ ارتاع واغتمّ لحبسه، وبعث إليه عبد الله: إن احببت أن أخرج فعلت، فبعث إليه: لو أنّك تحت قدمي ما رفعتها عنك،ودعا به زياد فقال: أخلي سبيلك على أن تنفي ابن خليفة من الكوفة فينزل بالجبلين، فقال: نعم، فلحق عبد الله بالجبلين، وقال له عدّي: إذا سكن غضبه كلّمته فيك. وقال الهيثم بن عديّ، قال زياد لحجر حين أدخل اليه: أتريد أن تنجو بعد أن أمكن الله منك؟! فقال: أنا على بيعتي لم أنكثها ولم استقلها، ولم آتك إلاّ على أمان، قال: يا دبر بن الأدبر (¬١) والله إن كنت في حربك لسلما وإنك في سلمك لحرب، ثمّ حبسه. وروي أنّ المغيرة لمّا شتم عليا وقام إليه حجر بن عديّ قال له: والله لئن عدت لمثلها لأضربنّ بسيفي هذا ما ثبت قائمه في يدي، فكتب المغيرة بذلك إلى معاوية، فكتب إليه معاوية: إنّك لست من رجاله فداره، فقال زياد: يا ابن الأدبر أتظنّ أنّي كالمغيرة إذا كتب أمير المؤمنين إليه بما كتب به فيك؟ أنا والله من رجالك ورجال من يغمرك رأيا وبأسا ومكيدة؛ وكان زياد قد كتب إلى معاوية في حجر إنّه وأصحابه يردّون أحكامي وقضاياي، وكتب يستأذنه في قتله، فكتب إليه: ترفق حتّى تجد عليه حجّة، فكتب إليه: إنّي قد وجدت على حجر أعظم الحجّة: خلعك وشهد الناس عليه بذلك. وكان رجل من بني أسد قتل رجلا، كان من أهل الذمّة فأسلم، فقال زياد: لا أقتل عربيّا بنبطيّ، وأمر القاتل أن يعطي أولياء المقتول الدية فلم يقبلوها، وقالوا: كنّا نخبر أنّ دماء المسلمين تتكافأ، وأن لا فضل لعربيّ على غيره؛ فقام حجر وأصحابه، فقال حجر: يقول الله ﷿(النّفس بالنّفس) وتقول أنت غير ذلك، والله لتقيدنّه أو لأضربّنك بسيفي، فما برح حتّى قتل الأسدي، فلذلك كتب إلى معاوية في أمره. قالوا: فاجتمع في سجن زياد من الشيعة أربعة عشر رجلا وهم: حجر بن عديّ الأدبر، الأرقم بن عبد الله الكندي، شريك بن شدّاد الحضرمي، صيفي بن فشيل الشيباني، قبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسي، كريم بن عفيف الخثعمي، عاصم بن عوف البجلي، وقاء بن سمّي البجلي، ويقال: ورقاء بن سميّ، وكدام بن حيّان العنزي، وأخوه عبد الرحمن بن حيّان من بني هميم، ومحرز بن شهاب المنقري، وعبد الله بن حويّة الأعرجي - وبعضهم يقول جويّة والأول أثبت - وعتبة بن الأخنس من بني سعد بن بكر وسعيد بن نمران الناعطي من همدان، فأمر زياد وجوه أهل المصر أن يكتبوا شهادتهم عليهم، فكتب أبو بردة بن أبي موسى أوّلهم: هذا ما شهد عليه الشهود أبو بردة بن أبي موسى لله ربّ العالمين، شهد أنّ حجر بن عديّ خلع الطاعة وفارق الجماعة، ولعن الخليفة، ودعا إلى الحرب والفتنة، وجمع إليه جموعا يدعوهم إلى نكث البيعة، وخلع أمير المؤمنين معاوية، فكفر بالله كفرة صلعاء، وأتى معصية شنعاء، فقال زياد: اشهدوا على مثل شهادته فشهد اسحاق بن طلحة، وموسى بن طلحة، وإسماعيل بن طلحة بن عبيد الله، وعمارة بن عقبة بن أبي معيط، وخالد بن عرفطة، والمنذر بن الزبير بن العوّام، وعبد الرحمن بن هبّار، وعمر بن سعد بن أبي وقّاص، وعامر بن أميّة بن خلف الجمحي، ومحرز بن حارثة بن ربيعة بن عبد العزّى بن عبد شمس، وعبد الله بن مسلم الحضرمي، وعفاق بن شرحبيل بن أبي رهم التيمي من ربيعة، ووائل بنحجر الحضرمي، وكثير بن شهاب بن الحصين الحارثي، وقطن بن عبد الله الحارثي، والسريّ بن وقّاص الحارثي، وهانئ بن أبي حيّة الوادعيّ، وكريب بن سلمة