page 1924, entry [372]Open original source
أمر أبي بلال مرداس بن أدية: قالوا: كان أبو بلال مرداس بن أدية، وهي أمّه، وأبوه حدير بن عمرو بن عبيد بن كعب، أحد بني ربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وأمّه من محارب بن خصفة، وكان عابدا مجتهدا عظيم القدرفي الخوارج، وشهد مع عليّ صفّين فأنكر التحكيم، وشهد مع الخوارج النّهروان، وكانت الخوارج كلّها تتولاّه، وسمع زيادا يقول: لآخذنّ البريء بالسقيم والجار بالجار، فقال: يا زياد إنّ الله يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ (¬١) فحكم الله خير من حكمك، فقال زياد: إنّا لا نصل إلى ما نريد إلاّ ببعض الإغماض. وكان غيلان بن خرشة ذكر الخوارج فعابهم، فقال له مرداس: ما يؤمنك يا غيلان أن يلقاك بعض من عبت وتنقّصت فيندر أكثرك شعرا، فقال له: أذكرك الله يا أبا بلال والله لا أذكرهم بسوء أبدا. ورأى مرّة ابن عامر وعليه قباء أنكره فقال: هذا لباس الفسّاق، فقال أبو بكرة: لا تقل هذا للسلطان فإن من أبغض السلطان أبغضه الله. وكان أبو بلال لا يدين بالاستعراض، ويحرّم خروج النساء ويقول: لا نقاتل إلاّ من يقاتلنا ولا نجبي إلاّ ما حمينا، وردّ امرأة خرجت معه، وكانت الثبجاء إحدى بنات حرام بن يربوع من تميم تحرّض على عبيد الله بن زياد وتذكر تجبّره وسوء سيرته وفعله، وكانت من مخابيت (¬٢) الخوارج، فذكر ابن زياد الثبجاء، فأعلم غيلان بن خرشة أبا بلال بذلك، فقال لها أبو بلال: إنّ الله قد جعل لأهل الإسلام سعة في التقيّة، فإن شئت فتغّيبي فإن هذا الجبّار المسرف على نفسه قد ذكرك، فقالت: أكره أن يلقى أحد مكروها بسببي إن طلبني، فأخذها ابن زياد فقطع يديها ورجليها، ومرّ أبو بلالفنظر إليها في السوق فعضّ على لحيته وقال: هذه أطيب نفسا بالموت منك يا مرداس، ما من ميتة أموتها أحبّ إليّ من ميتة الثبجاء كل منية سوى منية الثبجاء ظنون. ومرّ أبو بلال ببعير قد هنئ فلمّا رأى القطران غشي عليه ثم أفاق ثم تلا ﴿سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ﴾ (¬١). وألح ابن زياد في طلب الشراة فملأ منهم السجن، وأخذ الناس بسببهم، وحبس أبا بلال، فكان السجان يأذن له في الانصراف إلى منزله بالليل لما رأى من عبادته. وعزم ابن زياد على قتل من في السجن وأخذ الناس بسببهم لوثوب بعضهم على رجل من الحرس وقتله إيّاه، وكان أبو بلال في منزله، فتنكّر حتّى عاد إلى محبسه وقال: ما كنت لأغدر بصاحبي وقد ائتمني؛ وأصبح ابن زياد فدعا بالخوارج فقتل بعضهم وكلّم في بعض. وكان مرداس ممّن كلّم فيه فصفح عنه وخلّى سبيله. وألحّ ابن زياد في طلب الخوارج بعد ذلك وأخافهم، فعزم أبو بلال على الخروج، ودعا قومه فأجابوه وقال في قصيدة له: وقد أظهر الجور الولاة وأجمعوا … على ظلم أهل الحقّ بالغدر والكفر وفيك إلهي إن أردت مغيّر … لكلّ الذي يأتي إلينا بنو صخر وقال لأصحابه: إنّ الإقامة على الرضى [بما يرى] لذنب، وإنّ تجريد السيف وقتل الناس لعظيم، ولكنّا نخرج من بين أظهرهم ولا نهيج أحدا، ونمنع من قدرنا على منعه من الظلم، فإن أرادنا قوم بظلمهم امتنعنا منهم.