بن يزيد، وعمرو بن حريث المخزومي، وأسماء بن خارجة الفزاري، ومحمّد بن عمير بن عطارد التميمي، ويزيد بن رويم الشيباني، وشبث بن ربعي التميمي، وعتّاب بن ورقاء الرياحي، ومحمد بن الأشعث الكندي، وعمرو بن الحجّاج الزبيدي، والعريان بن الهيثم النخعي. وقال المدائني: شهدوا أنّ حجرا وأصحابه شتموا عثمان ومعاوية وبرئوا منهما، فقال: ما هذه بقاطعة، فقام أبو بردة فشهد أنّهم خلعوا الخليفة، وفارقوا الجماعة، ودعوا إلى الحرب، وكفروا بالله؛ وشهد رؤساء الأرباع على مثل شهادته، وكان على ربع المدينة عمرو بن حريث، وعلى ربع تميم وهمدان خالد بن عرفطة العذري حليف بني زهرة، وعلى ربع كندة وربيعة قيس بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة المخزومي، وعلى ربع مذحج أبو بردة، فقام عفاق فقال: أنا أشهد على مثل شهادته، فقال زياد: معروف بالنصيحة، اكتبوا شهادته بعد مضر. وشهد عليه لبيد بن عطارد، وسويد بن عبد الرحمن، وشمر بن ذي الجوشن، وعبد الله بن أبي عقيل الثقفي، ومحفّز بن ثعلبة من عائذة قريش الشيباني، ومن ربيعة قعقاع بن شور، وحجّار بن أبجر العجلي، وشهد أيضا زحر بن قيس الجعفيّ، وقدامة بن عجلان الأزدي، وعزرة بن قيس الأحمسي، وشريح بن هانئ، وهرب المختار بن أبي عبيد، وعروة بن المغيرة بن شعبة من أن يشهدا.وقوم يقولون: ان مصقلة بن هبيرة كان من الشهود، وقوم يقولون: انّ مصقلة هلك بطبرستان في أيّام المغيرة، وقال بعضهم: شهد بسطام بن مصقلة. وقال الكلبي: كان من الشهود الهيثم بن الأسود، وشدّاد والحارث ابنا الأزمع الهمداني، وسماك بن مخرمة الأسدي. ويقال: إن [زياد (¬١)] دعا إلى الشهادة من أمسك عن الشهادة أو غاب فكتب زياد بشهادتهم، وكتب زياد شهادة شريح بن الحارث الكندي القاضي وهو غائب، فلمّا بلغه ذلك كتب إلى معاوية: إنّي نبّئت انّ زيادا كتب إليك كتابا في منزله ستره عن العامّة أكّد فيه شهادات قوم على حجر أخي كندة وسمّاني فيهم، ألا وإنّ شهادتي على حجر أنّه رجل مسلم عفيف يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم شهر رمضان ويديم الحجّ والعمرة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، حرام الدم والمال، وإن له لغناء في الإسلام، وقد رفعتها إليك فتقلّد معها ما أنت مختار لنفسك، والسّلام. فقال معاوية حين قرأ كتاب شريح: أمّا هذا فقد أخرج نفسه من الشهادة. وكان فيمن شهد على حجر شدّاد بن المنذر أخو حضين بن المنذر لأبيه، وكانت أمّه نبطّية من بارق، وهو موضع بطريق الكوفة، واسمها بزعة وكانت تصغر فيقال بزيعة، ولم يكن ينسب إلاّ إليها، فلمّا مرّ اسمه بزياد فرأى: وشهد شدّاد بن بزيعة قال: أما لهذا أب ينسب إليه؟ فقالوا: هذا أخو حضين بن المنذر الرقاشي فقال: اطرحوا اسمه، فقال شدّاد: ويلي على ابن الزانية وهل يعرف إلاّ بسميّة الزانية.وحمل زياد حجرا وأصحابه إلى معاوية في السلاسل على جمال اكتراها لهم صعابا، ووجّه معهم شبث بن ربعي الرياحي، ووائل بن حجر الحضرمي، ومصقلة بن هبيرة الشيباني - ويقال ابنه وذلك أثبت - وكثير بن شهاب الحارثي، وكتب إليه: قد بعثت إليك بحجر ووجوه أصحابه؛ فلمّا نفذوا قال عبيد الله بن الحرّ الجعفي: ألا أجد خمسين فارسا ألا عشرين ألا خمسة نفر يتبعوني فأتخلّصهم؟! فلم يجبه أحد، ومضى بهم إلى الشام، فلم يدخلوا على معاوية، وأمر أن يحبسوا في مرج عذراء، فحبسوا هناك. وكتب معاوية إلى زياد: إنّي متوقّف في أمرهم. وتوقّف معاوية في أمرهم، فمرة يرى قتلهم ومرّة يرى الصفح عنهم، فكتب إليه زياد: قد عجبت من اشتباه الأمر عليك في حجر وأصحابه، وقد حضرت أمرهم، وشهد خيار أهل المصر بما شهدوا به عليهم، فإن كانت لك في المصر حاجة فلا تردّن حجرا وأصحابه. فلمّا قرأ معاوية الكتاب في جواب ما كتب به إلى زياد قال: ما ترون يا أهل الشام؟ فقال عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفي، وهو ابن أمّ الحكم أخت معاوية: جذادها جذادها (¬١)، فقال معاوية: لا يغني أمرا، وقال يزيد بن أسد البجلي: أرى أن تفرّقهم في قرى الشام فيكفيكهم طواعينها، وقال له سعيد بن العاص: فرّقهم في قبائلهم بالشام يكفل كلّ قوم صاحبهم، ولعلّ طواعين الشام تكفيك أمرهم. فكلّم معاوية في وقاء بن سميّ وعاصم بن عوف، وكتب فيهما جرير بن عبد الله البجلي، فشفّعه معاوية ووهبهما له، وكلّمه أبو الأعور السلمي فيعتبة بن الأخنس فوهبه له، وكلّمه حمزة بن مالك الهمداني في سعيد بن نمران فوهبه له، وكلّمه حبيب بن مسلمة الفهري في ابن حويّة فخلّى سبيله، وكلم في الأرقم فخلّى سبيله، وكلّمه مالك بن هبيرة السكوني في حجر فلم يجبه، وقال: هذا رأس القوم، وهو أنغل المصر وأفسده، ولئن وهبته لك اليوم لتحتاجنّ أن تقاتله غدا، فقال: والله ما أنصفتني، قاتلت معك ابن عمّك حتّى ظفرت، ثمّ سألتك ابن عمّي فسطرت عليّ من القول ما لا أنتفع به، ثمّ انصرف فجلس في بيته. وبعث معاوية إلى من بقي منهم بأكفان وحنوط مع رجل من أهل الشام ليرعبهم بذلك، وأمره أن يدعوهم إلى البراءة من علي وإظهار لعنه، ويعد من فعل ذلك أن يتركه، فإن لم يفعل قتل، فإنّ دماءهم حلال لشهادة أهل مصرهم عليهم، فقالوا: اللهمّ فإنّا لا نفعل ذلك، ثم أمر بقبورهم فحفرت وأدنيت أكفانهم، فقاموا الليل يصلّون، فلمّا أصبحوا عرض عليهم مثل الذي عرض فأبوه، وبعث إليهم معاوية هدبة الأعور بن فيّاض القضاعي والحصين بن عبد الله الكلابي وأبا شريف الفزاري ليقتلوهم، فلمّا رأوهم يصلّون قالوا: ما أحسن صلاتكم!! فما تقولون في أمير المؤمنين عثمان؟ قالوا: جار في الحكم وعمل بغير الحقّ وخالف صاحبيه، فقالوا: أمير المؤمنين أعلم بكم، وما كان الله ليظلمكم ولا يدعكم، وقال الهيثم بن عديّ: هو ابن أبي شريف. وقالوا: لمّا رأى حجر الأكفان قال: تكفوننا كأنّا مسلمون، وتقتلوننا كأنّا كافرون. وكان هدبة أعور فلما رآه كريم بن عفيف الخثعمي قال: يقتل نصفكم وينجو نصفكم، فقال ابن نمران: اللهم اجعلني ممّن ينجو وأنتعنّي راض، وقال عبد الرحمن بن حيّان العنزي: اللهم اجعلني ممّن يكرم بهوانهم وأنت عنّي راض، فعزلوا الثمانية، وعرضوا على الباقين البراءة من عليّ رضي الله تعالى عنه، فقال كريم بن عفيف وعبد الرحمن بن حيّان: انطلقوا بنا إلى معاوية فنحن نقول بقوله، فعزلوهما وأبى الآخرون. قالوا: وأخذ كلّ رجل رجلا فقتله، وسألهم حجر أن يصلّي ركعتين فأذنوا له في ذلك، فصلّى وقصرّ ثمّ قال: والله ما صلّيت قطّ أقصر منها لأنّي خفت أن تظّنوا بي أنّي أطلت صلاتي جزعا من القتل، فقتله الأعور بن فيّاض بالسيف، ويقال: ذبحه ذبحا، وجيء بكريم بن عفيف الخثعمي وعبد الرحمن بن حيّان الى معاوية، فأما الخثعمي فقال له: ما تقول في عليّ؟ قال: مثل مقالتك أنا أبرأ من دين عليّ الذي يدين به فحبسه شهرا ليستبرئ أمره، فكلّمه فيه شمر بن عبد الله الخثعمي فخلّى سبيله على أن لا يدخل الكوفة، فأتى الموصل فأقام بها ومات قبل معاوية بشهر، وأمّا ابن حيّان فقال له: ما تقول في عليّ، قال: كان من الذاكرين كثيرا والآمرين بالحقّ سرا وجهرا، فلا تسألني عن غير هذا! فهو خير لك، فبعث به إلى زياد وكتب إليه أن اقتله شرّ قتلة، فبعث إلى قسّ الناطف (¬١) فدفن حيّا. وقال الهيثم بن عديّ: حمل هدبة بن فيّاض الأعور على حجر بالسيف فاتّقاه، فقال: ألم تزعم أنّك لا تجزع من الموت؟ فقال: وما يمنعني وأنا أرى سيفا مشهورا وكفنا منشورا وقبرا محفورا، ولا أدري على ما أقدم؛ فقتلوا وكفنوا ودفنوا.وقال الهيثم: قال عوانة: قال حجر: الله بيننا وبين أمّتنا، أمّا أهل العراق فشهدوا علينا، وأمّا أهل الشام فقتلونا، والله لقد فتحت هذا الموضع وإنّي لأرجو أن أكون شهيدا فيه؛ وهو كان فتح مرج عذراء. قال: ولمّا صلّى ركعتين فقصرهما فقال: والله لئن كانت صلاتي فيما مضى لم تنفعني ما هاتان الركعتان بنافعتي. وقال المدائني: أخذ زياد بعد مضيّ حجر رجلين: عتبة بن الأخنس من بني سعد بن بكر، وسعيد بن نمران الهمذاني، فبعث بهما مع يزيد بن حجيّة التيميّ وعامر بن الأسود العجلي. حدثني عبد الله بن صالح العجلي عن ابن عوانة عن أبيه قال: دعا معاوية عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث الزهري فقال: اذهب فاقتل حجرا وأصحابه، فقال: أما وجدت رجلا أجهل بالله وأعمى عن أمره منّي؟! فدعا هدبة بن الفيّاض الأعور فأعطاه سيفا، وسرّح معه عدّة، وأمره أن يعرضهم على البراءة من عليّ، فإن فعلوا وإلاّ قتلهم، وبعث معه بأكفان وأمر أن يقبروا، فعرض عليهم ما أمر به معاوية، فلم يجيبوا، فقتلوا وذبح حجر ذبحا، وبلغ ذلك أمّه فشهقت وماتت. وقال عليّ بن الغدير: لو كان حجر من بجيلة لم ينل … هناك ولم يقرع بأبيض صارم يزيدهم أنجى أساراه بعد ما … جرى قتلهم ذبحا كذبح البهائم يعني يزيد بن أسد بن كرز البجلي جدّ خالد بن عبد الله بن يزيد القسري، لأنّه تكلّم في من كان من بجيلة فوهبوا له، وهم ثلاثة.وحدّثت عن غياث بن إبراهيم قال: بعث معاوية ابن خريم المرّي جدّ أبي الهيذام ليقتلهم، فلمّا صار إليهم قال: ما أنتم؟ قالوا: مسلمون، فقال: على معاوية لعنة الله يأمرني بقتل المسلمين!! ثمّ انصرف، ثمّ بعث عبد الله بن يزيد أبا خالد بن عبد الله فقتلهم، وذلك غير ثبت. حدثني روح بن عبد المؤمن عن سعيد بن عامر عن هشام بن حسّان عن ابن سيرين قال: لمّا أتي معاوية بحجر قال: السّلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله، قال: أو أمير المؤمنين أنا؟! اضربا عنقه، قال: دعوني أصلّ فصلّى ركعتين خفيفتين ثمّ قال: لولا أن يظّنوا أنّ الذي بي غيره، يعني من خوف الموت، لأطلتهما، فلعمري لئن كانت صلاتي لا تنفعني فيما مضى لا تنفعني الآن، ثمّ قال لأهله: لا تطلقوا عنّي حديدا، ولا تغسلوا عنّي دما، فإنّي لاق معاوية عند أعلى الجادّة، فكان ابن سيرين إذا سئل عن غسل الشهيد حدّث بهذا الحديث. والمجتمع عليه أنّه لم يدخل على معاوية. وقال الهيثم بن عديّ: كان الذي كفن حجرا وأصحابة هدبة من بني سلامان إخوة عذرة. وقال المدائني: ومضى هدبة ومعه كريم بن عفيف فنظر إلى قبر حجر فقال: كفى بثواء القبر بعدا لهالك … وبالموت قطّاعا لحبل القرائن لا يبعدنك الله يا حجر.