وأتوا قدامة جدّ سوّار بن عبد الله بن قدامة بن عنزة بن نقب العنبري فقالوا: أما ترى ما نحن فيه من الجور؟ فلو خرجنا على هؤلاء القوم فمنعاهم من الظلم، فقال: أنا معكم منكر لما تنكرون، فإذا جرّدتم السيف فلا أنا ولا أنتم. وقال الحسن البصري لأبي بلال: أخبرني عن رجلين خرجا في أمر فغشيتهما ظلمة، فوقف أحدهما حتّى انجلت الظلمة فمضى، وتقحّم الآخر الظلمة، أيّهما أصوب رأيا؟ قال: أصوبهما عندي أخطأهما عندك. وبايعوا أبا بلال فخرج من البصرة في ثلاثين، فمرّوا بعبد الله بن رباح الأنصاري وكان على الجسر من قبل عبيد الله بن زياد، فخوفهم السلطان فأبوا الرجوع، وأتوا الأهواز فأصابوا بها مالا يحمل إلى ابن زياد، فأخذ منه أبو بلال ما أعطى أصحابه ولم يعرض لما سوى ذلك، وقال للرسل: لا بأس عليكم، وبلغ ابن زياد خبرهم فندب لقتالهم أسلم بن زرعة الكلابي في سنة ستّين، وندب الناس معه، وبلغ الخبر أبا بلال فنزل بآسك فيما بين رامهزمز وأرّجان، وكان معه أربعون رجلا منهم عشرة صاروا معه بعد خروجه من البصرة، وكان مع ابن زرعة عبد الله بن رباح الأنصاري، فقيل لأبي بلال: إنّ فيهم صديقك ابن رباح: فقال: الله المستعان، هم أعوان الظلمة، وقال أصحاب ابن زرعة لأصحاب أبي بلال: اتّقوا الله وارجعوا، فقالوا: تردّوننا إلى ابن زياد الفاسق الذي أخذ دية المسلم أربع مرّات؟! والتقى أسلم وأبو بلال فرمى أصحاب ابن زرعة رجلا من الخوارج فقتلوه، فقال أبو بلال: استعينوا بالله واصبروا ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ﴾﴿يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ (¬١) وقد بدا لكم القوم، فشدّ الخوارج على أسلم وأصحابه شدة رجل واحد، فهزموهم حتّى قدموا البصرة، فغضب ابن زياد على ابن زرعة وقال: هزمك أربعون رجلا وأنت في ألفين؟! ما عندك خير، فقال ابن أسلم: لأن يذمّني ابن زياد وأنا حيّ أحبّ إليّ من أن يمدحني وأنا ميّت، إنّي لقيت ناسا ليسوا كالناس؛ فكان أسلم بن زرعة إذا مرّ صاح الصبيان: يا أسلم، أبو بلال خلفك، حتّى بعث ابن زياد الشّرط فضربوا من صاح به فكفّوا، فقال عيسى الخطّي: أألفا مؤمن فيما زعمتم … ويهزمهم بآسك أربعونا كذبتم ليس ذاك كما زعمتم … ولكنّ الخوارج مؤمنونا هم الفئة القليلة قد علمتم … على الفئة الكثيرة ينصرونا (¬٢) فوجّه إليهم ابن زياد عبّاد بن أخضر المازني - وأخضر زوج أمّه نسب إليه، وكان خلف عليها بعد أبيه - وهو عبّاد بن علقمة بن عبّاد بن جعفّي بن حزابة بن صعير بن خزاعيّ بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم - فسار عبّاد إليهم في أربعة آلاف، فلقيهم بناحية درأبجرد من فارس في يوم جمعة، فدعا أبا بلال وأصحابه إلى طاعة السلطان، فقال أبو بلال: أتدعونا إلى طاعة من يسفك الدماء وينتهك المحارم، والرجوع إلى الفاسق ابن زياد الذي يقتل على الظنّة ويأخذ بالشبهة؟! فقاتلهم حتّى دخل وقت العصر، وكان القعقاع بن عطيّة قدم من خراسان يريد الحجّ، فرآهميقتتلون فقاتل معهم، حتّى إذا علم أنّهم خوارج كرّ على الخوارج حينئذ وقال: غزوتهم وليس عليّ بعث … نشاطا أو أشدّ من النشاط أكرّ على الحروريّين مهري … لأحملهم على وضح الصّراط فقتل، قتله كهمس بن طلق التميمي. وقال أبو بلال: انّكم في يوم عظيم، وهذا آخر أوقات العصر، فوادعونا حتّى نصلّي، فأجابهم ابن أخضر وتحاجزوا، فعجّل عبّاد وأصحابه الصلاة - ويقال قطعها والقوم يصلّون صلاتهم - ثمّ شدّ عبّاد وأصحابه فقتلوهم وهم بين قائم وراكع وساجد، ولم ينثن أحد منهم عن حاله التي كان عليها حتّى أتوا عليهم، وأخذ رأس أبي بلال: بشر بن حجل احد بني تيم اللات وجاء به، وقتل مع أبي بلال خبيبة بن همّام النكري من عبد القيس، فقال عمران بن حطّان السّدوسي في قصيدة له أوّلها: أصبحت من وجل منّي وإيجاس … أشكو كلوم جراح ما لها آسي يا لهف نفسي لمرداس وصحبته … يا ربّ مرداس الحقني بمرداس (¬١) وله شعر كثير، وكان من قعد الخوارج، وكان يبوح برأيه. وقالت أمّ الجرّاح العدوية: وما بعد مرداس وعروة بيننا … وبينكم شيء سوى عطر منشم فلست بناج من يد الله بعد ما … هرقت دماء المسلمين بلا دم (¬٢)وقعد قوم من الخوارج لابن أخضر في يوم جمعة عند مسجد بني كليب بالبصرة، فخرج على بغلة له وابنه ردفه، فظفروا به في موضع يخفى فيه أمره فقتلوه، ومسحوا سيوفهم بفخذه، وحكّموا، ولم يعرضوا لابنه فهرب. وجاء معبد بن علقمة أخو عبّاد فقاتل الخوارج فقتلوا، ولم ينج منهم أحد إلاّ عبيدة بن هلال، فإنّه خرق خصّا وخرج منه فمضى، فلقيه رجل من الشرط يقال له يحيى فتهدّد عبيدة فقال: قولوا ليحى يستعدّ كتيبة … تجالد عن حوبائه حين يحضر فعمّا قليل سوف يلقى حمامه … كمثل الذي لاقاه عبّاد فاحذروا وقال معبد بن علقمة: ولقد قلت لخيلي والقنا … تمتري الحرب سماما منقعا انزلوا صبرا إلى أقرانكم … فاصطلوا الموت على الارض معا انزلوا نظفر بهم في حربنا … أو نمت لم نبد منّا جزعا وقال الشاعر: لقد كان قتل ابني سمير خيانة … كما غال ذؤبان العراق ابن أخضرا ابنا سمير رجلان من بني نهشل. وقال الرهين في قصيدة له طويلة: كزيد ومرداس وعمرو وكهمس … وكابن عقيل في الكتيبة عامر أقاموا بدار الخلد لا يرتجيهم … حميم كما يرجى إياب المسافر وقال الفرزدق يذكر قتل عبّاد في بني كلب: لقد طلب الأوتار غير ذميمة … إذا ذمّ طلاّب الترات الأخاضر أراد لقد طلب الأخاضر غير ذميمة.هم جرّدوا الأسياف يوم أخيضر … فنالوا التي ما فوقها نال ثائر وخاست كليب يوم مات ابن أخضر … وقد شرعت فيه الرماح الشواجر هم شهدوه عاتمين بنصرهم … ونصر المليم عاتم غير حاضر فما لكليب في المكارم أوّل … وما لكليب في المكارم آخر (¬١) وقالت امرأة من بني سليط في أبيات: سقى الله مرداسا وأصحابه الألي … شروا معه غيثا كثير الزماجر فكلّهم قد جاد لله مخلصا … بمهجته عند التقاء العساكر (¬٢) وحدثني أبو خيثمة زهير بن حرب عن وهب بن جرير حدثنا غسّان بن مضر عن سعيد بن يزيد قال: خرج أبو بلال بالبصرة في أربعين فأتوا بعض كور الأهواز فلم يقاتلوا إلاّ من قاتلهم ولم يجّبوا مالا. وقال كعب بن عمير السمني: شرى ابن حدير نفسه الله فاحتوى … جنانا من الفردوس جمّا نعيمها وأسعده قوم كأنّ وجوههم … نجوم دجنّات تجلّت غيومها مضوا بسيوف الهند قدما وبالقنا … على مقربات باديات سهومها (¬٣) في أبيات.