وقال هشام بن عمّار سمعت مشايخنا يتحدّثون أنّه قيل لحجر بن الأدبر: مدّ عنقك، قال: إنّه لدم ما كنت لأعين عليه، فأقيم وضربت عنقه، رحمه الله تعالى. حدثني عمر بن شبّة عن سعيد بن عامر عن هشام بن حسّان عن ابن سيرين قال: لما أتي معاوية بحجر قال: السّلام عليك أمير المؤمنين ورحمة الله، قال: وأنا عندك أمير المؤمنين؟! اضربا عنقه. قالوا: وجمع مالك بن هبيرة جموعا وغضب لقتل حجر، وأنه لم يجب إلى إطلاقه، فبعث إليه معاوية بمائة ألف وداراه حتّى رضي، فقال عليّ بن الغدير في ذلك: تداركتم أمر الهبيريّ بعد ما … سما للّتيّا والتّي كنت تحذر فأضحى الهمام عاقدا ثم راية … بحمص تناجيه السّكون وحمير يدارسهم آي الكتاب وقلبه … شج بمصاب أهل عذراء مشعر وحدثني هشام بن عمّار حدثنا اسماعيل بن عيّاش عن شرحبيل بن مسلم قال: لمّا أتي معاوية بحجر بن عديّ وأصحابه حبسهم بمرج عذراء، فأوصى حجر فقال: ادفنوني وما أصاب الأرض من دمي، ولا تطلقوا حديدي، فأنّي سألقى معاوية غدا؛ إنّي والله ما قتلت أحدا، ولا أحدثت حدثا، ولا آويت محدثا. حدثنا عمرو الناقد حدثنا إسماعيل بن إبراهيم يعني ابن عليّة عن ابن عون عن نافع قال: لمّا بلغ ابن عمر قتل حجر بن عديّ وهو محتب حلّ حبوته وقام وقد غلبه النحيب.قالوا: فكان من قتل بعذراء: حجر بن عديّ، شريك بن شدّاد الحضرمي ثم التبّعي، صيفيّ بن فشيل الشيباني، قبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسي، محرز بن شهاب المنقري، كدام بن حيّان العنزي من بني هميم - وكان بعضهم يقول العصري من عبد القيس - عبد الرحمن بن حيّان دفن حيّا بالكوفة. وكان من نجا منهم: كريم بن عفيف الخثعمي، عبد الله بن حويّة السعدي، عاصم بن عوف البجلي، وقاء بن سميّ البجلي، الأرقم بن عبد الله الكندي، عتبة بن الأخنس من بني سعد بن بكر، سعيد بن نمران الهمداني، وصلّي على حجر ومن قتل معه ودفنوا، يرحمهم الله. وقد قيل: أنّ ربعيّ بن حراش كان ممّن حمل مع حجر، فكلّم فيه يزيد بن الحرّ العبسي، فخلّى سبيله. وحدثني أبو مسعود الكوفي عن عوانة قال: مشى هدبة بن فيّاض إلى حجر بالسيف فأرعد فقال: كلاّ، زعمت أنّك لا تجزع من الموت، قال: وإن جزعت فإنّي لا أقول ما يسخط الرب، فقتله وجرّ بقيده. وقالت هند امرأة من كندة في قتل هدبة حجرا: كأن عيني ديمة تقطر … تبكي على حجر وما تفتر لو غضبت للدين أبناؤه … لم يحمل السيف له الأعور حدثني عبّاس بن هشام عن أبيه قال: كان حجر فتح حين غزا المسلمون الشام مرج عذراء، فلمّا أرادوا قتله وهو بها قال: لئن قتلت بها إنّي لأوّل من نبحته كلابها، ومشى في أكنافها، وكبّر في واديها.حدثني العمري عن الهيثم عن أبي جناب قال: لم يبعث معاوية إلى حجر وأصحابه بأكفان، ولكن عشائرهم جاؤوا بأكفان فكفنوهم فيها ودفنوهم. وحدثني أبو فراس الشامي عن هشام بن الكلبي عن أبيه أنّ مسروقا قال: قالت عائشة حين قتل حجر: لو علم معاوية أنّ عند أهل الكوفة منعة وغيرا ما اجترأ على قتل حجر وأصحابه، ولكنّ ابن آكلة الأكباد علم أنّ الناس قد ذهبوا، لله درّ لبيد حين يقول: ذهب الذين يعاش في أكنافهم … وبقيت في خلف كجلد الأجرب (¬١) قالوا: وبعث معاوية رجلا وقال له: امض حتى تجلس إلى الحسين وتنعي حجرا، وانظر ما يقول، فقال له الرجل: إن معاوية قتل حجرا [وأصحابه] قال: ثم صنع ماذا؟ قال: كفنهم ودفنهم، فقال: خصموه ورب الكعبة، ثم ترحم على حجر. قالوا: وبعثت عائشة عبد الرحمن بن الحارث بن هشام إلى معاوية ليسأله الصفح عن حجر وأصحابه، فوجده قد قتلهم، فقال له: أقتلت حجرا! فقال: إنّه خلع يدا من الطاعة وفارق الجماعة وفعل وفعل، فقال له: وأين كان حلمك وأحلام بني حرب عنك؟ قال: غابت عنّي حين غاب عني مثلك من حلماء قومي. حدّثنا أبو عبد الرحمن الجعفيّ مشكدانة عن عبد الله بن المبارك عن عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن أبي مليكة أنّ معاوية لما حجّ أتى باب عائشةرحمها الله يستأذن فلم تأذن له، فلم يزل بها ذكوان غلامها حتّى أذنت له، فذكرت أمر حجر فقال: خشيت فتنة فكان قتله خيرا من حرب تهراق فيها الدماء وتستحلّ المحارم، فدعيني يفعل الله بي ما يشاء، فقالت: ندعك والله، ندعك والله. حدثني عمرو بن محمّد حدثنا عفّان حدثنا حمّاد بن سلمة أنبأنا عليّ بن زيد قال: سمعت سعيد بن المسيّب يقول: دخل معاوية على عائشة فقالت: ويحك فعلت وفعلت، وقتلت بعد ذلك حجرا وأصحابه، أما خفت أن أقعد لك رجلا يقتلك؟ قال: [ما] كنت لتفعلي فأنا في بيت أمان، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قيّد الإسلام القتل» (¬١)؛ كيف أنا في حوائجك وما بيني وبينك؟ قالت: صلح، قال: فدعينا وإيّاهم حتّى نلقى ربّنا. حدثني شيبان بن فرّوخ عن عثمان البرّي قال: كان الحسن إذا ذكر معاوية قال: ويل معاوية من حجر وأصحاب حجر، يا ويله. المدائني قال: لمّا بلغ عائشة أخذ حجر وحمل زياد إيّاه وجّهت إلى معاوية عبد الرحمن بن الحارث بن هشام في أمره، فقدم عليه وقد قتله وأصحابه، فقال له: أين كان حلمك وحلم أبي سفيان؟ فقال: غاب عنّي مثلك من حلّماء قومي، وحملني ابن سميّة فاحتملت. حدثني بكر بن الهيثم عن عبد الرزّاق عن معمر عن الكلبي وقتادة قالا: قالت عائشة رضي الله تعالى عنها، وقد دخل عليها معاوية حين حجّ: ويحك أقتلت حجرا وأصحابه بكتاب زياد؟! فقال: إنّي لم أقتلهم، إنّما قتلهمالذين شهدوا عليهم، فقالت: ويحك أفلا تثّبتّ، فما كان يؤمنك أن أكمن لك رجلا يقتلك بمن قتلت من الصالحين؟ قال: إنّما دخلت بيت الأمن والأمان وقد قيّد الإسلام القتل. ثمّ لم يعد إليها. حدثنا سعدويه عن هشيم عن عوّام بن حوشب قال: حدّثنا عن عائشة أنّها قالت: لولا أنّا لم ننو لامر الا غلبنا عليه سفهاؤنا لكان لي ولمعاوية في قتل حجر وأصحابه حال. حدثني عمر بن شبّة حدثنا أبو عاصم النبيل عن ابن عون عن عمّه قال: بلغ أمّ المؤمنين أنّ معاوية قتل حجرا، فجاء يستأذن عليها فمنعته، فلم يزل حتّى دخل، فقالت: أنت صاحب حجر؟! فقال: لم يكن عندي من يمنعني. قال ابن عون: وأنبأنا نافع قال: بلغ ابن عمر قتله وإنّه لمحتب في السوق، فأطلق حبوته ومضى، فسمعت نحيبه. وحدثني بكر بن الهيثم حدثني عبد الله بن صالح عن ابن لهيعة عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال أنّ عائشة قالت لمعاوية، ودخل عليها بالمدينة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يقتل بعذراء سبعة نفر يغضب الله وأهل السماء من قتلهم». وحدثني بكر عن عبد الله بن صالح عن ابن لهيعة عن أبي قبيل قال: لمّا قتل حجر بن الأدبر وأصحابه، ومعاوية بن حديج بإفريقية، بلغه قتله فقام في أصحابه فقال: يا اشقّائي في الرحم، وأصحابي في السفر، وجيرتي في الحضر، نقاتل لقريش في الملك حتى إذا استقام لهم قتلونا.المدائني عن مسلمة وغيره أنّ معاوية لمّا احتضر جعلوا يقلّبونه فيقول: أيّ جسد يقلّبون إن نجا من ابن عديّ. وحدثني الحسين بن عليّ بن الأسود عن أبي بكر بن عيّاش عن أبي حصين قال: دخل عبد الله [بن خالد] بن أسيد على معاوية في مرضه الذي مات فيه، فرأى منه جزعا فقال: ما جزعك يا أمير المؤمنين؟ إن متّ دخلت الجنّة، وإن حييت فقد علم الله حاجة الناس إليك، فقال: رحم الله أباك إن كان لنا لناصحا، نهاني عن قتل ابن الأدبر وأصحابه. المدائني قال: كتب معاوية إلى زياد: أنّه قد تلجلج في صدري شيء من أمر حجر، فابعث إليّ رجلا من أهل المصر له فضل ودين وعلم، فأشخص إليه عبد الرحمن بن أبي ليلى وأوصاه أن لا يقبّح له رأيه في أمر حجر، وتوعّده بالقتل إن فعل، قال ابن أبي ليلى: فلمّا دخلت عليه رحّب بي وقال: اخلع ثياب سفرك والبس ثياب حضرك، ففعلت وأتيته، فقال: أما والله لوددت أنّي لم أكن قتلت حجرا، ووددت أنّي كنت حبسته وأصحابه أو فرقتهم في كور الشام فكفتنيهم الطواعين، أو مننت بهم على عشائرهم. فقلت: وودت والله أنّك فعلت واحدة من هذه الخلال، فوصلني فرجعت وما شيء أبغض إليّ من لقاء زياد، وأجمعت على الاستخفاء، فلمّا قدمت الكوفة صلّيت في بعض المساجد، فلمّا انفتل الإمام إذا رجل يذكر موت زياد، فما سررت بشيء سروري بموته. وحدّثت عن عثمان بن مقسم البرّي عن الحسن، وكان مع الربيع بن زياد بناحية خراسان، قال: قال الربيع لمّا بلغه قتل حجر وأصحابه: ألا إنّ الفتنة قد كانت تكون ولم يكن قتل الصّبر، وقد قتل حجر وأصحابه صبرا،فهل من ثائر، هل من معين، هل من منكر؟! قال ذلك مرارا، فلم يجبه أحد، فقال: أما إذ أبيتم فستبتلون بالقتل صبرا على الظلم. وروي أنّ الحسن بن الربيع قال: ربّ إنّ حجرا قتل صبرا، فإن كنت مغيّرا ذلك وإلا فاقبضني إليك، فمات من ليلته. قالوا: وفرق معاوية من صفح عنه من أصحاب حجر فلم ينزل اثنان بكورة واحدة. وقال عوانة: فقالت عائشة لمعاوية، وقد حجّ فدخل إليها: أقتلت حجرا وأصحابه؟! فقال: أنا قتلتهم؟! إنّما قتلهم من شهد عليهم. حدثني محمّد بن سعد عن الواقدي عن محمّد بن بجاد عن عائشة بنت سعد ابن أبي وقّاص قالت: لمّا قتل معاوية حجر بن عديّ قال أبي: لو رأى معاوية ما كان من حجر يوم عبر قنطرة حلوان لعرف أنّ له غناء عظيما عن الإسلام. وقال هشام بن محمّد عن أبيه: إنّ حجر بن عديّ الأدبر بن جبلة جاهلي إسلامي، وإنّما طعن عديّ أبو حجر في دبره فسمّي الأدبر، وإنّ حجرا وفد على النبي ﷺ هو وأخوه هانئ بن عديّ، وكان في ألفين وخمسمائة من أهل العطاء، فشهد القادسيّة، وافتتح مرج عذراء بالشام وبها قتله معاوية، وقد كان شهد مع عليّ الجمل وصفّين ويكنّى أبا عبد الرحمن. قالوا: قالت امرأة من كندة يقال لها هند، وقال الهيثم: هي هند بنت مخربة أنصاريّة، رضي الله تعالى عنها:ألا يا (¬١) … أيّها القمر المنير تأمّل هل ترى حجرا يسير يسير إلى معاوية بن صخر … ليقتله كذا زعم الأمير أخاف عليك أسباب المنايا … وشيخا في دمشق له زئير يرى قتل الخيار عليه حقّا … له من شرّ أمّته وزير ألا يا ليت حجرا مات موتا … ولم ينحر كما نحر الجزور تطاولت الجبابر بعد حجر … وطاب لها الخورنق والسدير قالوا: وعوتب الهيثم بن الأسود النخعي على شهادته على حجر، وكان ممّن عاتبه عمير أبو العمرّطة ورجل يقال له عمرو بن أبي فروة، فقال: ألا من عذيري من عمير ومن عمرو … يلومانني أن مال دهر على حجر وهل لي ذنب أن زياد أراده … وأصحابه يوما بقاصمة الظهر وقد حدّث الأقوام مينا بأنّني … دلفت له عمدا بداهية هتر فهلا إذا إن كنت حرّا منعته … وطاعنت عنه بالمثقّفة السمر في أبيات: وقال الشاعر يحرّض بني هند من بني شيبان: دعا ابن فشيل يال مرّة دعوة … وولّى ذباب السيف كفّا ومعصما لتبك بني هند قتيلة مثل ما … بكت عرس صيفيّ وتبعث مأتما وقال عبد الله بن خليفة يرثي حجرا بقصيدة طويلة، يقول فيها: فيا حجر من للخيل تدمى نحورها … وللملك الغاوي إذا ما تغشمراوقال قيس بن قهدان الكندي: طافت جمان بأرحل السفر … وسرت إليك ولم تكن تسري وهي طويلة يقول فيها: يا حجر يا ذا الخير والحجر … يا ذا النوال ونابه الذكر وقال أبو مخنف: قالت امرأة معاوية، ورأته قد أطال الصلاة: ما أحسن صلاتك يا أمير المؤمنين، لولا أنّك قتلت حجرا وأصحابه، فقال: أنّهم فعلوا وفعلوا. قال: وأحسن معاوية صلات القوم القادمين بحجر، وولّى مصقلة طبرستان. وقوم يزعمون أنّ مصقلة لم يشهد على حجر، وهلك قبل ولاية زياد. وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي وأبو خيثمة قالا: حدثنا وهب بن جرير بن حازم عن أبيه حدثنا محمّد بن الزبير الحنظلي عن فيل مولى زياد قال: لمّا قدم زياد الكوفة أميرا أكرم حجر بن الأدبر وأدناه وشفّعه، فلمّا أراد الانحدار إلى البصرة دعاه فقال له: يا حجر انّك قد رأيت ما صنعت بك، وإنّي أريد البصرة فاحبّ أن تشخص معي، فإنّي أكره أن تتخلّف بعدي، فعسى أن أبلغ عنك شيئا فيقع في نفسي، وإذا كنت معي لم يقع في نفسي منك شيء، فقد علمت رأيك في عليّ بن أبي طالب، وقد كان رأيي فيه قبلك على مثل ذلك، فلمّا رأيت الله صرف الأمر عنه إلى معاوية لم اتّهم قضاء الله ورضيت به، وقد رأيت إلى ما صار أمر عليّ وأصحابه، وإنّي أحذرك أن تركب أعجاز أمور هلك من ركب صدورها؛ فقال له حجر: إنّي مريض ولا أستطيع الشخوص، قال: صدقت والله إنك لمريض الدين والقلب مريض العقل،وأيم الله لئن بلغني عنك شيء أكرهه لأحرصن على قتلك، فانظر أو دع، فخرج زياد فلحق بالبصرة، واجتمع إلى حجر قرّاء أهل الكوفة، فجعل لا ينفذ لعامل زياد معهم أمر، ولا يريد شيئا إلا منعوه إيّاه، فكتب إلى زياد: إنّي والله ما أنا في شيء مع حجر وأصحابه، وأنت أعلم، فركب زياد بغاله حتّى اقتحم الكوفة، فلمّا قدمها تغيّب حجر، فجعل يطلبه فلا يقدر عليه، فبينا زياد جالس يوما وأصحاب الكراسيّ حوله فيهم محمّد بن الأشعث بن قيس إذ أتى ابن الأشعث ابنه فناجاه وأخبره أنّ حجرا قد لجأ إلى منزله، فقال له زياد: ما قال ابنك؟ قال: لا شيء، قال: والله لتخبرنّي ما قال لك حتّى أعلم أنّك قد صدقتني، أو لا تبرح مجلسك حتّى أقتلك، فلمّا عرف ابن الأشعث رأيه أخبره، فقال لرجل من أشراف أهل الكوفة: قم فاتني به، قال: أعفني أصلحك الله من ذلك وابعث غيري، فقال: لعنة الله عليك مخبث خبيث، والله لتأتينّي به أو لأقتلنّك، فخرج الرجل فدخل عليه حتّى أخبره وقال له: ابعث إلى جرير بن عبد الله ليكلّمه فيك، فإنّي أخاف أن يعجل عليك، فدخل جرير على زياد فكلّمه فيه، فقال: هو آمن أن أقتله، ولكنّي أخرجه إلى معاوية فجاء به على ذلك، فأخرجه من الكوفة ورهطا معه، وكتب إلى معاوية أن أغن عنّي حجرا إن كان لك بما قبلي حاجة، فبعث معاوية إليه فتلقي بالعذراء فقتل هو وأصحابه. وولي زياد العراق ومات سنة ثلاث وخمسين (¬١).